قراءاتٌ في بياناتِ الثورة الحُسينيَّة

 
 

الصفحة (260) 


الصفحة (261) 

البيان الإعلامي في المدينة المُنوَّرة

خطاب الإمام السجَّاد (ع) في المدينة :

آخر البيانات الإعلاميَّة للثورة هو الخطاب الذي ألقاه الإمام زين العابدين (عليه السّلام) في المدينة المُنوَّرة ، بعد رجوعهم إليها بعد نهاية تلك الملحمة الكُبرى الخالدة ، وبعد تلك المسيرة المُقدَّسة التي قطعها سبايا آل محمد (عليهم السّلام) .

ويختلف المحور الذي يدور عليه هذا البيان عن محاور البيانات السابقة ، فإنَّ هذا البيان قد تمحور حول البُعد العاطفي مِن الثورة ، فقد أراد الإمام أنْ يؤكِّد على جانب البكاء والحُزن ، لما جرى على شهيد كربلاء وأهل بيته وأصحابه ، وهذا جانب مُهمٌّ وضروريٌّ لخلود الثورة ، وبقاء آثارها في وجدان الأُمَّة على تعاقب الأجيال .

قال بشير بن حَذْلم : لمَّا قربنا مِن المدينة ، نزل علي بن الحسين ، وحَطَّ رحله وضرب فسطاطه وأنزل نساءه ، وقال : (( يا بشير ، رحم الله أباك ، لقد كان شاعراً ، فهل تَقدِر على شيء منه ؟ )) قلت : بلى يابن رسول الله ، إنِّي لشاعر . فقال (عليه السّلام) : (( ادخُل المدينة ، وانعى أبا عبد الله ))(1) .

وإنَّما أراد الإمام بهذا أنْ يُهيِّئ النفوس والعواطف ، لاستقبال البيان الذي يُريد أنْ يُدلي به ؛ مِن أجل أنْ يؤثِّر أثره في النفوس ، ويجد طريقه إلى وجدان الجماهير ، وكلُّنا

ـــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين(ع) للمُقرَّم / 248.

الصفحة (262) 

يعلم بما للشِّعر مِن أثره الخاصِّ على العاطفة الإنسانيَّة ؛ لذلك أراد الإمام تسخير الشِّعر في خدمة قضيَّتهم في تأجيج المشاعر وتوجيهها نحو هذا الاتجاه ، فإنَّ الشعر في القِدَم والحديث مِن أهمِّ الوسائل المؤثِّرة في توجيه الرأي العامِّ إلى أيِّ مَنحى يُراد توجيهه إليه ؛ لذلك أكَّد أئمَّة أهل البيت على هذه الظاهرة ، فدعوا إلى قول الشعر وإنشاده في رثائهم ومَدحهم.

قال بشير : فركبت فرسي حتَّى دخلت المدينة ، فلمَّا بلغت مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله) رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت :

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها      قُتِل  الحسين فأدمُعي مِدرار
الجسم  منه بكربلاء مُضرَّج      والرأس منه على القَناة يُدار

وقلت : هذا علي بن الحسين (عليه السّلام) مع عَمَّاته وأخواته قد حلَّوا بساحتكم ، وأنا رسوله إليكم أُعرِّفكم مكانه .

فخرج الناس يهرعون ولم تبقَ مُخدَّرة إلاَّ برزت تدعو بالويل والثبور ، وضجَّت المدينة بالبُكاء ، فلم أرَ باكياً أكثر مِن ذلك اليوم ، واجتمعوا على الإمام زين العابدين (عليه السّلام) يعزُّونه(1).

في هذا الجوِّ المملوء بالعواطف الجيَّاشة والمشاعر المُتأجِّجة مِن ذلك الجمهور ، الذي خرج لاستقبال العائدين مِن أهل البيت ، فإذا هُمْ يرون أنفسهم لا يستقبلون إلاَّ النساء والأطفال ، أمَّا الرجال فقد أُبيدوا جميعاً لم يرجع منهم إلاَّ الإمام السجاد (عليه السّلام) ، فلك أنْ تتصوَّر إلى أيِّ مدى يكون تأثير المأساة في وجدان ذلك الجمهور ، عند ما يستمع إلى الإمام يتحدَّث عمَّا جرى عليهم . وقد خرج مِن الفِسطاط ، وبيده خِرقة يمسح بها دموعه ، وخلفه مولى معه كرسيٌّ ، فجلس عليه وهو لا يتمالك مِن العَبرة ،

ـــــــــــــــــ
(1) مَقتل الحسين (ع) لمُقرَّم / 248.

الصفحة (263) 

وارتفعت الأصوات بالبُكاء والحنين ، فأومأ إلى النساء أنْ اسكتوا ، فلمَّا سكتت فورتهم قال (عليه السّلام) : (( الحمد لله رَبِّ العالمين ، الرحمان الرحيم ، مالك يوم الدين ، بارئ الخلائق أجمعين ، الذي بَعُدَ فارتفع في السماوات العُلى ، وقرُب فشهد النجوى ، نحمده على عظائم الأُمور ، وفجائع الدهور ، وألم الفجائع ومَضاضة اللواذع ، وجليل الرزء وعظيم المصائب الفاظعة الكاظَّة الفادحة الجائحة . أيُّها القوم ، إنَّ الله تعالى وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة ، وثَلمة في الإسلام عظيمة ، قُتِل أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) وعِترته ، وسُبْيت نساؤه وصِبْيَته ، وداروا برأسه في البُلدان مِن فوق عامل(1) السِّنان ، وهذه الرزيَّة التي لا مثلها رزيَّة ))(2) .

في هذا الجزء مِن هذا البيان ، والذي يُمثِّل المُقدِّمة لخطاب الإمام ، بدأ الإمام خطابه بحمد الله تعالى على كلِّ ما جرى عليهم مِن الفجائع العظيمة والمُلمَّات الجسيمة ؛ ليُبيِّن أنَّ مواقفهم مِن هذه المصائب هو موقف الشُّكر لا موقف الصبر فقط ؛ لأنَّ كلَّ ما حدث بهم وجرى عليهم ، إنَّما هو مِن أجله تعالى ، ومِن أجل دينه ورسالته ، وهذا ما يُعظِّم شأنهم عنده تعالى ويزيدهم قُرباً منه ويُعلي مِن مراتبهم ؛ لأنَّها ابتلاء مِن الله تعالى لهم ، وخَطُّ الابتلاء هو خَطُّ الأنبياء والأولياء ؛ فإنَّهم أشدُّ البشرية ابتلاءً

ـــــــــــــــــ
(1) في مثير الأحزان : ( عالي ) .
(2) اللهوف / 116 ـ 117 ، ومثير الأحزان لابن نما / 91.

الصفحة (264) 

وامتحاناً ، وأهل البيت (عليهم السّلام) هُمْ سادة هذا الطريق ، فتكون هذه الرزايا في باطنها نِعمة يُشكَر المُنعِم عليها تبارك وتعالى ، وإنْ كانت هذه الفاجعة ثَلمة في الدين ؛ لأنَّ المقتول هو ذلك الإمام الذي تجسَّد فيه الإسلام بمفاهيمه وقيمه وأحكامه.

وتابع الإمام السجاد (عليه السّلام) خطابه ، موجِّهاً كلامه إلى الحضور قائلاً : (( أيُّها الناس ، فأيُّ رجالات منكم يُسرُّون بعد قتله ؟! أمْ أيُّ فؤاد لا يحزن مِن أجله ؟! أمْ أيَّة عين منكم تحبس دمعها وتَضَن عن انهمالها ؟! فلقد بكت السبع الشداد لقتله ، وبكت البحار بأمواجها ، والسماوات بأركانها ، والأرض بأرجائها ، والأشجار بأغصانها ، والحيتان ولُجج البحار ، والملائكة المُقرَّبون وأهل السماوات أجمعون . يا أيُّها الناس ، أيُّ قلب لا ينصدع لقتله ؟! أمْ أيُّ فؤاد لا يَحنُّ إليه ؟! أمْ أيُّ سمع لا يسمع هذه الثلمة التي ثُلِمت في الإسلام ولا يَصمُّ ))(1) .

في هذه الجُمل أشار الإمام (عليه السّلام) إلى مسألة مُهمَّة ، جديرة بأنْ نتوقَّف عندها قليلاً ، وهي نسبة البُكاء إلى سائر المخلوقات غير الإنسان : مِن الملائكة ، والسماوات والأرض ، والنبات والحيوان ، فماذا تعني هذه النسبة ؟ وما حقيقة هذا البُكاء ؟

ويُمكن أنْ تُوجَّه هذه النسبة بتوجيهين ؛ التوجيه الأوَّل : بأنْ تكون هذه النسبة نسبة تقديريَّة أو مجازيَّة ، بمعنى أنَّ هذه

ـــــــــــــــــ
(1) اللهوف / 117 ، ومثير الأحزان / 91 .

الصفحة (265) 

الفاجعة المؤلمة والمُصيبة العظيمة ، هي على درجة مِن الفضاعة بأنْ تُدمي القلوب ، وتُثير الشجون وتُجري الدموع مِن العيون ، ونظراً إلى مقام مَن وقعت عليه هذه الكارثة ، وما له مِن مقام عند الله تعالى ؛ فمِن حَقِّه أنْ يبكي عليه كلُّ موجود بما في ذلك الحيوان والنبات والجماد ، لو قُدِّر أنَّ لهذه الكائنات عقل وشعور لبكت لمصاب هذا الإمام العظيم ، وما جرى عليه وعلى أهله مِن الرزايا والكوارث المُفجِعة ، فكيف بالإنسان الذي يحمل العقل والشعور والإحساس والعاطفة ؟! فمِن حَقِّ كلِّ مسلم ، بلْ كلِّ إنسان أنْ يبكي ويتألَّم مِن أجل هذه المُصيبة التي لم يُحدِّث التاريخ بمثلها.

التوجيه الثاني : هو أنْ يُنظر إلى هذه المسألة مِن زاوية فلسفيَّة ، بأنْ يُقال : إنَّ كلَّ وجود مُمكن له درجة مِن الشعور ، تتناسب مع ما له مِن رُتبةٍ وجوديَّةٍ ، وكلَّما كانت درجته الوجوديَّة أرفع وأكمل ، كانت درجة شعوره أعلى وأوضح ، وهذا ما يُشير إليه القرآن الكريم ، حينما ينسب التسبيح لله تعالى إلى كلِّ شيء ، كما في قوله تعالى : ( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ )(1).

فكلُّ شيء ـ بناءً على هذا ـ له حَظٌّ مِن التسبيح يتناسب مع حَظِّه مِن الوجود ، إلاَّ أنَّنا نحن البشر لا نُدرك حقيقة تسبيح الكائنات الأُخرى مِن حيوان ونبات وجماد . قال في الميزان : كلامه تعالى يُشعِر بأنَّ العلم سارٍ في الموجودات مع سريان الخلقة ، فلكلٍّ منها حَظٌّ مِن العلم على مقدار حَظِّه مِن الوجود ، وليس لازم ذلك أنْ يتساوى الجميع مِن حيث العلم ، أو يتَّحدوا مِن حيث جِنسه ونوعه ، أو يكون عند كلِّ ما عند الإنسان ، مِن ذلك أو أنْ يفقه الإنسان بما عندها مِن العلم ، قال تعالى حكايةً

ـــــــــــــــــ
(1) سورة الإسراء / 44 .

الصفحة (266) 

عن أعضاء الإنسان : ( قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ )(1) ، وقال : ( فَقَالَ لَهَا وَللأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ )(2) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة(3) .

فالحَقُّ أنَّ التسبيح الذي تُثبته الآية لكلِّ شيء هو التسبيح بمعناه الحقيقي ، وقد تكرَّر في كلامه تعالى إثباته للسماوات والأرض ومَن فيهنَّ وما فيهنَّ ، وفيها موارد لا تَحتمل إلاَّ الحقيقة ، كقوله تعالى : ( وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ )(4) ، وقوله : ( إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ )(5) ويَقرب منه قوله : ( يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ )(6) فلا معنى لحملها على التسبيح بلسان الحال(7) .

فانطلاقاً مِن هذا الفِكر القرآنيِّ ؛ يُمكن أنْ يُنسب البكاء إلى سائر الموجودات غير الإنسان ؛ فتكون النسبة حقيقيَّة ، ويكون البكاء حقيقيَّاً على مُصيبة سيِّد الشهداء ، وما حلَّ به وبأهل بيته مِن الرزايا الأليمة ، وليس مِن اللازم أنْ يكون بُكاؤها كبُكاء الإنسان ، وإنَّما هو درجة مِن درجات التأثُّر ، تتناسب مع درجة الشعور الذي يملكها ذلك المخلوق .

روى زُرارة بن أعيُن عن أبي عبد الله أنَّه قال : (( بكت السماء على يحيى بن زكريَّا والحسين بن علي (عليهما السّلام) أربعين صباحاً )) . قلت : فما بُكاؤها ؟ قال : (( كانت تطلع حمراء وتغيب حمراء ))(8).

ـــــــــــــــــ
(1) سورة فُصِّلت / 21 .
(2) سورة فُصِّلت / 11 .
(3) الميزان في تفسير القرآن 3 /110 .
(4) سورة الأنبياء / 79 .
(5) سورة ص / 18 .
(6) سورة سبأ / 10 .
(7) الميزان في تفسير القرآن 3 / 112 .
(8) الميزان في تفسير القرآن 3 / 110 .

الصفحة (267) 

وفي ( الدرّ المنثور ) : أخرج ابن أبي حاتم ، عن عبدي المكتب ، عن إبراهيم ، قال : ما بكت السماء مُنذ كانت الدنيا إلاَّ على اثنين . قيل لعبيد : أليس السماء والأرض تبكي على المؤمن؟!

قال : ذاك مقامه وحيث يصعد علمه . قال : أتدري ما بكاء السماء ؟ قال : لا ، قال : تحمرُّ وتصير وردة كالدِّهان ، إنَّ يحيى بن زكريَّا لمَّا قُتِل احمرَّت السماء وقطرت دماً ، وإنَّ الحسين بن علي يوم قُتِل احمرَّت السماء(1) .

لأنَّ ما جرى على نبيِّ الله يحيى وما جرى على سيِّد الشهداء (عليهما السّلام) هو مِن أقبح وافجع ما يحدث مِن أشكال الظلم على الأرض ، فهما إنَّما قُتِلا لأنَّهما يدعوان إلى الحَقِّ والعدل ، وإقامة حُكم الله وتطبيقه في الأرض ، فقتْلُهما بتلك الصورة المؤلمة والمُفجعة للقلوب ، بما لهما مِن منزلة عظيمة عند الله تعالى ، فليس مُستحيلاً ـ بلْ ولا بعيداً ـ أنْ يؤثِّر قتلهما في الكون ذلك التأثير ، الذي أطلقت عليه النصوص عنوان البُكاء وإنْ لم نستطع ـ نحن البشر ـ أنْ نُدرك حقيقة ذلك البُكاء وذلك التأثُّر ، كما أنَّنا لا نستطيع أنْ نُدرك حقيقة تسبيح الأشياء لله تعالى في هذا الكون .

قال في الميزان : لو بُني في معنى بُكاء السماء والأرض على ما يظهر مِن هذه الروايات ، لم يحتج إلى حمل بُكائهما على الكناية التخييليَّة(2).

فلهذا ؛ فإنَّ بالإمكان حمل الآية الكريمة على الحقيقة ، وهي قوله تعالى : ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ ) (3) ، فإنَّ الله تعالى ينفي البُكاء عن السماء والأرض على أُولئك الظلمة المُفسدين في الأرض ؛ لأنَّهم ليس لهم قيمة وجوديَّة مُعتبرة ؛ لذلك لا يؤثِّر فقدهم على وجود سائر الكائنات ، وبالمُقابل فإنَّ هناك مِن

ـــــــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 18 / 142.
(2) الميزان في تفسير القرآن 18 / 143.
(3) سورة الدُّخان / 29.

الصفحة (268) 

أولياء الله تعالى مَن يكون لفقده تأثير على سائر الموجودات ، كما تقدَّم بالنسبة إلى نبيِّ الله يحيى والإمام الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السّلام) . وتابع الإمام السجاد (عليه السّلام) خطابه ، مُشيراً إلى جوانب تلك الفاجعة ، وما جرى عليهم في سفرهم هذا قائلاً : (( أيُّها النّاس ، أصبحنا مُشرَّدين مطرودين مَذودين وشاسعين عن الأمصار ، كأنَّا أولاد تُركٍ وكابُل ، مِن غير جُرمٍ اجترمناه ، ولا مكروه ارتكبناه ، ولا ثَلمة في الإسلام ثَلمناها : ( وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ )(1) ، ( إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ )(2) ، والله ، لو أنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) تقدَّم إليهم في قتالنا كما تقدَّم إليهم في الوصاية بنا لما ُزادوا على ما فعلوا بنا ، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون مِن مُصيبةٍ ما أعظمها وأوجعها ، وأفجعها وأكظَّها ، وأفظعها وأمرَّها وأفدحها ، فعند الله نحتسب ما أصابنا وما بلغ بنا ؛ فإنَّه عزيز ذو انتقام ))(3) .

حَقَّاً إنَّ ما جرى على آل محمّد في هذه الكارثة مُثير للتساؤل ، بماذا استحقَّ أهل البيت هذا كلَّه مِن الأُمَّة ، حتَّى أُبيدوا وشرِّدوا وكأنَّهم مِن مِلَّة أو أُمَّة أُخرى ، وكأنَّهم لم يكونوا عِترة نبيِّ هذه الأُمَّة ولُحمته ، وكأنَّ النبي لم يوصِ ولم يأمر بمودَّتهم ومُراعاتهم ؟! أمْ لأنَّهم قد ارتكبوا مِن الإثم في حَقِّ الله وحَقِّ الناس ما يستحقُّون عليه

ـــــــــــــــــ
(1) سورة القَصص / 36 .
(2) سورة ص / 7 .
(3) نقلنا نَصَّ الخُطبة مِن اللهوف لابن طاووس / 116 ـ 117 ، ومُثير الأحزان لابن نما / 91 ، واللفظ للأوَّل .

الصفحة (269) 

أنْ يُفعل بهم ما فُعِل ، إلى الحَدِّ الذي لو فُرض أنَّ الرسول الأعظم أمر بقتال وقتل أهل بيته لما فعلوا فيهم أكثر وأشنع مِمَّا فعلوه ؟!

ويفرض هذا التساؤل نفسه على الإنسان حينما يطَّلع على الأحداث المؤلمة ، والتحدِّيات التي واجهها أهل البيت (عليهم السّلام) ، فيسأل نفسه : ما هو َنشأ هذا الحِقد الدفين ، الذي عبَّر عنه أعداء آل محمد بتلك الطريقة ، التي تدلُّ على أنَّ فاعلها لا عهد له بالدين أو الإنسانيَّة ؟! وعسى أنْ يجد القارئ الكريم في هذه القراءات التي بين يديه شيئاً مِن الجواب على هذا التساؤل .


الصفحة (270) 


الصفحة (271) 

فلسفة البُكاء والتأكيد عليه

لقد أكَّد أئمَّة أهل البيت (عليهم السّلام) ـ انطلاقاً مِن الإمام زين العابدين (عليه السّلام) ـ على ظاهرة البُكاء والحُزن في عَلاقة الجماهير الإسلاميَّة بالثورة الحسينيَّة المُقدَّسة ، فكانوا يحثُّون شيعتهم على عقد المجالس العزائيَّة وإقامة المآتم الحسينيَّة ، فلماذا هذا التأكيد ؟ وما هي فلسفة ذلك ؟ فإنَّ هناك مَن يستهجن هذه المسألة ويعيب هذه الظاهرة ، التي أكَّد عليها أئمَّة أهل البيت (عليهم السّلام) والتزم بها شيعتهم في طول هذه الفترة التاريخيَّة مِن بعد فاجعة كربلاء ، وإنَّ هؤلاء الناقدين لا تخلوا دوافعهم إلى هذا النقد مِن أحد أمرين : إمَّا أنَّهم مُغرضون ومُجنَّدون لمُحاربة بقاء الثورة الحسينيَّة في وجدان الأُمَّة ؛ لأنَّهم رأوا مدى تأثيرها على الأجيال في الارتباط بأهل البيت ومبادئهم ، وتوعية الأُمَّة في قضاياها المصيريَّة واستمراريَّة رفض الظُّلم والفساد والانحراف ، فقاما بمُحاولة اليائسين لتشويه هذا الوجه وإضعاف هذه الروح في نفوس الأجيال . أو أنَّهم جاهلون وغير مُدركين لأبعاد المسألة ، يجهلون أنَّ فلسفة ذلك هو أنَّ الثورة الحسينيَّة لا بُدَّ أنْ تملأ على الإنسان المسلم كلَّ وجوده ، وتعيش في وجدانه كما تعيش في فكره ؛ لأنَّ الإنسان يوجَد له بُعْدان : البُعْد الفِكري والبُعْد الوجدانيِّ العاطفيِّ ، فأراد أئمَّة أهل البيت (عليهم السّلام) للثورة الحسينيَّة أنْ تعيش في كلا البُعدين مِن الإنسان ، فلا يكفي أنْ يتأثَّر بها البُعد الفِكري فقط ؛ لأنَّ ذلك يُهدِّدها بالضعف والتلاشي ، فلا يكون لها ذلك التأثير المطلوب والمُستمرُّ ؛ لأنَّ الإنسان قد يصل إلى قناعة فكريَّة في عقيدة


الصفحة (272) 

ما ، إلاَّ أنَّه لا ينفعل بها وجدانيَّاً وعاطفيَّاً ، فسوف لا يكون لها ذلك التأثير على حياته ، بلْ ستتعرَّض للجفاف والضعف أمام التحدِّيات على المدى البعيد .

أمَّا إذا عاشها بوجدانه وعاطفته إلى جانب قناعته الفكريَّة ، فسوف تبقى حيَّةً مُتجدِّدة وفاعلة في وجوده ، فإنَّ مِن الأُمور الواضحة اجتماعيَّاً ونفسيَّاً ، أنَّ القناعة الفكريَّة وحدها لا تُقدِّم ضمانة كافية للثبات والصمود ، أمام الأخطار العظيمة والاضطهاد العنيف ، الذي يستمرُّ قَرناً بعد قَرن ، إنَّ العُنف المدروس المُستمرَّ والاضطهاد الذي لا يتورَّع عن شيء ـ كالعُنف الذي واجهه شيعة أهل البيت ـ سُرعان ما يُحطِّم التماسك عند الجماهير حول العقيدة التي لا يُتاح لهذه الجماهير أنْ تتَّصل بقادتها بحُريَّة وأمان ، ولا يُتاح لها دائماً أنْ تظلَّ على اتِّصال تامٍّ بأفكار العقيدة ومواقفها ، ولا يُتاح لها أنْ تُمارس حياتها علناً وفقاً لعقيدته ...

ومِن أجل أنْ يُضاف إلى القناعة الفكريَّة بالعقيدة ، رباطٌ عاطفيٌّ يُضفي على القناعة الفكريَّة حرارة وقوَّة ، ومَضَاءً في مواجهة الاضطهاد والصبر على الشدائد ، ويُحافظ على التماسُك أمام ضربات العُنف ، ويُحيط الموقف العقلي بوَهِجٍ عاطفيٍّ ، يرتفع بالعقيدة مِن مرتبة الحالة العقليَّة إلى مرتبة الحالة الشعوريَّة(1).

مِن أجل ذلك كلِّه أكَّد أئمَّة أهل البيت (عليهم السّلام) على ظاهرة البُكاء والتباكي ، وإقامة مجالس العزاء لتجديد ذكرى واقعة الطَّفِّ ، وأكَّدوا على نَظْم الشعر وإنشاده في هذا المجال حتَّى جاء في ثواب مَن خرج مِن عينيه كجُناح الذباب أنَّه يُطفئ حَرَّ جَهنَّم ، فإنَّ الغرض ليس إلاَّ أنَّ الدمعة لا تُفاض إلاَّ عند انفعال النفس وتأثُّرها مِمَّا يُصيب مَن

ـــــــــــــــــ
(1) الشيخ محمّد مهدي شمس الدين ، مَجلَّة الموسم عدد 18 / 61.

الصفحة (273) 

تَمتُّ به بنحوٍ مِن أسباب الصلة ، لا شكَّ أنَّ قِوى النفس عند تأثُّرها بذلك تكون مُتأثِّرة بشيءٍ آخر ، وهو العِداء والبُغض لكلِّ مَن أوقع الفوادح والآلام .

فالأئمَّة ـ حيث إنَّهم أعرف الناس بمُقتضيات الأحوال والمُلابسات التي تؤكِّد دعوتهم ـ كانوا يتحرَّون التوصُّل إلى أغراضهم بكلِّ صورة ، وكان مِن الوسائل التي توجب انحراف الأُمَّة عن أعداء الله تعالى ورسوله ، أمرهم بالبُكاء على مُصاب الحسين (عليه السّلام) ، لِمَا فيه مِن استلزام تذكُّر تلك القساوة ، المُستلزم لانفعال النفس وانصرافها عمَّا يُلائم خُطَّتهم ، وهذا هو المغزى لقول الحسين (عليه السّلام) : (( أنا قتيل العَبرة ، لا يذكرني مؤمن إلاَّ استعبر )) . فالمؤمن حيث يَمتُّ بالحسين بالولاء والمُشايعة ، كان ذلك موجباً لتأثُّر نفسه واحتدام قلبه .

لقد راق أئمَّة الهُدى (عليهم السّلام) أنْ تبقى تلك الذكريات الخالدة ـ مدى الدهر ـ تتحدَّث بها الأجيال المُتعاقبة ، علماً منهم ببقاء الدين غَضَّاً طريَّاً ما دامت الأُمَّة تتذاكر تلك الفاجعة العُظمى ، ولم يقتصروا على لازمها وهو البُكاء ، حتَّى دعوا إلى التباكي وهو التشبُّه بالباكي مِن دون أنْ يخرج منه دمع ، فيقول الإمام الصادق : (( مَن تباكى فله الجَنَّة )) . ومعلوم أنَّ التباكي إنَّما يُتصوَّر فيمَن تتعسَّر عليه الدمعة ، لكنَّه لم يفقد التأثُّر لأجل المُصاب كما يُشاهد في كثيرين ، فالتألُّم النفساني بتَصوُّر ما ورد على المحبوب مِن آلام وفوادح ، يستلزم ـ قهراً ـ النُّفرة مِمَّن أورد ذلك العدوان(1).

وظاهرة البُكاء وإقامة مجالس العزاء ، هي كأيِّ ظاهرة مِن الظواهر ، بدأت في أوَّل انطلاقتها تتَّسم بالبساطة والعفويَّة ، ولكنَّها ببركة رعاية الأئمَّة الطاهرين (عليهم السّلام) قد تعمَّقت وتطوَّرت تدريجيَّاً ، حتَّى أصبحت بالمُستوى الذي هي عليه في العصر الراهن .

ـــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين (ع) للمُقرَّم / 26 ـ 27.

الصفحة (274) 

قال سماحة الشيخ محمّد مهدي شمس الدين (رحمه الله) ـ في معرض حديثه عن المأتم الحسيني المُعاصر وعناصره ـ : قد غدا المأتم الحسيني يشتمل ـ إلى جانب عُنصر المأساة ـ على العناصر التالية : أوَّلاً : لم تَعدِ المأساة تُشكِّل عنصراً نهائيَّاً في المأتم ، وإنْ كانت لا تزال عُنصراً رئيسيَّاً فيه .
ثانياً : غَدا المأتم يشتمل غالباً على عرضٍ تاريخيٍّ ، يُحيط كربلاء بعواملها التاريخيَّة في حدود سِعة وعُمق الثقافة التاريخيَّة للخطيب .
ثالثاً : احتلَّت الدراسات الإسلاميَّة ، والدعوة إلى الإسلام مركزاً مُهمَّاً جِدَّاً في المأتم الحسيني، بحيث غدت مقياساً تعتمد عليه الجماهير في الإقبال على المآتم وانكفائها عنه .
رابعاً : غدا المأتم الحُسيني مُناسبة مُهمَّة لمعالجة الأمراض الاجتماعيَّة ، ومظاهر الانحطاط والدعوة إلى إصلاحها على ضوء التوجيه الديني .

إنَّ المأتم الحسيني الآن في أفضل حالاته ، وحين يقوم به غير الجَهلة المُتطفِّلين عليه ـ والكلام للشيخ شمس الدين ـ يُعتبر في رأيي مُؤسَّسة مِن أعظم المؤسَّسات خيراً وبركة ؛ بما يقوم به مِن دَور فعَّال في التثقيف والتوعية ، وفي الكشف عن تُراثنا الفِكري والحضاري ، وفي التوجيه الإسلامي الصحيح إزاء المشاكل الفِكريَّة والعقيديَّة الغريبة عن تُراثنا وعن حضارتنا(1).

ومع هذا كلِّه ، فلا بُدَّ مِن الحِفاظ على البُعد الوجدانيِّ والعاطفيِّ للمأتم الحسيني ، المُتمثِّل في الجانب المأساوي في الثورة الحسينيَّة والارتباط بها ، ومتى ما ضَعُف هذا البُعد أو هذا العُنصر ؛ فإنَّ المأتم الحسيني سوف يتعرَّض للضَعف والجَفاف ، ولا يعود يؤدِّي دوره المُتكامل في الأجيال الإسلاميَّة المُرتبطة بهذا المأتم .

ـــــــــــــــــ
(1) مجلة الموسم عدد 18 / 59 .

الصفحة (275) 

وإذا كان ثَمَّة تطوير أكثر يحتاج إليه المأتم الحسيني لمُسايرة العصر ، فليكن في بقيَّة الجوانب أو العناصر الأُخرى للمأتم ؛ ليبقى عُنصر المأساة أو الجانب العاطفي هو الرباط الذي يربط بين سائر العناصر الأُخرى ، ويمدُّها بالحرارة والقوَّة .

وفي نظري : إنَّ كلَّ دعوة إلى فصل أو إلغاء هذا الجانب مِن المأتم الحسيني ، فهي ليست في صالح المأتم واستمراريَّة تأثيره في نفوس الجماهير ، ومتى تمَّ هذا الفصل أو هذا الإلغاء ؛ فإنَّه لم يعد مأتماً حسينيَّاً وضيفته تعميق روح الثورة الحسينيَّة في وجدان جماهير الأُمَّة والحفاظ على تلك الروح ؛ لأنَّ الإنسان هو الإنسان في كلِّ زمان ومكان في بُعْديه : الفكري ، والعاطفي والوجداني ، وقد كان المأتم الحسيني ولا يزال مُرتبطاً بِكلا البُعدين في وجود جماهيره ، ولا بُدَّ أنْ يبقى كذلك يُغذِّي البُعدين معاً .

إلى هنا تمَّت قراءاتنا لبيانات ونصوص الثورة الحسينيَّة المُقدَّسة ، سائلاً المولى تعالى أنْ يجعل ذلك في سِجِّلات تلك الثورة المُقدَّسة ، والصلاة والسلام على أبي الأحرار وسيِّد الشهداء ، أبي عبد الله الحسين ، وعلى جَدِّه وأبيه وأُمِّه وأخيه التِّسعة المعصومين مِن بَنيه ، والحمد لله أوَّلاً وآخر .

23 جمادى الأُولى 1422 هـ


الصفحة (276) 


الصفحة (277) 


الصفحة (278) 


الصفحة (279) 


الصفحة (280) 


الصفحة (281) 

فهرست الموضوعات

رقم الصفحة    المحتوى
7   الإهداء
9   تقديم
13   مُقدِّمة
17   القراءة الأُولى : في البُعد العقيدي/ تمهيد
21   1ـ التوحيد
23   أ ـ العقيدة الجبريَّة
26   ب ـ عقيدة الإرجاء
29   2 ـ النبوَّة
39   3 ـ المَعاد
40   1 ـ المُنكرون:
44   2 ـ المدَّعون للإيمان بالمَعاد
50   3 ـ المُتيقِّنون بالمَعاد
57   أهل البيت (عليهم السّلام) في بيانات الثورة
58   1 ـ ( إنَّا أهل بيت النبوَّة )
64   2 ـ ( ومَعدِن الرسالة )
70   3 ـ ( ومُختلَف الملائكة )
74   4 ـ ( ومَحلُّ الرحمة )
74   5 ـ (( بنا فتح الله وبنا ختم ))
79   القراءة الثانية : في البُعد السياسي
81   أ ـ مصير الخلافة بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله)
81   تمهيد
90   الحسين في عهد مُعاوية
98   الهدف الأساسي للثورة
113   ب ـ بين الحسين (عليه السّلام) ويزيد
113   1 ـ الخلفيَّة التاريخيَّة للأُسرتين : بني هاشم وبني أُميَّة
118   2 ـ عامل النشأة والتربية في شخصيَّة الإمام الحسين (عليه السّلام)
124   3 ـ الحسين في رحاب القرآن
130   4 ـ نشأة يزيد ومُقوِّمات شخصيَّته
132   5 ـ بيعة يزيد بن مُعاوية
139   القراءة الثالثة : في البُعد الاجتماعي
141   تمهيد
147   دور الأُمويِّين في هَدم ركائز المُجتمع الإسلامي
153   جماهيرية الثورة الحسينيَّة
163   المُجتمع الكوفي واستجابة الإمام لرسائلهم
177   القراءة الرابعة : في البُعد الروحي
179   تمهيد ( البُعد الآخر في وجود الإنسان )
181   الإنسان بين حُبِّ الله وحُبِّ الدنيا
187   مظاهر الحُبِّ الإلهي في مُمارسات الثورة / 1 ـ الصلاة.
190   2 ـ الدُّعاء
196   3 ـ الصبر
202   عفواً أبا الشهداء
205   القراءة الخامسة : في البيانات الإعلاميَّة فيما بعد الثورة
207   الوسيلة الإعلاميَّة للثورة
215   البيانات الإعلاميَّة في الكوفة
233   البيانات الإعلاميَّة في الشام
234   البيان الزينبي
247   خطاب الإمام السجَّاد (عليه السّلام)
261   البيان الإعلامي في المدينة المنوَّرة
261   خطاب الإمام السجَّاد في المدينة
271   فلسفة البُكاء والتأكيد عليه
277   المصادر
281   المُحتويات

الصفحة (282)


الصفحة (283)

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى