رحلة السبي

 
 

الصفحة (42)

الفصل الثالث:

أعياد الشام و آلام البيت النبوي عليه السلام

بلاد الشام‏

الشام اسم يشمل عامة الأقاليم الداخلة اليوم في سورية ولبنان وفلسطين، وكانت الشام من أول الأقطار التي فكّر الرسول صلى الله عليه واله في أمرها لنشر كلمة التوحيد وبثّ الدعوة إلى الإسلام، وقد جهّز الرسول العديد من السرايا والغزوات لهذا الغرض، وفي أواخر أيامه جهزّ جيشاً أمّر عليه أسامة بن زيد، وقال: "لعن الله من تخلف عن جيش أسامة".. وما كان هدف الرسول صلى الله عليه واله توسيع رقعة حكمه جغرافياً، بل كان ذلك أمراً عرضياً تابعاً لبسط كلمة التوحيد والتفاف الناس حول راية الإسلام، وهداية الناس إلى الله تبارك وتعالى، ولكن الأمور تغيرت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه واله، وانقلبت الموازين، وغرّت الدنيا كثيراً من الناس، وأصبحت الغنيمة والحصول على المناصب الدنيوية وبسط السلطة والنفوذ من أهم الدواعي لفتوح البلدان.

وبعد أن فتحها المسلمون استعمل عليها عمر يزيد بن أبي سفيان، ومن بعده أخاه معاوية بن أبي سفيان، وفي سنة 41 بايعه أهل الشام


الصفحة (43)

بالخلافة، فهو مؤسس الدولة الأموية التي جعلت من دمشق قاعدة الحواضر الإسلامية، وظلت كذلك حتى سنة 132 هجرية، وقد ورّث معاوية ابنه يزيد الخلافة سنة 60 للهجرة.

الركب الحسيني إلى الشام‏

لما وصل كتاب ابن زياد إلى يزيد بن معاوية ووقف عليه، أعاد الجواب إليه يأمره فيه بحمل رأس الحسين ورؤوس من استشهد معه وبحمل أثقاله ونسائه وعياله.

فلمّا فرغ القوم من التطواف بالرأس الشريف في الكوفة ردوه الى القصر فدفعه ابن زياد إلى زحر بن قيس ودفع إليه رؤوس أصحابه وسرّحه إلى يزيد بن معاوية، وأنفذ معه أبا بردة بن عوف الأزدي وطارق بن أبي ظبيان مع جماعة من أهل الكوفة، حتى وردوا بها على يزيد.

وقد ساقوا الأسارى من أهل البيت عليهم السلام من النساء والأطفال راكبين أقتاباً يابسة، وحولهم الجنود بالرماح، إن دمعت عين أحدهم قُرعَ رأسه بالرمح، وساقوا بهم من منزل الى منزل كما تساق أسارى الترك والديلم، وكان على رأسهم سيد العابدين علي بن الحسين عليهم السلام وقد جًعل الغلّ في عنقه ويده، يحمله بعير يظلع بغير وطاء.

وروي عن السيدة زينب عليها السلام أنها قالت: "قد علم الله ما صار إلينا، قتل خيرنا، وانسقنا كما تساق الأنعام، وحُملنا على الأقتاب".

وسار القوم برأس الإمام الحسين عليه السلام ولأسارى فلمّا قربوا من دمشق، دنت السيدة أم كلثوم من الشمر، فقالت: "لي إليك حاجة؟".


الصفحة (44)

فقال: "وما حاجتك؟" . قالت عليها السلام: "إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في درب قليل النظارة، وتقدم إليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحّونا عنها، فقد خزينا من كثرة النظر إلينا ونحن في هذه الحال". فأمر لعنه الله في جواب سؤالها أن تُجعل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل، وسلك بهم بين النظارة على تلك الصفة، حتى أتى بهم إلى باب دمشق، فوقفوا على درج باب المسجد الجامع حيث يُقام السبي.

وكان دخول الركب الحسيني إلى دمشق نهاراً وأهلها قد علّقوا الستور والحجب والديباج، فرحين مستبشرين، ونساؤهم يلعبن بالدفوف، ويضربن على الطبول، كأنه العيد الأكبر عندهم.

وروي عن سهل بن سعد الساعدي الصحابي أنه قال: "خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام فإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار كثيرة الأشجار قد علقوا الستور والحجب والديباج وهم فرحون مستبشرون وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول، فقلتُ في نفسي: لعل لأهل الشام عيداً لا نعرفه نحن. فرأيت قوماً يتحدثون، فقلت: يا هؤلاء ألكم بالشام عيد لا نعرفه نحن؟ قالوا: يا شيخ نراك غريباً! فقلتُ: أنا سهل بن سعد قد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه واله وحملتُ حديثه، فقالوا: يا سهل ما أعجبكَ السماء لا تمطر دماً والأرض لا تخسف بأهلها. قلتُ: ولمَ ذلك؟ فقالوا: هذا رأس الحسين عترة رسول الله صلى الله عليه واله يهدى من أرض العراق إلى الشام وسيأتي الان. قلت: وا عجباه! يهدى رأس الحسين والناس يفرحون؟!".


الصفحة (45)

الإمام زين العابدين عليه السلام مع الشيخ الشامي‏

بعد أن أقيم السبي على درج باب المسجد، إذا بشيخ قد أقبل حتّى دنا منهم، وقال: "الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم، وأراح الرجال من سطوتكم، وأمكن أمير المؤمنين منكم!".

قال له الإمام زين العابدين عليه السلام: "يا شيخ هل قرأت القران؟".

فقال: "نعم قرأته".

قال عليه السلام: "فعرفت هذه الاية: ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القُربى﴾ (1) ؟".

قال الشيخ: "قرأت ذلك..".

فقال عليه السلام: "فنحن القربى يا شيخ! فهل قرأت في "بني إسرائيل" ﴿واتِ ذا القربى حقه ﴾(2) ؟".

فقال الشيخ: "قد قرأت ذلك..".

قال عليه السلام: "نحن القربى يا شيخ! ولكن هل قرأت هذه الاية: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شي‏ء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى (3) ؟ فنحن ذو القربى يا شيخ، ولكن هل قرأت هذه الاية: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا ﴾(4) ؟".

فقال الشيخ: "قد قرأت ذلك".

فقال عليه السلام: "فنحن أهل البيت الذين خُصِصنا باية الطهارة..".


الصفحة (46)

فبكى الشيخ ورمى عمامته، ثم رفع رأسه إلى السماء، وقال: "اللهم إني أبرأ إليك من عدو ال محمد صلى الله عليه واله، من الجن والانس، ثم قال: هل لي من توبة؟".

فقال عليه السلام: "نعم، إن تبت تاب الله عليك وأنت معنا..".

فقال: "أنا تائب..".

فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ فأمر بقتله.

ونستنتج من هذا الخبر عدة أمور:

1- إن هذا أول موقف تكلم به الإمام زين العابدين عليه السلام بعد تحمّله شدة السفر، لأن الرواية تقول: إن الإمام عليه السلام بقي طول طريق السفر بين الكوفة والشام ساكتاً لا يكلم أحداً.

2- يقوم الإمام بأداء الرسالة في أول فرصة وأول نقطة يجد بها الطينة الطيبة، فمع أن ذاك الشيخ الشامي لم يكن إلا رجلاً عاش في حكم الأمويين، ولم يرَ الإمام علياً عليه السلام ولا أحداً من أبنائه، ولكن فطرته سليمة، بينما الذين قاموا بقتل الإمام الحسين عليه السلام وسبي أهل بيته فقد كان كثير منهم ممن رأى علياً والحسن والحسين عليهم السلام وصلى خلفهم!

3- سيطرة الجو الإعلامي المسموم على المجتمع، فلقد أذاعوا أن المقتول هو رجل خارجي خرج على "أمير المؤمنين"، وكان يريد بث الفتنة والفرقة في المجتمع، لذا نرى أن الرجل الشامي بادر بالتعبير عن حمده لله على قتل الخارجي وإهلاك أهله.


الصفحة (47)

رأس الإمام الحسين عليه السلام وبقية الركب الحسيني بين يدي يزيد بن معاوية

لقد غمرت الأفراح والمسرات يزيد، وأمر بترتيب مجلس حاشد بالأشراف والأعيان والشخصيات من أهل الشام وممثلي بعض الدول والأديان انذاك مثل رأس الجالوت، فكان مجلساً في غاية الأهمية سياسياً واجتماعياً، داخلياً وخارجياً، وقد أراد أن يظهر نفسه بأنه انتصر على عدوه. فلما أُدخل عليه موكب الأسارى من أهل البيت عليهم السلام، هنأه القوم بالفتح.

وعن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: " قُدِم بنا على يزيد بن معاوية لعنه الله بعدما قتل الحسين ونحن اثنا عشر غلاماً ليس منا أحد إلا مجموعة يداه إلى عنقه وفينا علي بن الحسين عليه السلام..".

وأدخل رأس الإمام الحسين عليه السلام على يزيد ووضع بين يديه، فاستبشر الشقي بقتله، وجعل ينكتُ رأسه بالخيزران.

وأقبل قاتل الإمام الحسين عليه السلام على يزيد يقول:

أوقر ركابي فضة وذهبا     فقد قتلت الملك المحجبا
قتلتُ خير الناس أماً وأباً     وخيرهم إذ ينسبون نسبا

فقال له اللعين: "إذا علمتَ أنه خير الناس فلمَ قتلته؟".

فأجابه: "رجوت الجائزة!".


الصفحة (48)

فأجابه يزيد: "اخرج من بين يديّ فلا جائزة لك".

وقد كان هذا المجلس العام الوحيد الذي جمع فيه يزيد الأشراف، ذلك أن المجالس الخاصة التي كان يحضر فيه رأس الإمام الحسين عليه السلام وأهل البيت تكرّرت، فكان يزيد يتخذ مجالس الشرب واللهو والقيان والطرب، ويحضر رأس الإمام الحسين عليه السلام بين يديه.

يزيد ينكث ثانيا الإمام الحسين عليه السلام‏

وضع يزيد رأس الإمام الحسين عليه السلام بين يديه وأجلس النساء خلفه لئلا ينظرن إليه، وكانت ابنتا الإمام تتطاولان لتنظرا إلى الرأس وجعل يزيد يتطاول ليستره عنهما، وهو ينكت ثناياه بقضيبٍ في بيديه متمثلاً ببيت شعر للحصين بن الحمام المري:

نفلق هاماً من رجال أعزة     علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما

ثم قال: "ما رأيتُ وجهاً قط أحسن منه!".

فقيل له: "إنه كان يشبه رسول الله صلى الله عليه واله".

فسكت، ولم يبقَ أحد في مجلسه إلا عابه وتركه، وكان عنده أبو برزة الأسلمي، وهو صحابي من سكان المدينة ثم البصرة، فقال له: "ويحك يا يزيد، أتنكت بقضيبك ثغر الحسين عليه السلام ابن فاطمة عليها السلام؟! اشهد، لقد رأيت النبي صلى الله عليه واله يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن عليه السلام ويقول: أنتما سيدا شباب أهل الجنة، قتل الله قاتلكما ولعنه، وأعدّ له جهنّم وساءت مصيراً".

فغضب يزيد وأمر بإخراجه من المجلس فأُخرج سحباً.


الصفحة (49)

وكان موقف هذا الصحابي في أهم زمان وأخطر مكان، ولأجل ذلك لم يتحمل يزيد هذا الموقف.

ثم إن عبد الرحمن بن الحكم أخا مروان بن الحكم، كان ممن حضر المجلس العام، فلمّا رأى ما فعل يزيد برأس الإمام الحسين عليه السلام وتمثله بالأبيات قال:

سمية (5) أمسى نسلها عدد الحصى‏     وبنت رسول الله ليس لها نسل‏

فعندئذٍ، وخشية انقلاب الأمور ضده، بادر يزيد إلى القول: " نعم، فلعن الله ابن مرجانة، إذ أقدم على قتل الحسين بن فاطمة، لو كنت صاحبه لما سألني خصلة إلا أعطيته إياها ولدفعت عنه الحتف بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن قضى الله أمراً فلم يكن له مرد".

ثم إنه قال لعبد الرحمن: "سبحان الله! أما يسعك السكوت يا ابن الحمقاء! ما لك ولهذا؟!".

وقد أظهر يزيد في بعض كلماته ندمه كذباً ونفاقاً، ملقياً بمسؤولية قتل الإمام الحسين عليه السلام على عاتق ابن زياد، وكان ذلك الندم يرجع إلى كذبه وخوفه على زوال ملكه وتمشياً مع الوضع العام واستنكار الناس لذلك، والدليل على كذب يزيد أنه لم يعاقب عبيد الله بن زياد، ولم يعزله عن الإمارة، بل شكره واستدعاه وشرب معه الخمر وأعطاه جائزة كبيرة.


الصفحة (50)

يزيد والتضليل المكشوف‏

تبدلت لهجة يزيد أثناء وجود الموكب النبوي في الشام، فبعد أن كان يظهر الفرح بقتل الإمام الحسين عليه السلام، اضطر أمام شدة النكير المكتوم والذي تم التعبير عنه غالباً بتعابير ضعيفة.

وفي سياق إظهاره الفرح قال في مجلسه: :"أتدرون من أين دهي أبو عبد الله؟". فقالوا: "لا، فأجابهم: من الفقه والتأويل! هذا يفخر علي". ويقول: "أبي خير من أبي يزيد، وأمي خير من أمه، وجدي خير من جد يزيد، وأنا خير من يزيد"، فهذا الذي قتله! فأما قوله "إن أبي خير من أبي يزيد" فقد حاج أبي أباه فقضى الله لأبي على أبيه! وأما قوله "إن أمي خير من أم يزيد" فلعمري إنه صادق، إن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله خير من أمي، وأما قوله "إن جدي خير من جد يزيد" فليس أحد يؤمن بالله واليوم الاخر يقول إنه خير من محمد صلى الله عليه واله، وأما قوله "أنا" خير مني فلعمري لم يقرأ هذه الاية: ﴿قُلِ اللَّهُمّ‏َ مَالِكَ الْمُلْك﴾(6) .

لقد التجأ يزيد إلى هذا الموقف ليوهم الأمة بأنه وإن قتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله إلا أنه لم يخرج من الإسلام، خاتماً كلامه بذكر مشيئة الله وقضائه وقدره ليعطي لجريمته النكراء بعداً دينياً! من خلال تثبيت مسلك الجبرالذي تشبث به الطواغيت ليُسكتوا به أصوات مخالفيهم والسذج من الناس.


الصفحة (51)

تمثل يزيد بأبيات ابن الزبعرى‏

تؤكد مجمل الروايات على تمثل يزيد بن معاوية بأبيات ابن الزبعرى في مجلسه العام. والزبعرى شاعر قريش في الجاهلية، كان شديداً على المسلمين:

 لـيت أشـياخي ببدر شهدوا      جزع الخزرج من وقع الأسل‏
 لأهـلّـوا واسـتهلوا فـرحاً      ثـم قـالوا يـا يزيد لا تُشل‏
 لـستُ من خندف إن لم أنتقم      مـن بـني أحمد ما كان فعل‏
 لـعبت  هـاشم بـالملك فلا      خـبرٌ  جـاء ولا وحيٌ نزل‏

وقد زاد يزيد على هذه الأبيات ما يدل على كفره وخبث باطنه، ويكشف عما في قلبه من الإلحاد والحقد على رسول الله صلى الله عليه واله وأهل بيته عليه السلام:

لستُ من عتبة إن لم أنتقم‏     من بني أحمد ما كان فعل‏

وقد استندت السيدة زينب عليها السلام إلى إنشاد يزيد لهذه الأبيات في المجلس بقولها: "فلا يستبطأ في بغضنا أهل البيت... وهو يقول فرحاً بقتل ولده وسبي ذريته غير متحوب


الصفحة (52)

ولا مستعظم: ليت أشياخي...".

ثم إن أحد الصحابة قال ليزيد بعد تمثله بهذه الأبيات: "ارتددت عن الإسلام يا أمير المؤمنين!".

قال يزيد: "بلى.. نستغفر الله..".

فأجابه الصحابي: "والله لا ساكنتك أرضاً أبدا". وخرج عنه.

وهذا اعتراف من يزيد على نفسه بأن قوله يوجب الكفر والارتداد عن الدين، غير أنه بعد أن نكث يزيد ثنايا الإمام الحسين عليه السلام بقضيبه، أمر بصلبه، فصُلب ثلاثة أيام بدمشق على باب المسجد.

محاورات الإمام زين العابدين عليه السلام مع يزيد

لقد بلغت الحرب النفسية الذروة بعد واقعة الطف الأليمة، ولم تكن بأقل من الحرب في ظل السيوف، وأراد يزيد أن يظهر بمظهر الغالب الظافر في جميع المجالات، وأن يرى انتهاء الأمر بتمامه، لكي يتم بذلك كل شي‏ء له! وهو يعلم أنه لا يصل إليه إلا بظفره في هذه الحرب.

في المقابل نرى جبهة الحق تسير في خطى قائدها، وتتحرك نحو تحقق أهدافها، فنرى السيدة زينب عليها السلام تقف خلف الإمام زين العابدين عليه السلام في جميع المواقف، وكيف لا وهو الحجة على الأرض بعد أبيه عليه السلام.

روي أن يزيد قال للسيدة زينب عليها السلام: "تكلمي؟!" فأجابت عليها السلام: "هو المتكلم ". أي الإمام زين العابدين عليه السلام وقد أرادت بذلك أن تعرّف قائد المسيرة المظفرة.


الصفحة (53)

كان الإمام زين العابدين عليه السلام يواجه مشاكل عديدة ينبغي له أن يتغلب عليها:

1- طاغوتاً متغطرساً يعيش نشوة النصر المزعوم، لابد أن يواجه بكلمة الحق على رؤوس الأشهاد، ليكشف الغطاء عن واقعه الملحد، ويظهر على حقيقته خصوصاً أمام أتباعه ومواليه.

2- نظاماً قمعياً أقامه معاوية على الترغيب والترهيب والجماجم والأشلاء، وأراد له الشيطان أن يكون التأسيس للامبراطورية الأموية التي تتخذها "الشجرة الملعونة في القران" وسيلة لطمس معالم الدين وتحريف شريعة سيد المرسلين".

وكان لابد من هز أركان هذه الإمبراطورية التي تتخذ مال الله دولاً وعباد الله خولاً باسم الإسلام وخلافة رسول الله صلى الله عليه واله.

3- إعلاماً مضللاً وبيئة مسمومة، عرفت الإسلام من خلال يزيد بن أبي سفيان ثم معاوية، وها هم يسمعون أن هؤلاء السبايا جي‏ء بهم من معركة مع خارجي خرج على "أمير المؤمنين"!

كان على الإمام زين العابدين عليه السلام أن يواجه ذلك ليمزق غيوم الجهل التي تلبدت منذ حوالي أربعة عقود.

عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: "لما أدخل رأس الحسين بن علي عليه السلام على يزيد لعنه الله وأدخل عليه علي بن الحسين وبنات أمير المؤمنين عليه السلام، وكان علي بن الحسين عليه السلام مقيداً مغلولاً".

قال يزيد: "يا علي بن الحسين، الحمد الله الذي قتل أباك!".


الصفحة (54)

فقال علي بن الحسين عليه السلام: "لعن الله من قتل أبي".

فغضب يزيد وأمر بضرب عنقه.

فقال علي بن الحسين: "فإذا قتلتني فبنات رسول الله صلى الله عليه واله من يردهم إلى منازلهم وليس لهم محرم غيري؟".

فقال يزيد: "أنتَ تردهم إلى منازلهم!".

ثم دعا بمبرد فأقبل يبرد الجامعة من عنقه بيده، ثم قال له: "يا علي بن الحسين، أتدري ما الذي أريد بذلك ؟".

قال عليه السلام: "بلى، تريد أن لا تكون لأحد عليّ منّة غيرك".

فقال يزيد: "هذا والله ما أردت فعله... يا علي بن الحسين "﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم﴾ (7) ".

فقال علي بن الحسين عليه السلام: "كلا، ما هذه فينا نزلت،إنما نزلت فينا: "﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾" (8) فنحن الذين لا نأسى على ما فاتنا، ولا نفرح بما اتانا منها".

وبهذا هدم الإمام زين العابدين عليه السلام أصل استناد يزيد من الأساس، وبيّن عدم فقهه بمعنى الاية الشريفة، فوثب رجل من أهل الشام وقال دعني أقتله، فألقت السيدة زينب عليه السلام بنفسها عليه.

وجعل الإمام زين العابدين عليه السلام يقول:


الصفحة (55)

لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم‏     وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا
فالله يعلم أنّا لا نحبكم‏           ولا نلومكم إن لم تحبونا

فقال يزيد: "صدقت، ولكن أراد أبوك وجدك أن يكونا أميرين، فالحمد لله الذي أذلهما وسفك دماءهما!".

فوقف الإمام عليه السلام ليُذكر يزيد بن معاوية بابائه وأجداده، ويُعرفه بأبيه وجده: "يا ابن معاوية وهند وصخر، لم يزل ابائي وأجدادي فيهم الإمرة من قبل أن تولد، ولقد كان جدّي علي بن أبي طالب عليه السلام يوم بدر وأحد والأحزاب في يده راية رسول الله صلى الله عليه واله، وأبوك وجدك في أيديهما رايات الكفر".

ثم قال عليه السلام: "ويلك يا يزيد، إنك لو تدري ما صنعتَ وما الذي ارتكبت من أبي وأهل بيتي وأخي وعمومتي إذاً لهربت في الجبال وافترشت الرمال ودعوت بالويل والثبور، أن يكون رأس الحسين بن فاطمة وعلي عليهما السلام منصوباً على باب المدينة وهو وديعة رسول الله صلى الله عليه واله فيكم، فأبشر بالخزي والندامة غداً، إذا جمع الناس ليومٍ لا ريب فيه".

ثم دعا يزيد بالنساء والصبيان، فأُجسلوا بين يديه، فراهم بهيئة مؤلمة فقال: "قبّح الله ابن مرجانة، لو كانت بينكم وبينه قرابة ورحم ما فعل هذا بكم ولا بعث بكم هكذا".


الصفحة (56)

وكانت هذه الكلمات وأمثالها من يزيد في المرحلة الثانية التي تلت تعبيره عن غاية البهجة والسرور، إلا أنه فوجي‏ء بردة فعل من الناس لم يكن يحسب لها أدنى حساب، مما اضطره إلى أن يتخلى عن المسؤولية ويرميها على عاتق ابن زياد.

وتبرز من مواقف الإمام علي بن الحسين عليه السلام عدة نقاط للبحث والتأمل:

1- صلابة موقف الإمام عليه السلام وصموده في المقام.

2- جعل الإمام عليه السلام مسؤولية قتل الإمام الحسين عليه السلام وما جرى في وقعة الطف وبعده على عاتق يزيد وتنبيهه لعمق الفاجعة الكبرى ووعيده بنار جهنم.

3- تبيين حقيقة يزيد بأنه وأباه وجده كانوا في خط الباطل، معلنين الحرب على رسول الله صلى الله عليه واله، وأهل البيت عليهم السلام، وأن النهضة الحسينية هي استمرار لتلك المواجهة والمقابلة.

يزيد يهمّ بقتل الإمام زين العابدين عليه السلام‏

وكما تقلب موقف يزيد في الحديث عما جرى في كربلاء، بين الفرح بما حصل، والتبرؤ منه، كذلم تقلبت مواقفه من الإمام السجاد عليه السلام، بين السماتة، ومحاولة القتل، ثم الإيحاء بأنه يكرمه.

حاول يزيد لعنه الله أثناء محاوراته للإمام زين العابدين عليه السلام أن يستنطقه بكلمة يوجب فيها قتله، والإمام عليه السلام يجيبه حسب ما يكلمه وفي يده سبحة صغيرة يديرها بأصابعه، وهو


الصفحة (57)

يتكلم، فقال له يزيد: "أنا أكلمكَ وأنت تجيبني وتدير أصابعك بسبحة في يدك، كيف يجوز ذلك؟".

فقال عليه السلام حدثني أبي عن جدي صلى الله عليه واله: "إنه كان إذا صلّى الغداة وانفتل لا يتكلم حتى يأخذ سبحة بين يديه، فيقول: اللهم إني أصبحت أسبّحك وأحمدك وأُهلّلك وأُكبرك وأُمجدك بعدد ما أدير به سبحتي، ويأخذ السبحة في يده ويديرها وهو يتكلم بما يريد من غير أن يتكلّم بالتسبيح، وذكر أن ذلك محتسب له وهو حرز إلى أن يأوي إلى فراشه، فإذا أوى إلى فراشه قال مثل ذلك القول ووضع سبحته تحت رأسه فهي محسوبة له من الوقت إلى الوقت، ففعلتُ ذلك اقتداءً بجدي صلى الله عليه واله".

فقال له يزيد لعنه الله: "لستُ أكلم أحداً منكم إلا ويجيبني بما يفوز به".

وشاور يزيد جلساءه في أمر الأسارى في مجلسٍ كان في اخر أيام مقام أهل البيت عليه السلام في الشام، فأشاروا بقتله وقالوا له: "لا تتخذ من كلب سوء جرواً".

فابتدر الإمام عليه السلام بالكلام، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال ليزيد: "لقد أشار عليك هؤلاء بخلاف ما أشار جلساء فرعون إليه، حيث شاورهم في موسى وهارون، فإنهم قالوا: أرجه وأخاه، وقد أشار هؤلاء عليك بقتلنا".
"
فسكت يزيد.


الصفحة (58)

رأس اليهود في مجلس يزيد العام‏

بعد المحاورة التي جرت بين الإمام زين العابدين عليه السلام ويزيد، التفت إليه حبرٌ من أحبار اليهود وكان حاضراً، فقال: "من هذا الغلام يا أمير المؤمنين؟".

فقال يزيد: "صاحب الرأس هو أبوه".

قال الحبر: "ومن هو صاحب الرأس يا أمير المؤمنين؟".

قال: "الحسين بن علي بن أبي طالب".

قال: "فمن أمه؟".

قال يزيد: "فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله".

فقال الحبر: "يا سبحان الله! هذا ابن بنت نبيكم قتلتموه في هذه السرعة! بئس ما خلفتموه في ذريته، والله لو خلف فينا موسى بن عمران سبطاً من صلبه، لظننا أنا كنا نعبده من دون الله، وأنتم إنما فارقكم نبيكم بالأمس، فوثبتم على ابن نبيكم قتلتموه، سوأة لكم من أمة..".

السيدة زينب بنت علي عليه السلام في مجلس يزيد

إنها بطلة المعركة في مجلس يزيد، تقف أمام طغيانه بكل صلابة، وتكلمه بمنتهى الشجاعة، لأنها ترى الواقع الثابت عند الله، ولأجل ذلك نرى أنها تفرغ عن منطق أبيها الذي هو نفس المصطفى الحبيب، فتجعل الشام وقصرها الأموي امتداداً ساحة كربلاء وثورة سيد الشهداء، وتجسيداً نمذجياً لقيمها الكريمة وأهدافها السامية،


الصفحة (59)

فها هي تقول له: "يا يزيد أما تخاف الله ورسوله من قتل الحسين عليه السلام؟ وماكفاك ذلك حتى تستجلب بنات رسول الله صلى الله عليه واله من العراق إلى الشام! وما كفاك حتى تسوقنا إليك كما تُساق الإماء على المطايا بغير وطاء! وما قتل أخي الحسين عليه السلام أحد غيرك يا يزيد، ولولا أمرك ما يقدر ابن مرجانة أن يقتله،لأنه كان أقلّ عدداً وأذل نفساً، أما خشيت من الله بقتله وقد قال رسول الله صلى الله عليه واله فيه وفي أخيه: "الحسن والحسين سيدا أهل الجنة من الخلق أجمعين"؟ فإن قلتَ لا فقد كذبتَ، وإن قلتَ نعم فقد خصمت نفسك واعترفت بسوء فعلك..".

فقال يزيد: "ذرية يتبع بعضها بعضاً..".

وقد ركزت السيدة زينب عليها السلام في هذا الخطاب على ثلاثة أمور:

1- الإنتساب إلى رسول الله صلى الله عليه واله.
2- تحميل مسؤولية قتل الإمام الحسين عليه السلام ليزيد لتبطل كل محاولة للتبرؤ من ذلك.
3- إثبات أن يزيد لا علاقة له بالإسلام من قريب ولا من بعيد.

السيدة زينب عليها السلام مع الرأس الشريف‏

اتخذ موقف السيدة زينب عليها السلام عند رؤية الرأس الشريف منحىً عاطفياً، فهي لما رأته نادت بصوت حزين يقرح القلوب: "وا حسيناه، يا حبيب رسول الله، يا ابن مكة ومنى، يا ابن فاطمة


الصفحة (60)

الزهراء سيدة النساء، يا ابن بنت المصطفى..".

فأبكت كل من كان حاضراً في المجلس.

خطبة السيدة زينب عليها السلام (9) :

وهي الوثيقة المحمدية العلوية الفاطمية والحسنية الحسينية التي اتخذت موقعها في سياق خطبة المصطفى الحبيب يوم الغدير، وخطبة أمها الصديقة الكبرى الشهيدة في المسجد النبوي، وخطبة أبيها أمير المؤمنين المعروفة ب"الشقشقية"، لتشكل هذه الخطب جميعاً الوثائق الأبرز لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

وقد ألقت عليه السلام هذه الخطبة بعد تمثّل يزيد بأبيات الزبعرى:

"صدق الله ورسوله يا يزيد "﴿ثُمّ‏َ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِايَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون﴾" (10) ، أظننت يا يزيد حين أُخذ علينا بأطراف الأرض وأكناف السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا هواناً على الله، وبك عليه كرامة!! وأن هذا لعظيم خطرك فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك، جذلان فرحاً حين رأيت الدنيا مستوسقة لك، والأمور متسقة عليك، وقد أملهت ونفّست وهو قول الله تبارك وتعالى: "﴿وَلاَ يَحْسَبَنّ‏َ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِين﴾" (11) ، أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك نساءك وإماءك وسوقك بنات

ــــــــــــــــــ
1- سورة الشورى، الاية: 23.
2- سورة الإسراء، الاية: 26.
3- سورة الإسراء، الاية: 26.
4- سورة الأحزاب، الاية: 33.
5- أو أمية.
6- سورة ال عمران، الاية: 26.
7- سورة الشورى، الاية:30.
8- سورة الحديد، الايتان: 22 23.
9- كما نقلها ابن طيفور ت: 280 .
10- سورة الروم، الاية: 10.
11- سورة ال عمران، الاية: 178.
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى