مَن هو الإمام الحسين (عليه السّلام) ؟
هذا هو الإمام الحسين (عليه السّلام) , فجوهره المقدّس كان عرفانه بالله ، وكان
وجدانه حبّ الله ؛ فقد كان (عليه السّلام) يألف الصلاة
ــــــــــــــ
(1) مفاتيح الجنان ـ دعاء الحسين (عليه السّلام) في يوم عرفة / 271.
(2) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ المقرمّ / 357 .
الصفحة (160)
والقرآن , ويستأنس بهما ، وكان يرى نفسه بين أصابع الرحمن ، كان
كلُّه عرفاناً وتقوىً وحبّاً عميقاً لربّ العزّة .
وفي إطار تعرّفنا على الإمام الحسين (عليه السّلام) نجد أنفسنا مضطرّين إلى التركيز
على تلك اللحظة الحاسمة من حياته الشريفة ، وأقصد بها لحظة عاشوراء ، وهي اللحظة التي
كانت تعبيراً متكاملاً عن كلّ قيم السماء , وعن تأريخ جميع الأنبياء ، كما كانت
تعبيراً عن وراثة سيّد الشهداء لصفوة الله آدم (عليه السّلام) ، ولشيخ المرسلين نوح
(عليه السّلام) ، ولمحطّم
الأصنام إبراهيم (عليه السّلام) ، ولكليم الله موسى (عليه السّلام) ، ولروح الله عيسى
(عليه السّلام) ، ولسيد الأنبياء محمّد
(صلّى الله عليه وآله) .
إنّ يوم عاشوراء كان كيوم القيامة ، كألف سنةٍ ممّا تعدّون , بل وأكثر من ذلك بكثير
؛ ولذلك يقف الزائر للقبر الشريف قائلاً : (( السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله …))
حتّى ينتهي إلى النصّ الشريف من الزيارة المتواترة : (( السلام عليك يا وارث عليٍّ
وليّ الله ... ))(1) .
لقد ولد الإمام الحسين (عليه السّلام) ولادتين ؛ كانت الأولى في الثالث من شعبان ،
وكانت الولادة الثانية في يوم عاشوراء ، وهو في كلا الولادتين وُلد ووُلد معه
الإسلام . فحينما قال النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( حسين منّي وأنا من حسين ، أحبّ الله من أحبّ
حسيناً ))(2) , فالقضية تعني بالدرجة الأولى قصد
النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى توجيه الاُمّة إلى منزلة الإمام الحسين (عليه
السّلام) من الدين والعقيدة
التي تمثّلها شخصية الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، ثمّ يأتي تبعاً لذلك قصد النبي
(صلّى الله عليه وآله) تبيين صلة القرابة
التي تربطه بالحسين (عليه السّلام) .
ـــــــــــــــــ
(1) مفاتيح الجنان ـ زيارة وارث للإمام الحسين (عليه السّلام) .
(2) حياة الإمام الحسين بن علي (عليه السّلام) ـ القرشي 2 / 265 .
الصفحة (161)
فالإمام الحسين (عليه السّلام) هو باب الله ، وهو وسيلة الرحمة الإلهية ، وهو الصراط
المستقيم الذي ندعو الله يومياً أن يهدينا إليه .
فإن تعرف الإمام الحسين (عليه السّلام) بانّه ابن أمير المؤمنين الإمام عليٍّ
(عليه السّلام) , وابن سيدة نساء
العالمين فاطمة الزهراء (عليها السّلام) , وأنّه سبط الرسول (صلّى الله عليه وآله) , وشهيد كربلاء , وغريب الغرباء ، فتلك معرفة
جيدة ، ولكنها لا تقع في الدرجة الأولى من درجات المعرفة , فمن أراد السموّ إلى الدرجات العلا والثواب
الأكبر فعليه أن يعرف الإمام الحسين (عليه السّلام) حقّ
المعرفة .
وقد ورد بسندٍ معتبر عن بشير الدهّان قال : قلت للصادق (صلوات الله وسلامه
عليه) : ربما فاتني الحج , فأعرف عند قبر الحسين (عليه السّلام) ؟
قال : (( أحسنت يا بشير , أيّما
مؤمن أتى قبر الحسين (صلوات الله عليه) عارفاً بحقه في غير يوم عيد كُتب له عشرون حجّة
, وعشرون عمرة مبرورات متقبلات , وعشرون غزوة مع نبيٍّ مرسل وإمام عادل . ومَن أتاه في يوم
عرفة عارفاً بحقه كُتب له ألف حجة , وألف عمرة مبرورات متقبلات , وألف غزوة مع نبي
مرسل وإمام عادل ))(1) , إلى غير ذلك من الثواب والدرجة .
التقوى والورع شرط الولاية
إنّ من يريد الوصول إلى الهدف المنشود فعليه أن يبحث ويسير وفق الطريق الصحيح ، وحتّى
الرغبة في الوصول إلى أهل البيت (عليهم الصلاة والسّلام) بحاجة إلى تحديد الطريق
الصحيح من الطريق المنحرف .
وبين هذا وذاك نجد ـ وللأسف الشديد ـ من يمنّي نفسه بالفوز بمرضاة الله رغم ارتكابه
أنواع الكبائر ، تحت طائلة أنّه يحب أهل البيت (عليهم السّلام) ،
ـــــــــــــــ
(1) مفاتيج الجنان ـ فضائل زيارة الحسين في يوم عرفة .
الصفحة (162)
شأنه في ذلك شأن فرقة المرجئة التي
أسسها أو قوّمها بنو اُميّة في إطار مساعيهم الشيطانيّة لإخماد حركة المجتمع نحو الحق
والحريّة ؛ فقد كانت تلك الفرقة تعتقد بأنّ التفوّه بالشهادتين , والاعتقاد برسالة
النبيّ (صلّى الله عليه وآله) , وأداء بعض التكاليف كفيل بضمان الجنّة حتّى وإن تخلّل ذلك ارتكاب الكبائر
والموبقات من الذنوب .
وتستدل تلك الفرقة على ما ذهبت إليه ببعض الآيات والشبهات.
ولكنّ الأئمّة المعصومين (عليهم الصلاة والسلام) في مقابل ذلك عارضوا هذه العقيدة
التي سيطرت آنذاك على عقول كثير من المسلمين ، عارضوها بكل قوّة ، وعملوا دون تمييع
الحدود التي رسمها الله سبحانه وتعالى بين المؤمنين وغير المؤمنين ؛ فقالوا مراراً
وتكراراً ، وبشكل أو بآخر بأنّ الإيمان قول وعمل ، وأكّدوا بأنّ الإيمان عمل كلّه
والقول منه , بمعنى أنّ القول وإعلان الإيمان ليس إلاّ عملاً واحداً من جملة أعمال
الإيمان .
وقالوا أيضاً : إنّ مرتكب الكبيرة لدى ارتكابه المعصية يبتعد عن روح
الإيمان ، وأيّة قيمة للإيمان من الممكن بقاؤها مع إنسان لا يجد في نفسه مانعاً
يمنعه عن ارتكاب الكبائر من الكذب , والفجور , والظلم , وقتل الآخرين ، بل وما فائدة
الإيمان ؟ ولماذا إذاً خلق الله عزّ وجلّ النار ورسم العدالة ؟!
إنّ بعض الناس الذين يدّعون الإيمان وحبّ وموالاة أهل البيت
(عليهم السّلام) , ولكنهم في الوقت ذاته
تتّحد عقيدتهم مع عقيدة المرجئة ، فيقولون بعدم التناقض بين الإيمان والظلم , أو
الفجور أو التقاعس عن أداء التكاليف الدينية ، إنّ هؤلاء ينبغي أن يعرفوا بأنّ
الولاية لأهل البيت (عليهم السّلام) قضية أساسية من قضايا الرسالة الإلهية ، ومن لا
يتّبع تعاليم أهل البيت (عليهم السّلام) حريٌّ به أن تُسلب
الصفحة (163)
منه هذه الولاية ؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى
يقول في كتابه الكريم : (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَآءُوا السُّوأَى أَن
كَذَّبُوا بِاَيَاتِ اللَّهِ)(الروم/10) .
والتكذيب بآيات الله من الممكن أن يأخذ صبغة عملية عبر ارتكاب المآثم والموبقات
والكبائر وهجر التكاليف الشرعية ، كما قد يأخذ التكذيب بآيات الله صبغة مباشرة عبر
عدم الاعتراف بها والكفر بها جهاراً .
فالذي لا يطيع أوامر الله والرسول (صلّى الله عليه وآله) وخلفائه الأئمة (عليهم
السّلام) من بعده من شأنه أن يموت كافراً ،
ومن شأنه أيضاً أن يحرم من ولاية الله والرسول والأئمة ، وذلك هو الخسران المبين .
ولقد كرّر الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق (عليه السّلام) قوله لشيعته :
(( أبلغ (الراوي) موالينا عنّا
السلام , وأخبرهم أنّا لا نغني عنهم من الله شيئاً إلاّ بعمل ، وأنّهم لن ينالوا
ولايتنا إلاّ بعمل أو ورع ... ))(1) .
فمن يقل بأنّه موالٍ للأئمة (عليهم السّلام) ويعيش بين الموالين هو الآخر معرّض إلى الانزلاق نحو
المفاسد ، ومن ثمّ سيتبيّن له الخطل فيما ادّعاه ؛ وذلك لأنّ الأئمة (عليهم
السّلام) أنفسهم لا
يعترفون بتشيّع إنسان ما لم يتبعهم بما أمروه به ونهوه عنه .
وإنّها لخطيئة كبرى وخسارة عظمى أن يتصور الإنسان أن موالاة أهل البيت (عليهم
السّلام) مجرّد المحبة وإحياء الذكرى ؛ لأنّ الولاية بمعناها الكامل والصحيح هي طاعة الله
, وطاعة رسوله (صلّى الله عليه وآله) , والاعتراف بحقّ آل البيت (عليهم السّلام) , والسير على نهجهم الذي لم ولن يختلف أبداً عن
تعاليم القرآن .
ومن نماذج النقص في الولاية للأئمة (عليهم السّلام) أن نرى البعض منهمكاً في التحدّث
عن فضائلهم ومناقبهم وتأريخهم ، ولكنّه في الوقت ذاته يقصّر في
ــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 2 / 28 .
الصفحة (164)
التعرّف إلى الحكمة
الإلهية من وجود الأئمّة (عليهم السّلام) , أو تنصيبهم زعماء للدين من دون الناس ، ويقصّر أيضاً في
معرفة فقههم ومعارفهم الإلهية ؛ فتراه ـ تبعاً لذلك ـ يجادل في كل صغيرة وكبيرة
مجادلةً تنبع من عدم التسليم لآراء الأئمّة (عليهم السّلام) ، مع علمه واعترافه بعصمتهم ومنزلتهم من
القرآن والرسول (صلّى الله عليه وآله) .
فمَن قال بإمامة الحسين بن علي وسائر الأئمة المعصومين (عليهم
السّلام) يتوجّب عليه
اتّباع كلماتهم ، فلا يجهلها أو يتجاهلها , أو يفسّرها حسب هواه وأغراضه .
ومن جملة ما
يروى في هذا الإطار أنّ الإمام الصادق (عليه السّلام) سأل رجلاً من أتباعه ـ ولعله
فضيل بن يسار ـ قائلاً : (( كيف تسليمك لنا يا فضيل ؟ ))
.
فأجاب : يابن رسول الله , لو أخذتَ
تفّاحة وقسمتها قسمين , وقلْت هذا القسم حلال وهذا حرام فأنا لا أقول : لماذا ؟ بل أقول
:
سلّمت .
وكان من قبله سلمان المحمدي ؛ حيث أُثر عنه أنّه كان يقتفي أثر أمير المؤمنين
(عليه السّلام) , فيضع قدمه في موضع قدم الإمام (عليه السّلام) ، فهو كان يرغب بالتعبير عن اتّباعه
وتسليمه لأمير المؤمنين (عليه السّلام) حتّى في هذا المجال وبهذه الطريقة …
آفاق الولاية
بعد أن نتجاوز خطيئة المرجئة وقشرية السلفية بالنسبة لأهل البيت (عليهم السّلام) ، وبعد
أن نتوجّه إلى العمق ، أقول كلمة ، وأعتقد بأنّها مهمّة للغاية , وهي : إنّ الإنسان
حينما يحب ويتبع الأئمة (عليهم السّلام) يجب أن تتنامى في قلبه محبّة أولياء ومحبّي الأئمّة
(عليهم السّلام) ؛ إذ لا
يجوز العيش في رحاب أهل البيت (عليهم السّلام) مع رفض أوليائهم ومحبّيهم ، ويتبع ذلك عدم صحّة البحث
عن المعاذير لذلك الرفض أو الطرد أو الكره .
الصفحة (165)
ويروى في هذا المجال عن محمّد بن علي الصوفي قال : استأذن إبراهيم الجمّال
(رضي الله
عنه) على أبي الحسن عليّ بن يقطين الوزير فحجبه ، فحجّ عليُّ بن يقطين في تلك السنة
, فاستأذن بالمدينة على مولانا موسى بن جعفر (عليه السّلام) فحجبه ، فرآه ثاني يومه , فقال عليُّ بن
يقطين : يا سيدي , ما ذنبي ؟!
فقال : (( حجبتك لأنّك حجبت أخاك إبراهيم الجمّال
, وقد أبى الله
أن يشكر سعيك أو يغفر لك إبراهيم الجمّال )) .
فقلت : سيدي ومولاي , مَن لي بإبراهيم
الجمّال في هذا الوقت , وأنا بالمدينة وهو بالكوفة ؟!
فقال : (( إذا كان الليل فامض إلى البقيع وحدك من غير أن يعلم بك أحد من
أصحابك وغلمانك , واركب نجيباً هناك مسرجاً )) .
قال : فوافى البقيع وركب النجيب , ولم يلبث أن أناخه على باب إبراهيم الجمّال بالكوفة
, فقرع الباب وقال : أنا عليُّ بن يقطين .
فقال إبراهيم الجمّال من داخل الدار : وما
يعمل عليُّ بن يقطين الوزير ببابي ؟!
فقال عليُّ بن يقطين : يا هذا , إنَّ أمري عظيم ! وآلى عليه أن يأذن له ، فلمّا دخل قال
:
يا إبراهيم , إنَّ المولى (عليه السّلام) أبى أن يقبلني أو تغفر لي .
فقال : يغفر الله لك
.
فآلى عليُّ بن يقطين على إبراهيم الجمّال أن يطأ خدّه , فامتنع إبراهيم من ذلك
, فآلى
عليه ثانياً ففعل ، فلم يزل إبراهيم يطأ خدّه وعليُّ بن يقطين يقول : اللَّهمَّ اشهد
.
ثمَّ انصرف وركب النجيب وأناخه من ليلته بباب المولى موسى بن جعفر (عليه السّلام) بالمدينة
, فأذن له ودخل عليه فقبله(1) .
إذاً فالقضية حادّة ومهمّة للغاية ، لا سيما وأنّ الشيطان قد أكثر من مزالقه
ومهاويه ليوقع بها بين الناس ؛ لذلك نرى البعض يكيل التهم
ــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 48 / 85 .
الصفحة (166)
والأكاذيب للعلماء
والكتّاب والمجاهدين العاملين , وبأعصاب باردة ، غافلاً أو متغافلاً عن أنّ ما يجترحه
بلسانه من غيبة أو إشاعة للفحشاء أو قول بغير حقٍّ أو افتراء على شيعة أهل البيت
(عليهم السّلام) من
شأنه أن يبعده عن أهل البيت (عليهم السّلام) فيلقيه على رأسه في جهنم .
مسؤولياتنا تجاه الولاية
من الممكن أن نعبّر عن مسؤوليتنا تجاه الولاية لأهل البيت (عليهم السّلام) بعدة أبعاد
ونقاط ، وهي :
1 ـ أن نعرف أهل البيت (عليهم السّلام) حقّ المعرفة ؛ فنعرف مقامهم ومنزلتهم
, وأنّهم خلفاء الله في
الأرض , وأنهم أسماؤه الحسنى … ونستطيع ذلك من خلال الأدعية والزيارات المأثورة ، فلنكن
على تواصل دائم معهم عبر قراءة الزيارات الشريفة الواردة بحقهم ، من قبيل زيارة
عاشوراء ، ولنعوّد أنفسنا على زيارة أضرحة الأئمة (عليهم السّلام) وأولادهم ما أمكن .
2 ـ معرفة كلماتهم ؛ وعليه فإنّ القراءة الواعية للكتب التي احتوت آثارهم ؛ مثل نهج
البلاغة , والصحيفة السجّادية , وتحف العقول لها الأثر الأكبر في تعميق المعرفة بسنّة
أهل البيت (صلوات الله عليهم) .
3 ـ معرفة مسيرتهم العملية والاقتداء بها ؛ ولذلك كان لزاماً علينا البحث عن الكتب
والمقالات والمحاضرات الخاصّة بهذا الشأن .
4 ـ الاتّباع والاقتداء بهم .
5 ـ الدفاع عنهم ، فربّنا العلي القدير يقول :
(يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن
تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) , ونصرة الله تكون عبر
نصرة دينه ، وإنّ أوّل من يمثل الدين هو الرسول (صلّى الله عليه وآله) وسيرته , وأهل بيته (عليهم
السّلام) وسيرتهم
الصفحة (167)
ومبادئهم
,
وهذا يعني الذبّ عن شخصياتهم المقدسة ما امكن ؛ فلندافع عن أئمتنا (عليهم السّلام) بالعمل الصالح
, وإنشاء المشاريع , وكتابة الكتب وغير ذلك .
6 ـ محبّة أولياء آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) وحمايتهم والدفاع عنهم ، وليكن الشعار الأوّل في هذا
المضمار ما نقرأه في زيارة المعصومين (عليهم السّلام) ، حيث جاء :
(( اِنّي سِلْمٌ لِمَن سالمكم , وحربٌ
لمَن حاربكم , ووليٌّ لمَن والاكم , وعدوٌّ لمَن عاداكم ))(1)
.
نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المنتصرين لدينه ، وأن لا يستبدل بنا غيرنا ، وأن
يجعلنا مع الحسين (عليه السّلام) فنواليه ونتّبعه , ونعرفه وندافع عنه . وندعوه تبارك
وتعالى أن يرفع الضيم عن أتباع أهل البيت (عليهم السّلام) أينما كانوا ، وأن يجعل كلمتهم هي العليا
،
وكلمة أعدائهم السفلى ، إنّه وليّ التوفيق .
ــــــــــــــــــ
(1) مفاتيح الجنان ـ زيارت الإمام الحسين (عليه السّلام) في يوم عاشوراء
/ 457 .
الصفحة (168)
الشعائر الحسينيّة اُسلوباً ومحتوىً
ترى لماذا نحيي في كلِّ عام شعائر الإسلام في ذكرى استشهاد أبي عبد الله الحسين
(عليه السّلام) ؟ ولماذا تتجدد هذه الذكرى مع مرور السنين ، وتتسع في كل عام ،
وتنتشر عبر آفاق جديدة ؟
هذا السؤال ليس سؤالاً فقهياً أو علمياً محضاً ، بل هو سؤال واقعي يعيشه كل إنسان
مسلم . وللإجابة عليه نقول : إنّ هذه الواقعة يعيشها كل قلب ، وكل فطرة ، وكل نفس
بشرية .
وقد طرح عليّ هذا التساؤل اثنان من المستشرقين الالمان قائلين : لماذا يتغيّر كل
شيء عندكم أيها الشيعة إذا اقترب هلال محرم , لا بضغط من حكومة ، ولا بمال من غني ،
ولا بإعلام قوي ، بل بشكل عفوي , في حين أنّكم تعتقدون بقول نبيكم (صلّى الله عليه
وآله) : (( مداد العلماء خير من دماء الشهداء )) ، فلماذا ترفعون راية الحسين
بينما يقرّر رسولكم أن مداد العلماء خير من دماء الشهداء ؟
سر خلود الثورة الحسينيّة
وعندما أجبتهما على هذا السؤال قلت لهما : أوّلاً : إنّ الحسين (عليه السّلام) ليس شخصاً
،
بل هو قضية ، وقيمة ، ومدرسة ، ومنهج ، ومسيرة ؛
الصفحة (169)
فهو (عليه السّلام) كالنبي إبراهيم الذي
كان يمثّل اُمّة ، وكان حنيفاً مسلماً ولم يكن من المشركين ؛ ولذلك فإنّ جميع أتباع
الديانات السماوية يقدّسون هذا الرجل ؛ لانه جسّد قيمة التوحيد ، ورفع راية (لا إله
إلاّ الله) , فتحوّل إلى قيمة ؛ ولذلك قرّر القرآن الكريم أنّه كان اُمّة ، واستجاب له
الله سبحانه وتعالى عندما قال : (وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ)(الشعراء/84)
.
وكما أنّ إبراهيم (عليه السّلام) جسّد قيمة ، فإنّ الحسين (عليه السّلام) قد جسّد قيمة هو
الآخر ؛ فقد استشهد في سبيل العدل والحق ، ومن أجل الدين والحرية . ومن المعلوم أنّ
هذه القيم ثابتة ، فلا يمكن أن يأتي زمان لا نحتاج فيه إلى الدين والعدالة والحرية
؛ فالحق هو فلسفة الحياة ، بل هو الحياة نفسها , وبدونه لا يمكن ان تستمر . وكما أنّ قيمة
الدين والعدالة والحرية والحقّ وسائر القيم المقدسة مستمرة ، فإنّ قضية الإمام
الحسين (عليه السّلام) مستمرة هي الاُخرى .
وفي القسم الثاني من الإجابة قلت لذينك المستشرقين : إننا نعيش
اليوم تحت راية أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ، ونحن أتباع أهل البيت (عليهم السّلام) لا يمكن
أن نعيش
بدونه ؛ لأنّ العيش بدونه يعني العيش بدون قيم ، وبدون دين واستقلال .
أهمّية المواكب الحسينيّة
ونحن كنّا وما زلنا نقيم المواكب الحسينيّة في كلِّ عام ؛ ففي أيام الأربعين
يتقاطر الشيعة على مدينة كربلاء لتتحوّل إلى موكب حسيني كبير ، وهذه المواكب هي
الناطقة عن قضية الإمام الحسين (عليه السّلام)
الصفحة (170)
وقضايا الشيعة في العالم الإسلامي ؛ فعلى سبيل
المثال اُعدم قبل خمسة وأربعين عاماً مسلم إيراني بسيف آل سعود ظلماً وعدواناً ، وفي
تلك السنة حملت جميع المواكب الحسينيّة التي وفدت إلى كربلاء راية هذا الرجل ، وبعد
فترة كان النظام البائد في إيران يضطهد العلماء , فكانت المواكب الحسينيّة في العراق
تنادي بالدفاع عن علماء إيران ، وبعد فترة اُخرى حدثت مجزرة ضد الشيعة في لبنان , فما
كان من المواكب الشيعية في العراق إلاّ أن نادت بالدفاع عن الشيعة في لبنان .
وأنا اُوجّه كلامي هنا إلى اُولئك الذين يلوموننا على بكائنا في يوم عاشوراء
, فأقول
لهم : إنّنا نبكي بكاء الأبطال ، ولكي نصبح حسينيين . فمثل هذه الشعائر هي التي حافظت
على الإسلام ، بلى هي التي حافظت علينا ـ نحن الشيعة ـ على مرّ التاريخ رغم كثافة
المشاكل المحيطة بنا .
وهكذا فإنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) كانت قضية فأصبحت قيمة ، وكانت واقعة
فتحولت إلى راية . وكل إنسان في هذا العالم يريد أن يدافع عن قيمه وقضيّته وظلامته
لا بدّ أن ينضوي تحت هذه الراية المقدّسة .
الشعائر الحسينيّة والأنظمة الطاغوتيّة
وقد أدركت الحكومة الطاغوتيّة عمق هذه الشعائر ؛ ولذلك فإنّها عمدت وتعمد إلى محاربة
الشعائر الدينية للشيعة ، فهي تريد ـ في الحقيقة ـ أن تعزل الشيعة عن تأريخهم .
ففي
كلِّ عام تهتدي الآلاف المؤلّفة من البشر بفضل الحسين (عليه السّلام) ؛ ولذلك فإنّ الحكومات
تحرص على محاربة هذه المجالس التي يجب أن نحافظ عليها بأي شكل من الأشكال لكي تستمر
المسيرة والنهضة ؛ ذلك لأنّ الإمام الحسين (عليه السّلام)
الصفحة (171)
استشهد ، وباستشهاده في كربلاء
أثبت أنّ الظلامة التي ارتكبت بحقِّ أهل البيت (عليهم السّلام) كانت حقيقية .
تعظيم شعائر الله
وهكذا فإنّ الشعائر باقية ومستمرة ، فالله سبحانه وتعالى يقول :
(وَمَن يُعَظِّمْ
شَعَآئِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)(الحج/ 32) .
وهنا اُريد أن أتوقّف عند كلمتين في تفسير هذه الآية الكريمة المقتطفة من سورة الحج ؛
الكلمة الاُولى هي (الشعائر) التي هي جمع شعيرة ، وهي كل عمل يشعرك بشيء ؛ فقد كانوا
يأتون بالإبل إلى مكّة المكرّمة بعد أن يشعروها ـ أي يلطّخوها بشيء من الدم ـ , أو
يقلّدوها بشيء يشعر أنّها قرابين في سبيل الله تعالى ؛ لكي يتجمّع عليها الفقراء
والمساكين وينالوا نصيبهم منها .
والقرآن الكريم يصف هذا العمل بقوله تعالى :
(مِن
شَعَآئِرِ اللَّه)(الحج/36) , أي إنّ هذه القرابين خالصة لله سبحانه ولا شأن
لأحد بها ؛
وعلى هذا فإنّ الشعائر تنطبق على كل ما يعظّمه الإنسان شريطة أن لا يكون حراماً .
ويحذّر القرآن الكريم في قوله تعالى : (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللَّهِ
فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) من أن تفرغ الشعيرة من محتواها ؛ لأنّها يجب أن ترسّخ التقوى
ـ التي هي الكلمة الثانية التي نريد التحدث عنه ـ في النفس , فيجب أن
نخلص النية في أدائها تماماً كالصلاة التي تكون باطلة إذا ما انعدمت منها النية ؛
لأنّ النية هي إطار ومحتوى الصلاة بالإضافة إلى ذكر الله تعالى وخشوع القلب .
وهكذا الحال بالنسبة إلى الشعائر الحسينيّة ، فلنعمل من أجل ان تتحوّل هذه الشعائر
إلى مدرسة تربوية للمجتمع .
الصفحة (172)
وهنا أطرح بعض الاقتراحات في مجال تطوير الشعائر الحسينيّة وإغنائها
, وهي :
1 ـ فهم شخصية الحسين (عليه السّلام) من خلال كلماته
علينا أن نفهم الحسين (عليه السّلام) من خلال كلماته ؛ فقد كان (عليه السّلام)
إماماً
ناطقاً ، وكان من أعظم ما تكلّم به دعاؤه في يوم عرفة , هذا الدعاء الغنيّ بالمعاني
العرفانية , والذي يقول من جملة ما يقول فيه :
(( الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع ، ولا لعطائه مانع ، ولا كصنعه صنع صانع ، وهو الجواد
الواسع . فطر أجناس البدائع ، وأتقن بحكمته الصنائع ، لا تخفى عليه الطلائع ، ولا تضيع
عنده الودائع ، جازي كل صانع ، ورائش كل قانع ، وراحم كل ضارع ، منزل المنافع ، والكتاب
الجامع بالنور الساطع ... ))(1)
.
فلنتأمل هذه الفقرة ، ولننظر كيف يعرّف الإمام الحسين (عليه السّلام) ربه (عزّ
وجلّ) بكلمات
مضيئة تفيض توحيداً وإخلاصاً .
وأمّا عن كلامه في النبوّة والإمامة فيقول (عليه
السّلام) : (( إنّا أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، ومحلّ الرحمة
، بنا
فتح الله وبنا ختم ، ويزيد رجل فاسق … ومثلي لا يبايع مثله ))(2)
.
ومن جملة كلامه (عليه السّلام) في الموت قوله :
(( خُطّ الموت على ولد آدم مخطَّ القلادة
على جيد الفتاة ))(3)
.
ــــــــــــــــ
(1) مفاتيح الجنان ـ دعاء الإمام الحسين يوم عرفة .
(2) حياة الإمام الحسين بن علي (عليه السّلام) ـ القرشي 2 / 255 .
(3) بحار الأنوار 44 / 366 .
الصفحة (173)
2 ـ تخريج الخطباء
إنّنا نمتلك ـ والحمد لله ـ حوزات علمية ، وقد حافظت هذه الحوزات على استقلالها
وحيويتها على مدى العصور ، ولكن هذه الحوزات تخرّج العلماء والمراجع الكبار في
الغالب ، وعلينا أن نفتح إلى جانب هذه الحوزات أو داخلها تخصّص للخطباء ؛ لكي يتلقّى
الطالب في الحوزة دروس الخطابة .
3 ـ إقامة المؤتمرات
إنّ شهر محرم هو بالنسبة إلينا الرأسمال الوحيد ، فإذا لم نقم المجالس في شهر عاشوراء
من كلِّ عام فسوف لا نمتلك برنامجاً للأعوام القادمة ، فلماذا إذاً لا نقيم مؤتمرات
للخطباء ؛ كأن يجتمعوا قبيل حلول شهر محرم في كلِّ عام ليتبادلوا الأفكار والآراء
بينهم بشأن تطوير المجالس الحسينيّة ؟
4 ـ دور المشرفين على الحسينيّات والمواكب
إنّ المشرفين على المجالس والحسينيّات والمواكب عليهم بدورهم أن يعقدوا
الاجتماعات على مدار السنة ؛ لكي يدرسوا ويصدروا القرارات بشأن بناء الحسينيّات
،
وجمع التبرعات ، والإتيان بالخطباء الجدد الذين من شأنهم أن يسهموا في تزويد
المسلمين بأفكار جديدة .
5 ـ دور المثقّفين
وهنا اُوجّه كلامي إلى المثقفين ، وأدعو كل واحد منهم إلى أن يبثّوا بين الناس من خلال
كلماتهم وكتبهم ومقالاتهم كلَّ ما هو جديد ومفيد عن الثورة الحسينيّة .
الصفحة (174)
ضرورة تطوير الأساليب
وعلى هذا فإنّ علينا أن نعمل جاهدين من أجل أن نطوّر أساليبنا من ناحية المحتوى ،
وهذه هي إحدى مسؤولياتنا الكبرى .
فمن المتعيّن علينا أن ندعو إلى المجالس الحسينيّة
, وأن نحرص على أن يحضرها عدد كبير من الناس ؛ وذلك من خلال تطوير الأساليب ، وتزويد
الشعائر الحسينيّة بالمحتوى الذي يجب أن يكون تجسيداً لمدرسة الحسين (عليه السّلام) التي هي مدرسة القيم والتقوى .
ومن الجدير بالذكر هنا أنّ المجالس الحسينيّة يجب أن تكون اللسان المعبّر والناطق عن
مشاكلنا وآلامنا وقضايانا , أي أن نُعطي لهذه الشعائر محتوىً حضارياً مرتبطاً
بالزمان ؛ ذلك لأن شيعة الحسين (عليه السّلام) لا بدّ أن يسيروا في خطه ، وأن يترجم الواحد
منهم قوله إلى واقع عملي وهو يقف امام ضريحه (عليه السّلام) ويردّد :
(( إنّي سِلمٌ
لمن سالمكم , وحربٌ لمَن حاربكم , ووليٌّ لمَن والاكم , وعدوٌ لمَن عاداكم ))(1)
.
فنحن نسير في خطّه (عليه السّلام) ، ونمثل تكتّلاً
واحداً تحت رايته التي لا بدّ أن تقودنا إلى الجنة كما يشير إلى ذلك الحديث الشريف
: (( أوسع الأبواب في القيامة باب أبي عبد الله الحسين )) .
ـــــــــــــ
(1) مفاتيح الجنان ـ زيارة الإمام الحسين (عليه السّلام) في يوم عاشوراء / 457 .
والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين
|