المواسم والمراسم

 
 

الصفحة (48)

وأمّا تحريم التحزّن والتجمّع في يوم عاشوراء(1) فلعلّه أهون بلكم الشرور ، بعد أن كانوا وما زالوا يهاجمون مجالس عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) ، ويقتلون مَن يقدرون عليه من المشاركين فيه ، بل ويحرقون المساجد ويفعلون الأفاعيل في سبيل ذلك(2) .

وأمّا اعتبار عاشوراء عيد فتوضّحه النصوص التالية :

قال علاء زكريا القزويني : ... فزعم بنو اُميّة أنهم اتخذوه عيداً ، فتزيّنوا فيه ، وأقاموا الضيافات . والشيعة اتخذوه يوم عزاء ينوحون فيه ، ويجتنبون الزينة .

وأهل السنّة يزعمون : أنّ الاكتحال في هذا اليوم مانع من الرمد في تلك السنة(3) ، ومَن اغتسل فيه لم يمرض ذلك العام ، ومَن وسّع على عياله وسّع الله عليه سائر سنته(4) .

وقال عن شهر صفر : اليوم الأوّل منه عيد بني اُميّة ، أدخلت فيه رأس الحسين رضي الله عنه بدمشق(5) .

وقال البيروني ، بعد ذكر ما جرى على الإمام الحسين (عليه السّلام) يوم عاشوراء : فأمّا بنو اُميّة ، فقد لبسوا فيه ما تجدّد , وتزيّنوا ، واكتحلوا ، وعيّدوا ، وأقاموا الولائم والضيافات ، وأطعموا الحلاوات والطيّبات ، وجرى الرسم في العامة على ذلك أيّام ملكهم ، وبقي فيهم بعد زواله عنهم .

وأمّا الشيعة فإنهم ينوحون ويبكون ؛ أسفاً لقتل سيّد الشهداء فيه(6) .

ويقول المقريزي : ... فلمّا زالت الدولة اتخذ الملوك من بني أيوب يوم عاشوراء يوم سرور ، يوسّعون فيه على عيالهم ، وينبسطون في المطاعم ، ويتخذون الأواني الجديدة ، ويكتحلون ، ويدخلون الحمام جرياً على عادة أهل الشام التي سنّها الحجاج في أيّام عبد الملك بن مروان ؛ ليرغموا به آناف شيعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، الذين يتخذون يوم عاشوراء يوم عزاء وحزن على الحسين بن علي ؛ لأنه قتل فيه .

قال : وقد أدركنا بقايا مما عمله بنو أيوب ، من اتخاذ عاشوراء يوم سرور وتبسّط (7) .

أمّا ابن حجر الهيثمي والزرندي ، فيقولان في معرض نهيهما عن الندب والنياحة والحزن يوم عاشوراء ، الذي هو من بدع الرافضة ، ونهيهما عن العمل ببدع الناصبة المتعصّبين على أهل البيت ، أو الجهال المقابلين الفاسد بالفاسد ، والبدعة بالبدعة ، والشر بالشر ، من إظهار غاية الفرح واتخاذه

ــــــــــــــــــــــــ

(1) اقتضاء الصراط المستقيم / 299 ـ300 , ونظم درر السمطين / 228 .
(2) راجع المنتظم ، وشذرات الذهب ، والكامل لابن الأثير ، والبداية والنهاية ، وهم يتحدثون عن الفتن في بغداد بين أهل السنّة والرافضة في مطلع كلّ عام بمناسبة عاشوراء .
(3) عجائب المخلوقات ، بهامش حياة الحيوان 1 / 115 , ونظم درر السمطين / 230 .
(4) نظم درر السمطين / 230 .
(5) المصدر السابق .
(6) الكنى والألقاب 1 / 431 ، وراجع الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري 1 / 137 عن الآثار الباقية للبيروني , ط اُوربا / 329 .
(7) الخطط والآثار 1 / 490 ، والحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري 1 / 138 عنه .

الصفحة (49)

عيداً ، وإظهار الزينة فيه ؛ كالخضاب ، والاكتحال ، ولبس جديد الثياب ، وتوسيع النفقات ، وطبخ الأطعمة والحبوب الخارجة عن العادات ، واعتقادهم أنّ ذلك من السنّة والمعتاد(1) .

وحتّى ابن تيمية نجده ينكر هذا الأمر ، فيقول : ... وإظهار الفرح والسرور يوم عاشوراء ، وتوسيع النفقات فيه هو من البدع المحدثة المقابلة للرافضة(2) .

هذا , وقد ورد في زيارة عاشوراء المرويّة عن الإمام الباقر (عليه السّلام) قوله:(( اللّهم إنّ هذا يوم تبرّكت به بنو اُميّة ، وابنُ آكلة الأكباد ))(3) .

 التزلّف الوقح

وأضاف ابن تيمية إلى عبارته آنفة الذكر قوله : ... وقد وضعت في ذلك أحاديث مكذوبة في فضائل ما يصنع فيه ، من الاغتسال والاكتحال ... إلخ(4) .

وقال : ... وأحدث فيه بعض الناس أشياء مستندة إلى أحاديث موضوعة لا أصل لها ، مثل الاغتسال فيه ، أو التكحّل ، أو المصافحة . وهذه الأشياء ونحوها من الاُمور المبتدعة ، كلها مكروهة ، وإنما المستحب صومه .

ونقول : قد عرفت أنّ صومه مكذوب أيضاً .

وقد روي في التوسّع فيه على العيال آثار معروفة ، أعلى ما فيها حديث إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن أبيه ، قال : بلغني أنه مَن وسّع على أهله يوم عاشوراء وسّع الله عليه سائر سنته . رواه ابن عيينة .

وهذا بلاغ منقطع لا يعرف قائله . والأشبه أنّ هذا وضع لمّا ظهرت العصبية بين الناصبة والرافضة ؛ فإن هؤلاء أعدّوا يوم عاشوراء مأتم ، فوضع أولئك فيه آثاراً تقتضي التوسّع فيه ، واتخاذه عيداً(5) .

بل لقد بلغ بهم الأمر أن رووا في تفسير آية : ( مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ ) ، عن ابن عباس : يوم الزينة يوم عاشوراء(6) .

وعن ابن عمر ، عنه (صلّى الله عليه وآله) : (( مَن صام يوم الزينة أدرك ما فاته من صيام تلك السنة ، ومَن تصدّق يومئذ بصدقة أدرك ما فاته من صدقة تلك السنة )) . يعني يوم عاشوراء(7) .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) الصواعق المحرقة / 181 ـ 182 ، ونظم درر السمطين / 228 ـ 229 ـ 230 .
(2) اقتضاء الصراط المستقيم / 301 .
(3) مصابيح الجنان / 291 .
(4) اقتضاء الصراط المستقيم / 301 ، وراجع نظم درر السمطين / 230.
(5) اقتضاء الصراط المستقيم / 300 ، وللاطلاع على بعض هذه الأحاديث راجع نوادر الاُصول / 246 ، والسيرة الحلبيّة 2 / 134 ، واللآلئ المصنوعة 1 / 108 ـ 116 ، وتذكرة الموضوعات / 118 ، ونظم درر السمطين / 230 .
(6) الدر المنثور 4 / 303 ، عن سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وراجع عجائب المخلوقات ، بهامش حياة الحيوان 1 / 114 .
(7) الدر المنثور 4 / 303 عن ابن المنذر .

الصفحة (50)

بل تقدم أنّ أهل السنّة يزعمون : أنّ الاكتحال في هذا اليوم مانع من الرمد في تلك السنة(1) .

أمّا ابن الحاج فذكر : أنه يستحب يوم عاشوراء التوسعة فيه على الأهل والأقارب ، واليتامى والمساكين ، وزيادة النفقة والصدقة مندوب إليه ، بحيث لا يجهل ذلك(2) .

وبعد أن ذكر أشياء تفعل في هذا اليوم لم تعرف عن السلف ، كذبح الدجاج وطبخ الحبوب ، وزيارة القبور ، ويدخل النساء الجامع العتيق بمصر ، وهنّ في حال الزينة الحسنة ، والتحلّي والتبرّج للرجال ، وكشف بعض أبدانهن ، ويقمن فيه من أوّل النهار إلى الزوال .... إلى أن قال : ومن البدع التي أحدثها النساء فيه استعمال الحناء على كلّ حال ، فمَن لم يفعلها منهن فكأنها ما قامت في عاشوراء .

ومن البدع أيضاً محرهن فيه الكتان ، وتسريحه وغزله ، وتبيضه في ذلك اليوم بعينه ، ويشلنه ليخطنّ به الكفن. ويزعمن أنّ منكراً ونكيراً لا يأتيان مَن كفنها مخيط بذلك الغزل . . . إلى أن قال : وممّا أحدثوه فيه من البدع : البخور ، فمَن لم يشتره منهم في ذلك اليوم ويتبخّر به فكأنه ارتكب أمراً عظيماً ، وكونه سنّة عندهنّ لا بدّ من فعلها ، وادخارهنّ له طول السنة يتبركن به ، ويتبخرن إلى أن يأتي مثله يوم عاشوراء الثاني .

ويزعمون أنّه إذا بخّر به المسجون خرج من سجنه ، وأنه يبرئ من العين ، والنظرة ، والمصاب ، والموعوك ... إلخ(3) . ثمّ يذكر ما يفعلونه في أوّل رجب وأوّل جمعة ، وليلة المعراج ، والنصف من شعبان ، فليراجعه مَن أراد.

 التهافت في كلام ابن الحاج

وأخيراً … فبينما نرى ابن الحاج يشنّ حملة شعواء على عمل المولد النبوي ، على اعتبار أنه بنفسه بدعة لا رخصة فيها في الشارع ، فضلاً عمّا يصاحبه من اُمور محرمة أو مرجوحة بنظر الشارع ، نجده يستحسن شعراً لابن السماط يوسف بن علي , المتوفّى سنة 690هـ ، يصرّح فيه بأنه يعتبر يوم المولد النبوي من الأعياد ، حيث يقول :

أعـلـمـتَ أنّك يا ربيعَ iiالأوّلِ = تـاجٌ عـلى هام الزمانِ مكلّلُ
مـسـتعذبُ الإلمام مرتقب اللقا= iكـلّ الـفضائلِ حين تقبلُ تقبلُ
مـا عـدتَ إلاّ كنتَ عيداً ثالثاًi= بل أنت أحلى في العيونِ وأجملُ

ــــــــــــــــــــــــ

(1) عجائب المخلوقات بهامش حياة الحيوان 1 / 115 ، وراجع الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري 1 / 138 ، والصواعق المحرقة / 182 ، ونظم درر السمطين / 230 .
(2) المدخل لابن الحاج 1 / 289 .
(3) المدخل 1 / 291 ، وراجع / 290 .

الصفحة (51)

شـرفـاً بـمولد مصطفى لمّا بداii=أخـفـى الأهلّة وجهُهُ الـمتهللُ
وحويت مَن أصبحت ظرفَ زمانِهِظـرفـاً به في بردِ حُسنكَ ترفلُ
ومـلـكـتَ أنفسها بلطفِ شمائلٍ =بـنـسـيمها نفس العليل تعللُ
وإذا حـدا الحادي بمنزلة الحمىi =iفـالقصدُ سكّان الحمى لا المنزلُ
فـضل الشهورِ علا مفاخرَها فإنفـخرت بأطولِها فأنت الأطولُ

إلى أن قال :

واستكمل البشرى فإنك لم تزلْ=iلـك في القلوب مكانةٌ لا تجهلُ
لِم لا وعشرك واثنتان أرينناقمراً به شمسُ الضحى لا تعدلُ(1)

 الفصل الخامس

الأدلة ... وبعض الشواهد ممّا سبق

فإننا نستطيع أن نستخلص ممّا سبق الاُمور التالية :

أوّلاً : أنّ ما ادّعوا أنّه يصلح دليلاً للمنع عن المواسم والمراسم على اختلافه ، لا يصلح للاستدلال به على ذلك ، من وجوه مختلفة , والفصل السابق كلّه في بيان ذلك ، فلا نعيد .

ثانياً : أنّ الابتكار والابتداع في العادات والتقاليد واُمور المعاش والمعاد يمكن أن يكون حسناً تارة ، وقبيحاً اُخرى ، وقد تعرض له الأحكام الخمسة ؛ تبعاً للعناوين المختلفة التي يمكن أن يتعنون بها حينما تكون تلك العناوين محكومة بأي من تلك الأحكام .

وما نحن فيه من هذا القبيل ؛ فإن جاء به على أنه من الدين فإنه يكون حراماً ؛ لتعنونه بعنوان البدعة المحرمة . وإن جاء به لا على أنه عبادة ولا من الدين فلا يكون حراماً .

ثالثاً : قد تقدّم قول ابن تيمية ـ وكذلك قال غيره أيضاً ـ إنّ الأشياء ما عدا العبادات كلّها على الإباحة ، حتّى يرد ما يوجب رفع اليد عنه ، ولا سيّما ما كان من قبيل العادات .

وما نحن فيه من قبيل العادات أيضاً ، حيث قد جرت عادة الناس على إقامة الذكريات والمواسم ، بمناسبة يوم الاستقلال وفي الأيّام التي هي مثل أيّام ولادة عظمائهم ، وغير ذلك من مناسبات ، وقد تقدّم توضيح ذلك.

ـــــــــــــ

(1) راجع المدخل لابن الحاج 2 / 44 ـ 45 .

الصفحة (52)

رابعاً : بل ما نحن فيه داخل في قسم ما أمر الله سبحانه ، حيث إنّ الاحتفالات بيوم مولد النبي (صلّى الله عليه وآله) أو أحد الأئمة (عليهم السّلام) ، أو الاحتفال بيوم الهجرة أو يوم المبعث ، أو حتّى يوم عاشوراء ، إلى غير ذلك من المناسبات إنما هو داخل تحت عناوين عامة ورد الأمر بها والحثّ عليه. وتقدّم أنّ اختيار المكلف لمصداق العنوان العام لا يعدّ ابتداع ، ولا إحداثاً في الدين ، وإدخالاً في أمره ما ليس منه. وقد تقدّم توضيح ذلك في أوائل الفصل السابق فلا نعيد .

وتقدّم أنّ ما ورد عنه (صلى الله عليه وآله) : (( مَن سنّ سنّة حسنة.... )) . قد طبّقه الرسول (صلى الله عليه وآله) على اختيار البعض لمصداق عنوان عام مأمور به ، فيكون من شواهد ما ذكرناه آنفاً .

خامساً : قد تقدّم قول بعض المانعين ، وهو أبو بكر جابر الجزائري : إنّ الفطرة قاضية أنّ الإنسان يفرح بالمولود يوم ولادته ، ويحزن عليه يوم موته ، فسبحان الله ! كيف يحاول الإنسان ـ غروراً ـ تغيير طبيعته ؟

ونحن نوضّح هذا الأمر هنا ، بمقدار ما تسمح لنا به الفرصة ويسعفنا به البيان .. فنقول :

 قضاء الفطرة والسجية الإنسانيّة

إنّ مما لا شك فيه هو أنّ الناس ـ كلّ الناس ـ يولون ما يرتبطون به عقائدياً وفكرياً وعاطفياً أهمية خاصة ، وعلى أساس ذلك يتخذون مواقفهم ، ويكون الفعل ورد الفعل.. والتأثير والتأثّر بصورة تلقائية ، وعفوية وطبيعية . وكذلك ، فإنّ للناس بالنسبة لِما يرفضونه ، ويدينون به عقائدياً ، وفكرياً ، وعاطفياً موقفاً آخر ، وتأثيراً وتأثّراً من نوع آخر كذلك .

وقد اعتاد الناس ـ انطلاقاً من احترامهم للمثل والقيم التي يؤمنون بها ـ على احترام الأشخاص الذين بشّروا بها ، وضحّوا في سبيلها ، وارتبطوا بهم عاطفياً وروحياً كذلك ... ورأوا أنّ إحياء الذكرى لهؤلاء الأشخاص لم يكن من أجل ذواتهم كأشخاص ، وإنما من أجل أنهم بذلك يحيون تلك القيم والمثل في نفوسهم ، وتشدّ الذكرى من قوة هذا الارتباط فيما بينهم وبينه ، وترسخها في نفوسهم ، وتعيدهم إلى واقعهم .

وهكذا يقال بالنسبة للاحترام الذي يخصّون به بعض الأيّام ، أو بعض الأماكن ، وقديماً قيل :

مررتُ على الديار ديارِ ليلىاُقـبّل ذا الجدارَ وذا iiالجدارا

ومـا حبُّ الديارِ شغفن قلبي =ولكنْ حبَّ مَن سكن iiالديارا

ويلاحظ أنّ الاهتمام بإقامة الذكريات والاحتفال بالمناسبات ، التي تمثل تحوّلاً من نوع ما في حياة الناس عامة ، لا يقتصر على فئة دون فئة ، ولا يختصّ بفريق دون فريق ، فالكبير والصغير ، والغني والفقير ، والملك والسوقة ، والعالم والجاهل ، والمؤمن والكافر ، وغيرهم الكل يشارك في إقامة الذكريات للمثل والقيم ، ومَن يمثّلها حسب قدراته وإمكاناته .


الصفحة (53)

فهذه الشمولية تعطينا أنّ هذا الأمر لا يعدو عن أن يكون تلبية لحاجة فطرية ، تنبع من داخل الإنسان ومن ذاته ، وتتصل بفطرته وسجيّته ، حينما يشعر أنه بحاجة إلى أن يعيش مع ذكرياته وآماله ، وإلى أن يتفاعل مع ما يجسّد له طموحاته .

فيوم ولادة النبي (صلى الله عليه وآله) هو يوم فرح للمسلمين ، ويوم عيد وبهجة لهم .. ولا بد وأن يستجيب الإسلام لنداء الفطرة ، ويلبّي رغباتها ما دامت منسجمة مع منطلقاته وأهدافه ، ولا يحرمها من عطاء رحمته وبرّه ؛ ما دام أنه دين الفطرة الذي يوازن بين جميع مقتضياتها , ويعطيها حجمها الطبيعي ، من دون أن يكون ثمّة إهمال مضر أو طغيان مدمر .

وهذه هي عظمة تعاليم الإسلام ، وهذا هو رمز الخلود له ، وفّقنا الله للسير على هدى هذا الدين ، والالتزام بشريعة ربّ العالمين ، إنه خير مأمول وأكرم مسؤول .

 توضيح العلاّمة الأميني رحمه الله

هذا وقد قال العلاّمة الأميني رحمه الله تعالى : لعلّ تجديد الذكرى بالمواليد والوفيات ، والجري على مواسم النهضات الدينية ، أو الشعبية العامة ، والحوادث العالمية الاجتماعية ، وما يقع من الطوارق المهمة ، في الطوائف والأحياء بعد سنيّه ، واتخاذ رأس كلّ سنة بتلكم المناسبات أعياداً وأفراحاً ، أو مآتم وأحزاناً .

وإقامة الحفل السار أو التأبين من الشعائر المطردة ، والعادات الجارية منذ القدم ؛ دعمتها الطبيعية البشرية ، وأسستها الفكرة الصالحة لدى الأمم الغابرة عند كلّ ملّة ونحلة ، قبل الجاهلية وبعدها ، وهلمّ جرا حتّى اليوم .

وهذه مواسم اليهود والنصارى والعرب ، في أمسها ويومها ، وفي الإسلام وقبله ، سجّلها التاريخ في صفحاته . وكأنّ هذه السنّة نزعة إنسانية تنبعث من عوامل الحب والعاطفة ، وتسقى من منابع الحياة ، وتتفرع على اُصول التبجيل والتجليل , والتقدير والإعجاب لرجال الدين والدنيا ، وأفذاذ الملل ، وعظماء الأمّة ؛ إحياءً لذكرهم , وتخليداً لاسمهم .

وفيها فوائد تاريخية واجتماعية ، ودروس أخلاقية صافية راقية لمستقبل الأجيال ، وعظات وعبر ، ودستور عملي ناجع للناشئة الجديدة ، وتجارب واختبارات تولد حنكة الشعب ، ولا تختص بجيل دون جيل ، ولا بفئة دون اُخرى .

وإنما الأيّام تقتبس نوراً وازدهاراً ، وتتوسّم بالكرامة والعظمة ، وتكتسب سعداً ونحساً ، وتتخذ صيغة مما وقع فيها من الحوادث المهمة ، وقوارع الدهر ونوازله ... إلخ(1) .

ــــــــــــ

(1) سيرتنا وسنّتنا / 45 ـ 46 .

الصفحة (54)

 كلام السّيد الأمين (قدس سره)

وقال السّيد الأمين رحمه الله : ... وأمّا جعل التذكار لمواليد الأنبياء والأولياء ، الذي يسمّيه الوهابية بالأعياد والمواسم ، بإظهار الفرح والزينة في مثل يوم ولادتهم التي كانت نعمة من الله على خلقه ، وقراءة حديث ولادتهم ، كما يتعارف قراءة حديث مولد النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وطلب المنزلة والرفعة من الله لهم ، وتكرار الصلوات والتسليم على الأنبياء ، والترحّم على الصلحاء ، فليس فيه مانع عقلي ولا شرعي ؛ إذا لم يشتمل على محرم خارجي ، كغناء أو فساد ، أو استعمال آلات اللهو ، أو غير ذلك كما يفعل جميع العقلاء وأهل الملل في مثل أيّام ولادة عظمائهم وأنبيائهم ، وتبوّئ ملوكهم عروش الملك . وكل ذلك نوع من التعظيم الذي إن كان صاحبه أهلاً للتعظيم كان طاعة وعبادة لله تعالى ، وليس كلّ تعظيم عبادة للمعظم كما بيّناه مراراً ، فقياس ذلك بفعل المشركين مع أصنامهم قياس فاسد(1) . انتهى .

سادساً : قد تقدّم أنهم يقولون : إنّ الإجماع نبوة بعد نبوة ، ولا يختص عندهم زمان الإجماع بوقت دون وقت ، ولا بزمان دون زمان ، وقد انعقد الإجماع على إقامة أعياد اُخرى غير الفطر والأضحى ، مثل عيد النوروز ، والمهرجان ، وعيد المولد النبوي ، ولا سيّما في عهد حاكم أربل وبعده إلى قرب ظهور ابن تيمية.. حسبما تقدّمت الإشارة إليه في غير موضع ، فلا نعيد .

 كلّ يوم عيد

سابعاً : وقد ادّعى أولئك المانعون أنه لا يوجد إلاّ عيدان الفطر والأضحى ، ولكننا نقول : إنه على أساس ما قدّمناه ، من أنّ الفرح حينما يوجد ما يقتضي الفرح ، والحزن حينما يوجد ما يقتضي الحزن ، هو مقتضى النزعة الإنسانية ، والسجية والفطرة البشرية .

وبما أنّ الإنسان يفرح ويبتهج حينما ينتصر في معركة ما ، ولأن خسران المعركة مع الشياطين معناه خسارة الإنسان لأعزّ شيء يملكه ، وإلى الأبد .. ألا وهو نفسه وذاته .

نعم ، من أجل ذلك نجد أمير المؤمنين (عليه السّلام) يقول في بعض الأعياد : (( إنما هو عيد لمَن قَبِل الله صيامه ، وشكر قيامه ؟ وكلُّ يوم لا يُعصى الله فيه فهو عيد ))(2) .

نعم ، وهذا بالذات هو سرّ تشريع عيد الفطر وعيد الأضحى ، بعد تلك الرحلة التربوية الجهادية مع النفس الأمّارة , وضد كلّ الشياطين ، حينما يفترض بالإنسان أن يترك ـ مختاراً ـ اُموراً تدعوه إليها غرائزه , وتدفعه نحوها شهواته ، كما ويزيده شوقاً إلى بعضها حنين الأُلفة والعادة الناشئ عن طول الممارسة لها .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) كشف الارتياب / 450 .
(2) نهج البلاغة بشرح محمد عبده 3 / 355 ، الحكمة رقم 428 .

الصفحة (55)

وقد أشار (عليه السّلام) إلى أنّ انتصار الإنسان في رحلته الجهادية التربوية تلك في شهر رمضان المبارك ، وفي أيّام الحج حيث مراعاة تروك الإحرام ، هو الذي جعل يوم أوّل شوال ، ويوم العاشر من ذي الحجة عيداً يفرح به الإنسان الصابر المجاهد .

 يوم الجمعة عيد

ومما يدلّ أيضاً على عدم انحصار العيد في الفطر والأضحى ، ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) حول يوم الجمعة : (( إنّ هذا يوم جعله الله للمسلمين عيداً ))(1) . والروايات المصرّحة بكون يوم الجمعة عيداً كثيرة ، فليراجعها مَن أراد(2) .

ويلاحظ : إنّ عدداً من الروايات قد صرّحت بأنه إنّما اعتبر عيد ، بسبب ما حصل فيه من الاُمور المهمة ، مثل خلق آدم ، ودخوله الجنة ، وخروجه منها ، وتوبة الله عليه ، وموته ، وقيام الساعة فيه(3) .

كما أنه قد ورد الأمر بالتزيّن ، ولبس الثياب الجديدة ، وغير ذلك من مظاهر السرور في هذا اليوم(4) .

ثامناً : عاشوراء في القرون الثلاثة الاُولى .

ويقول أتباع ابن تيمية ، والمدّعون لحرمة المواسم والمراسم : البدعة وهي ما حدثت بعد القرون الثلاثة مذمومة مطلقاً(5) . وتقدّم تكرار المانعين لقولهم : إنّ ذلك لم يكن في القرون الثلاثة الأولى التي هي خير القرون ، ومعنى ذلك هو أنّ ما حدث في القرون الثلاثة الأولى لا يكون مذموماً بل هو مقبول عند هؤلاء .

وعليه فنقول : قد تقدّم أنّ بني اُميّة ـ وهم في القرن الأوّل ـ قد اتخذوا يوم عاشوراء عيداً .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن البيهقي 3 / 243 ، واقتضاء الصراط المستقيم / 189 ، وفتح المجيد / 154 .
(2) راجع سنن الدارمي 1 / 1278 ، سنن ابن ماجة 1 / 349 و415 ، 416 واقتضاء الصراط المستقيم / 197 ، وسنن النسائي 1 / 194 ، وسنن أبي داود 1 / 281 ، ومسند أحمد 4 / 277 و2 / 303 و532 ، والمسند للحميدي 1 / 6 ـ 7 ، والموطأ بهامش تنوير الحوالك 1 / 190 ، والمنتقى 2 / 34 و35 ، ومجمع الزوائد 2 / 195 ، وكشف الأستار 1 / 449 ، وصحيح البخاري 3 / 206 ، ومنحة المعبود 1 / 146 ، ومسند الطيالسي / 194 ، ونصب الراية 2 / 225 ، ومستدرك الحاكم 1 / 288 ، وتلخيص المستدرك بهامشه .
(3) راجع مسند أحمد 3 / 512 و504 و486 و401 و418 و540 و519 ، وصحيح مسلم 3 / 6 ، وسنن النسائي 3 / 90ـ91 ، ومسند الطيالسي / 311 ، والموطأ بهامش تنوير الحوالك 1 / 131 ، وكشف الأستار 1 / 294 ، ومجمع الزوائد 2 / 163ـ164 ، ومنحة المعبود 1 / 139 و140 ، والجامع الصحيح للترمذي 2 / 362 و359 ، وسنن أبي داود 1 / 274 ، وسنن الدارمي 1 / 369 ، وعجائب المخلوقات بهامش حياة الحيوان 1 / 110 ، والترغيب والترهيب 1 / 490 و495 ، والمنتقى 2 / 41 و13 .
(4) راجع سنن ابن ماجة 1 / 349 ، 348 ، وسنن أبي داود 1 / 283 و282 ، والترغيب والترهيب 1 / 498 ، والمنتقى 2 / 12 و11 ، ومجمع الزوائد 2 / 171 ، فما بعده ، والسنن الكبرى للبيهقي 3 أبواب الجمعة .
(5) كشف الارتياب / 142 عن رسائل الهدية السنية / 47 .

الصفحة (56)

أمّا غيرهم فقد اتخذوه يوم حزن وأسى وعزاء.

وعلى هذا فقد انعقد الإجماع المركب من السلف على موسمية يوم عاشوراء ـ وحسب زعم هؤلاء القائلين بعصمة الإجماع ـ فلا بد من قبولهم بكونه موسم ، ولا يجوز لهم إحداث قول ثالث فيه. وقد تقدّم الكلام في ذلك ، فلا نعيد.

تاسعاً : أعياد اُخرى في القرون الثلاثة الاُولى .

هذا وإذا كان ما يحدث في القرون الثلاثة الأولى ليس من البدع المذمومة ، وإذا كانوا يحتجّون للمنع عن المواسم والمراسم بأنها لم تكن في تلك القرون ، فإن معنى ذلك هو أنّ كلّ ما كان في تلك القرون يكون شرعياً ومقبول ، ويمكن ذكر اُمور كثيرة كانت آنئذ ، ونكتفي هنا بذكر الأعياد التالية :

 عيد النوروز

فبالاستناد إلى اُسامة ، عن حماد بن زيد ، عن هشام بن محمد بن سيرين ، قال : اُتي علي رضي الله عنه بهدية بمثل النيروز ، فقال : (( ما هذا ؟ )) . قالوا : يا أمير المؤمنين ، هذا يوم النيروز . قال : (( فاصنعوا كلّ يوم نيروز )) .

قال اُسامة : كره رضي الله عنه أن يقول : النيروز .

قال البيهقي : وفي هذا الكراهة لتخصيص يوم لذلك لم يجعله الشرع مخصوصاً به(1) .

وقال ابن تيمية : وأمّا علي رضي الله عنه ، فكره موافقتهم في اسم يوم العيد الذي ينفردون به ، فكيف بموافقتهم في العمل ؟‍‍‍‍‍(2) .

ولكننا بدورنا لم نفهم مما تقدّم أنه (عليه السّلام) كره موافقتهم بالاسم ، بل نراه (عليه السلام) قد صرّح باسمه ، وأحبّ أن يطلقه على كلّ يوم ، وإلاّ لكان عليه أن يقول مثلاً : فاصنعوا كلّ يوم مثل هذا .

ونرى أنّه (عليه الصلاة والسّلام) قد شجّعهم على أعمال من هذا القبيل ، ولم ينههم عنه ، وإلاّ فقد كان اللازم عليه أن يصرّح لهم بالنهي عن هذا التخصيص ، ولا أن يكتفي بطلب عمل ذلك في كلّ يوم .

كما أنه لو كان (عليه السلام) قد كره ذلك ، فقد كان عليه أن يرفض هديتهم النيروزية تلك ، ولكنه لم يفعل ذلك .

ـــــــــــــ

(1) اقتضاء الصراط المستقيم / 200 ، وراجع / 250 .
(2) اقتضاء الصراط المستقيم / 201 .

الصفحة (57)

هذا وقد كانت العادة عامة في الاحتفال بعيد النيروز ، وهو مبدأ السنة الشمسية ، بتبادل الهدايا ، فكان الخليفة في بغداد يفرق على الناس أشياء منها صور مصنوعة من عنبر ، منها ورد أحمر مثلاً(1) .

والمقصود بالخليفة الذي كان يفعل ذلك هو الذي يلقّبه الحنابلة وأهل الحديث بـ(محيي السنّة) ، وكان أحمد بن حنبل من أقرب المقرّبين إليه.

وأعني به المتوكل العباسي(2) ، وقيل : إنه أوّل مَن أخّر النيروز ؛ رفقاً بأهل الخراج(3) . وقيل : بل أخّره المعتضد(4) .

وكذلك الحال بالنسبة لأمّ المقتدر العباسي(5) . وقبل ذلك في زمن المأمون(6) ، والواثق(7) ، والمنصور. وقيل : قبل هؤلاء جميعاً الحجاج(8) .

ولعيد النيروز في مصر وغيرها مراسم خاصة ، لا مجال لذكرها فضلاً عن التفصيل فيه.

 عيد المهرجان

كما أنّ عيد المهرجان ـ الذي كان في القرون الثلاثة الأولى ـ قد كانت له أهمية خاصة أيضاً ، وكانوا يحتفلون به في طول البلاد الإسلاميّة وعرضها(9) .

وكان الناس يتهادون فيه كما يتهادون في النيروز ، وكان القوّاد ورجال دار الخلافة تخلع عليهم فيه ملابس الشتاء(10) .

وأوّل مَن رسم هدايا النيروز والمهرجان الحجّاج(11) .

والمقصود أنه رسمها بشكل واسع ، وأخذ الناس بالعمل به ، وإلاّ فقد تقدّمت الرواية عن أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسّلام) أنه قبل هدايا النيروز.

هذا ولا بد من التذكير هنا بأنّ علياً (عليه السلام) قد قبل هدية النيروز ، وبعد ذلك ـ وابتدأ من الحجاج ـ أصبح الاحتفال بالنيروز والمهرجان رسمياً عند الخلفاء ورجال الدولة والعامة على حدّ سواء ، حتّى عند حامل (محيي السنة) والصديق الحميم لأحمد بن حنبل . وقد كان العلماء والصلحاء والفقهاء وغيرهم حاضرين وناظرين ، ولم ينقل لنا أي اعتراض من أحد منهم على ذلك ، لا في ذلك الزمان ولا بعده .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري 2 / 293 .
(2) الديارات / 57 ، وراجع / 39ـ40 ، ونشوار المحاضرات 8 / 246 ، والعامة في بغداد / 253 ـ 254 عنهما وعن عجائب المخلوقات / 121 وعن صبح الأعشى 2 / 420 .
(3) محاضرة الأوائل / 142 .
(4) الكامل لابن الأثير 3 / 469 ويؤيده ما في نشوار المحاضرات 1 / 293 .
(5) نشوار المحاضرات 1 / 293 ، وراجع المستطرف 2 / 52 .
(6) العقد الفريد 6 / 289 ، وراجع روض الأخيار / 119 .
(7) الأغاني 19 / 230 .
(8) الأوائل 2 / 34 .
(9) راجع : حاضرات الأدباء 1 / 424 .
(10) الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري 2 / 296 عن عدد من المصادر ، والعامة في بغداد / 255 ، والديارات / 270 ، وليراجع / 231 .
(11) الأوائل 2 / 34 .

الصفحة (58)

فإذا كان هؤلاء يستدلّون لعدم جواز الاحتفال بعيد المولد النبوي ونحوه ، بأنه لم يكن في زمن السلف ـ أعني الذين عاشوا في القرون الثلاثة الاُولى ـ فإنّ عليهم ـ والحالة هذه ـ أن يعتبروا عيد النيروز والمهرجان من الأعياد الإسلاميّة ؛ لأنها قد كانت في القرون الثلاثة ، ولم يعترض عليها أحد ، حتّى أحمد بن حنبل نفسه فضلاً عن غيره .

 عيد الغدير

هذا ولا حاجة لنا لإثبات أنّ عيد الغدير إسلامي أصيل ، وقد كان في العصور الثلاثة الاُولى ، وعدم صحة قول المقريزي : أوّل ما عُرف في الإسلام بالعراق ، أيّام معز الدولة علي بن بويه ، فإنه أحدثه في سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة ، فاتخذه الشيعة من حينئذ عيداً(1) .

فإنّ هذا القول لا يصحّ ولا يمكن قبوله ، فقد قال المسعودي : وُلد علي رضي الله عنه ، وشيعته يعظّمون هذا اليوم(2) .

والمسعودي قد توفّي قبل التاريخ المذكور ، أي في سنة 346 هـ .

وروى فرات بن إبراهيم ـ وهو من علماء القرن الثالث ـ عن الصادق ، عن أبيه ، عن آبائه (عليهم السّلام) ، قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( يوم غدير خمٍّ أفضل أعياد اُمّتي ))(3) .

ونجد أمير المؤمنين علياً (عليه السّلام) قد اعتبره عيد ، حيث إنه (عليه السّلام) خطب في سنة اتّفق فيها الجمعة والغدير ، فقال : (( إنّ الله عزّ وجلّ جمع لكم معشر المؤمنين في هذا اليوم عيدين عظيمين كبيرين )) . والخطبة طويلة يأمرهم فيها ـ تفصيلاً ـ بفعل ما ينبغي فعله في الأعياد , وبإظهار البشر والسرور ، فمَن أراد فليراجع(4) .

وقد روى فرات بسنده : عن فرات بن أحنف ، عن أبي عبد الله (عليه السّلام) : قال : قلت : جعلت فداك ! للمسلمين عيد أفضل من الفطر والأضحى ويوم الجمعة ويوم عرفة ؟ قال : فقال لي : (( نعم ، أفضله وأعظمه ، وأشرفها عند الله منزلة هو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين ، وأنزل على نبيّه محمد : اليوم أكملتُ لكم دينَكم ... ))(5) .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) الخطط للمقريزي 1 / 288 .
(2) التنبيه والإشراف / 221 ـ 222 .
(3) الغدير 1 / 283 .
(4) مصباح المتهجّد / 698 ، والغدير 1 / 284 عنه .
(5) الغدير 1 / 284 – 285 ، وتفسير فرات / 12 .

الصفحة (59)

وفي الكافي : عن الحسن بن راشد ، عن الإمام الصادق (عليه السّلام) أيضاً : أنه اعتبر يوم الغدير عيداً ، وفي آخره قوله : (( فإنّ الأنبياء صلوات الله عليهم كانت تأمر الأوصياء باليوم الذي كان يُقام فيه الوصيَّ أن يُتّخذ عيداً )) . قال قلت : فما لمَن صامه ؟ قال : (( صيام ستّين شهراً ))(1) .

ويؤيّده ما رواه الخطيب البغدادي ، بسندٍ عن رجاله كلّهم ثقات ، عن أبي هريرة : (( مَن صام يوم ثماني عشر من ذي الحجّة كُتب له صيام ستين شهراً ، وهو يوم غدير خمٍّ ))(2) .

وفي رواية اُخرى : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أوصى علياً (عليه السّلام) أن يتخذ ذلك اليوم عيداً(3) . وليراجع ما رواه المفضل بن عمر ، عن الصادق (عليه السّلام)(4) . وما روي عن عمار بن حريز العبدي ، عنه (عليه السّلام)(5) , وعن أبي الحسن الليثي ، عنه (عليه السّلام) , وعن زياد بن محمد ، عن الصادق(عليه السّلام)(6) .

وقال الفياض بن عمر الطوسي سنة تسع وخمسين ومئتين ، وقد بلغ التسعين : إنّه شهد أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) في يوم الغدير ، وبحضرته جماعة من خاصّته قد احتبسهم للإفطار ، وقد قدم إلى منازلهم الطعام والبر والصلات والكسوة حتّى الخواتيم والنعال ، وقد غيّر من أحوالهم وأحوال حاشيته ، وجددت لهم آلة غير الآلة التي جرت الرسم بابتذالها قبل يومه ، وهو يذكر فضل اليوم وقدمه(7) .

وفي مختصر بصائر الدرجات ، بالإسناد ، عن محمد بن علاء الهمداني الواسطي ، ويحيى بن جريح البغدادي ، قالا في حديث : قصدنا جميعاً أحمد بن إسحاق القمّي ، صاحب الإمام أبي محمد العسكري ، المتوفّى 260 هـ بمدينة قم ، وقرعنا عليه الباب ، فخرجت إلينا من داره صبية عراقية ، فسألناها عنه ، فقالت : هو مشغول بعيده ، فإنه يوم عيد . فقلنا : سبحان الله ! أعياد الشيعة أربعة ؛ الأضحى , والفطر ، والغدير , والجمعة(8) .

وبعد ، فقد حشد العلاّمة الأميني في كتابه القيّم (الغدير) عشرات النصوص , عن عشرات المصادر الموثوقة عند أهل السنّة ، والتي تؤكّد على عيدية يوم الغدير في القرون الاُولى ، وأنه قد كان شائعاً ومعروفاً في العصور الإسلاميّة الاُولى .

وتكفي مراجعة الفصل الذي يذكر فيه تهنئة الشيخين أبي بكر وعمر لأمير المؤمنين (عليه السّلام) بهذه المناسبة ، فقد ذكر ذلك فقط عن ستين مصدراً .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي 4 / 148 – 149 ، والغدير 1 / 285 ، عنه ومصباح المتهجّد / 680 .
(2) تاريخ البغدادي 8 / 290 ، وأشير إليه في تذكرة الخواصّ / 30 ، والمناقب للخوارزمي / 94 ، وفيه ستين سنة بدل ستين شهر ، ومناقب الإمام علي لابن المغازلي / 19 ، وفرائد السمطين الباب 13 / ج 1 / 77 ، مثل ما في مناقب الخوارزمي ، والغدير1 / 401 – 402 ، عنهم وعن زين الفتى للعاصمي .
(3) الكافي 4 / 149 ، والغدير 1 / 285 – 286.
(4) الخصال 1 / 264 ، والغدير 1 / 286 .
(5) مصباح المتهجّد / 680 ، والغدير 1 / 286 .
(6) مصباح المتهجّد / 696 .
(7) الغدير 1 / 287 ، ومصباح المتهجّد / 696 .
(8) الغدير 1 / 287 .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث