الصفحة (137)
واقعة كربلاء ثورة مستمرة
إنّ قضية كربلاء هي أساساً ليست قضية عادية تتكرر ، بل هي تشبه بعثة الأنبياء
(عليهم السّلام) ،
وقضية الطوفان في التاريخ ، وسحرة فرعون ، وشق البحر لموسى ، وما أشبه ذلك من الأحداث
الهامة التي لا تتكرر .
وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يضرب بهذه الواقعة المثل الأعلى للظلم من جهة ،
ولتحدي الظلم من جهة اُخرى ؛ لكي لا يدّعي أحد من البشر أنّ الظلم الذي وقع عليه هو
ظلم عظيم لا يستطيع تحديه ، ولكي لا يتذرع شعب بإن النظام الحاكم عليه هو نظام
متجبّر قاهر طاغوتي لا يستطيع الوقوف بوجهه ؛
فلقد كان النظام الذي تسلّط على رقاب المسلمين في ذلك اليوم أشدّ قهراً وطغياناً ؛
ولكي لا يقول أحد إنّه لا يستطيع أن يعمل من أجل الله تعالى بحجة أنّه يخشى على أمواله
؛ فلقد جاء أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) إلى كربلاء ومعه صفوة
أمواله .
ولكي لا يزعم أحد أنّه يخاف من الثورة لأنها سوف تسلبه راحته
؛ فالإمام الحسين (عليه
السّلام) أقلقته الثورة حتّى أنه اندفع من المدينة المنورة إلى مكة ، ومن مكة إلى الكوفة ، وفي طريق الكوفة انحرف
إلى كربلاء .
الصفحة (138)
وبالإضافة إلى ذلك لكي لا يقول أحد إنّه يخاف على نفسه من القتل ؛ لأنّ دمه ليس
أزكى من دم أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) سبط رسول الله (صلّى الله عليه
وآله) ، وسيّد
شباب أهل الجنّة .
ولكي لا يقول أحد إنّه يخاف على منصبه ومرتبته العالية بين الناس ، وإنّ الحكومة سوف
تعلن أنّه رجل إرهابي وجاسوس للأجانب ؛ فسيّدنا وإمامنا الحسين (عليه السّلام) ضحّى
بعنوانه ومركزه في كربلاء ؛ فشريح القاضي أفتى بحلّية دم الإمام الحسين (عليه
السّلام) ،
كما أنّنا نعلم أنّ رأسه الشريف المبارك طيف به في كل مكان ، وكانت المنابر كلها تعلن
أنّ هذا هو رأس الخارجيّ الذي خرج على الحكومة الشرعية !
ثمَّ لكي لا يقول أحد إنّ نفسه لا تهمّه ، ولكنه يخشى على أطفاله , وزوجته ، وعرضه ،
وناموسه من انتهاك السلطات لها ؛ فالإمام الحسين (عليه السّلام) قدم إلى كربلاء ومعه
كلّ عياله ، وفيهم عقيلة بني هاشم , تلك المرأة الشريفة المحترمة التي كانت في يوم من
الأيام أميرة على البلاد الإسلاميّة ، واُختها اُمّ كلثوم ، ومجموعة اُخرى من الفتيات
الهاشميّات المخدّرات ، ومع كلّ ذلك فقد أتى أبو عبد الله (عليه السّلام) بكلّ أهل
بيته , معلناً عن استعداده لأن يعرّضهم للسبي والأسر والسلب في سبيل مرضاة الخالق (عزّ
وجلّ) .
ولهذا فإنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) قد سلب منّا بثورته الخالدة كلّ الأعذار
والتبريرات بعدم الثورة ، فلماذا لا نثور ، وممّن نخاف ، وأيّ نهج يجب أن نتّبعه ؟
إنّ علينا تحديد منهجنا منذ الآن ؛ فأمّا مع الحسين بن علي (عليه السّلام) ، وأمّا مع
يزيد بن معاوية .
وهناك أيضاً منهج وسط يلتقي مع
الصفحة (139)
منهج يزيد , وهو الطريق الذي سار فيه
شريح القاضي ؛ حيث ادّعى أنه سوف لا يدخل الحرب ضد الحسين (عليه السّلام) , ولكنه دخل في
النهاية في معسكر يزيد بن معاوية .
علينا أن نتساءل عن سبب حدوث واقعة كربلاء ؛ ليأتينا الجواب بأنّ الله تبارك وتعالى
قدّر هذه الواقعة لتكون المثل الأعلى للمؤمنين الرساليين الذين يتّبعون نهج أبي عبد
الله الحسين (عليه السّلام) ، ولكي لا يبقى أيُّ تبرير أو حجّة للإنسان في استسلامه
للطغاة .
وهكذا فإنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) يبقى العنوان والمثل الأعلى للثورة
الإسلاميّة .
فعلى الرغم من مرور ما يقرب من ألف وأربعمئة عام على واقعة كربلاء ولكننا نرى
التهابها يزداد في كلِّ عام , وكأنها حدثت قبل فترة قصيرة ، وخصوصاً في البلدان التي
يكثر فيها الموالون لأهل البيت (عليهم السّلام) ؛ ذلك لأنّ الحسين (عليه السّلام)
هو ثورة خالدة في قلوب المؤمنين إلى الأبد ، وليس باستطاعة أية قوة أن تخمد هذه
الثورة .
فمنذ زمان هارون العباسي والمتوكل وغيرهم من الطغاة كانت هناك محاولات
مستمرة لمنع إقامة العزاء على الإمام الحسين (عليه السّلام) ، والوقوف في وجه هذا
المد الإسلامي الجارف ، ولكن هل استطاعوا أن يفعلوا شيئاً ؟
إنّ واقعة كربلاء هي ثورة مستمرة لا يستطيع أحد في العالم أن يخمدها ؛ فهي ثورة
منطلقة من الماضي لتصنع المستقبل ، ولتخلق واقعاً جديداً وحياة اُخرى .
إنّ الشباب الرسالي الواعي لا بدّ أن يدرك أنّ قضية أبي عبد الله الحسين (عليه
السّلام) ليست قضية تاريخية مضت ، بل هي ثورة مستمرة هدفها
الصفحة (140)
إحراق كل عروش الظالمين
. فما دام
هناك حاكم ظالم جالس على أريكة الحكم , فإنّنا مستمرون في الدفاع عن مبادئ الحسين ،
وحمل رايته حتّى نسقطهم جميعاً .
وهذه الروح الاستمرارية التي أعطتنا إياها قضية كربلاء هي أكبر رأسمال نملكه ؛
فلولاها لكان الطغاة قد منعونا حتّى عن الصلاة ، ولأدخلوا الكفر والفسوق إلى بيوتنا
،
ولاستعبدونا ، ولم يتركونا نتمسك بقيمنا وديننا .
الصفحة (141)
لماذا الإمام الحسين (عليه السّلام) مصباح الهدى
من المعروف أن في جسم الإنسان نظاماً يدافع عنه ويحميه
, ويحول دون تسرب الجراثيم
إليه أو السيطرة عليه ، وإذا ما تزعزع هذا النظام في يوم من الأيام فإنّ الإنسان
سيصاب بما يُدعى اليوم بمرض فقدان المناعة (الإيدز) , وهو المرض الذي يمنح مختلف
الجراثيم القدرة على القضاء على حياة الإنسان .
إنّ الله تبارك وتعالى حينما خلق ابن آدم خلق له العين التي يبصر بها , واليد التي
يبطش بها , والرجل التي يسعى بها ، وخلق له أجهزة هي الغاية في الدقة والاتقان ، وخلق
مع ذلك كلّه سياجاً رصيناً يتمثّل في نظام المناعة الذاتية .
وكذلك أوجد سبحانه وتعالى
نظام الدفاع في داخل الإنسان ؛ حيث زوّده بشبكة بالغة التعقيد من الأعصاب , فترى لكلِّ
خلية عصبية طرفين ؛ طرفاً في المخ وآخر مثبتاً في أطراف الجسد ، فحتّى لو أنّ نملة ـ على
حقارة حجمها ووزنها ـ وقفت على إصبع من أصابع رجل الإنسان ، فإنّه سرعان ما ينكشف
أمرها عبر ما يوعز به المخ بسرعته الخيالية ؛ لكي تتحرك اليد ـ مثلاً ـ لتطرد هذا
الجسم الغريب .
وأوجد (عزّ وجلّ) العين الباصرة ليكون بمقدور صاحبها دفع الخطر عن نفسه ومحيطه ، أمّا مَن
لم يتمتع بالاُذن السامعة , أو قابلية الشم , أو اللمس
الصفحة (142)
أو التذوق فإنّه سيكون عرضة
للهزيمة أو الانهيار أو التضرر على أقل تقدير ؛ لأنّ نظامه الدفاعي قد حلّ فيه الخلل
والنقصان .
وبالإضافة إلى كلِّ ذلك هناك طاقة إنسانيّة كبرى يختزنها الإنسان ليستفيد منها في أشد
الأوقات حراجة ، وهي الإحساس المسبق بالخطر , الإحساس الذي يوفّر له القدرة على التصدي
والتجاوز ، هذا فضلاً عن قدرة العقل والتفكير لوضع الخطط واختيار الوسائل للدفاع .
وهذا الواقع نجده أيضاً في المجتمع ؛ حيث يملك ـ بما آتاه الله ـ القدرة للدفاع عن
نفسه عبر المميزات المادية والروحية والفكرية . ولعل أوّل عوامل انهيار المجتمع أو
الدولة هو الافتقار إلى هذه المميزات .
فمثلاً : إذا كانت هناك دولة من أجمل وأحسن
وأرقى الدول ، ولكنها تفتقر إلى جيش يدافع عنها أمام الأخطار الخارجية ، أو أنها
تفتقر إلى الجهاز الأمني الذي من طبيعته المسارعة في كشف الأخطار ، إنّ مثل هذه
الدولة تصاب بالعطب والانهيار غالباً ؛
وعلى ذلك فإنّ الصحة والأمان نعمتان لا يمكن الاستعاضة عنهما بأية مميزات اُخرى ؛ سواء
على الصعيد الخاص أو العام .
فالاُمّة التي تستطيع الدفاع عن نفسها ؛ حيث تمتلك الشرف
, والإباء , والحماسة , وقدرة
مقاومة الأخطار ، هذه الاُمّة تبقى أمة شامخة , أمّا الاُمّة التي تفتقر إلى نظام دفاعي
،
أو لا تجد في قاموسها مكاناً لمعاني الشرف والحماسة والرغبة في التصدي فإنّها اُمّة
سرعان ما تنهار وتذوب في مطامح الأمم الاُخرى .
وفي هذا الصدد يقول ابن خلدون : إنّ
الدول إنّما تقوم على أساس العصبية . ومراده من العصبية الغيرة , والحمية , والشرف
, والاستعداد الدائم لمقاومة الأعداء والأخطار حتّى الموت .
الصفحة (143)
فالاُمّة التي تملك هذه القيمة ، ويعرف أبناؤها أنّ هناك ما هو أغلى من الحياة والعيش
لبضعة سنوات يبقى فيها المرء صاغراً ، هذه الاُمّة تبقى ولا تنهار .
إنّ هذه القيمة
الإنسانيّة الراقية عبّر عنها أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسّلام) بقوله مخاطباً
أصحابه : (( فالموت في حياتكم مقهورين , والحياة في موتكم قاهرين))(1)
, أي إنّ مصداقية حياة الإنسان لا تتحقق إلاّ بكونه
منتصراً ، وإنّ الموت يهيمن على الإنسان بكلِّ ثقله ما دام مقهوراً منهزماً وإن حلا له
تصوّر كونه حياً .
لقد عاشت وتعيش اُمتنا المسلمة منذ ما يزيد على ألف وأربعمئة سنة , متحدية للزمن
الصعب ؛ حيث مرّت بها حوادث كانت الواحدة منها حريّة بتدمير أي اُمّة من الاُمم الاُخرى
،
ولكن الاُمّة الإسلاميّة قاومت وتصدّت بفضل ما تملك من نظم دفاع ووقاية .
فهل تعرف أنّ
الحروب الصليبية قد استمرت حوالي مئتي عام , أي ستة أجيال كاملة ، وأنّ بعض تلكم
الحملات كانت تضم ما يزيد على المليون مقاتل صليبي تجمّعوا للاستيلاء على الشرق
, وبالذات على بقعة صغيرة منه هي بلاد الشام أو فلسطين ؟
وهل تعرف أنّ الحملات التترية
على المسلمين قد أبادت مدناً بأكملها ؟ ولكن الاُمّة الإسلاميّة ظلت مقاومة صامدة بفضل
تعاليم القرآن ، وبفضل الملاحم التاريخية الفذة التي سجّلها المسلمون بأحرف من نور ،
وبفضل القيم التي كرّسها المؤمنون خلال مواقفهم البطولية في الصدر الأوّل للإسلام ،
وبفضل ما غرسته ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) في يوم عاشوراء في نفوس المسلمين من
قيم وتعاليم وبصائر .
ــــــــــــ
(1) نهج البلاغة ـ الخطبة رقم 51 .
الصفحة (144)
وقد سألني أحدهم ـ وأنا واقف في عرفة أثناء الحجّ ـ عن السبب وراء ما
اُرّدده على لساني
من ذكر الإمام الحسين (عليه السّلام) , رغم أنّ الجميع يعرف أن منادياً ينادي من قِبل
الله سبحانه وتعالى في يوم عرفة : (انصرفوا مغفورين ؛ فقد أرضيتموني ورضيت عنكم)(1)
,
في وقت يراني فيه جالساً أو واقفاً وأنا أقول : (( السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى
الأرواح التي حلّت بفنائك , ولا جعله الله آخر العهد منّي لزيارتكم ، السلام
على الحسين , وعلى عليّ بن الحسين , وعلى أولاد الحسين , وعلى أصحاب الحسين ))
.
أو يسألني
عن سبب بكائي على الحسين (عليه السّلام) في عرفة واهتمامي البالغ في قراءة دعاء الإمام الحسين الذي
قرأه هو في يوم عرفة .
ولا أجد ما اُجيبه سوى القول : بأن كلّما نملك فإنّما
هو من الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ فهو الذي علّمنا كيف ندافع عن أنفسنا في
مقابل الطغاة ، وأن نعيش أعزةً ، وألاّ نموت إلاّ بعزّة ؛ فهذه الشعلة المتّقدة فينا
قد امتلكناها من الحسين (عليه السّلام) ؛ حيث قال سلام الله عليه : (( إنّي لم
أخرج أشراً , ولا
بطراً ، ولا ظالماً ، ولا مفسداً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدي ؛ اُريد أن آمر
بالمعروف وأنهى عن المنكر ))(2)
.
وهذه رسالة ليس من شأنها أن تكتب بيد عادية ، بل كتبت بدم الحسين
, ودم أبنائه , ودم
رضيعه (سلام الله عليهم أجمعين) .
أعطى الذي ملكتْ يداه إلهه
حتّى الرضيع فداه كلُّ رضيعِ
لقد تعلّمنا من ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) وما قدّمه من تضحيات
ـــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 96 / 249 .
(2) حياة الإمام الحسين بن علي (عليه السّلام) ـ القرشي 2 / 288 .
الصفحة (145)
طالت أعزَّ ما لديه أنّ الحياة التي كتبها الله سبحانه للإنسان ليست هذه الحياة التي
يضطر فيها الواحد منّا إلى الاستجداء أو خدمة الظلمة والخضوع لهم .
وقد استلهم أتباع هذا الإمام العظيم (عليه السّلام) هذا الدرس المقدّس في أرض المقاومة في لبنان
؛ حيث قدحت شرارة الدفاع المقدس في جنوب لبنان ، وتمكّن الشباب الثائر من إلحاق الهزيمة
النكراء بالقوة الصهيونية التي كانت تقف وراءها جيوش سبع عشرة دولة .
وقد سطّرت
المقاومة الإسلاميّة في لبنان آلاف الملاحم البطولية لتحقيق هذا الإنجاز العظيم ،
وكان في كلِّ ملحمة من هذه الملاحم ما يهزّ قلب وفكر الإنسان بما للكلمة من معنى ؛
وذلك لأنّ شيعة الحسين (عليه السّلام) في الجنوب اللبناني قد فهموا الدرس الحسيني الخالد
جيداً ، كما أخذوا على أنفسهم أن يتأسّوا بسيرة علي الأكبر والقاسم بن الحسن
المجتبى (عليهم السّلام) ، وكيف أنهما ـ كما يشير التاريخ الموثق لملحمة كربلاء ـ لم يوليا أهمية
للدنيا ؛ لأنّهما قد عرفا ما حاق بالدين من خطر ماحق ، وما ينتظرهما من حياة أبدية
سعيدة إذا ما نهضا بوجه الظلم والطغيان .
ومن هنا قال علي الأكبر لأبيه الإمام
الحسين (عليه السّلام) بعد أن عرف بأن الحق معهم : يا أبة , لا نبالي بالموت(1)
. ومن هنا أيضاً رأينا كيف أنّ القاسم بن الحسن لم
يأبه بتلك الجموع الظالمة , وجلس ليصلح شسع نعله وهو محاصر بين ألسنة النيران , ووابل
الحجر , ووميض السيوف والرماح .
واليوم نجد أنّ نفس هذه الروح المقدسة قد انتقلت من المجاهدين
ـــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 44 / 367 و 379 .
الصفحة (146)
اللبنانيين لتستقر في ذات الشباب الفلسطينيين الذين يتسابقون فيما بينهم لينالوا
شرف الشهادة في سبيل الله ؛ ذلك لأنّ قصص وملاحم التضحية والفداء قد انتقلت هي الاُخرى
إليهم .
أمّا في العراق , فأقولها بصراحة : إنّ نظام صدام لم يدع وسيلة قمع وإفساد إلاّ
واستخدمها ، ولو أنّنا لجأنا إلى الإحصاءات في هذا المجال لوصلنا إلى أرقام نجومية
؛ فقد تمتّع صدام بدعم كافة القوى العالمية ، وكانت كافة الإمكانات الدولية تحت تصرفه
؛ بسبب ما كان يؤديه من خدمات للصليبية والصهيونية العالمية بموقفه المجرم وحربه
الشعواء ضد الجمهورية الإسلاميّة في إيران ، ولا يزال الغرب يرى أنّ من مصلحته التعامل
مع صدام كرئيس ضعيف في المنطقة .
ولكن مع كل ذلك لا يزال الشعب العراقي شعباً
مقاوماً ، وأبرز دليل على ذلك تمسك هذا الشعب بأصالته الدينية والثورية المتمثلة في
إقامة الشعائر الحسينيّة بمختلف الطرق , رغم الحجر والمنع , والتخويف والإثارة . زرافات
الناس تنهمر انهمار السيل على كربلاء , متحدّين موقف السلطة الظالمة إزاء إحياء
الشعائر الحسينيّة ، ومقاومين لطغيانها وبطشها .
إنّ ملحمة كربلاء علّمتنا وعلّمت أبناءنا كيف نحارب في لبنان , وفي فلسطين , وفي أفغانستان
, وفي العراق لندافع عن قيمنا وشرفنا ، وبهذا صار الإمام الحسين (عليه السّلام) مصباح هدى
وسفينة نجاة .
فاُمّتنا لا بدّ لها من تجاوز الذات لتحقيق المصالح الكبرى
؛ إذ إنّ الدفاع
عن القيم فوق الذاتيات , وفوق المصالح الفردية العقيمة ، وعندئذٍ ستتحول اُمّتنا إلى خير
اُمّة سواء في الدنيا أو الآخرة .
الصفحة (147)
فالله تبارك وتعالى لم يقل : كنتم خير اُمّة اُخرجت للناس
؛ لأنكم تملكون الثروة أو النفط
أو الموقع الاستراتيجي , أو لأنكم تمتلكون نظاماً تشريعياً جيداً . كلاّ , فالذي يملك كل
ما ذكرناه ولكنه يفتقر إلى قدرة الدفاع عن نفسه يذهب كلُّ ما يملكه هباءً منثوراً ،
تماماً كما الإنسان الضخم الجثة ولكنه جبان خائر العزم ، لا قيمة له ولا يهابه أحد .
ربنا سبحانه وتعالى يقول : (كُنْتُمْ خَيْرَ اُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر)(آل عمران/110) , وهو
الأساس في المسألة برمّتها .
ولقد قرأنا عبر الروايات التاريخية الخاصة بمقتل الإمام الحسين (عليه السّلام) أنّ
الطاغية يزيد قد أمر بأن يطاف برأس الإمام (عليه السّلام) في مختلف المدن والقرى في
البلاد الإسلاميّة ، وأنّ الرأس الشريف كان إذا ما وضع في موضع من هذه المدينة أو تلك
يقرأ قوله سبحانه وتعالى : (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أصحاب الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ
كَانُوا مِنْ ءَايَاتِنَا عَجَباً * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إلى الْكَهْفِ
فَقَالُوا رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا
رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ
بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً *
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَاَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا
بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا
فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرض لَن نَدْعُوَاْ مِن دُونِهِ
إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَآ إِذاً شَطَطاً * هَؤُلآءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ
ءَالِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً * وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا
يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْووا إلى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِن
رَّحْمَتِهِ
الصفحة (148)
وَيُهَيّءْ لَكُم مِن أَمْرِكُم مِرْفَقاً )(الكهف/9 ـ 16)
؛ وذلك ليبيّن
للناس بأنّه يمثّل قصة أصحاب الكهف في التاريخ المعاصر , أي كما قام الفتية من أصحاب
الكهف وانتفضوا وبيّنوا الحقيقة , ودافعوا عن القيم من داخل حالة الظلم ، فدافع الله
عنهم ونصرهم ؛ فغلب دينهم على الدين الآخر ، كذلك الإمام الحسين (عليه السّلام) كرر القصة نفسها ؛
لأنّه كان قد ملؤه الإيمان والتصديق بوعد الله القائل : (فَلَن تَجِد َلِسُنَّتِ
اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً)(فاطر/3) .
واليوم نجد أنّ خط وفكر الإمام الحسين (عليه السّلام) هو الذي ينتصر في كلِّ مكان رغم إرادة الظالمين
الذين مارسوا ويمارسون أنواع القمع والديكتاتورية .
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممّن يتبع نهج الحسين (عليه السّلام) , ونهج جده وأبيه
المرتضى , واُمّه الزهراء وأخيه المجتبى والأئمة المعصومين من ذرّيته (عليهم الصلاة
والسّلام) ، وأن يجعلنا من المدافعين عن الدين والمبادئ ، وأن يحيينا حياة محمّد وآله
, ويميتنا ممات محمّد وآله ، وأن يثبّت لنا قدم صدق مع الحسين وأصحاب الحسين الذين
بذلوا مهجهم دون الحسين (عليه السّلام) .
الصفحة (149)
الإمام الحسين (عليه السّلام) يدعوك لنصرته
لقد ردّد السبط الشهيد أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) في كربلاء هذا النداء
التاريخي : (( أما من ناصر ينصرنا ؟ ))(1) ، وكرّره المرّة
بعد الاُخرى في كلِّ مصيبة هجمت عليه ، وخصوصاً في اللحظات الأخيرة من حياته عندما فقد
أعزّته وأنصاره ، بل وحتّى طفله الرضيع .
الإمام الحسين (عليه السّلام) إمام كلِّ العصور
ترى من كان يخاطب (عليه السّلام) ؟ هل كان يخاطب اُولئك الذين ذبحوا ابناءه وأهل
بيته وأنصاره ، أم كان يخاطب أشخاصاً آخرين ؟
إنّ الحسين (عليه السّلام) سيّد الشهداء , وإمام المتّقين ، وقدوة الصالحين ، لا في عصره فحسب ، وإنّما
دائماً وأبداً , وعبر العصور المتتالية ؛ فقد كان (عليه السّلام) يخاطب الأجيال ،
ويخاطبنا ، ويخاطب من كان قبلنا ، ومن سيأتي من بعدنا ، ويخاطب كلَّ ضمير حيّ ، وكل قلب
معمور بالإيمان .
لقد كان (عليه السّلام) خلاصة الفضائل ، وتطبيقاً حيّاً للقرآن ، بل والقرآن الناطق
؛
فنصرته (عليه السّلام) لا تقتضي بالضرورة أن نعاصره ونعيش معه ، بل تعني نصرة مبادئه
وأهدافه ، والقيم التي ثار من أجلها ؛
ــــــــــــــــ
(1) مجمع مصائب أهل البيت (عليهم السّلام) / 236 .
الصفحة (150)
فإن لم نستطع أن ننتصر لشخص أبي عبد الله
(عليه السّلام) ، والفتية من أهل بيته وأصحابه وأنصاره ، فلا بدّ من أن ننصر تلك المبادئ التي
ثار من أجلها وضحّى في سبيلها ؛ ولذلك نجد المؤمنين عندما يقفون أمام الضريح المقدس
يردّدون هذا الهتاف القدسي الخالد : (لبيك يا أبا عبد الله) , وهم يعنون بهذا النداء
أنّهم إن لم يكونوا حاضرين عند استنصاره واستغاثته ، ولم ينصروه في ذلك اليوم نصرة
مادية ، فإنّهم سوف ينتصرون للمبادئ والقيم والرسالة التي من أجلها ضحّى ، وفي سبيلها
بذل أعزّ ابنائه وأنصاره .
ولذلك نجد هؤلاء المؤمنين يكرّرون أيضاً النداء التالي : (فيا ليتني كنت معكم فأفوز
معكم)(1) ؛ لأنّ هذا التمنّي والرجاء إنّما هو تعبير
عن ذلك الإخلاص الذي نحمله ، عن تلك الروح الإيمانية التي نتمنّى أن نتحلّى بها ،
وعن ذلك المبدأ الذي اتخذناه طريقاً ومنهجاً .
هتاف الحسين مازال يدّوي
واليوم وبعد مرور أكثر من أربعة عشر قرناً على ذلك التاريخ ما يزال هذا الهتاف
يدوّي ويتجلّى في كل يوم ، ولقد صدقت المقولة الخالدة : (كلّ يوم عاشوراء , وكل
أرض كربلاء) .
ففي كل يوم تتجلى المعركة بين الحقِّ والباطل ، واُولئك الذين يريدون
أن
يفصلوا الواقع عن التاريخ ، أو أن يجرّدوا التاريخ من سننه وبصائره ورؤاه فهم قشريون
لا يريدون أن يتحمّلوا مسؤولياتهم .
ـــــــــــــــ
(1) مفاتيح الجنان ـ زيارة الإمام الحسين (عليه السّلام) / 427 .
الصفحة (151)
معركة الحق والباطل تعيد نفسها
واليوم تتجلّى هذه المعركة مرة اُخرى في عالمنا الإسلامي ؛ فبنو اُميّة بأفكارهم ،
وعنصرياتهم ، وجاهليتهم قد عادوا من جديد . فالذي يدرس تاريخ بني اُميّة ، ويبحث في
طبيعة ذلك التجمع الذي كان قد احتشد تحت راية أبي سفيان , ثمّ راية معاوية ويزيد ، يدرك
أنهم ليسوا بعيدين عن التجمعات الطاغوتية القائمة في أغلب بلدان عالمنا الإسلامي
اليوم ؛ فبنو اُميّة كانوا قد حملوا راية القومية ، ونفخوا في العنصريات البائدة ،
وأعادوا الحياة إلى الجاهليّة التي قضى عليها الإسلام في الظاهر .
والأنظمة الطاغوتية
القائمة الآن تفعل نفس الشيء ، وتتبع ذات الأساليب ؛
وعلى هذا فمن أراد أن يحيي الجاهليّة فلا بد من أن يحيي معها أبا سفيان ؛ لأنّ هذا
الرجل هو الذي كان يقودها . كما ويعني أن نبعث من جديد معاوية ويزيد ؛ لأنهما هما
اللذان ورثا من أبي سفيان راية الجاهليّة .
في حين إنّ على كل إنسان مؤمن أن يتبرأ من بني اُميّة
, وممّن شايعهم وسار في طريقهم
،
وأن يلعنهم قائلاً : (( ولعن الله بني اُميّة قاطبةً ))(1)
.
وهذه الكلمة لا تعني أنّ بني اُميّة يمثّلون عنصراً ؛ فالإسلام لا يتبرأ من العنصر
؛
فالله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان فإنّه خلقه بحيث لا يكون هناك فرق بين عربي
وأعجمي , وبين أبيض وأسود , وعلى هذا فإنّ لعن بني اُميّة قاطبة يعني لعن منهجهم
واُسلوبهم في العمل .
بنو اُميّة يعودون إلى الحياة
إنّ بني اُميّة يعودون الآن إلى الحياة بنفس الشعارات
, فإن سمعنا أنّ
ـــــــــــــ
(1) مفاتيح الجنان ـ زيارة الإمام الحسين (عليه السّلام) في يوم عاشوراء
/ 456 .
الصفحة (152)
صداماً ـ مثلاً ـ يفتخر في مجالسه بالحجّاج قائلاً :
إنّه أفضل حاكم حكم العراق ! فليس
هذا شاذاً عن القاعدة ؛ فصدام لا يفتخر بجسم الحجّاج الذي تحوّل إلى رميم ، وإنّما
لأنّه ينهج منهجه ، ويؤمن بأفكاره في الحياة ؛ فقد فعل صدام مثل ما فعله الحجّاج من
قتل للأبرياء ، وهتك للحرمات ، والاعتداء على شرف النساء .
وإنَّ الأعمال والممارسات
القمعية التي قام ويقوم بها تشبه إلى حد كبير ما قام به عمر بن سعد في كربلاء عندما
أمر بإحراق خيم نساء أهل البيت (عليهم السّلام) .
إنّ المجاهدين الذين يقاومون هذه الممارسات القمعية يدفعوننا إلى إكبارهم وإكبار
ذلك الدين والمبدأ الذي يربّي مثل هؤلاء الإبطال ، وإلى ازدياد إيماننا بصدق رسالات
الله (عزّ وجلّ) وتعاليمه ، وكيف أنّ هذه التعاليم تُخرّج مثل هؤلاء المجاهدين المضحّين
الذين يقفون في هذه القمة السامقة .
الصراع ما يزال متجدّداً
وبعد , فهذا هو الصراع الحقيقي المتجدد دائماً بين الحزب الاُموي الجديد والجاهليّة
الجهلاء وبين أنصار أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ؛ فهتافه (عليه السّلام) ما يزال
يدوّي في كل أُذنٍ واعية ، ولكن هناك آذان صمّاء لا تسمع .
ونحن لا نوجّه خطابنا إلى مثل هؤلاء ، بل
إلى اُولئك الذين يمتلكون الآذان الواعية السميعة التي تلتقط صوت أبي عبد الله (عليه السّلام) ، هذا الصوت الذي يخترق القرون ليصل إلى مسامعنا ومسامع الدهر
قائلاً : (( أما من ناصرٍ ينصرنا ؟ )) .
إنّها استغاثة من إمام ثار ، ولكن لا لنفسه
، وإنّما
لدين الله وحرماته وحدوده .
الصفحة (153)
نحن ومحّرم
إنّ أيام محرم تأتي في كلِّ عام , ولكن هل من الصحيح أن ندعها تأتي وتذهب دون أن
نستغلّها الاستغلال الأمثل ؟ بل وإنني أخشى أن يكون هناك بعض ممّن يشتركون في
المجالس الحسينيّة ، ويذرفون الدموع , ولكنهم في نفس الوقت يشتركون بأعمالهم في قتل
الإمام الحسين (عليه السّلام) , وزيادة مصائبه ومآسيه .
كذلك الرجل الذي بادر بعد حرق
الخيام إلى نهب وسلب حلي بنات أبي عبد الله (عليه السّلام) ؛ حيث روي عن عبد الله بن
الحسن , عن اُمّه فاطمة بنت الحسين (عليه السّلام) قالت : دخلت العامة علينا الفسطاط
, وأنا
جارية صغيرة , وفي رجلي خلخالان من ذهب ؛ فجعل رجل يفضّ الخلخالين من رجلي وهو يبكي
, فقلت : ما يبكيك يا عدو الله ؟!
فقال : كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله .
فقلتُ : لا
تسلبني .
قال : أخاف أن يجيء غيري فيأخذه(1)
!
وهكذا فإنّ هناك من يشترك في مجالس أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ولكنه في نفس
الوقت يساهم في دعم السلطات الظالمة وتأييدها ، ويمتنع عن تقديم يد العون والنصرة
إلى المجاهدين السائرين في خط الإمام الحسين (عليه السّلام) . وأنا أخشى أن يكون مصير
هؤلاء كمصير اُولئك .
إنّنا إذا سمعنا أصوات استغاثة أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ثمّ لم نستجب لها
فإنّنا سنُحشر مع أهل الكوفة الذين قاتلوا الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وكان
بعضهم من شيعته وشيعة أبيه (عليهما السّلام) . إذاً فالتشيّع بدون إرادة وتضحية وعطاء هو نوع من
النفاق الأسود .
ــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 45 / 82 .
الصفحة (154)
شهر محرم منعطف خطير
إنّنا لا بدّ أن نحوّل شهر محرم في كلِّ عام إلى منعطف خطير هام ، وإلى قفزة في مسيرة
العمل الجهادي ضد الطغاة . فلو اُسقط هؤلاء الطغاة بحول الله تعالى وقوّته ، وبجهاد
المجاهدين ، فإنّ آفاقاً جديدة سوف تفتح أمام الاُمّة ، أمّا إذا بقي هؤلاء الطغاة
فإنّ
ليالي حالكة ستكون في انتظار المسلمين ؛ لأنّ الصراع قد بلغ الآن ذروته ولا يمكن
التراجع عنه .
إنّ كلّ واحد منّا عليه أن يتحوّل إلى جهاز إعلامي ، وأن نكون جدّيين في إبعاد الكسل
والضجر والتواني عن أنفسنا . فلنكن حازمين ، ولنتجاوز عقبات هذا الطريق ؛ فمن يريد
أن ينصر أبا عبد الله الحسين (عليه السّلام) فإنّ عليه أن لا يكون جباناً كسولاً ضجراً
،
وأن لا يدع عقبة تقف أمامه ، وأن يكون جدّياً في عمله .
إنّ أمامنا فرصة شهر محرم الحرام في كل عام ، فلنجرّب أنفسنا ، ولنجرّب إرادتنا ،
ولنتوكل على الله سبحانه وتعالى ، فهو القائل وقوله الحق : (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى
اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْـرِهِ)(الطلاق/3) , والله لا
بدّ أن ينصرنا شريطة أن ننصره بكلّ ما نمتلك من قوة .
فلنحوّل شهر محرم الحرام إلى أيام كلّها عمل وجهاد ؛ لكي نحوّل المجتمـع إلى مجتمع
ملتهب ثورة وحماساً في سبيل القضايا التي تعيشها الاُمّة .
وللأسف فإنّ البعض يحمل
هذه الفكرة الخاطئة , وهي أنه يستصغر نفسه ، ويستهين بالدور الذي من الممكن أن يقدّمه
فيقول : مَن أنا ؟ وماذا يمكن أن اُقدّم للقضية ، ومَن يقول إنّني لو عملت فإنّ الله
سوف ينصر اُمّتي ؟
الصفحة (155)
في حين إنّ من الواجب عليه أن يقوم بدوره ، وليس عليه نتيجة هذا الدور
؛ فإنكار المنكر
واجب بالقلب ، واللسان ، والمال ، واليد ، والنفس ، وبكلِّ وسيلة شرعية اُخرى ,
فإذا تملّص كلُّ واحد منا من المسؤولية ، وانسحبنا من الساحة لم يبقَ في الميدان أحد .
فكثيراً ما تكون مشاركتك أنت شخصياً في العمل مكملة لشروط الانتصار ، فإن كان
للانتصار شرط , وهو اجتماع مليون إنسان , وكنت أنت تكمل هذا الرقم , ثمّ تأخّرت وانهزم
الجانب الإسلامي فإنّك ستكون مسؤولاً في هذه الحالة ؛ لأنّك كنت تستطيع أن تقدّم
النصرة والعون ، وأن تجعل النصر حليف الجانب الإسلامي ولكن لم تفعل .
فلماذا التواكل ؟ ولماذا نخضع للوساوس الشيطانيّة ولهوى النفس ؟ ولماذا ننسى مبادئنا
عند العمل ؟ فرغم أنّ المبادئ راسخة كلها في بالنا ، ولكننا عند العمل نتجاهلها
ونتناساها ، في حين أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) يقول في هذا الصدد :
(( لا تجعلوا
علمكم جهلاً ، ويقينكم شكّاً ؛ إذا علمتم فاعملوا ، وإذا تيقّنتم فأقدموا ))(1)
. فالإقدام مهم ، فإلى متى الانتظار البارد ؟
ماذا نقدّم ؟
وربما يسأل البعض في هذا المجال : ماذا عسانا أن نقدّم ؟
إنّك تستطيع أن تقوم بأعمال
كثيرة ؛ أن تحرّك لسانك , ويدك ، وأن تتبرّع في سبيل القضية ، علماً بأنّ التبرّع ليس
بكمّية المبلغ الذي تدفعه , ولكن بمقدار حبّك لهذا المال , وانتزاع هذا الحب من نفسك
كما يقول تعالى : (لَن تَنَالُوا البِرَّ حتّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)(آل
عمران/92) .
ــــــــــــ
(1) نهج البلاغة ـ قصار الحكم / 274 .
الصفحة (156)
وفي هذا المجال يُروى أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) صنع للزهراء
(عليها السّلام) قميصاً
جديداً ليلة عرسها وزفافها ، وكان لها قميص مرقوع ، وإذا بسائل على الباب يقول : أطلب
من بيت النبوة قميصاً خلقاً .
فأرادت أن تدفع اليه القميص المرقوع , فتذكّرت قوله تعالى
: (لَن تَنَالُوا البِرَّ حتّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)
, فدفعت له الجديد ،
فلمّا قرب الزفاف نزل جبرئيل وقال : يا محمّد , إنّ الله يقرئك السّلام , وأمرني أن
اُسلّم
على فاطمة , وقد أرسل لها معي هدية من ثياب الجنة من السندس الأخضر(1)
.
بين القول والفعل
وهكذا , فكلّما كان قلب الإنسان متعلّقاً بشيء كلّما كانت علاقتة النفسية به شديدة ،
وكلّما استطاع هذا الإنسان تحدّي هذه العلاقة كان ثوابه عظيماً ، وخصوصاً العلماء
, وبالأخص طلبة العلوم الدينية والمبلّغين .
فليس من الصحيح أن يدعو الناس إلى الإنفاق في حين
أنّهم لا ينفقون بشكل عملي كما يقول تعالى : (أتَأْمُرُونَ الْنَّاسَ
بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ
الْكِتَابَ)(البقرة/44) ، وكما يقول الإمام علي (عليه السّلام) :
(( ما أحثّكم على طاعةٍ
إلاّ وأسبقكم إليها ))(2) .
ونحن لو تعمّقنا في الآية السابقة ، وخشعنا لها ، لتبيّن لنا قبح وبشاعة أن يدعو
الإنسان الناس إلى سلوك هو لا يتحلّى به كما يقول عزّ من قائل :
(كَبُرَ مَقْتاً
عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ)(الصف/3) .
ـــــــــــــــــ
(81) فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى / 485 .
(82) نهج البلاغة ـ الخطبة رقم 175 .
الصفحة (157)
فالله (عزّ وجلّ) يمقت
ويحتقر ذلك الإنسان الذي يدعو إلى البرِّ ثم لا يبادر إليه من خلال العمل والإنفاق
والجهاد .
فلنكن إذاً كما كان الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه الأوفياء
(سلام الله عليهم جميعاً) ،
لنكن عند أقوالنا وادّعاءاتنا ، ولنكن حسينيِّين في سلوكنا وتصرّفاتنا ومواقفنا
، فيكون بإمكاننا خدمة رسالتنا الإسلاميّة الخدمة الأفضل والأمثل .
الصفحة (158)
أين نحن من ولاية الإمام الحسين (عليه السّلام)
(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا
وَكَانُوا بِاَيَاتِنَا يُوقِنُونَ)(السجدةِ/24)
تحت لهيب أشعة الشمس ، في طرف الصحراء حيث الرمال الحارقة ، في ظهيرة يوم عرفة
, في
وادي عرفات ، وعند يسار جبل الرحمة ، وعندما احتشدت وفود الرحمن إلى تلك الأرض المباركة ، حيث الرحمة الإلهية الشاملة
. في تلك الزاوية وقف السبط الشهيد الإمام
أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) ودموعه تجري , وعيناه كأنّهما عينان نضّاختان ، وحوله
تلك الثلّة المؤمنة المباركة من اُولي البصائر ، هم بدورهم كانت دموعهم تجري ، رافعين
أيديهم إلى السماء , ضارعين يجأرون إلى ربّهم ، وصوت الإمام الحسين (عليه السّلام) الشجيّ الزاخر بكل
ألوان العرفان والتعبّد والتوسّل ، ذلك الصوت كان يدوّي في تلك الصحراء :
(( إلهي أنا الفقيرُ في غِنايَ فكيف لا أكونُ فقيراً في فقري
! إلهي أنا الجاهلُ في
علمي فكيف لا أكونُ جهولاً في جهلي ! إلهي إنَّ اختلافَ تدبيِركَ , وسرعةَ طواءِ
مقاديرِكَ منعا عبادَكَ العارفينَ بك عن السُّكونِ إلى عطاءٍ , واليأسِ منكَ في
بلاءٍ . إلهي منّي ما يَليقَ بلؤُمي ، ومنك ما يليقُ بكرمك
.
الصفحة (159)
إلهي وصَفْتَ نفسكَ
باللطفِ والرأفة لي قبل وجودِ ضَعفي ، أفتمنعُني منهما بعد وجودِ ضَعفي ! إلهي إن
ظَهَرتِ المحاسنُ منّي فبفضلكَ ولك المِنّةُ عليَّ , وإنْ ظهرت المساوئ منّي
فبعدلِكَ ولك الحجّةُ عليَّ . إلهي كيف تَكِلُني وقد تكفّلتَ لي , وكيف أُضامُ وأنت
الناصرُ لي , أم كيف أخيبُ وأنت الحفيُّ بي ؟! … ))(1)
. وفي عشيّة يوم تاسوعاء , حينما زحف الجيش الاُموي الظالم على مخيم الإمام أبي عبد
الله (عليه السّلام) ، وبلغ ذلك الإمام ، طلب إلى أخيه أبي الفضل العباس (عليه
السّلام) أن
يسأل العدو المهلة حتّى يجدّد وأصحابه (رضوان الله عليهم أجمعين) العهد بالقرآن الكريم
, ويقضوا ليلتهم الأخيرة بإقامة الصلاة وقراءة الدعاء . وقد وصف الأعداء قبل الأصدقاء أنّهم كانوا يسمعون من مخيم الإمام الحسين
(عليه السّلام) وأصحابه
دويّاً كدوّي النحل من شدّة التضرع والعبادة والدعاء .
وحتّى خلال اللّحظات الأخيرة ؛ حيث كان نزف الدم قد أخذ من الإمام الحسين (عليه
السّلام) كلّ مأخذ ، لم يغفل سيّد الشهداء (عليه السّلام) عن ذكر الله طرفة عين ، فقال إذ ذاك :
(( صبراً على قضائك يا رب , لا إله سواك ))(2)
. |