الإمام الحسين (ع) مصباح هدى وسفينة نجاة

 
 

 

 الإمام الحسين (عليه السّلام)

 

مصباحُ هدىً وسفينةُ نجاةٍ


المؤلّف : آية الله السيد محمّد تقي المدرسي


الصفحة (2)


الصفحة (3)

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الإمام الحسين بن علي (عليهما السّلام) : (( دخلتُ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعنده أُبيّ بن كعب , فقال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : مرحباً بك يا أبا عبد الله , يا زين السماوات والأرضين . فقال له اُبيّ : وكيف يكون يا رسول الله زين السماوات والأرضين أحد غيرك ؟!

فقال : يا اُبيّ , والّذي بعثني بالحقّ نبيّاً , إنّ الحسين بن عليّ في السماء أكبر منه في الأرض ؛ فإنّه لَمكتوب عن يمين عرش الله : مصباح هدى , وسفينة نجاة , وإمام خير ويمن , وعزّ وفخر , وبحر علم وذخر . وإنّ الله عزّ وجلّ ركّب في صلبه نطفة طيّبة مباركة زكيّة)) .


بحار الأنوار 36 / 204 , الحديث 8


الصفحة (4)

 


الصفحة (5)

 

تمهيد

لقد اصطفى الله من عباده الصالحين أئمة هداة ، وجعلهم حججاً بالغة على جميع خلقه ، وقال : (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ)(1) , وقال سبحانه : (أولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)(2) .

أوَلم يكف البشرية رسول واحد يستضيء بنوره الناس على مر العصور ؟ دعنا نعود إلى البداية لنعرف الإجابة . أو تدري متى تتوقف عقارب الزمن ويتكلس العصر ، ويتجمد الإنسان ويسوده التخلف ، ويحكم الإرهاب ويتسلط الظالمون ؟

الزيف غياب المسؤوليّة

تماماً عندما ترين على الأفئدة طبقة سوداء من الأفكار التبريرية والمعاذير الخادعة ، فيتحلل كل الناس عن مسؤولياتهم ، كلّ باسم عذر وبتبرير كاذب ؛ فيقول البسطاء والمستضعفون : إننا لا نعرف طريقاً لمقاومة الظالمين ، إنما نحن بائسون محرومون نتبع كبراءنا وساداتنا , أو السابقين الأولين من آبائنا ، كما يصف القرآن الكريم ذلك بقوله : (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ)(3) .

ــــــــــــــــــــــ
(1) سورة السجدة / 24 .
(2) سورة الأنعام / 90 .
(3) سورة الأعراف / 173 .

 الصفحة (6)

أمّا الأثرياء فهم الذين يخافون الفقر , ويخشون المساواة والمحرومين , ويقولون : (وَقَالُوا إِن نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أرْضِنَا)(1) , ويقولون : (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الاَرْذَلُونَ)(2) .

بينما تجد أنصاف المثقفين وأدعياء الدين يسكتون عن الباطل , ويداهنون الظالمين , ويرضون بفتات من خيرات السلطان ، وكما يصفهم القرآن : (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً)(3) , ويقول عزّ مَن قائل : (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ)(4) .

وإنّ هؤلاء هم أخطر الفئات على المجتمع ؛ لأنّهم يسرقون سلاح العلم والدين من أيدي المحرومين ، ويضعونه بأيدي المستكبرين والطغاة لقاء دراهم معدودة . وليس لا يقاومون الظلم والاستكبار فقط ، وإنما يحذّرون الناس ويشيعون بينهم أفكاراً سلبية وانهزاميّة ، وما الأمثلة الجاهليّة الشائعة حتّى اليوم بين الطبقات المحرومة إلاّ من بقايا ثقافة وعّاظ السلاطين , وخول الطغاة من المتثقفين الخونة وأدعياء الدين السفلة .

إنّهم أشاعوا بين الناس بأن السلطان ظل الله ، وأنّ مَن تسلّط على الرقاب بالسيف فهو أحق الناس بالطاعة ، وأنّ الحشر مع الناس عيد وإن كان إلى سعير جهنم ، وأنّ معنى التقاة السكوت عن الطغاة ، وأنّ اليد التي لا تقدر على قطعها استسلم لها وقبّلها ، وأنّ مَن تزوّج اُمّي فقد أصبح أبي وعمي ... وعشرات من الأفكار الشيطانيّة الزائفة .

إنّ هذه الطبقة من زيف المعاذير الشيطانيّة ، والأفكار الانهزاميّة والسلبية التي غلقت أفئدة الناس بمختلف فئاتهم , كانت وراء فساد

ــــــــــــــــــــ
(1) سورة القصص / 57 .
(2) سورة الشعراء / 111 .
(3) سورة البقرة / 79 .
(4) سورة المائدة / 13 .

 الصفحة (7)

السلطة ، وزيغ الثقافة ، وسوء التربية والأخلاق ، والفقر والظلم والحرمان , وما يستتبع ذلك من العصيان والشرك والكفر . فيا ترى أنّى لنا النجاة منها ؟

لقد أودع الله في ضمير البشر فطرة طاهرة , وعقلاً نيّراً , ونفساً لوّامة ، وهو القائل : (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)(1) . وأيّد ذلك الضمير برسالاته التي تواترت ، وكتبه التي تواصلت .

كلّما امتدت يد التحريف إلى رسالة ، وفسّرها خدم السلاطين المترفين تفسيرات خاطئة , ابتعث الله رسولاً قائماً برسالات الله ؛ لتكون حجة عليهم . ثم أكمل حجته بأوصياء هداة , وصدّيقين شهداء ، تصدّوا للتأويلات الباطلة والتفسيرات التحريفيّة حتّى أبانوا الحق وأظهروه ، ودحضوا الباطل وأسقطوه .

إنّ أعظم محاور الرسالات وأعظم أهداف الرسل وخلفائهم ، كان تبديد زيف التأويل الباطل عن الدين ، ونفي الأعذار الشيطانيّة التي تخلّف الناس عن الدين بسببها .

وقد خاض أنبياء الله وأولياؤه المؤمنون صراعاً مريراً من أجل نسف الأعذار والتأويلات الزائفة التي نشرها أدعياء الدين بين الناس , وسعوا جاهدين لكي يبقى مشعل الرسالة زكياً نقياً وضّاءً بعيداً عن زيف التبرير وزيغ التأويل ؛ لكي لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل .

لقد رسموا بجهادهم وجهدهم , وكذلك بدمائهم الزكية , خط الرسالة التي تتحدى الطغاة المستكبرين في الأرض ، المتسلطين على

ــــــــــــــــــــ
(1) سورة الشمس / 7 ـ 8 .

 الصفحة (8)

الناس زوراً وعدواناً ، والمترفين المستغلين لجهود المستضعفين والعلماء الفاسدين الخانعين اليائسين .

وكانت نهضة أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) علماً بارزاً في هذا الطريق الشائك ؛ حيث كانت رسالة جدّه المصطفى (عليه وعلى آله صلوات الله) أعظم انتفاضة للضمير وتوهج العقل ، وأسمى ابتعاث لدين الله الخالص من زيغ التأويل وزيف التبرير .

لقد كانت المشكاة الصافية التي أضاء عبرها مصباح الوحي كل الآفاق ، ولكنّ الشجرة الاُمويّة الملعونة في القرآن التي جسدت في الجزيرة العربية دور فراعنة السلطة والثروة ، ودهاة المكر والتضليل ، والتي صدّت عن سبيل الله والرسالة في بدر واُحد والأحزاب ، لقد كانت هذه الشجرة لا تزال قائمة , وقد أوكلت مهمة اجتثاثها وتصفية الرواسب الجاهليّة التي تغذيها إلى خلفاء الرسول (صلّى الله عليه وآله) .

وها هم طفقوا يتسلّلون إلى المجتمع الناشئ ليزرعوا فيه بذور النفاق والشقاق ؛ إنهم كما الخلايا السرطانيّة امتدوا إلى كل نفس طامعة ، وقلب حاقد ، ومستكبر يتوثّب للسلطة ، ومترف يبحث عن مصالحه .

وفي غفلة من الزمن تحققت رؤيا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي أخبر أصحابه عنها ذات يوم , أنه رأى قردة ينزوون على منبره .. فإذا بهذا الحزب الاستكباري يستغل الأوضاع المتوتّرة في عهد عثمان ، ويقوم بما يشبه انقلاباً عسكرياً يقوده ابن أبي سفيان معاوية ، ويخوض أصحاب النبي الميامين بقيادة أميرهم المقدام وإمامهم الهمام سيد الأوصياء علي بن أبي طالب (عليه السّلام) , يخوضون ضدهم حرباً ضروساً في صفّين لا تختلف عن حروب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ضد سلطة قريش .


 الصفحة (9)

وإذا سقط الإمام علي (عليهم السّلام) شهيداً في محراب الكوفة بسيف غادر شحذه بنو اُميّة ، وإذا مضى نجله الإمام الحسن (عليهم السّلام) مسموماً ضمن مؤامرة اُمويّة , فإنّ للإمام الحسين دوراً متميّزاً في كربلاء ؛ حيث يقتلع جذور الشجرة الخبيثة بإذن الله ، وبالدم المظلوم الذي يهزم سيف البغي والعدوان ، ولا يكون هنا غدر ابن ملجم وسم جعدة . كلا , لقد جاء دور المواجهة السافرة .

كربلاء مشعل كشف الزيف

وهكذا أصبحت ملحمة كربلاء رمز المواجهة بين الحنفيّة البيضاء والشرك المتلصص ، بين الحقّ الخالص الصريح والباطل المدنس المزخرف ، بين الشجاعة والبطولة والتحدي وبين التذبذب والانطواء والتبرير .

وأصبح الإمام الحسين (عليهم السّلام) لواءً منشوراً لكل مَن يريد مقاومة الحكّام المتستّرين بالدين ، وتحريف العلماء الخونة للدين , وسكوت المتظاهرين بالدين , وضد الدين المزيّف الذي أضحى سلاحاً فتّاكاً على الدين الحق ، وضد المتظاهرين بالدين الذين تظاهروا ضد الخط الإيماني الصادق .

وهكذا أضاء أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) على امتداد التاريخ درب المؤمنين المستضعفين الذي تآمر ضدهم ثالوث النفاق والدجل والجبن ، هؤلاء المحرومين الذي تظاهر ضدهم المهووسون بالسلطة , ووعّاظ السلاطين , والمترفون مصاصو دماء الفقراء .

وأية راية حق حاربت من أجل الله حملت شعار (يا لثارات الحسين) ، وأي تجمع صالح قرر التحدي وضع نصب عينيه دروس


الصفحة (10)

كربلاء ، وأي رجل عقد العزم على أن يكون فداء لدينه كان مثاله الأسمى السبط الشهيد .

وتبقى حاجتنا إلى مشعل سيد الشهداء ما دمنا نواجه نفاقاً اُمويّاً، ودجلاً شريحياً ، وخيانة كالتي كانت عند أهل الكوفة .. وأنّى يكون لنا يوم نتخلّص من هذا الثالوث الخبيث ؟! كلا , ما دامت الدنيا باقية فإنّ فتن الشيطان ووساوسه قائمة ، وليس بالضرورة أن يكون المنافق اُمويّاً سافراً ، أو شريحياً قاضياً عنده كما وعّاظ السلاطين ، أو جبناء متظاهرين بالخيانة .

كلا , ليس بالضرورة أن يكون كذلك ؛ فقد يكون المنافق متظاهراً بحب السبط الشهيد ، والدجّال متحدثاً باسمه ، والجبان ينضوي تحت لوائه .. أو لم يرق أحدهم منبر الحسين (عليهم السّلام) فقال : ما لنا والدخول بين السلاطين ، ويحرم تعاطي السياسة . ولم يفكّر أن المنبر الذي اتخذه وسيلة معاشه لم يقم إلاّ على دماء السبط الشهيد (عليه السّلام) ، وأنّ الإمام الحسين أعلن بكل صراحة أن مثله لا يبايع مثل يزيد .

وإنّ الشيطان الذي حرّف كتاب الله المبين ، وفسّر سيرة سيد المرسلين , وحكم باسم كتاب الله , وتحت شعار خليفة رسول الله بالجور والعدوان ، إنه قادر أيضاً على تحريف نهج الحسين (عليهم السّلام) ، وتفسير واقعة كربلاء بما يخدم مصالحه ويتماشى وأهواءه النفسانية .

من هنا كان على الذين وعوا حكمة النهضة الحسينيّة ، وعقدوا العزم على أن يعيشوا نهج سيد الشهداء رغم الصعاب ، والذين تساموا إلى حيث جوهر الإسلام وروح الإيمان وعصارة تاريخ الأنبياء .. إلى حيث الصراع ضد الجبت والطاغوت ، على هؤلاء أن لا يدعوا راية


الصفحة (11)

السبط الشهيد تُسرق من قِبل الدجّالين والمنافقين والمترفين ، فإذا بهم يحاربون نهج الحسين باسم الحسين كما حارب بنو اُميّة نهج رسول الله باسم رسول الله ، ونهج كتاب الله باسم كتاب الله .

فحرام أن نعيش دهراً على شاطئ الحسين (عليه السّلام) محرومين من ماء الحياة ، من العزم الحسيني ، من الشجاعة الحسينيّة ، من العطاء الحسيني ، من الكرم والإيثار ، من المواجهة والتحدي , من كل تلك المعطيات التي زخرت بها ملحمة كربلاء الثائرة .

إنّ الحسين (عليهم السّلام) ـ كما جاء في حديث جده (صلّى الله عليه وآله) ـ (( مصباح الهدى وسفينة النجاة ))(1) ، إنه من الرسول والرسول منه(2) ، إنه إمام المسلمين وحجة الله , وهو أعظم من مجرد تراجيديا كما أن كربلاء أسمى من مجرد فلكلور , إنه وريث الأنبياء وترجمان الأوصياء وقدوة الأتقياء ، إنه مدرسة التوحيد .

أوَلم تقرأ دعاءه في يوم عرفة ؟ إن هذا نهج السبط الشهيد , فهل يجوز اختصاره في بضعة كلمات تراجيديا ؟ إنه يمثّل الإسلام ، أوَليس هو إمام الأمة وحجة الله ؟ ومن هنا يجدر بنا أن نتّخذه إماماً في كل مناهجه وشرائعه .

عرفان الرب

أوّلاً : يوم انصهر في بوتقة التوحيد , وعرفان الرب , وزكاة القلب ، والتبتل في الليل ، وكان حاله تأويلاً صادقاً لقوله سبحانه : (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ الَّليْلِ مَا يَهْجَعُونَ)(3) .

ــــــــــ
(1) عيون أخبار الرضا (عليه السّلام) للصدوق 2 / 62 .
(2) قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( حسين مني وأنا من حسين )) . كامل الزيارات لابن قولويه / 116 .
(3) سورة الذاريات / 17 .

الصفحة (12)

وما دعاؤه في يوم عرفة إلاّ قبساً من نور توحيده ، ووهجاً من شوقه إلى رضوان ربه ، وفيضاً من حكمته الإلهية .

ألا تراه واقفاً في صحراء عرفات تحت شمس الظهيرة اللاهبة ، وقد رفع كفيه الضارعتين إلى ربه ، وجرت دموعه الدافئة على خدّه ، وهو يخاطب ربه بكل عفوية وانسياب ويقول : (( أنت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها ، وتضيق بي الأرض برحبها ، ولولا رحمتك لكنت من الهالكين . وأنت مقيل عثرتي ، ولولا سترك إياي لكنت من المقبوحين . وأنت مؤيدي بالنصر على أعدائي ، ولولا نصرك إياي لكنت من المغلوبين . يا مَن خصّ نفسه بالسمو والرفعة فأولياؤه بعزه يتعززون ، يا مَن جعلت له الملوك نير المذلة على أعناقهم فهم من سطواته خائفون ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وغيب ما تأتي به الأزمنة والدهور ، يا مَن لا يعلم كيف هو إلاّ هو ، يا مَن لا يعلم ما هو إلاّ هو ))(1) .

هذا القلب الكبير الذي استقبل نفحات الرب في عرفات الحجاز , هو القلب الذي استقبل تحدّيات الموت في يوم عاشوراء بتلك النفحات عندما ازدلف عليه أكثر من ثلاثين ألفاً من أعدائه يريدون قتله ؛ فتوجّه إلى ربه ضارعاً وقال : (( اللّهمَّ أنت متعالي المكان ، عظيم الجبروت ، شديد المحال ، غني عن الخلائق ، عريض الكبرياء ، قادر على ما تشاء ، قريب الرحمة ، صادق الوعد ، سابغ النعمة ، حسن البلاء ، قريب إذا دعيت ، محيط بما خلفت ، قابل التوبة لمَن تاب إليك ، قادر على ما أردت ، ومدرك ما طلبت ، وشكور إذا

ـــــــــــــــ
(1) مفاتيح الجنان ـ دعاء عرفة .

الصفحة (13)

شكرت ، وذكور إذا ذكرت . أدعوك محتاجاً , وأرغب إليك فقيراً , وأفزع إليك خائفاً , وأبكي مكروباً , واستعين بك ضعيفاً , وأتوكل عليك كافياً ، احكم بيننا وبين قومنا ))(1) .

هذا هو الإمام الحسين (عليه السّلام) , علينا أن نسمو إلى درجة اتّباعه في زهده وتقواه ، في تبتّله وعبادته ، في سلوكه وخلقه .

سلسبيل الحب

ثانياً : ويوم نشأ بسلسبيل حب الله والرسول وعترته , فكانت نفسه طاهرة من أدران الشرك ووساوس الشك ، وحوافز الشر , وغل الحسد والحقد والعصبيات المادية . وحين نقف على ضريحه المبارك نترنم : (( أشهد أنك طهر طاهر من طهر طاهر ، طهرتَ وطهرت بك البلاد ، وطهرت أرض أنت بها , وطهر حرمُك ))(2) .

الطاعة سبيل اليقين

ثالثاً : ويوم وقف بعزم صادق ونية خالصة إلى جانب اُمّه الصدّيقة الزهراء (عليها السّلام) في معركة فدك ، وإلى جانب والده الإمام علي (عليه السّلام) في يوم الجمل , وفي صفّين والنهروان ، وإلى جانب أخيه الإمام الحسن (عليه السّلام) في حربه وسلمه . وهكذا كانت طاعته لقيادته الإلهية خالصة من أية شائبة , ذاب فيها كما تذوب قطرة ماء زلال في بحر فرات .

ــــــــــ
(1) مفاتيح الجنان ـ أعمال اليوم الثالث من شعبان .
(2) كامل الزيارات لابن قولويه / 360 باب 79 , زيارات الحسين بن علي (عليهما السّلام) .

الصفحة (14)

ونحن إن نتبعه نروّض هوى النفس في ذواتنا لنصبح جزءاً من تيار التحرك , لا نريد لأنفسنا جزاء ولا شكوراً . وهكذا نقرأ في زيارته : (( وأطعت الله ورسوله حتّى أتاك اليقين ))(1) .

وهكذا الطاعة سبيل اليقين ، ومَن يرفض الطاعة بمعاذير يلقيها إليه الشيطان يصبح ضحية الوساوس طوال حياته .

نهج الحياة

رابعاً : وأخيراً نتّبعه يوم توّج تلك الحياة الربّانية بشهادته لتكون نهج حياة , ويوم شهادته كان السبط مثلاً أعلى لكلِّ التضحيات , وحجة بالغة علينا فيها .

لقد قدم في يوم واحد كلّما يمكن أن يقدمه إنسان في سبيل ربه ، كما ضرب أنصاره الكرام أروع الأمثلة في الإخلاص والإيثار . وهكذا كان الإمام حجّة بالغة على كل متقاعس عن الجهاد ، متخاذل خنوع .

إنهم يتقاعسون عن الجهاد حفاظاً على أموالهم ودورهم وضياعهم كما خشي عمر بن سعد وخرج بذلك لقتال الإمام الحسين (عليهم السّلام) بكربلاء ؛ أوَلم يكن للإمام ضياع ودور وأموال فتركها لله عندما قرر القيام ضد طاغية زمانه ؟!

ويتقاعس البعض عن الجهاد خوفاً على سمعته أن تنالها أجهزة التضليل الحكومية ؛

ـــــــــــــــــــــ
(1) مفاتيح الجنان ـ زيارة الإمام الحسين (عليهم السّلام) ـ الزيارة السابعة .

الصفحة (15)

أوَلم يكن سيد الشهداء قد تعرّض لذلك التشويه فقالوا عنه : إنه قُتل بسيف جدّه ، ونشروا في عرض البلاد وطولها أنه خارجي ؟! وكانت مئات الاُلوف من المنابر التي أقامها النبي (صلّى الله عليه وآله) للدعوة إلى الله تبثّ الزيغ والتبرير ، والتحريض على المجاهدين الأوفياء لدين الله ، وضد أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) بالذات , وينكفئ البعض عن واجبه الشرعي لأنّه يخشى على عائلته واُسرته أن تتضرّر في زحمة الصراع السياسي !

بالله عليكم , أيّ اُسرة أشرف من اُسرة النبي (صلّى الله عليه وآله) ؟ وأيّ أهل بيت أعظم من أهل بيت الوحي وقد حملهم معه سيد الشهداء إلى كربلاء ليكونوا معه على تلك المجزرة الرهيبة ، ثم دعاة إلى القيام ضد بني اُميّة , وقد تعرّضت لكل ألوان البلاء وأشدها إساءة حتّى قُتلوا واُسروا ؛ طافوا بهم البلاد , يتصفّح وجوههم أهل المنازل والمناهل ، وهم حرم رسول الله ، ومهابط وحي الله ، ومعادن حكمته ؟

وبعض الناس يزعمون أنّ القيادة ينبغي أن تكون محمية بعيدة عن الخطر .. وأي قائد أعظم من حجة الله وسبط الرسول وكهف المحرومين أبي عبد الله (عليه السّلام) ، وها هو يقدّم نفسه للفداء قرباناً إلى ربه ودفاعاً عن الرسالة ؟!

وهكذا كان ولا يزال السبط الشهيد شاهداً خالداً علينا ـ نحن المسلمين ـ ضد كل تبرير وعذر , وتقاعس وانكفاء .

واليوم حيث يتعرّض خط الرسالة للتشويه من قبل أبواق الكفر والنفاق ، ما أحوجنا إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) ونهجه وسيرته , وشهادته الدائمة على العصور .


الصفحة (16)

وبصراحة , إنّ مَن يريد العزة والكرامة , والاستقلال والرقي لا بد أن يعد نفسه ومجتمعه إعداداً مناسباً ، والنهج الحسيني هو الإعداد المناسب لكل تلك التطلعات . علينا اليوم أن ننفتح على هذه النفحة السماوية التي تفيض بها ملحمة عاشوراء .

تعالوا نفكّر جدّياً وجذرياً كيف نبدأ الانعطافة الكبرى في حياة اُمتنا ؛ ألا يكفي الذل والصغار ؟ ألا يكفي التشريد والتشرذم ؟ ألا تكفي الهزائم والويلات ؟ ألا يكفي هتك الأعراض , وقتل الأطفال و... و... ؟

تعالوا نبني ذلك التجمّع الناهض الذي يحتمي بظل الإسلام الحنيف , والنهج الحسيني الثائر ضد فتن الجاهليّة وبغي الاستكبار , وقيد الجبّارين ومكر الطامعين . أجل , إنّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة .. تعالوا نضيء جنبات حياتنا المظلمة بهذا المصباح الإلهي .


الصفحة (17)

 

الفصل الأول

 

آية الهدى


الصفحة (18)

 


الصفحة (19)

الجانب الربّاني من شخصيّة الإمام الحسين (عليه السّلام)

من الملفت للنظر في حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) أنّ هناك خصّيصة بارزة في حياته علينا أن نكتشفها ونعتصم بها ، ألا وهي ربانيته ، وتجرده في ذات الله تعالى ، وذوبانه في بوتقة التوحيد ، وابتعاده عن أي غلٍّ أو شائبة مادية .

ونحن لو تعرّفنا على هذه السمة في حياة أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ، فإننا سوف لا نستطيع فقط أن نتعرّف على جوانب شخصيته ، بل سوف يكون بإمكاننا انتهاج نهجه ، والاستنارة بسيرته ، والرقي ولو بمقدار بسيط إلى تلك القمّة التي كان (عليه السّلام) قد سما إليها .

والطريق إلى تحقيق هذا الهدف واضح ؛ فمن أراد الله تعالى فعليه أن يبدأ بأبوابه ، وأبو عبد الله (عليه السّلام) هو من أوسع هذه الأبواب . ومَن أراد معرفة الحسين (عليه السّلام) فلا بدّ أن يبدأ بمعرفة ربه خالق السماوات والأرض .

والإمام الحسين (عليه السّلام) لم يكن رجل حرب وبطل مواقف جهادية فحسب ، وإنما كان يكمل مسيرته الجهادية بمسيرة عبادية .

وفي هذا


الصفحة (20)

المجال يروى أنه قيل لعلي بن الحسين (عليه السّلام) : ما أقل ولد أبيك ! فقال : (( العجب كيف ولدتُ ! كان أبي يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة ))(1) .

إنّ هذا الرجل العظيم الذي كان يتفرّغ إلى الله ويبكي ويتهجد ليلاً ، هو نفسه الذي حمل السيف في يوم عاشوراء وصرخ بذلك الدويّ الذي ما زال هتافه يحرك الملايين : (( هيهات منا الذلة )) . فالإيمان هو الذي يحدد مسار الإنسان ، وهو الذي يوجب عليه أن يسلم تسليماً مطلقاً ، ويكيّف مواقفه بحسب ما يأمره به الله تعالى .

التسليم المطلق

إنّ هذه الحالة (حالة التسليم المطلق) هي التي تفسّر لنا جميع أبعاد شخصية الحسين (عليه السّلام) ، ونحن نجد تجلّياً لهذا الإيمان في الدعاء الذي قرأه (عليه السّلام) في يوم عاشوراء , وهو : (( اللّهمَّ أنت متعالي المكان ، عظيم الجبروت ، شديد المحال , غني عن الخلائق ، عريض الكبرياء ، قادر على ما تشاء ، قريب الرحمة ، صادق الوعد ، سابغ النعمة ، حسن البلاء ، قريب إذا دُعيت ، محيط بما خلقت ، قابل التوبة لمن تاب إليك ، قادر على ما أردت ، تدرك ما طلبت , شكور إذا شُكرت ، ذكور إذا ذُكرت ، أدعوك محتاجاً ، وأرغب إليك فقيراً ، وأفزع إليك خائفاً ، وأبكي إليك مكروباً ، وأستعين بك ضعيفاً ، وأتوكل عليك كافياً .

اللّهمَّ احكم بيننا وبين قومنا بالحق ؛ فإنهم غرّونا وخذلونا ، وغدروا بنا وقتلونا ، ونحن عترة

ـــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 44 / 196 .

الصفحة (21)

ولد نبيك وولد حبيبك محمّد الذي اصطفيته بالرسالة ، وأتمنته على الوحي ، فاجعل لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً يا أرحم الراحمين ))(1) .

لقد قرأ أبو عبد الله (عليه السّلام) هذا الدعاء عندما أحاط به ثلاثون ألفاً ، وربما يكون (عليه السّلام) قد قرأه بعد أن وقع أصحابه وأهله صرعى مضرّجين بدمائهم على أرض كربلاء ، ومع ذلك فقد كانت بصائر الإيمان تتلألأ وتتجلّى في ملامحه , فكان كلما ازدادت المصاعب عليه ازدادت طلعته بهاءً وانشراحاً ؛ لأنه كان يعلم أنه قد نجح في أكبر تجربة ، وأعظم بلاء فشل فيه الآخرون .

إن هذا الدعاء هو الذي جعل أبا عبد الله (عليه السّلام) مقياساً وإماماً لنا , وقدوة إلى الأبد ، فمثل هذه الروح الإيمانية ، والسمو المعنوي جعلا سيدنا أبا عبد الله (عليه السّلام) شعلة وقّادة في نفوس الملايين ؛ بحيث إننا نجد اليوم ما نجده من بطولات وشجاعة المجاهدين المتّبعين لنهج الحسين (عليه السّلام) .

ولسوف تمتلئ الأرض عدلاً وحقاً بسيف حفيد أبي عبد الله الإمام الحجة المنتظر عجّل الله فرجه الشريف ؛ حيث سيخرج هذا الإمام حاملاً سيفه وهو يهتف : (( يا لثارات الحسين )) .

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى