الصفحة (48)
وأمّا تحريم
التحزّن والتجمّع في يوم عاشوراء(1)
فلعلّه أهون
بلكم الشرور ، بعد أن كانوا
وما زالوا يهاجمون مجالس عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) ، ويقتلون
مَن يقدرون عليه من المشاركين فيه ، بل ويحرقون
المساجد ويفعلون الأفاعيل في سبيل ذلك(2)
.
وأمّا
اعتبار عاشوراء عيد فتوضّحه النصوص التالية
:
قال علاء
زكريا القزويني : ... فزعم بنو اُميّة أنهم اتخذوه عيداً ، فتزيّنوا
فيه
، وأقاموا الضيافات . والشيعة
اتخذوه يوم عزاء ينوحون فيه ، ويجتنبون الزينة
.
وأهل السنّة
يزعمون : أنّ الاكتحال في هذا اليوم مانع من الرمد في
تلك السنة(3)
، ومَن اغتسل فيه لم يمرض ذلك العام ،
ومَن وسّع على عياله وسّع الله
عليه سائر سنته(4)
.
وقال عن شهر
صفر : اليوم الأوّل منه عيد بني اُميّة ، أدخلت فيه رأس الحسين رضي
الله عنه
بدمشق(5)
.
وقال
البيروني ، بعد ذكر ما جرى على الإمام الحسين (عليه السّلام)
يوم عاشوراء : فأمّا بنو اُميّة ، فقد
لبسوا فيه ما تجدّد , وتزيّنوا ، واكتحلوا ، وعيّدوا
، وأقاموا الولائم والضيافات ،
وأطعموا الحلاوات والطيّبات ، وجرى الرسم في العامة على ذلك أيّام
ملكهم ، وبقي فيهم بعد
زواله عنهم .
وأمّا
الشيعة فإنهم ينوحون ويبكون ؛ أسفاً لقتل سيّد الشهداء فيه(6)
.
ويقول
المقريزي : ... فلمّا زالت الدولة اتخذ الملوك من بني أيوب يوم عاشوراء
يوم
سرور ، يوسّعون فيه على عيالهم ، وينبسطون في المطاعم
، ويتخذون الأواني الجديدة ، ويكتحلون ،
ويدخلون الحمام جرياً على عادة أهل الشام التي سنّها الحجاج في أيّام
عبد الملك بن مروان ؛ ليرغموا به آناف شيعة علي بن أبي
طالب كرم الله وجهه ، الذين يتخذون يوم عاشوراء
يوم عزاء وحزن على الحسين بن علي ؛ لأنه قتل فيه
.
قال : وقد
أدركنا بقايا مما عمله بنو أيوب ، من اتخاذ عاشوراء يوم سرور وتبسّط
(7)
.
أمّا ابن حجر
الهيثمي والزرندي ، فيقولان في معرض نهيهما عن الندب والنياحة والحزن
يوم
عاشوراء ، الذي هو من بدع الرافضة ، ونهيهما عن العمل
ببدع الناصبة المتعصّبين على أهل البيت ، أو
الجهال المقابلين الفاسد بالفاسد ، والبدعة بالبدعة ، والشر بالشر ، من
إظهار غاية الفرح واتخاذه
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
اقتضاء الصراط المستقيم / 299 ـ300 ,
ونظم درر السمطين / 228 .
(2)
راجع المنتظم
، وشذرات الذهب ، والكامل لابن
الأثير ، والبداية والنهاية ، وهم يتحدثون عن الفتن في بغداد بين أهل
السنّة والرافضة في
مطلع كلّ عام بمناسبة عاشوراء .
(3)
عجائب المخلوقات
، بهامش حياة الحيوان 1 / 115 , ونظم
درر السمطين / 230 .
(4)
نظم درر السمطين / 230 .
(5)
المصدر السابق .
(6)
الكنى والألقاب 1 / 431 ، وراجع الحضارة
الإسلاميّة
في القرن الرابع الهجري 1 / 137 عن الآثار الباقية للبيروني , ط اُوربا
/ 329 .
(7)
الخطط والآثار 1 / 490 ، والحضارة
الإسلاميّة في القرن
الرابع الهجري 1 / 138 عنه .
الصفحة (49)
عيداً ،
وإظهار الزينة فيه ؛ كالخضاب ، والاكتحال ، ولبس جديد
الثياب ، وتوسيع النفقات ، وطبخ الأطعمة والحبوب
الخارجة عن العادات ، واعتقادهم أنّ ذلك من
السنّة والمعتاد(1)
.
وحتّى ابن
تيمية نجده ينكر هذا الأمر ، فيقول : ... وإظهار الفرح والسرور يوم
عاشوراء
، وتوسيع النفقات فيه هو من
البدع المحدثة المقابلة للرافضة(2)
.
هذا , وقد
ورد في زيارة عاشوراء المرويّة عن الإمام الباقر (عليه السّلام)
قوله:((
اللّهم
إنّ هذا يوم تبرّكت به بنو اُميّة ، وابنُ آكلة
الأكباد ))(3)
.
التزلّف
الوقح
وأضاف ابن
تيمية إلى عبارته آنفة الذكر قوله : ... وقد وضعت في ذلك
أحاديث مكذوبة في فضائل ما
يصنع فيه ، من الاغتسال والاكتحال ... إلخ(4)
.
وقال : ...
وأحدث فيه بعض الناس أشياء مستندة إلى أحاديث موضوعة لا أصل لها
، مثل الاغتسال فيه ، أو
التكحّل ، أو المصافحة . وهذه الأشياء ونحوها من الاُمور المبتدعة ،
كلها مكروهة ، وإنما المستحب صومه
.
ونقول : قد
عرفت أنّ صومه مكذوب أيضاً .
وقد روي في
التوسّع فيه على العيال آثار
معروفة ، أعلى ما فيها حديث إبراهيم بن محمد
بن المنتشر ، عن أبيه ، قال : بلغني أنه مَن وسّع على
أهله يوم عاشوراء وسّع الله عليه سائر سنته .
رواه ابن عيينة .
وهذا بلاغ
منقطع لا يعرف قائله . والأشبه أنّ هذا وضع لمّا ظهرت العصبية بين
الناصبة
والرافضة ؛ فإن هؤلاء أعدّوا يوم عاشوراء مأتم ، فوضع
أولئك فيه آثاراً تقتضي التوسّع فيه ، واتخاذه
عيداً(5)
.
بل لقد بلغ
بهم الأمر أن رووا في تفسير آية
: (
مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ
الزِّينَةِ )
، عن ابن عباس : يوم الزينة يوم عاشوراء(6)
.
وعن ابن عمر ،
عنه (صلّى الله عليه وآله) :
(( مَن صام يوم
الزينة أدرك ما فاته من صيام تلك السنة ، ومَن تصدّق
يومئذ بصدقة أدرك ما فاته من صدقة تلك السنة
)) . يعني يوم عاشوراء(7)
.
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
الصواعق المحرقة / 181 ـ 182
، ونظم درر السمطين / 228 ـ 229 ـ 230 .
(2)
اقتضاء الصراط المستقيم / 301 .
(3)
مصابيح الجنان / 291 .
(4)
اقتضاء الصراط المستقيم / 301 ، وراجع نظم درر
السمطين / 230.
(5)
اقتضاء الصراط المستقيم / 300 ، وللاطلاع على بعض هذه
الأحاديث راجع نوادر الاُصول / 246 ، والسيرة الحلبيّة 2 / 134
، واللآلئ المصنوعة 1 / 108 ـ 116 ،
وتذكرة الموضوعات / 118 ، ونظم درر السمطين / 230 .
(6)
الدر المنثور 4 / 303 ، عن سعيد بن منصور ، وعبد بن
حميد ، وابن المنذر ، وراجع عجائب المخلوقات ، بهامش حياة الحيوان 1 /
114 .
(7)
الدر المنثور 4 / 303 عن ابن المنذر .
الصفحة (50)
بل تقدم أنّ
أهل السنّة يزعمون : أنّ الاكتحال في هذا اليوم مانع من
الرمد في تلك السنة(1)
.
أمّا ابن
الحاج فذكر : أنه يستحب يوم عاشوراء التوسعة فيه على الأهل
والأقارب ، واليتامى والمساكين ، وزيادة النفقة
والصدقة مندوب إليه ، بحيث لا يجهل ذلك(2)
.
وبعد أن ذكر
أشياء تفعل في هذا اليوم لم تعرف عن السلف ، كذبح الدجاج وطبخ
الحبوب ، وزيارة القبور ، ويدخل النساء الجامع العتيق
بمصر ، وهنّ في حال الزينة الحسنة ، والتحلّي
والتبرّج للرجال ، وكشف بعض أبدانهن ، ويقمن فيه من أوّل النهار
إلى الزوال .... إلى أن قال : ومن البدع التي أحدثها
النساء فيه استعمال الحناء على كلّ حال ، فمَن
لم يفعلها منهن فكأنها ما قامت في عاشوراء
.
ومن البدع
أيضاً محرهن فيه الكتان
، وتسريحه وغزله ، وتبيضه في ذلك اليوم بعينه ، ويشلنه
ليخطنّ به الكفن. ويزعمن أنّ منكراً ونكيراً لا يأتيان
مَن كفنها مخيط بذلك الغزل
. . . إلى أن قال : وممّا أحدثوه فيه من
البدع : البخور ، فمَن لم يشتره منهم في ذلك
اليوم ويتبخّر به فكأنه ارتكب أمراً عظيماً ، وكونه
سنّة عندهنّ لا بدّ من فعلها ، وادخارهنّ له
طول السنة يتبركن به ، ويتبخرن إلى أن يأتي مثله يوم عاشوراء الثاني
.
ويزعمون
أنّه
إذا بخّر به المسجون خرج من سجنه ، وأنه يبرئ من العين
، والنظرة ، والمصاب ، والموعوك
... إلخ(3)
. ثمّ يذكر ما يفعلونه في أوّل رجب وأوّل
جمعة ، وليلة المعراج ،
والنصف من شعبان ، فليراجعه مَن أراد.
التهافت
في كلام ابن الحاج
وأخيراً …
فبينما نرى ابن الحاج يشنّ حملة شعواء على عمل المولد النبوي
، على اعتبار أنه بنفسه بدعة
لا رخصة فيها في الشارع ، فضلاً عمّا يصاحبه من اُمور محرمة أو مرجوحة
بنظر الشارع ، نجده يستحسن شعراً لابن السماط يوسف بن
علي , المتوفّى سنة 690هـ ، يصرّح فيه بأنه
يعتبر يوم المولد النبوي من الأعياد ، حيث يقول
:
أعـلـمـتَ أنّك يا ربيعَ iiالأوّلِ = تـاجٌ عـلى هام الزمانِ مكلّلُ
مـسـتعذبُ الإلمام مرتقب اللقا=
iكـلّ الـفضائلِ حين تقبلُ تقبلُ
مـا عـدتَ إلاّ كنتَ عيداً ثالثاًi=
بل أنت أحلى في العيونِ وأجملُ
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
عجائب المخلوقات بهامش حياة الحيوان 1 / 115 ، وراجع الحضارة
الإسلاميّة في القرن
الرابع الهجري 1 / 138 ، والصواعق المحرقة / 182 ، ونظم درر السمطين /
230 .
(2)
المدخل لابن الحاج 1 / 289 .
(3)
المدخل 1 / 291 ، وراجع / 290 .
الصفحة (51)
شـرفـاً بـمولد مصطفى لمّا بداii=أخـفـى
الأهلّة وجهُهُ
الـمتهللُ
وحويت مَن أصبحت ظرفَ زمانِهِ= ظـرفـاً
به في بردِ حُسنكَ ترفلُ
ومـلـكـتَ أنفسها بلطفِ شمائلٍ
=iٍبـنـسـيمها
نفس العليل تعللُ
وإذا حـدا الحادي بمنزلة الحمىi =iفـالقصدُ
سكّان الحمى لا المنزلُ
فـضل الشهورِ علا مفاخرَها فإن= فـخرت
بأطولِها فأنت الأطولُ
إلى أن قال
:
واستكمل البشرى فإنك لم تزلْ=iلـك
في القلوب مكانةٌ لا تجهلُ
لِم لا وعشرك واثنتان أريننا= قمراً به شمسُ الضحى لا تعدلُ(1)
الفصل
الخامس
الأدلة ... وبعض الشواهد
ممّا سبق
فإننا
نستطيع أن نستخلص ممّا سبق الاُمور التالية
:
أوّلاً
:
أنّ ما ادّعوا أنّه يصلح دليلاً
للمنع عن المواسم والمراسم على اختلافه
، لا يصلح للاستدلال به على
ذلك ، من وجوه مختلفة , والفصل السابق كلّه في بيان ذلك ، فلا نعيد
.
ثانياً
:
أنّ الابتكار والابتداع في العادات
والتقاليد واُمور المعاش والمعاد يمكن أن
يكون حسناً تارة ، وقبيحاً اُخرى ، وقد تعرض له
الأحكام الخمسة ؛ تبعاً للعناوين المختلفة التي
يمكن أن يتعنون بها حينما تكون تلك العناوين محكومة بأي من تلك الأحكام
.
وما نحن فيه
من هذا القبيل ؛ فإن جاء به على أنه من الدين فإنه يكون حراماً
؛ لتعنونه بعنوان البدعة
المحرمة . وإن جاء به لا على أنه عبادة ولا من الدين فلا يكون حراماً
.
ثالثاً
:
قد تقدّم قول ابن تيمية ـ وكذلك قال غيره
أيضاً ـ إنّ الأشياء ما عدا العبادات كلّها على
الإباحة ، حتّى يرد ما يوجب رفع اليد عنه ، ولا
سيّما ما كان من قبيل العادات .
وما نحن فيه من
قبيل العادات أيضاً ، حيث قد جرت عادة الناس على إقامة الذكريات
والمواسم ، بمناسبة يوم الاستقلال وفي الأيّام التي هي
مثل أيّام ولادة عظمائهم ، وغير ذلك من مناسبات
، وقد تقدّم توضيح ذلك.
ـــــــــــــ
(1)
راجع المدخل لابن الحاج 2 / 44 ـ 45 .
الصفحة (52)
رابعاً
:
بل ما نحن فيه داخل في قسم ما أمر الله
سبحانه ، حيث إنّ الاحتفالات بيوم مولد
النبي (صلّى الله عليه وآله) أو أحد الأئمة (عليهم
السّلام) ، أو الاحتفال بيوم الهجرة أو يوم المبعث
، أو حتّى يوم عاشوراء ، إلى
غير ذلك من المناسبات إنما هو داخل تحت عناوين عامة ورد الأمر بها
والحثّ عليه. وتقدّم أنّ اختيار المكلف لمصداق العنوان
العام لا يعدّ ابتداع ، ولا إحداثاً في الدين ،
وإدخالاً في أمره ما ليس منه. وقد تقدّم توضيح ذلك في أوائل الفصل
السابق فلا نعيد .
وتقدّم أنّ
ما ورد عنه (صلى الله عليه وآله)
: (( مَن سنّ
سنّة حسنة.... )) . قد
طبّقه الرسول (صلى الله
عليه وآله) على اختيار البعض لمصداق عنوان عام مأمور به ، فيكون
من شواهد ما ذكرناه آنفاً .
خامساً
:
قد تقدّم قول بعض المانعين ، وهو أبو بكر
جابر الجزائري : إنّ الفطرة قاضية أنّ الإنسان يفرح بالمولود يوم
ولادته ، ويحزن عليه يوم موته
، فسبحان الله ! كيف يحاول الإنسان ـ غروراً ـ تغيير
طبيعته ؟
ونحن نوضّح
هذا الأمر هنا ، بمقدار ما تسمح لنا به الفرصة ويسعفنا
به البيان .. فنقول
:
قضاء
الفطرة والسجية الإنسانيّة
إنّ مما لا
شك فيه هو أنّ الناس ـ كلّ الناس ـ يولون ما يرتبطون به عقائدياً
وفكرياً
وعاطفياً أهمية خاصة ، وعلى أساس ذلك يتخذون مواقفهم ،
ويكون الفعل ورد الفعل.. والتأثير والتأثّر
بصورة تلقائية ، وعفوية وطبيعية . وكذلك ، فإنّ للناس بالنسبة لِما
يرفضونه ، ويدينون به عقائدياً ، وفكرياً ،
وعاطفياً موقفاً آخر ، وتأثيراً وتأثّراً من
نوع آخر كذلك .
وقد اعتاد
الناس ـ انطلاقاً من احترامهم للمثل والقيم التي يؤمنون بها
ـ على احترام الأشخاص الذين بشّروا بها ، وضحّوا في
سبيلها ، وارتبطوا بهم عاطفياً وروحياً كذلك
... ورأوا أنّ إحياء الذكرى لهؤلاء
الأشخاص لم يكن من أجل ذواتهم كأشخاص
، وإنما من أجل أنهم بذلك
يحيون تلك القيم والمثل في نفوسهم ، وتشدّ الذكرى من قوة هذا الارتباط
فيما بينهم وبينه ، وترسخها في نفوسهم ،
وتعيدهم إلى واقعهم .
وهكذا يقال
بالنسبة للاحترام الذي يخصّون به بعض الأيّام ، أو بعض الأماكن
، وقديماً قيل
:
مررتُ على الديار ديارِ ليلى= اُقـبّل ذا الجدارَ وذا iiالجدارا
ومـا حبُّ الديارِ شغفن قلبي =ولكنْ
حبَّ مَن سكن iiالديارا
ويلاحظ أنّ
الاهتمام بإقامة الذكريات والاحتفال بالمناسبات ، التي تمثل تحوّلاً من
نوع
ما في حياة الناس عامة ، لا يقتصر على فئة دون فئة ،
ولا يختصّ بفريق دون فريق ، فالكبير والصغير ،
والغني والفقير ، والملك والسوقة ، والعالم والجاهل ، والمؤمن والكافر
، وغيرهم الكل يشارك في إقامة الذكريات للمثل والقيم
، ومَن يمثّلها حسب قدراته
وإمكاناته .
الصفحة (53)
فهذه
الشمولية تعطينا أنّ هذا الأمر لا يعدو عن أن يكون تلبية لحاجة فطرية
، تنبع من داخل الإنسان ومن
ذاته ، وتتصل بفطرته وسجيّته ، حينما يشعر أنه بحاجة إلى أن يعيش مع
ذكرياته وآماله ، وإلى أن يتفاعل مع ما يجسّد له
طموحاته .
فيوم ولادة
النبي (صلى الله عليه وآله) هو يوم فرح للمسلمين ، ويوم عيد وبهجة
لهم .. ولا بد وأن يستجيب الإسلام لنداء الفطرة ،
ويلبّي رغباتها ما دامت منسجمة مع منطلقاته وأهدافه ، ولا يحرمها من
عطاء رحمته وبرّه ؛ ما دام أنه دين الفطرة الذي
يوازن بين جميع مقتضياتها , ويعطيها حجمها الطبيعي ، من دون أن يكون
ثمّة إهمال مضر أو طغيان مدمر
.
وهذه هي
عظمة تعاليم الإسلام ، وهذا هو رمز الخلود له ، وفّقنا الله للسير على
هدى هذا
الدين ، والالتزام بشريعة ربّ العالمين ، إنه خير
مأمول وأكرم مسؤول .
توضيح
العلاّمة الأميني رحمه الله
هذا وقد قال
العلاّمة الأميني رحمه الله تعالى : لعلّ تجديد الذكرى بالمواليد
والوفيات ، والجري على مواسم النهضات الدينية ، أو
الشعبية العامة ، والحوادث العالمية الاجتماعية
، وما يقع من الطوارق المهمة ، في الطوائف والأحياء بعد سنيّه ، واتخاذ
رأس كلّ سنة بتلكم المناسبات أعياداً وأفراحاً
، أو مآتم وأحزاناً .
وإقامة
الحفل السار أو
التأبين من الشعائر المطردة ، والعادات الجارية منذ
القدم ؛ دعمتها الطبيعية البشرية ، وأسستها
الفكرة الصالحة لدى الأمم الغابرة عند كلّ ملّة ونحلة ، قبل الجاهلية
وبعدها ، وهلمّ جرا حتّى اليوم
.
وهذه مواسم
اليهود والنصارى والعرب ، في أمسها ويومها ، وفي
الإسلام وقبله ، سجّلها
التاريخ في صفحاته . وكأنّ هذه السنّة نزعة إنسانية
تنبعث من عوامل الحب والعاطفة ، وتسقى من منابع
الحياة ، وتتفرع على اُصول التبجيل والتجليل , والتقدير والإعجاب لرجال
الدين والدنيا ، وأفذاذ الملل ، وعظماء الأمّة
؛ إحياءً لذكرهم , وتخليداً لاسمهم
.
وفيها فوائد
تاريخية واجتماعية ، ودروس أخلاقية صافية راقية
لمستقبل الأجيال ، وعظات وعبر ، ودستور عملي
ناجع للناشئة الجديدة ، وتجارب واختبارات تولد حنكة الشعب ، ولا تختص
بجيل دون جيل ، ولا بفئة دون اُخرى
.
وإنما الأيّام
تقتبس نوراً وازدهاراً ، وتتوسّم بالكرامة والعظمة ، وتكتسب سعداً
ونحساً ، وتتخذ صيغة مما وقع فيها من الحوادث المهمة ،
وقوارع الدهر ونوازله ... إلخ(1)
.
ــــــــــــ
(1)
سيرتنا وسنّتنا / 45 ـ 46 .
الصفحة (54)
كلام
السّيد الأمين (قدس سره)
وقال السّيد
الأمين رحمه الله : ... وأمّا جعل التذكار لمواليد
الأنبياء والأولياء ، الذي
يسمّيه الوهابية بالأعياد والمواسم ، بإظهار الفرح
والزينة في مثل يوم ولادتهم التي كانت نعمة من
الله على خلقه ، وقراءة حديث ولادتهم ، كما يتعارف قراءة حديث مولد
النبي (صلّى
الله عليه وآله) ، وطلب المنزلة والرفعة من الله لهم ، وتكرار الصلوات
والتسليم على الأنبياء ،
والترحّم على الصلحاء ، فليس فيه مانع عقلي ولا شرعي ؛ إذا لم يشتمل
على محرم خارجي ، كغناء أو فساد ، أو استعمال
آلات اللهو ، أو غير ذلك كما يفعل جميع العقلاء وأهل
الملل في مثل أيّام ولادة عظمائهم وأنبيائهم ، وتبوّئ
ملوكهم عروش الملك . وكل ذلك نوع من التعظيم
الذي إن كان صاحبه أهلاً للتعظيم كان طاعة وعبادة لله تعالى ، وليس كلّ
تعظيم عبادة للمعظم كما بيّناه مراراً ، فقياس
ذلك بفعل المشركين مع أصنامهم قياس فاسد(1)
. انتهى .
سادساً
:
قد تقدّم أنهم يقولون : إنّ الإجماع نبوة
بعد نبوة ، ولا يختص عندهم زمان
الإجماع بوقت دون وقت ، ولا
بزمان دون زمان ، وقد انعقد الإجماع على إقامة أعياد اُخرى غير الفطر
والأضحى ، مثل عيد النوروز ، والمهرجان ، وعيد المولد
النبوي ، ولا سيّما في عهد حاكم أربل وبعده إلى
قرب ظهور ابن تيمية.. حسبما تقدّمت الإشارة إليه في غير موضع ، فلا
نعيد .
كلّ
يوم عيد
سابعاً
:
وقد ادّعى أولئك المانعون أنه لا يوجد
إلاّ عيدان الفطر والأضحى ،
ولكننا نقول : إنه على أساس ما قدّمناه ، من
أنّ الفرح حينما يوجد ما يقتضي الفرح ، والحزن حينما
يوجد ما يقتضي الحزن ، هو مقتضى النزعة الإنسانية ،
والسجية والفطرة البشرية .
وبما أنّ
الإنسان يفرح ويبتهج حينما ينتصر في معركة ما ،
ولأن خسران المعركة مع الشياطين معناه خسارة الإنسان
لأعزّ شيء يملكه ، وإلى الأبد
.. ألا وهو نفسه وذاته .
نعم ، من
أجل ذلك نجد أمير المؤمنين (عليه السّلام) يقول في بعض
الأعياد
: (( إنما هو
عيد لمَن قَبِل الله صيامه ، وشكر قيامه
؟ وكلُّ يوم لا يُعصى الله فيه فهو عيد
))(2) .
نعم ، وهذا
بالذات هو سرّ تشريع عيد الفطر وعيد الأضحى ، بعد تلك الرحلة التربوية
الجهادية مع النفس الأمّارة , وضد كلّ الشياطين ،
حينما يفترض بالإنسان أن يترك ـ مختاراً ـ
اُموراً تدعوه إليها غرائزه , وتدفعه نحوها شهواته ، كما ويزيده شوقاً
إلى بعضها حنين الأُلفة والعادة الناشئ عن طول
الممارسة لها .
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
كشف الارتياب / 450 .
(2)
نهج البلاغة بشرح محمد عبده 3 / 355
، الحكمة رقم 428 .
الصفحة (55)
وقد أشار
(عليه السّلام) إلى أنّ انتصار الإنسان في رحلته الجهادية التربوية تلك
في شهر
رمضان المبارك ، وفي أيّام الحج حيث مراعاة تروك
الإحرام ، هو الذي جعل يوم أوّل شوال ، ويوم
العاشر من ذي الحجة عيداً يفرح به الإنسان الصابر المجاهد
.
يوم
الجمعة عيد
ومما يدلّ
أيضاً على عدم انحصار العيد في الفطر والأضحى ، ما روي
عنه (صلى الله عليه وآله) حول يوم الجمعة
: (( إنّ هذا
يوم جعله الله للمسلمين
عيداً ))(1)
. والروايات المصرّحة بكون يوم الجمعة
عيداً كثيرة ، فليراجعها
مَن أراد(2) .
ويلاحظ :
إنّ عدداً من الروايات قد صرّحت بأنه إنّما اعتبر عيد ، بسبب ما حصل
فيه من
الاُمور المهمة ، مثل خلق آدم ، ودخوله الجنة ، وخروجه
منها ، وتوبة الله عليه ، وموته ، وقيام الساعة
فيه(3)
.
كما أنه قد
ورد الأمر بالتزيّن ، ولبس الثياب الجديدة ، وغير ذلك من مظاهر السرور
في هذا
اليوم(4)
.
ثامناً
:
عاشوراء في القرون الثلاثة الاُولى
.
ويقول أتباع
ابن تيمية ، والمدّعون لحرمة المواسم والمراسم : البدعة
وهي ما حدثت بعد القرون الثلاثة مذمومة مطلقاً(5)
. وتقدّم تكرار المانعين لقولهم : إنّ
ذلك لم يكن في القرون
الثلاثة الأولى التي هي خير القرون ، ومعنى ذلك هو أنّ ما حدث في
القرون الثلاثة الأولى لا يكون مذموماً بل هو
مقبول عند هؤلاء .
وعليه فنقول
: قد تقدّم أنّ بني اُميّة ـ وهم في القرن الأوّل ـ قد اتخذوا يوم
عاشوراء عيداً
.
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
سنن البيهقي 3 / 243 ، واقتضاء الصراط المستقيم / 189 ،
وفتح المجيد / 154 .
(2)
راجع سنن الدارمي 1 / 1278 ، سنن ابن ماجة 1 / 349 و415 ، 416 واقتضاء
الصراط المستقيم / 197 ، وسنن النسائي 1 / 194 ، وسنن أبي داود 1 / 281
، ومسند أحمد 4 / 277
و2 / 303 و532 ، والمسند للحميدي 1 / 6 ـ 7 ، والموطأ بهامش تنوير
الحوالك 1 / 190
، والمنتقى 2 / 34 و35 ، ومجمع الزوائد 2 / 195 ، وكشف الأستار 1
/ 449
، وصحيح البخاري 3 / 206
، ومنحة المعبود 1 / 146 ، ومسند الطيالسي / 194 ، ونصب الراية 2
/ 225
، ومستدرك
الحاكم 1 / 288 ، وتلخيص المستدرك بهامشه .
(3)
راجع مسند أحمد 3 / 512
و504 و486 و401 و418 و540 و519 ، وصحيح مسلم 3 / 6 ، وسنن
النسائي 3 / 90ـ91 ، ومسند الطيالسي / 311 ، والموطأ بهامش تنوير
الحوالك 1 / 131
، وكشف
الأستار 1 / 294 ، ومجمع الزوائد 2 / 163ـ164 ، ومنحة المعبود 1 / 139
و140
، والجامع الصحيح
للترمذي 2 / 362 و359 ، وسنن أبي داود 1 / 274 ، وسنن الدارمي 1 / 369
، وعجائب المخلوقات
بهامش حياة الحيوان 1 / 110 ، والترغيب والترهيب 1 / 490 و495 ،
والمنتقى 2 / 41
و13 .
(4)
راجع سنن ابن ماجة 1 / 349
، 348
، وسنن
أبي داود 1 / 283 و282 ، والترغيب والترهيب 1 / 498 ، والمنتقى 2 / 12
و11 ، ومجمع الزوائد 2 / 171
، فما بعده ، والسنن الكبرى للبيهقي 3
أبواب الجمعة .
(5)
كشف الارتياب / 142
عن رسائل الهدية السنية / 47 .
الصفحة (56)
أمّا غيرهم
فقد اتخذوه يوم حزن وأسى وعزاء.
وعلى هذا
فقد انعقد الإجماع المركب من السلف على موسمية يوم عاشوراء ـ
وحسب زعم هؤلاء القائلين بعصمة الإجماع ـ فلا بد من
قبولهم بكونه موسم ، ولا يجوز لهم إحداث قول ثالث
فيه.
وقد تقدّم الكلام في ذلك ، فلا نعيد.
تاسعاً
:
أعياد اُخرى في القرون الثلاثة الاُولى
.
هذا وإذا
كان ما يحدث في القرون الثلاثة الأولى ليس من البدع المذمومة
، وإذا كانوا يحتجّون للمنع عن
المواسم والمراسم بأنها لم تكن في تلك القرون ،
فإن معنى ذلك هو أنّ كلّ ما كان في تلك القرون يكون شرعياً ومقبول ،
ويمكن ذكر اُمور كثيرة
كانت آنئذ ، ونكتفي هنا بذكر الأعياد التالية
:
عيد
النوروز
فبالاستناد
إلى اُسامة ، عن حماد بن زيد ، عن هشام بن محمد بن سيرين
، قال : اُتي علي رضي الله عنه
بهدية بمثل النيروز ، فقال
: (( ما هذا ؟
)) . قالوا : يا أمير المؤمنين ،
هذا يوم النيروز . قال : ((
فاصنعوا كلّ يوم نيروز ))
.
قال اُسامة
: كره رضي الله عنه أن يقول : النيروز
.
قال البيهقي
: وفي هذا الكراهة لتخصيص يوم لذلك لم يجعله الشرع
مخصوصاً به(1)
.
وقال ابن
تيمية : وأمّا علي رضي الله عنه ، فكره موافقتهم في اسم يوم العيد الذي
ينفردون به ، فكيف بموافقتهم في العمل ؟(2)
.
ولكننا
بدورنا لم نفهم مما تقدّم أنه (عليه السّلام) كره موافقتهم بالاسم
، بل نراه
(عليه
السلام) قد صرّح باسمه ، وأحبّ أن يطلقه على كلّ يوم ،
وإلاّ لكان عليه أن يقول مثلاً : فاصنعوا كلّ
يوم مثل هذا .
ونرى أنّه
(عليه الصلاة والسّلام)
قد شجّعهم على أعمال من هذا القبيل
، ولم ينههم عنه ، وإلاّ فقد كان اللازم عليه أن يصرّح
لهم بالنهي عن هذا التخصيص ، ولا أن يكتفي بطلب
عمل ذلك في كلّ يوم .
كما أنه لو كان
(عليه السلام) قد كره ذلك ، فقد كان عليه أن يرفض هديتهم النيروزية
تلك ، ولكنه لم يفعل ذلك
.
ـــــــــــــ
(1)
اقتضاء الصراط المستقيم / 200 ، وراجع / 250 .
(2)
اقتضاء الصراط المستقيم / 201 .
الصفحة (57)
هذا وقد
كانت العادة عامة في الاحتفال بعيد النيروز ، وهو مبدأ السنة
الشمسية ، بتبادل الهدايا ، فكان الخليفة في بغداد
يفرق على الناس أشياء منها صور مصنوعة من عنبر
، منها ورد أحمر مثلاً(1)
.
والمقصود
بالخليفة الذي كان يفعل ذلك هو الذي يلقّبه الحنابلة وأهل الحديث
بـ(محيي
السنّة) ، وكان أحمد بن حنبل من أقرب المقرّبين إليه.
وأعني به
المتوكل العباسي(2)
، وقيل
: إنه أوّل مَن أخّر النيروز
؛ رفقاً بأهل الخراج(3)
. وقيل :
بل أخّره المعتضد(4) .
وكذلك الحال
بالنسبة لأمّ المقتدر العباسي(5)
. وقبل ذلك في زمن المأمون(6)
، والواثق(7)
،
والمنصور. وقيل : قبل هؤلاء جميعاً الحجاج(8)
.
ولعيد
النيروز في مصر وغيرها مراسم خاصة ، لا مجال لذكرها فضلاً عن التفصيل
فيه.
عيد
المهرجان
كما أنّ عيد
المهرجان ـ الذي كان في القرون الثلاثة الأولى ـ قد كانت له أهمية خاصة
أيضاً ، وكانوا يحتفلون به في طول البلاد الإسلاميّة
وعرضها(9)
.
وكان الناس
يتهادون فيه كما يتهادون في النيروز ، وكان
القوّاد ورجال دار الخلافة تخلع
عليهم فيه ملابس الشتاء(10)
.
وأوّل مَن
رسم هدايا النيروز والمهرجان الحجّاج(11)
.
والمقصود
أنه رسمها بشكل واسع ، وأخذ الناس بالعمل به ، وإلاّ فقد تقدّمت
الرواية عن
أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسّلام) أنه قبل هدايا
النيروز.
هذا ولا بد من
التذكير هنا بأنّ علياً (عليه السلام) قد قبل هدية النيروز
، وبعد ذلك ـ وابتدأ من الحجاج ـ أصبح الاحتفال
بالنيروز والمهرجان رسمياً عند الخلفاء ورجال
الدولة والعامة على حدّ سواء ، حتّى عند حامل (محيي السنة) والصديق
الحميم لأحمد بن حنبل . وقد كان العلماء
والصلحاء والفقهاء وغيرهم حاضرين وناظرين ، ولم ينقل لنا أي
اعتراض من أحد منهم على ذلك ، لا في ذلك الزمان ولا
بعده .
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
الحضارة
الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري 2 / 293 .
(2)
الديارات / 57 ، وراجع / 39ـ40 ، ونشوار المحاضرات 8 / 246
، والعامة في بغداد / 253 ـ 254 عنهما وعن عجائب المخلوقات / 121 وعن
صبح الأعشى 2 / 420 .
(3)
محاضرة الأوائل / 142 .
(4)
الكامل لابن
الأثير 3 / 469
ويؤيده ما في نشوار
المحاضرات 1 / 293 .
(5)
نشوار المحاضرات 1 / 293
، وراجع المستطرف 2 / 52 .
(6)
العقد الفريد 6 / 289
، وراجع روض الأخيار / 119 .
(7)
الأغاني 19 / 230 .
(8)
الأوائل 2 / 34 .
(9)
راجع :
حاضرات الأدباء 1 / 424 .
(10)
الحضارة
الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري 2 / 296
عن عدد من المصادر ، والعامة في
بغداد / 255 ، والديارات / 270 ، وليراجع / 231 .
(11)
الأوائل 2 / 34 .
الصفحة (58)
فإذا كان
هؤلاء يستدلّون لعدم جواز الاحتفال بعيد المولد النبوي ونحوه
، بأنه لم يكن في زمن السلف ـ
أعني الذين عاشوا في القرون الثلاثة الاُولى ـ فإنّ عليهم ـ والحالة
هذه ـ أن يعتبروا عيد النيروز
والمهرجان من الأعياد الإسلاميّة ؛ لأنها قد كانت في القرون
الثلاثة ، ولم يعترض عليها أحد ، حتّى أحمد بن حنبل
نفسه فضلاً عن غيره .
عيد
الغدير
هذا ولا
حاجة لنا لإثبات أنّ عيد الغدير إسلامي أصيل ، وقد كان في العصور
الثلاثة
الاُولى ، وعدم صحة قول المقريزي : أوّل ما عُرف في
الإسلام بالعراق ، أيّام معز الدولة علي بن
بويه ، فإنه أحدثه في سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة ، فاتخذه الشيعة من
حينئذ عيداً(1)
.
فإنّ هذا
القول لا يصحّ ولا يمكن قبوله ، فقد قال المسعودي
: وُلد علي رضي الله
عنه ، وشيعته يعظّمون هذا اليوم(2)
.
والمسعودي
قد توفّي قبل التاريخ المذكور ، أي في سنة 346 هـ
.
وروى فرات
بن إبراهيم ـ وهو من علماء القرن الثالث ـ عن الصادق ، عن
أبيه ، عن آبائه (عليهم
السّلام) ، قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
: (( يوم غدير
خمٍّ أفضل أعياد اُمّتي
))(3) .
ونجد أمير
المؤمنين علياً (عليه السّلام) قد اعتبره عيد ، حيث إنه (عليه السّلام)
خطب في
سنة اتّفق فيها الجمعة والغدير ، فقال
: (( إنّ الله
عزّ وجلّ جمع لكم معشر
المؤمنين في هذا اليوم عيدين عظيمين كبيرين )) .
والخطبة طويلة يأمرهم فيها ـ تفصيلاً ـ
بفعل ما ينبغي فعله في
الأعياد , وبإظهار البشر والسرور ، فمَن أراد فليراجع(4)
.
وقد روى فرات
بسنده : عن فرات بن أحنف ، عن أبي عبد الله (عليه السّلام)
: قال : قلت : جعلت
فداك ! للمسلمين عيد أفضل من الفطر والأضحى ويوم
الجمعة ويوم عرفة ؟ قال : فقال لي :
(( نعم ، أفضله
وأعظمه ، وأشرفها عند الله منزلة هو اليوم
الذي أكمل الله فيه الدين ، وأنزل على نبيّه محمد
: اليوم
أكملتُ لكم دينَكم ...
))(5) .
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
الخطط للمقريزي 1 / 288 .
(2)
التنبيه والإشراف / 221 ـ 222 .
(3)
الغدير 1 / 283 .
(4)
مصباح المتهجّد / 698 ، والغدير 1 / 284 عنه .
(5)
الغدير 1 / 284 – 285 ، وتفسير فرات / 12 .
الصفحة (59)
وفي الكافي
: عن الحسن بن راشد ، عن الإمام الصادق (عليه السّلام) أيضاً : أنه
اعتبر يوم الغدير
عيداً ، وفي آخره قوله
: (( فإنّ
الأنبياء صلوات الله عليهم
كانت تأمر الأوصياء باليوم الذي كان يُقام فيه الوصيَّ أن يُتّخذ عيداً
)) . قال قلت : فما لمَن صامه ؟
قال : ((
صيام ستّين شهراً ))(1)
.
ويؤيّده ما
رواه الخطيب البغدادي ، بسندٍ عن رجاله كلّهم ثقات ، عن
أبي هريرة
: (( مَن صام
يوم ثماني عشر من ذي الحجّة كُتب له صيام ستين شهراً ،
وهو يوم غدير خمٍّ ))(2)
.
وفي رواية
اُخرى : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أوصى علياً
(عليه السّلام) أن يتخذ ذلك اليوم عيداً(3)
. وليراجع
ما رواه المفضل بن عمر ، عن الصادق (عليه السّلام)(4)
. وما روي عن عمار بن حريز العبدي
، عنه (عليه السّلام)(5)
, وعن أبي الحسن الليثي ،
عنه (عليه السّلام) , وعن زياد بن محمد ، عن
الصادق(عليه السّلام)(6)
.
وقال الفياض
بن عمر الطوسي سنة تسع وخمسين ومئتين ، وقد بلغ التسعين
: إنّه شهد أبا
الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) في يوم الغدير
، وبحضرته جماعة من خاصّته قد احتبسهم للإفطار
، وقد قدم إلى منازلهم الطعام والبر والصلات والكسوة حتّى الخواتيم
والنعال ، وقد غيّر من أحوالهم وأحوال حاشيته ، وجددت
لهم آلة غير الآلة التي جرت الرسم بابتذالها
قبل يومه ، وهو يذكر فضل اليوم وقدمه(7)
.
وفي مختصر
بصائر الدرجات ، بالإسناد ، عن محمد بن علاء الهمداني الواسطي
، ويحيى بن جريح البغدادي ،
قالا في حديث : قصدنا جميعاً أحمد بن إسحاق القمّي ، صاحب الإمام أبي
محمد العسكري ، المتوفّى 260 هـ بمدينة قم ، وقرعنا
عليه الباب ، فخرجت إلينا من داره صبية عراقية
، فسألناها عنه ، فقالت : هو مشغول بعيده ، فإنه يوم عيد . فقلنا :
سبحان الله ! أعياد الشيعة أربعة ؛ الأضحى ,
والفطر ، والغدير , والجمعة(8)
.
وبعد ، فقد حشد
العلاّمة الأميني في كتابه القيّم (الغدير) عشرات النصوص
, عن عشرات
المصادر الموثوقة عند أهل السنّة ، والتي تؤكّد على
عيدية يوم الغدير في القرون الاُولى ، وأنه قد
كان شائعاً ومعروفاً في العصور الإسلاميّة الاُولى .
وتكفي مراجعة
الفصل الذي يذكر فيه تهنئة الشيخين أبي بكر وعمر لأمير
المؤمنين (عليه السّلام) بهذه المناسبة ، فقد
ذكر ذلك فقط عن ستين مصدراً
.
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
الكافي 4 / 148 – 149 ، والغدير 1 / 285
، عنه ومصباح المتهجّد / 680 .
(2)
تاريخ البغدادي 8 / 290 ، وأشير إليه في تذكرة الخواصّ / 30 ، والمناقب
للخوارزمي / 94 ، وفيه ستين سنة بدل ستين شهر ، ومناقب الإمام علي لابن
المغازلي / 19
، وفرائد
السمطين الباب 13 / ج 1 / 77 ، مثل ما في مناقب الخوارزمي ، والغدير1 /
401 – 402
، عنهم وعن زين الفتى للعاصمي .
(3)
الكافي 4 / 149 ،
والغدير 1 / 285 – 286.
(4)
الخصال 1 / 264 ، والغدير 1 / 286 .
(5)
مصباح المتهجّد / 680 ، والغدير 1 / 286 .
(6)
مصباح المتهجّد / 696 .
(7)
الغدير 1 / 287 ، ومصباح المتهجّد / 696 .
(8)
الغدير 1 / 287 .
|