وتوالت تحتَ السقيفةِ
أحدا ثٌ أثـارت كوامناً وميولا نزعات تفرّقت كغصونِ
الـ ـعوسج الخفيّ شائكاً مدخولا
|
لقد أسرع الأنصار إلى عقد مؤتمرهم في (سقيفة بني ساعدة)
لترشيح أحدهم
لمنصب الخلافة , وإقامة حكومة تضمن مصالحهم وترعى شؤونهم . لقد عقدوا
مؤتمرهم في وقت كان جثمان الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) لم يوارَ في
مثواه الأخير ، وأكبر الظنّ إنّما قاموا بهذه السرعة الخاطفة بذلك ؛ لأنّهم
خافوا من استيلاء المهاجرين على الحكم ، فقدر رأوا تحرّكهم السياسي في صرف
الخلافة عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وكراهيتهم له .
وعلى أيّ حال ، فقد خطب سعد بن عبادة زعيم الخزرج في الأنصار ، وكان منطق
خطابه الإشادة بنضال الأنصار وجهادهم في نصرة الإسلام وقهر القوى المعادية
لهم ، فهم الذين حملوا النبي (صلّى الله عليه وآله) ونصروه في أيام محنته ،
فإذاً هم أولى بمركز النبي (صلّى الله عليه وآله) , وأحقّ بمنصبه من غيرهم
.
كما
حفل خطابه بالتنديد بالاُسر القرشية التي ناهضت النبي (صلّى الله عليه وآله)
, وناجزته الحرب
حتّى اضطر للهجرة إلى يثرب ، فهم خصومه وأعداؤه , ولا حقّ لهم
بأيّ حالٍ في التدخّل بشؤون الدولة ومصيرها .
وقام زعيم آخر من الأنصار هو الحبّاب بن المنذر ، فحذّر الأنصار من القرشيّين ،
الصفحة (89)
وأهاب بهم أن يجعلوا لهم نصيباً في الحكم ، قائلاً :
لكنّنا نخاف أن يليها بعدكم مَنْ قتلنا أبناءهم وآباءهم وإخوانهم .
وتحقّق تنبؤ الحبّاب ؛ فإنّه لم يكن ينتهي حكم الخلفاء حتّى آل الأمر إلى
الاُمويِّين , فأمعنوا في إذلال الأنصار , وإشاعة البؤس والفقر فيهم ، وقد انتقم
منهم معاوية كأشرّ وأقسى ما يكون الانتقام .
ولمّا وليَ الأمر من بعده يزيد
جهد في الوقيعة بهم ، فأباح أموالهم ودماءهم وأعراضهم لجيوشه في واقعة
(الحرّة) التي اُنتهكت فيها جميع ما حرّمه الله .
وعلى أيّ حال ، فقد تجاهل سعد وغيره من الأنصار الإمام أمير المؤمنين (عليه
السّلام) الذي هو من النبيّ بمنزلة هارون من موسى ، وأبو سبطيه ، وباب مدينة
علمه ، وسيّد عترته .
ولا نرى أيّ مبرر لسعد في إغضائه وتجاهله حقّ الإمام
(عليه السّلام) ، فقد فتح باب الشرّ على الاُمّة ، وأخلد لها المصاعب والفتن
على امتداد التأريخ .
مباغتة الأنصار
وحينما كان الأنصار في سقيفتهم يدبّرون أمرهم ويتداولون الرأي في شؤون
الخلافة , إذ خرج من مؤتمرهم عويم بن ساعدة الأوسي ومعن بن عدي حليف الأنصار
، وكانا من أولياء أبي بكر , ومن أعضاء حزبه ، وكانا يحقدان على سعد ،
فانطلقا مسرعَين إلى أبي بكر فأخبراه بالأمر .
ففزع أبو بكر وأسرع ومعه
عمر وأبو عبيدة الجرّاح وسالم مولى أبي حذيفة وآخرون من المهاجرين(1) ، فكبسوا الأنصار في ندوتهم ، فذُهل
الأنصار وأُسقط ما بأيديهم ؛ لأنّهم أحاطوا ندوتهم بسريّة وكتمان ، وتغيّر لون
سعد ، فقد انهارت جميع مخطّطاته ، وفشلت جميع تدابيره .
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 3 / 62 .
الصفحة (90)
خطاب أبي بكر
واستغلّ أبو بكر الموقف ، وأراد صاحبه عمر أن يفتح الحديث مع الأنصار ،
فنهره أبو بكر ؛ لعلمه بشدّته وهي لا تساعد في مثل هذا الموقف الملبّد الذي
يجب أن تستعمل فيه الأساليب السياسيّة والكلمات الناعمة لكسب الموقف .
فبادر
أبو بكر فخاطب الأنصار بكلمات معسولة وبسمات فيّاضة بالبشر ، قائلاً :
نحن المهاجرون أوّل الناس إسلاماً ، وأكرمهم أحساباً ، وأوسطهم داراً ،
وأحسنهم وجوهاً ، وأمسّهم برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأنتم إخواننا
في الإسلام ، وشركاؤنا في الدين ، نصرتم الإسلام وواسيتم فجزاكم الله
خيراً ، فنحن الاُمراء وأنتم الوزراء .
لا تدين العرب إلاّ لهذا الحيّ من
قريش ، فلا تنفسوا على إخوتكم المهاجرين ما فضّلهم الله به ، فقد رضيت لكم
أحد هذين الرجلين , يعني عمر بن الخطّاب وأبا عبيدة بن الجراح(1) .
ولم يعرض هذا الخطاب إلى وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) التي هي أعظم كارثة
مُني بها المسلمون ، فكان الواجب أن يُعزّي المسلمين بوفاة منقذهم ونبيّهم ،
كما أنّ الواجب يقضي بتأخير المؤتمر إلى بعد مواراة النبي (صلّى الله عليه
وآله) حتّى يجتمع جميع المسلمين وينتخبوا عن إرادتهم وحرّيتهم مَنْ شاؤوا .
وشيء آخر في هذا الخطاب أنّه لم يمعن إلاّ بطلب الإمرة والسلطان ؛ فقد طلب
من الأنصار أن يتنازلوا عن الخلافة إلى المهاجرين ، وأنّهم سينالون عوض ذلك
الوزارة ، إلاّ أنّه لمّا تمّ الأمر لأبي بكر أقصاهم ولم يمنحهم أيّ منصبٍ
من مناصب الدولة .
وممّا يؤخذ على هذا الخطاب أنّه تجاهل بصورة كاملة أهل البيت (عليهم
السّلام) الذين هم
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 3 / 62 .
الصفحة (91)
وديعة النبي في اُمّته ، والثقل الأكبر فيها ، فلم يُشر إليهم أبو بكر
بقليل ولا بكثير .
بيعة أبي بكر
وانبرى حزب أبي بكر إلى تأييده ، فكان من أعظم المناصرين له عمر بن
الخطاب ، وسارع إلى بيعته مع بقية أعضاء حزبه خوفاً من تطوّر الأحداث ،
واشتدّ عمر في إرغام الناس على بيعة أبي بكر ، وقد لعبت درّته شوطاً في
الميدان ، وقد سمع الأنصار يقولون : قتلتم سعداً ! فجعل يقول بعنف :
اقتلوه ! قتله الله ؛ فإنّه صاحب فتنة(1) .
وبعدما تمّت البيعة لأبي بكر بهذه السرعة الخاطفة أقبل به حزبه يزفّونه
زفاف العروس إلى مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ولم يشترك أبو بكر
ولا أيّ فرد من حزبه في تشييع جثمان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومواراته
؛ فقد انشلغوا بالمُلك والسلطان وتدبير اُمورهم .
لقد أُهمل في بيعة أبي بكر رأي العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم
، فلم يُعنَ بها , ولم يُؤخذ رأيها ، ومنذ ذلك اليوم واجهت جميع ألوان الرزايا
والنكبات ، وما كارثة كربلاء وغيرها من مآسي العترة الطاهرة إلاّ وهي
متفرّعة من يوم السقيفة حسبما نصّت عليه الوثائق التاريخية والدراسات
العلميّة .
امتناع الإمام (عليه السّلام) عن البيعة
والتاع الإمام أمير المؤمنين
(عليه السّلام) من بيعة أبي بكر ، واعتبرها
تعدّياً صارخاً عليه ، فقد كان محلّه من الخلافة محلّ القطب من الرحى ،
ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه
ـــــــــــــــــــــ
(1) العقد الفريد 3 / 62 .
الصفحة (92)
الطير على حدّ تعبيره ، وقد تخلّف عن بيعة أبي بكر وأعلن معارضته لها
، وقد شاع ذلك بين المسلمين . ومَنْ يقرأ نهج البلاغة يجد فيه لواحات من
تذمّره وأساه على ضياع حقّه .
إرغامه على البيعة
وأجمع أبو بكر وسائر أعضاء حزبه على إرغام الإمام على البيعة لأبي بكر
وحمله بالقوّة عليها ، فأرسلوا إليه شرطتهم فكبسوا داره وأخرجوه منها
بالقسر والقوّة ، وجاءوا به إلى أبي بكر ، فصاحوا به :
بايع أبا بكر ...
فأجابهم الإمام بمنطقه الفيّاض وحجّته الحاسمة ، قائلاً :
(( أنا أحقّ بهذا الأمر منكم ، لا اُبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي
؛ أخذتم
هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي (صلّى الله عليه
وآله) ، وتأخذونه منّا أهل البيت غصباً !
ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمّد (صلّى الله
عليه وآله) منكم ، فأعطوكم المقادة , وسلّموا إليكم الإمارة ، وأنا أحتجّ
عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار ؛ نحن أولى برسول الله (صلّى الله عليه
وآله) حيّاً وميّتاً ، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون ، وإلاّ فبوءوا بالظلم وأنتم
تعلمون )) .
وأعلن الإمام بهذا الخطاب الرائع أنّه أولى بمركز النبي (صلّى الله عليه وآله)
، وأحقّ بخلافته من غيره ، فهو أقرب الناس وألصق بالرسول (صلّى الله عليه
وآله) من المهاجرين الذين فازوا بالحكم لقربهم من النبي ، فهو ابن عمّه وأبو
سبطيه ، ولا يملك أحد من القرب إلى النبي غيره .
وثار ابن الخطاب بعد أن
أعوزته الحجّة والبرهان ، فاندفع بعنفٍ قائلاً :
إنّك لست متروكاً حتّى تبايع .
الصفحة (93)
فزجره الإمام
(عليه السّلام) قائلاً :
((
احلب حلباً لك شطره ، واشدد له اليوم أمره ، يردده عليك غداً )) .
وكشف الإمام الوجه في اندفاع ابن الخطاب وتهالكه على نصرة أبي بكر ؛ فإنّه
يأمل أن ترجع إليه الخلافة والملك بعد أبي بكر .
وثار الإمام (عليه السّلام) وهتف قائلاً : (( والله يا عمر ، لا أقبل قولك ولا أبايعه
)) .
وخاف أبو بكر من تطوّر الأحداث ، وخشي أن ترجع إلى المسلمين حوازب أحلامهم
فيقصوه عن منصبه ، فخاطب الإمام بناعم القول :
إن لم تبايع فلا اُكرهك .
وانبرى أبو عبيدة بن الجراح وهو من أبرز حزب أبي بكر ، فخاطب الإمام قائلاً
:
يابن عمّ ، إنّك حدث السن ، وهؤلاء مشيخة قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتم
بالاُمور ، ولا أرى إلاّ أبا بكر أقوى على هذا الأمر منك ، وأشدّ احتمالاً
واضطلاعاً به ، فسلّم لأبي بكر هذا الأمر ؛ فإنّك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت
لهذا الأمر خليق ، وبه حقيق ؛ في فضلك ودينك , وعلمك وفهمك , وسابقتك ونسبك وصهرك
.
وليس في هذا القول إلاّ الخداع والتضليل ؛ فإنّ التقدّم في السن ليس له أيّ
ترجيح في منصب الخلافة التي تتطلّب الطاقات الخلاّقة بما تحتاج إليه الاُمّة في الميادين السياسيّة والاقتصادية والقضائية ، ولا يملك أحد
المسلمين ذلك غير الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) .
وأثارت مخادعة أبي عبيدة كوامن الألم في نفس الإمام ، فانبرى يخاطب
المهاجرين قائلاً :
الصفحة (94)
(( الله الله يا معشر المهاجرين ، لا تخرجوا سلطان
محمّد في العرب عن داره
وقعر بيته إلى دوركم وقعر بيوتكم ، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقّه
؛ فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ الناس به ؛ لأنّا أهل البيت ، ونحن أحقّ
بهذا الأمر منكم .
ما كان فينا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ،
العالم بسنن رسول الله ، المضطلع بأمر الرعية ، الدافع عنهم الاُمور السيئة
، القاسم بينهم بالسوية ؟ والله إنّه لفينا ، فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن
سبيل الله فتزدادوا من الحقّ بُعداً ))(1)
.
وحفلت هذه الكلمات بالصفات الرفيعة الماثلة في أهل بيت النبوّة من الفقه
بدين الله ، والعلم بسنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، والإحاطة بما
تحتاج إليه الاُمّة في مجالاتها الاقتصادية والسياسيّة ولا تتوفّر بعض هذه
الصفات في غيرهم ، ولو أنّ القوم استجابوا لنداء الإمام لجنّبوا العالم
الإسلامي الكثير من المشكلات والأزمات ولكنّهم انسابوا وراء أطماعهم
وشهواتهم وتهالكهم على الإمرة والسلطان .
وعلى أيّ حال ، فقد رجع الإمام (عليه السّلام) إلى داره لم يبايع أبا بكر ،
وقد أحاطت به موجات من الأسى على ضياع حقّه وحرمان الاُمّة من قيادته ، وقد
التاعت سيّدة النساء زينب وغزاها الحزن على ما حلّ بأبيها من الآلام
والكوارث ؛ فقد رأته جالساً في بيته يساور الهموم والأحزان ، وحوله اُمّها
سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السّلام) وهي تبكي أباها , وتندبه بأشجى ما تكون الندبة ، وقد شاركت زوجها في مصابه على ضياع حقّه ، ونهب
مركزه ومقامه .
إجراءات صارمة
وقضت سياسة أبي بكر أن يقابل الإمام أمير المؤمنين
(عليه السّلام) بجميع
الإجراءات الصارمة ؛
ــــــــــــــــ
(1) الإمامة والسياسة 1 / 11 ـ 12 .
الصفحة (95)
لأنّه الممثّل الوحيد للقوى المعارضة لحكومته
. ومن بين تلك الوسائل
التي سلكها أبو بكر :
1 ـ إسقاط الخمس
أمّا الخمس فهو حقّ مفروض لآل رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) نصّ عليه
القرآن الكريم ، قال تعالى :
(
وَاعْلَمُوا
أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ
وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ
)(1) ، وأجمع الرواة أنّ النبي
(صلّى الله عليه
وآله) كان يختصّ بسهم من الخمس ويخصّ أرحامه بسهم آخر منه ، وكانت هذه سيرته
إلى أن اختاره الله إلى جواره .
ولمّا ولي أبو بكر أسقط سهم النبي
, وسهم ذي
القربى ، ومنع بني هاشم من الخمس(2) ؛
وبذلك فقد قضى على أهم مورد اقتصادي لهم . وقد أرسلت سيّدة النساء فاطمة
(عليها السّلام) إلى أبي بكر تسأله أن يدفع إليها ما بقي من خمس (خيبر) ، فأبى
أن يدفع إليها شيئاً(3) ؛ وبذلك فقد ترك شبح
الفقر على آل النبي ، وحجب عنهم ما فرضه الله لهم .
2 ـ الاستيلاء على تركة النبيّ (صلّى الله
عليه وآله)
واستولى أبو بكر على جميع ما تركه الرسول
(صلّى الله عليه وآله) من بلغة
العيش وحازه إلى بيت المال ، وبذلك فقد فرض حصاراً اقتصادياً على آل الرسول
(صلّى الله عليه وآله) حتّى لا يتمكّنون من القيام بأيّ حركة ضدّه .
3 ـ تأميم فدك
وأمّم أبو بكر (فدكاً) وصادرها من أهل البيت ، ومنعهم من أخذ وارداتها ،
ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنفال / 41 .
(2) الكشّاف 2 / 158 ـ 159 (في تفسير آية الخمس) .
(3) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 1 / 260 .
الصفحة (96)
وقد ضيّق عليهم بذلك غاية التضييق
، ومنع عنهم جميع وسائل العيش .
الزهراء (عليها السّلام) مع أبي بكر
والتاعت بضعة رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) من أبي بكر ؛ فقد سدّ عليها
جميع نوافذ الحياة الاقتصادية ، فخرجت (سلام الله عليها) غضبى , فلاثت خمارها
، واشتملت بجلبابها ، وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها ،
ما تخرم مشيتها مشية أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى دخلت على أبي
بكر وهو في جامع أبيها ، وكان في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، فنيطت
دونها ملاءة .
فوقفت مفخرة الإسلام فأنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء
, وارتجّ المجلس ، فأمهلتهم حتّى إذا سكن نشيجهم وهدأت فورتهم افتتحت خطابها
الخالد بحمد الله والثناء عليه ، وانحدرت في خطابها كالسيل ، فلم يُسمع
أخطب ولا أبلغ منها ، وحسبها أنّها بضعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي
أفاض عليها بمكرمات نفسه ، وغذّاها بحكمه وآدابه .
وتحدّثت في خطابها عن معارف الإسلام ، وفلسفة تشريعاته ، وعلل أحكامه ،
وعرضت إلى الحالة الراهنة التي كانت عليها اُمم العالم وشعوب الأرض قبل أن
يشرق عليها نور الإسلام ؛ فقد غرقت الاُمم بالجهل والانحطاط خصوصاً
(الجزيرة العربية) ؛ فقد كانت في أقصى مكان من الذلّ والهوان ، وكانت
الأكثرية الساحقة تقتاد القِدّ ، وتشرب الطَرق ، وترسف في قيود الفقر
والبؤس إلى أن أنقذها الله بنبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، فرفعها إلى
واحات الحضارة وجعلها سادة الاُمم والشعوب ، فما أعظم عائدته على العرب
والمسلمين !
وعرضت سيّدة نساء العالمين في خطبتها إلى فضل ابن عمّها الإمام أمير
المؤمنين (عليه السّلام) ، وعظيم جهاده في نصرة الإسلام ، وذبّه عن حياض الدين
، في حين أنّ المهاجرين من قريش بالخصوص كانوا في رفاهية من العيش وادعين
آمنين ، لم
الصفحة (97)
يكن لهم أيّ ضلع في نصرة القضية الإسلاميّة والدفاع عنها
, فلم يُؤثر عن
أعلامهم أنّهم قتلوا مشركاً , أو برزوا ببسالة وصمود إلى مقارعة الأقران في
الحروب ، وإنّما كانوا ينكصون عند النزال ، ويفرّون من القتال ـ على حدّ
تعبيرها ـ وكانوا يتربّصون الدوائر بأهل بيت النبوّة , ويتوقعون بهم نزول
الأحداث .
وأعربت مفخرة الإسلام في خطابها عن أسفها البالغ على ما مُني به المسلمون
من الزيغ والانحراف , والاستجابة لدواعي الهوى والغرور , وذلك بإقصائهم لأهل
البيت (عليهم السّلام) عن مركز القيادة العامة , وتنبّأت عمّا سيحلّ بهم من الكوارث والخطوب
التي تدع فيئهم حصيداً ، وجمعهم بديداً من جرّاء إبعادهم لأهل بيت النبوّة
عن مقامهم الذي نصبهم فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
ثمّ عرضت إلى حرمانها من إرث أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فقالت :
(( وأنتم تزعمون أن لا إرث لي من أبي !
أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ
اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
. وَيهاً أيّها المسلمون ! أاُغلب على تراث أبي ؟!
)) .
ثمّ وجهت خطابها إلى أبي بكر : (( يابن أبي قُحافة
,
أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئاً فريّاً ! أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول :
(
وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ
)
؟ وقال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريّا ، إذ يقول :
(
فَهَبْ
لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ
وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً
) , وقال :
(
وَأُولُو
الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ
اللَّهِ )
, وقال :
(
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ
حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ
) ,
الصفحة (98)
وقال :
(
إِنْ تَرَكَ
خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ
حَقّاً عَلَى
الْمُتَّقِينَ )
.
وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ، ولا رحم
بيننا ، أفخصّكم الله بآية أخرج منها أبي ؟
أم تقولون : إنّ أهل ملّتَين لا يتوارثان ، أو لست أنا وأبي من أهل ملّة
واحدة ؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي ؟ )) .
وبعدما أدلت بهذه الحجج الدامغة المدعمة بآيات من القرآن الكريم التي فنّدت
فيها مزاعم أبي بكر من أنّ الأنبياء لا يورثون ، التفتت إليه , فوجّهت
إليه هذه الكلمات اللاذعة قائلةً : ((
فدونكها مرحولةً مزمومةً تكون معك في قبرك ، وتلقاك يوم حشرك ، فنِعمَ
الحَكَم الله ، ونِعمَ الزعيم محمّد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر
المبطلون ، و(
لِكُلِّ
نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
) ،
(
مَنْ يَأْتِيهِ
عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ
) )) .
ثمّ اتّجهت نحو فتيان المسلمين تستنهض هممهم ، وتوقظ عزائمهم للمطالبة بحقّها
والثورة على الحكم القائم ، قائلة : (( يا معشر النقيبة ، وأعضاد الملّة ، وحضنة الإسلام ، ما هذه الغَميزة في
حقّي والسِنَة عن ظُلامتي ؟ أما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : المرء
يُحفظ في وُلده ؟ لَسرعان ما أحدثتم , وعجلان ذا إهالةً !
أتقولون : مات محمّد ؟ لعمري ، خطب جليل استوسع وهيُه ، واستنهر فتقه ،
وفقد راتقه ، وأظلمت الأرض لغيبته ، واكتأبت خيرة الله لمصيبته ، وخشعت
الجبال ، وأكدت الآمال ، واُضيع الحريم ،
الصفحة (99)
وأُزيلت الحرمة ، فتلك نازلة أعلن بها كتاب الله في أفنيتكم ، ممساكم
ومصبحكم ، هتافاً هتافاً :
(
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ
الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
) )) .
وأخذت سيّدة النساء تحفّز الأنصار ، وتذكّرهم بجهادهم المشرق في نصرة
الإسلام وحماية مبادئه وأهدافه وكفاحهم لأعدائه القرشيّين ، طالبة منهم
الثورة ضدّ الحكم القائم وإرجاع الحقّ إلى عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
قائلة : (( إيهاً بني قيلة(1)
! أأُهضَم تراث أبي وأنتم
بمرأى منّي ومسمع , ومنتدى ومجمع ، تلبسكم الدعوة ، وتشملكم الخُبرة ، وأنتم
ذوو العُدّة والعدد , والأداة والقوّة ، وعندكم السلاح والجُنّة(2)
, تُوافيكم الدعوة فلا تجيبون ، وتأتيكم
الصرخة فلا تُغيثون , وأنتم موصوفون بالكِفاح ، معروفون بالخير والصلاح ،
والنُخبة التي انتُخبت ، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت ؟!
قاتلتم
العرب ، وتحمّلتم الكدّ والتعب ، وناطحتم الأمم ، وكافحتم البُهم ، فلا
نبرح أو تبرحون ، نأمركم فتأتمرون ، حتّى إذا دارت بنا رحى الإسلام ، ودرّ
حَلَب الأيّام ، وخضعت نُعرة الشرك ، وسكنت فورة الإفك ، وخمدت نيران الكفر
، وهدأت دعوة الهرج ، واستوسق نظام الدين ، فأنّى جرتم(3)
بعد البيان ، وأسررتم بعد الإعلان ،
ونكصتم بعد الإقدام ، وأشركتم بعد الإيمان ؟!
ـــــــــــــــــــــ
(1) بنو قيلة : هم الأوس والخزرج من الأنصار .
(2) الجنّة (بالضم) : ما يستتر به من السّلاح .
(3) جرتم : أي ملتم .
الصفحة (100)
بؤساً لقوم
( نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ
وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ
أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِين ) )) .
ولمّا رأت وهن الأنصار وتخاذلهم عن إجابة الحقّ ، وجّهت لهم أعنف القول , وأشدّ
العتب والتقريع , قائلة لهم : (( ألا وقد قلتُ ما قلتُ
, هذا على معرفة منّي بالجذلة التي خامرتكم ، والغدرة
التي استشعرتها قلوبكم ، ولكنّها فيضة النفس ، وبثّة الصدر ، ونفثة الغيظ ،
وتقدمة الحجّة ، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر ، نقبة الخفّ ، باقية
العار ، موسومة بغضب الله ، وشنار الأبد ، موصولة بـ
(
نَارُ
اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا
عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
)
, عين الله ما تفعلون
,
(
وَسَيَعْلَمُ
الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
) .
وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد ،
فـ
( اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ *
وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ
) ))(1) .
وهذا أروع خطاب ثوري عرفه التأريخ الإسلامي ؛ فقد وضعت فيه مفخرة الإسلام
النقاط على الحروف ، ووضعت المسلمين أمام الأمر الواقع ، وكشفت لهم عمّا
سيواجهونه من الويلات والكوارث والأزمات من جراء تخاذلهم عن نصرة الإسلام
أمام هذه المحنة الحازبة .
وقد وجلت القلوب وخشعت الأبصار ، وأوشكت الثورة
أن تحدث على أبي بكر ويُقصى عن منصبه إلاّ أنّه سيطر على الموقف بلباقة
مذهلة فقد قابل بضعة الرسول بكلّ حفاوة وتكريم ، وتصاغر أمامها ، وأظهر لها
أنّه لم يتقلّد منصب الحكم ، ولم يتّخذ معها الإجراءات القاسية
ـــــــــــــــــــــ
(1) أعلام النساء 3 / 208 ، بلاغات النساء / 12 ـ 19 .
الصفحة (101)
عن رأيه الخاص ، وإنّما كان عن رأي المسلمين واتّفاقهم
.
متى ولا نعلم
أنّه حتّى استشار أحداً في تقمّصه للخلافة ، ومصادرته لتركة النبي (صلّى الله
عليه وآله) ، وتأميمه لفدك وغيرها ؛ مما أوجب التضييق الاقتصادي على العترة
الطاهرة ؟!
وعلى أي حال ، فقد حفظت السيّدة زينب وهي في عهد الصبا هذا الخطاب الخالد ،
وهي إحدى رواته ، وكان ذلك آية في نبوغها فقد روته بحرفيته ، وكانت مع
اُمّها حينما أدلت بهذا الخطاب الذي هو أحد الركائز المهمّة في مذهب أهل
البيت (عليهم السّلام) ، وقد رجعت معها وهي تجرّ أذيال الخيبة ، قد مزّق الأسى
فؤادها ؛ فلم يرع أبو بكر مكانتها ، ولم يستجب المسلمون لمطالبها ، وقد
استولت عليها الآلام والهموم على ما تُمنى به الاُمّة من الكوارث والأزمات
من جراء إقصاء أهل البيت (عليهم السّلام) عن القيادة العامة للعالم الإسلامي .
اعتذار مرفوض
وجهد أبو بكر وعمر على إرضاء زهراء الرسول وتطييب خاطرها على ما اقترفاه
في حقّها ، فاستأذنا بالدخول عليها فأبت أن تأذن لهما ، وعرضا على الإمام
(عليه السّلام) رغبتهما الملحّة في مقابلة سيّدة النساء ، فانطلق الإمام نحو
الصدّيقة والتمس منها إجابتهما ، فسمحت لهما بالدخول ، فلمّا مثلا عندها
أشاحت بوجهها عنهما ، وقدّما إليها اعتذارهما ، فقالت :
(( أرأيتكما إن حدّثتكما حديثاً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تعرفانه
وتعملان به ؟ )) .
فأجابا : نعم .
فقالت : (( نشدتكما الله ، ألم تسمعا رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) يقول : رضا فاطمة
من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمَنْ أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني ، ومَنْ
أرضى