من قضايا النهضة الحسينيّة

 
 

الصفحة (1)

من قضايا النهضة الحسينيّة

( أسئلة وحوارات )

الجزء الأول

تأليف : فوزي آل سيف


الصفحة (2)

 

كلّ الحقوق محفوظة

الطبعة الأولى

1423 هـ ـ 2002 م


الصفحة (3)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين


الصفحة (4)

 


الصفحة (5)

المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين  .

هذه الصفحات عطاء من بركات الموسم الحسيني في محرّم ، وقد بدأت فكرتها عندما كنت اُخصّص الليلتين الأخيرتين ( الثانية عشر والثالثة عشر ) من ليالي المحرّم للإجابة عن الأسئلة التي تدور في أذهان المستمعين ، وقد كان يتمّ الإعلان منذ بداية الموسم عن تخصيص الليلتين الأخيرتين لهذا الموضوع ؛ فكان الإقبال على الفكرة والتفاعل معها جيداً .

فلا يقترب موعدهما إلاّ وقد اجتمعت حصيلة كبيرة من الأسئلة المختلفة ، وهي غالباً في محاور متعدّدة :

فمنها ما يرتبط بمواضيع الموسم نفسه ؛ من طلب إيضاح لنقطة معينة ، أو الاعتراض على استفادة الخطيب منها ، أو اقتراح في نفس الموضوع ، أو غير ذلك .

ومنها ما يرتبط بالسيرة أو الثورة الحسينيّة ، وهذه كانت تشكّل القسم الأكبر في الأسئلة ؛ سواء تلك التي تطرح مواضيعها في نفس هذا المجلس ، أو ما يسمعه المؤمنون في مجالس ومحاضرات أُخرى ، فيقومون بالسؤال عنه ؛ لكي يُجاب عنه في هاتين الليلتين .

ومنها ما هو عام ؛ سواء كان في الثقافة الإسلاميّة ، أو في المسائل الشرعية .

والغالب أنّه كان يتمّ تصنيف الأسئلة المتشابهة ويُجاب عليها بما يناسب المقام من حيث الحضور والوقت و... .


الصفحة (6)

ثمّ إنّه قد اجتمعت أعداد من الأسئلة المختلفة ، لاسيما في المسألة الحسينيّة ؛ فراق لي أن أكتبها ، وأن تكون الإجابة بنحو أكثر تفصيلاً ، وإن بقيت في نفس المستوى العام الذي يستفيد منه الأكثر من الجمهور .

ولمّا كانت بعض المحاضرات في أكثر من موسم تتصل اتصالاً مباشراً بأمر السيرة الحسينيّة من حيث فوائدها وضرورتها ، ومن حيث لزوم تصحيحها وتنقيحها بما يحفظ لأهل البيت (عليهم السّلام) صورتهم القدسية الواقعية ؛ فقد أدرجت مختصراً عنها في البداية .

وذلك أنّه يلاحظ المتأمّل منهجين متطرّفين :

فهناك مَنْ يحشو في السيرة ما ليس ثابتاً ، بل ربما ما عدمه هو الثابت ، بزعم ذكر المصائب العظيمة التي وقعت على أهل البيت (عليهم السّلام) ، وأنّ في ذلك ثواباً كبيراً ؛ لأنّه يسهل عملية الإبكاء ، وتشمله روايات (( مَنْ بكى أو أبكى )) .

وهذا غير صحيح ؛ فإنّ إعطاء الثواب على البكاء والإبكاء أمر صحيح ولا ريب فيه ، حيث أثبتته الروايات الصحيحة ، إلاّ أنّه لا يتكفّل بتصحيح قول غير الحقّ ، بل روايات البكاء مقيّدة أساساً بأنّه بكى ( لما أصابنا ) ، وما يُقال من غير حجّة شرعية لا يشمله أنّه ما أصابهم .

نعم ، لو اعتمد الخطيب على روايات ضعيفة ، أو قول لبعض السابقين وذكره برجاء أن يكون الواقع فلا مانع منه ؛ لقاعدة التسامح بناء على شمولها للمورد .

والمنهج الآخر : هو المسارع إلى النفي ، والحذف ... فما أسرعه في قول أنّ هذه الرواية غير ثابتة ، وتلك غير معقولة ، والثالثة لا يمكن قبولها ... إلخ .

ونحن مع إدراكنا لحقيقة أنّه ليس كلّ ما ورد في كتب السيرة صحيحاً ، إلاّ أنّه كما أنّ الإثبات يحتاج إلى استدلال فإنّ النفي ـ مع وجود تلك الروايات في كتب السيرة والتاريخ في الجملة ـ أيضاً بدوره يحتاج إلى استدلال ، ولا يمكن أن يُتمسّك هنا بالأصل كما يفعله بعضهم لنفي ما يشاء , وكلاهما غير صحيح .

ونحن نحتاج إلى نهضة من قبل العلماء الأفاضل أن يصرفوا جهداً في مجال تحقيق ، وتنقيح السيرة الحسينيّة ، بحيث يعتمد فيها على الروايات الصحيحة ، أو محتملة الصحّة ، مع الإشارة إلى كلّ قسم منها ، وتُستبعد


الصفحة (7)

منها تلك الروايات المعلوم عدم صحتها ، أو المعلوم مخالفتها للأصول المسلّمة .

وهذه الصفحات ـ التي دوّنت أغلبها في مدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، عند تشرّفي بزيارته في حجّ 1422 هـ ، حيث كنت أقتنص بعض الوقت للكتابة فيها ـ محاولة أوّلية لتوجيه بعض ما يُقرأ في السيرة الحسينيّة ، بحيث يكون قريب المأخذ من الذهن العام ، المستمع لمجريات السيرة الحسينيّة في كلّ عام على الأقل مرّة واحدة في عشرة المحرّم الأولى ؛ فإنّ قراءة روايات السيرة تثير من الإعجاب وتقديس البطولة ، ومن محاولات الاقتداء والتأسي بمقدار ما تثير من الأسئلة عن العلل والكيفية .

لماذا صنع الإمام كذا ؟ وما هي كيفية الحادثة الفلانية ؟ وهل تنسجم القضية الكذائية مع المفاهيم العامة الدينية ؟

وهذا من بركات المنابر الحسينيّة وغيرها من وسائل التثقيف والتوعية والتي رفعت من المستوى الفكري العام للناس ؛ فأصبح المستمع قادراً ـ بنسب متفاوتة ـ على التحليل والربط والتساؤل , وهذا يحمّل الخطباء والمحاضرين مسؤولية مضاعفة ، نسأل الله أن يوفّقنا وإيّاهم لتحمّلها .

فوزي آل سيف

تاروت ـ القطيف


الصفحة (8)

 


الصفحة (9)

1

السيرة الحسينيّة وضرورة تنقيحها

 


الصفحة (10)

 


الصفحة (11)

أهمية سير الأبطال في المجتمعات

1 ـ من أهم ما تقوم به سير الحياة الشخصية للعظماء صناعة القدوة للأطفال والأحداث من أبناء المجتمع ؛ فإنّ هؤلاء إذا نظروا وهم في حداثة سنهم إلى تقدير المجتمع لأبطاله يتحوّل هؤلاء في أذهانهم إلى طموح أعلى ، ومثل أسمى يظلّ يشرق في أنفسهم ؛ ولذا فإنّهم في تلك السنّ المبكّرة يحاولون أن يحاكوا الطريقة التي عاش عليها اُولئك الأبطال , ولذا نفهم ما يقوم به الغرب من تقديم قدوات وأبطال على مقاييسه بالنسبة لأطفالنا وشبابنا اليوم ، ونفهم خطورته أيضاً .

فهم لكي يبينوا التفوّق الأمريكي ، ويحوّلوه إلى ثقافة يقدّمون لنا نماذج ( البطولة والقوّة ، والمثل العليا في صورة أفلام وكارتون ) .

2 ـ تعطي دراسة السير الشخصية لأبطال الأُمّة شعوراً للفرد والمجتمع بأنّه ينتمي لتاريخ ممتدّ ولجيل صالح . وهذا له كبير الأثر على سلوكه ؛ فإنّ شعور الفرد مثلاً أنّه ينتمي إلى عائلة شريفة يصنع له دافعاً إضافياً للصلاح ، ويحجزه في كثير من الأحيان عن تناول الصغائر ، وكذا حين


الصفحة (12)

يشعر بالانتماء إلى مجتمع وتاريخ زاهر ، ومنه قول أمير المؤمنين (عليه السّلام) في كتابه لواليه مالك الأشتر النخعي : (( ... ثمّ ألصق بذوي الأحساب ، وأهل البيوتات الصالحة ، والسوابق الحسنة ، ثمّ أهل النجدة والشجاعة ، والسخاء والسماحة ؛ فإنّهم جماع من الكرم ، وشعب من العرف ... ))(1) .

بينما الأشخاص الذين لا تاريخ لهم ولا ينتمون إلى جيل صالح يكونون أقرب إلى المسيرة الخاطئة(2) .

وهذا ما يذكره علماء الاجتماع حين يتعرّضون إلى بيان الأسباب التي تؤدّي لكثرة الجريمة في التجمعات البشرية الخليطة من أجناس مختلفة ، ومستويات ثقافية متعدّدة ، بالقياس إلى تلك المجتمعات التي تمتلك تاريخاً موحّداً وثقافة مشتركة .

من ذلك وجدنا القرآن يتحدّث عن قصص السابقين ؛ سواء في أدوارهم الايجابية لصناعة القدوة ( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ )(3) ، أو في الجهات السلبية بالتنفير من نماذج الرذيلة والانحراف والعصيان .

وفي إطار صناعة القدوة الطيّبة ، وربط الناس بها نجد أنّه قد حرصت الأحاديث على ربط الناس بتلك الصفوة من البشر محمّد (صلّى الله عليه وآله الطاهرين) ، كما يفهم من التأكيد على ذكرهم والصلاة على النبي وآله في المصادر الإسلاميّة .

أهمية السيرة الحسينيّة

ومع أنّه في حياة الأشخاص توجد جهات شخصية لا تتكرّر ، مثل طوله وعرضه ، ولون بشرته وصفاته الخَلقية والجسمية ، ونسبه ، إلاّ أنّ

ـــــــــــــ
1 ـ عبده ، محمّد ، نهج البلاغة ، دار المعرفة ـ بيروت .
2 ـ بالطبع ليس ذلك على نحو الحتمية والجبر ،  ولكن الكلام في الظروف المساعدة على نمو الفضيلة وأضدادها .
3 ـ سورة الحشر / 2 .

الصفحة (13)

هناك أموراً عامّة هي محلّ الإقتداء مثل : أخلاقه وسيرته ، والنظام الحياتي الذي كان عليه ، وجهاده ونصره للدين .

وهذا ما يدعونا إلى دراسة سيرة النبي والمعصومين (عليهم السّلام) ، ومن هؤلاء الإمام الحسين (عليه السّلام) . ففيها إضافة إلى ما سبق :

ـ أنّها إطلالة على تاريخ الإسلام في القرن الأوّل ؛ فإنّ معرفة ما جرى في ذلك القرن يجعل المسلم واعياً بالنتائج التي وصلت إليها الأُمّة فيما بعد ، بينما يبقى اُولئك الذين لا رؤية واضحة لهم بالنسبة للأحداث التي حصلت فيه ، غير قادرين على فهم الكثير من النتائج ؛ حيث إنّها مربوطة بمقدّماتها .

ـ متابعة مسيرة مجتمع احتوى على مختلف النماذج ؛ الانتهازي والمتفاني ، عابد الدنيا والمشتاق إلى الآخرة ، الشيخ الكبير الذي هو بهمّة الشباب ، والحدث الذي هو برأي الشيوخ ، الحرّ العبد والرّق المتحرّر ... ويستطيع الإنسان أن يعتبر بما وصل إليه كلّ واحد من نتيجة في عاجل حياته ، وما الذي ينتظره بحسب القواعد الكلامية ، من جزاء في الآخرة .

تنقيح السيرة الحسينيّة

جرت العادة في المجتمعات الشيعية على قراءة السيرة الحسينيّة لاسيما أيّام العشرة الأولى من محرّم الحرام في كلّ عام ، وحيث إنّها تُكرّر كذلك فإنّها تتحوّل إلى جزء من الموروث الثقافي لأبناء المجتمع ، وتؤثّر في فكرهم وسلوكهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون ؛ ولذا كان أمر تصحيح السيرة وتنقيحها ، وعدم ذكر المستهجن أو غير المقبول في العقول إلاّ مع التوضيح ، فضلاً عن غير الصحيح ، أمراً مهمّاً .


الصفحة (14)

وينبغي أن يُشار إلى قضية مهمّة وهي : أنّه لا ينبغي أن يُشكك في المسائل الثابتة بزعم أنّنا نقوم بتنقيح السيرة ، أو أنّنا لا نحبّ هذه الجملة ، أو تلك الواقعة ، فنقوم بحذفها من السيرة ؛ فهذا عمل خاطئ ، بل هو خيانة للتاريخ لو كانت الجملة ثابتة ، والنصّ صحيحاً .

وكذلك الحال عندما يُستطرق من بعض الاُمور التاريخية غير الثابتة إلى التشكيك في جملة السيرة وأحداثها ؛ فإنّ ذلك أمر خطر .

نعم ، السيرة كسائر أخبار المصادر التاريخية فيها الصحيح وفيها غير ذلك ، ولكن بحمد الله لم يتطرّق الخلل إلى أصل السيرة ، ولا إلى أحداثها الأساسية التي تنفع في الاقتداء والتأسّي ، ومع ذلك نحن نحتاج إلى تنقية ما علق بها .

وهذا الأمر لا لجهة أنّ الآخرين ينتقدوننا ، وإنّما لجهة أنّ بقاء مثل هذه الشوائب يشوّه الصورة الحقيقية لصاحب السيرة العظيم .

وفي الواقع ينبغي الالتفات إلى توجّهين خاطئين : الإصرار على أنّ كلّ ما في السيرة المنقولة في الكتب من غير تحقيق هو شيء مقدّس لا تطاله يد المحققين والمناقشة . وهذا خطأ ، لا سيما عندما نرى وجود قصص في بعض الكتب لا مصدر لها أصلاً ، أو أنّ مصدرها غير معتمد ولكن يتمّ التركيز عليها مثلاً من باب أنّها أكثر شجاً وأجلب للدمعة والحزن .

والتوجّه الآخر معاكس لهذا بالتمام ، فهو يفترض أنّ الشك هو الأساس ، وأنّ كلّ ما لا يقبله عقله ، أو لم يصل إلى علمه فهو غير صحيح يجب حذفه ولو كانت أسانيده تامّة ، ولا يترتب عليه محذور سوى مخالفته للمألوف ، أو للنهج الفكري الذي يعتمده ذلك الشخص .

ولقد بادر علماؤنا ومحدّثونا مشكورين إلى ذكر هذه المسائل والتحذير منها في نصائحهم للخطباء وقرّاء التعزية الحسينيّة ، فاعتبروا


الصفحة (15)

أنّ ممّا يعدّ كذباً ولا يجوز أخذ الأجرة عليه هو افتعال الروايات غير الصحيحة ، أو نقلها على نحو الجزم ، ولو كانت تؤدّي إلى غرض حسن ، وهو إشعار الناس بعظم مظلومية أهل البيت (عليهم السّلام) .

فقد كتب المحدّث النوري (رحمه الله) كتاباً في آداب خطباء المنبر باللغة الفارسية باسم (لؤلؤ ومرجان) ، وضمّنه الكثير من النصائح في لزوم التثبت في النقل .

ويذكر المحدّث الشيخ عباس القمّي عن كتاب (الأربعين الحسينيّة) للميرزا محمّد بن محمّد تقي القمّي(1) نصيحة بالغة وموعظة جامعة ، منها : ... وأضحى جماعة من ذاكري المصائب لا يتورّعون عن اختراع وقائع مبكية ، وكثر اختراع الأقوال منهم ، واعتبروا أنفسهم يشملهم الحديث (( مَنْ أبكى فله الجنة )) ، وشاع هذا الكلام الكاذب مع الأيام حتّى صار يظهر في مؤلّفات جديدة ، وإذا حاول محدّث أمين مطلع منع هذه الأكاذيب نسبوها إلى كتاب مطبوع ، أو كلام مسموع ، أو تمسّكوا بقاعدة التسامح في أدلّة السنن ، وتوسّلوا منقولات ضعيفة توجب اللوم والتوبيخ من الملل الأخرى ، كجملة من الوقائع المعروفة التي ضبطت في الكتب الجديدة في حين أنّه لا عين ولا أثر لهذا الوقائع عند أهل العلم والحديث ، كعرس القاسم في كربلاء الذي نقله في كتاب (روضة

ــــــــــــــــــــ
(1) الميرزا محمّد بن محمّد القمي : كان له من الفقاهة والاجتهاد مقام سامٍ ، ورتبة عالية ، وقد سافر في أوائل شبابه إلى العتبات الشريفة ، وحضر عند الميرزا الشيرازي واستفاد منه ، وكانت عمدة تلمذه في الفقه والأصول على يد الحاج الميرزا حبيب الله الرشتي ، والملاّ كاظم الخراساني ، وبعدما أكمل دراسته للعلوم الدينية ، وحصل على القوّة القدسية وأجيز بالاجتهاد ... عاد إلى وطنه (قم) ، وظهرت له الرئاسة العامة ، والشهرة التامّة ، وذاعت شهرة فقاهته وفضيلته جميع الأصقاع ، وقرعت كلّ الأسماع . عن منازل الآخرة ـ للمحدّث القمّي .

الصفحة (16)

الشهداء) من تأليف الفاضل الكاشفي ، وقام الشيخ الطريحي وهو من أجلّة العلماء والمعتمدين بنقله عنه ، ولكن في كتاب (المنتخب) أمور كثيرة جرى التساهل والتسامح بها ، وهي لا تخفى على أهل البصيرة والاطّلاع(1) .

وأشار غيره من الفقهاء والمحقّقين إلى لزوم التدقيق فيما يُذكر في واقعة كربلاء ؛ فهذا السيد الأمين (رحمه الله) يقول مبيّناً خطورة ما يلجأ إليه بعض الخطباء : (... ولكنّ كثيراً من الذاكرين لمصابهم قد اختلقوا أحاديث في المصائب وغيرها لم يُذكر مؤرّخ ولا مؤلّف ، ومسخوا بعض الأحاديث الصحيحة وزادوا ونقصوا فيها ؛ لما يرونه من تأثيرها في نفوس المستمعين الجاهلين بصحة الأخبار وسقمها حتّى حُفظت على الألسن ، وأودعت في المجامع ، واشتهرت بين الناس ، ولا من رادع ، وهي من الأكاذيب التي تغضبهم (عليهم السّلام) ، وتفتح باب القدح للقادح ؛ فإنّهم لا يرضون بالكذب الذي لا يُرضي الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد قالوا لشيعتهم : (( كونوا زيناً لنا ولا تكونوا شيناً علينا )) .

وقد اكتسبوا ـ هم ومَنْ قبلها منهم وأقرّهم عليها ـ الإثم المبين ؛ فإنّ الله لا يُطاع من حيث يُعصى ، ولا يتقبّل الله إلاّ من المتقين ، والكذب من كبائر الذنوب الموبقة ، لا سيما إن كان على النبي (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين ...)(2) .

وهنا ينبغي التفريق بين عدم الثبوت ، وعدم تعقله من قبل السامع ، وقد يغفل عن هذا التفريق كثير من الناس ، فقد يكون شيء غير ثابت من الناحية التأريخية ، وهذا يختلف عن أنّه لا يتقبّله ذهن هذا الإنسان ؛ فقد يكون المستوى الذهني لهذا الشخص غير مؤهّل لقبول بعض

ـــــــــــــــــــ
(1) منتهى الآمال ـ للمحدّث القمّي 1 .
(2) المجالس السنية في مناقب ومصاب العترة النبوية ـ للسيد محسن الأمين .

الصفحة (17)

الحقائق ، ولكن لا يعني عدم تحقّقها وعدم وجودها تماماً ، كما إنّنا نجد اليوم حقائق في حياتنا المعاصرة لو سمعها الأقدمون لم يقبلها عقلهم .

وربما يزعم البعض بأنّ التهويل والتضخيم للمصائب يقع في دائرة (حدّثوا شيعتنا بأعظم ما وقع علينا) ؛ لبيان مظلوميتهم ومأساتهم . وهذا غير صحيح ؛ فإنّ فيما وقع عليهم ممّا صحّ نقله شيئاً كثيراً يُستغنى بمثله عن افتعال بعض القصص ، أو زيادة الأقوال ، خصوصاً إنّ هذا الأثر(1) يقول : (بأعظم ما وقع علينا) , أي لا بدّ من إحراز أو الاطمئنان بكونه ممّا وقع عليهم ، ثمّ ينتخب الأعظم منه ، لا أعظم ما لم يقع عليه .

لقد كان آية الله الشيخ الشوشتري(2) يصعد المنبر ويصرّح بأنّه لا يحتاج المرء إلاّ إلى التأمّل في بعض الروايات التاريخية الثابتة ويستنطقها ليرى عظم المصيبة التي حلّت بأهل البيت (عليهم السّلام) ، فلماذا يأتي البعض بروايات غير صحيحة ، أو يبالغون في قسم من القضايا , وهذا ما يظهر لكلّ قارئ لكتابه المواعظ أو الأيام الحسينيّة !

فليس معنى التحقيق في الروايات التاريخية تجريدها من الجانب المأساوي ، أو حذف مواضع المصيبة ، وإنّما يعني أن تُذكر المصائب الحقيقية ، وهي كثيرة جدّاً .

ـــــــــــــــــــ
(1) مع أنّ البعض ينقله باعتباره حديثاً عن الأئمّة (عليهم السّلام) ، إلاّ إنّني لم أجده بهذا النصّ في مصدر يعتمد عليه بالمقدار الذي وسعني البحث .
(2) فقيه من تلامذة الشيخ الأنصاري ، رُجع إليه في التقليد في منطقته بجنوب إيران ، وكان يصعد المنبر يعظ ، ويقرأ السيرة الحسينيّة بنحو قلّ نظيره ، له من الآثار المطبوعة في مجال المنبر ( الخصائص الحسينيّة ) .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى