يزيد صديق القرد ملّ
جوارنا فـحنّ إلى أرض القرود
يزيدُ فـتبّاً لـمَنْ أمسى علينا
خليفةً صحابته الأدنون منه قرودُ(2)
|
وكان كلفاً بالصيد لاهياً به ، وكان يُلبس كلاب الصيد الأساور من الذهب
والجلال المنسوجة منه , ويهب لكلّ كلب عبداً يخدمه(3) .
لقد كان يزيد عنواناً لكلّ رذيلة وموبقة , وهو أخبث إنسان على وجه الأرض ،
وأصبح علماً للانحطاط الخُلقي والظلم الاجتماعي ، وحيث ما ذكر اسمه فإنّه
مثال للفساد والاستبداد , والتهتك والخلاعة ، وقد ذكرنا المزيد من صفاته
ونزعاته في كتابنا (حياة الإمام الحسين) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) جواهر المطالب لمناقب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام) / 143 .
(2) أنساب الأشراف 2 / 2 .
(3) الفخري / 45 .
الصفحة (184)
الصفحة (185)
الحكم الأسود
وخيّم على العالم الإسلامي حكم إرهابي عنيف لا يخضع لعرف ولا لقانون ، ولا
يستجيب لأيّة عاطفة إنسانيّة ، شعاره الظلم والاستبداد واللامبالاة . هذا هو السمت الظاهر والواقع لحكم يزيد بن معاوية الذي بُلي به المسلمون ، وامتحنوا
امتحاناً عسيراً .
لقد عانت عقيلة بني هاشم السيّدة زينب في عهد هذا الطاغية أشقّ وأقسى ألوان
المصائب والكوارث ، كما تعرّضت الاُسرة النبويّة إلى الإبادة الشاملة ؛ فقد جُزروا كالأضاحي ، ومثّلت الجيوش الاُمويّة أشرّ تمثيل بأجسامهم الطاهرة .
كلّ ذلك
كان بمرأى من حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ؛ فذابت نفسها أسى وحسرات ، ولم
تقتصر محنتها على ذلك , وإنّما تعدّت إلى ما هو أقسى وأشجّ ؛ فقد سُبيت مع عقائل
الوحي ومخدّرات الرسالة ، يُطاف بهنّ من بلد إلى بلد ، فتارة يمثلنَ أمام ابن مرجانة
، واُخرى في مجلس يزيد ، فلم تبقَ محنة من محن الدنيا ، ولا فاجعة من فواجع
الدهر إلاّ جرت على حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في عهد هذا الطاغية الأثيم
.
وعلى أيّ حال , فقد تسلّم يزيد بعد هلاك أبيه قيادة الدولة الإسلاميّة وهو في غضارة العمر وريعان الشباب
, لم تصقله التجارب ، ولم تُهذّبه الأيام ، قد استسلم
لشهواته وملذّاته التي كان البارز منها سفك الدماء , وإشاعة الفزع والخوف بين
الناس .
ولم يكن الطاغية حينما وافت المنية أباه في دمشق ، وإنّما كان في رحلات
الصفحة (186)
الصيف في حوارين الثنية ، فأرسل إليه الضحّاك بن قيس رسالة يعزّيه فيها بوفاة
أبيه , ويهنّئه بالخلافة ، ويطلب منه الإسراع إلى عاصمته يتولّى شؤون الحكم ،
وحينما انتهت إليه الرسالة أسرع نحو عاصمته ، ومعه أخواله وبنو اُميّة
, والمغنّون والعابثون من أصحابه , وقد شعث في الطريق ، فأقبل الناس يسلّمون عليه
ويعزّونه , وقد عابوا عليه ما هو فيه , فانتقدوه وقالوا :
هذا الأعرابي الذي ولاّه معاوية أمر الناس , والله سائل عنه(1) .
ومضى صوب قبر أبيه فجلس عنده وهو باكي العين , وأنشأ يقول :
جـاءَ الـبريدُ بقرطاسٍ يخبّ
به فأوجسَ القلبُ من قرطاسهِ
فزعا قـلنا لـكَ الويل ماذا في
كتابكمُ قالَ الخليفَ أمسى مدنفاً وجعا(2)
|
ثمّ سار نحو القبّة الخضراء في موكب رسمي تحفّ به بنو اُميّة وأخواله
وشرطته .
خطابه في أهل
الشام
وخطب يزيد في أهل الشام خطاباً أعلن فيه عن عزمه على خوض حرب مدمّرة مع
أهل العراق , جاء فيه :
يا أهل الشام ، فإنّ الخير لم يزل فيكم ، وسيكون بيني وبين أهل العراق حرب
شديدة ، وقد رأيت في منامي كأنّ نهراً يجري بيني وبينهم دماً عبيطاً ،
وجعلت أجهد في منامي أن أجوز ذلك النهر فلم أقدر على ذلك , حتّى جاءني عبيد
الله بن زياد فجازه بين يدي وأنا أنظر إليه .
وانبرى أهل الشام فأعلنوا دعمهم الكامل له قائلين :
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الإسلام ـ الذهبي 1 / 267 .
(2) تاريخ ابن الأثير 3 / 266 .
الصفحة (187)
يا أمير المؤمنين
, امض بنا حيث شئت ، وأقدم بنا على مَنْ أحببت ، فنحن بين يديك
، وسيوفنا تعرفها أهل العراق في يوم صفّين .
وشكرهم يزيد على ولائهم ، وأثنى على إخلاصهم(1) .
وقد كشف خطابه عن تصميمه على
حرب أهل العراق ؛ وذلك لعلمه بكراهيتهم له ، وتجاوبهم الكامل مع الإمام الحسين
(عليه السّلام) .
مع المعارضة في
يثرب
وكان يزيد يتحرّق غيظاً وغضباً على الجبهة المعارضة له في يثرب
, والتي كانت
لا تراه أهلاً لولاية أمير المسلمين .
أمّا أعلام المعارضة فهم :
1 ـ الإمام الحسين (عليه
السّلام)
وهو ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وريحانته ، وكان يتمتّع بنفوذ واسع
النطاق في معظم الأقاليم الإسلاميّة .
2 ـ عبد الله بن
الزّبير
وهو من أعلام المعارضة ، إلاّ أنّه لم تكن له شعبية ولم يتمتّع بصفة فاضلة ،
وكان يرى أنّه أفضل من يزيد وأحقّ بالبيعة والخلافة منه .
أوامره المشدّدة
إلى الوليد
وأصدر الطاغية أوامره المشدّدة إلى الوليد بن عتبة عامله على يثرب بإرغام
المعارضين له على أخذ البيعة منهم ، فإن امتنعوا نفّذ فيهم حكم الإعدام .
وقد جاء
في رسالته :
إذا أتاك كتابي فاحضر الحسين بن عليّ وعبد الله بن الزّبير فخذهما بالبيعة ،
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) 2 / 244 .
الصفحة (188)
فإن امتنعا فاضرب [ عنقيهما ] وابعث إليّ
[ برأسيهما ] ، وخذ الناس بالبيعة , فمَنْ
امتنع فأنفذ فيه الحكم ، وفي الحسين بن عليّ وعبد الله بن الزّبير , والسّلام(1) .
فزع الوليد
ولمّا انتهت رسالة يزيد إلى الوليد فزع فزعاً شديداً
؛ فإنّ التنكيل بالمعارضين
وإنزال العقاب الصارم بهم ليس بالأمر السهل ؛ فإنّ معاوية مع ما يتمتّع به من
القابليات الدبلوماسية لم يستطع إرغام الإمام الحسين (عليه السّلام) على أخذ البيعة منه ليزيد
,
فكيف يستطيع الوليد تنفيذ ذلك .
ورأى الوليد أن يعرض الأمر على مروان ـ عميد الاُسرة الاُمويّة ـ ويستشيره في الأمر
، فبعث خلفه وأطلعه على رسالة يزيد .
فقال له مروان :
ابعث إليهم في هذه الساعة فتدعوهم إلى البيعة والدخول في طاعة يزيد ، فإن فعلوا
قبلت منهم ذلك ، وإن أبوا قدّمهم واضرب أعناقهم قبل أن يدروا بموت معاوية ؛
فإنّهم إن علموا ذلك وثب كلّ رجل منهم فأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه ، فعند ذلك
أخاف أن يأتيك من قبلهم ما لا قِبَل لك به ، إلاّ عبد الله بن عمر فإنّه لا
ينازع في هذا الأمر أحداً ، مع أنّي أعلم أنّ الحسين بن عليّ لا يُجيبك إلى بيعة
يزيد ولا يرى له عليه طاعة . والله لو كنت في موضعك لم أراجع الحسين بكلمة
واحدة حتّى أضرب رقبته كائناً في ذلك ما كان .
وعظم ذلك على الوليد ؛ فقد اختار له مروان هلاك دينه ودنياه ، فقال له : يا ليت
الوليد لم يولد ، ولم يك شيئاً مذكوراً !
وسخر منه مروان ، وراح يندّد به قائلاً :
لا تجزع ممّا قلت لك ؛ فإنّ آل أبي تراب هم الأعداء من قديم الدهر ولم
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 215 .
الصفحة (189)
يزالوا ، وهم الذين قتلوا الخليفة عثمان بن عفان ، ثمّ ساروا إلى أمير
المؤمنين ـ يعني معاوية ـ فحاربوه .
ونهره الوليد ونصحه قائلاً :
ويحك يا مروان عن كلامك هذا ! وأحسن القول في ابن فاطمة ؛ فإنّه بقيّة النبوّة(1) .
واتّفق رأي الوليد ومروان على استدعاء الإمام الحسين (عليه السّلام) وابن
الزّبير , وعرض الأمر
عليهما والنظر في رأيهما .
استدعاء الحسين
(عليه السّلام)
وأرسل الوليد في منتصف الليل(2) عبد الله بن عمرو بن عفان خلف الإمام
الحسين (عليه السّلام) وابن الزّبير ، ومضى الفتى يدعوهما فوجدهما في الجامع النبوي فعرض
عليهما الأمر فأجاباه إلى ذلك وأمراه بالانصراف ، والتفت ابن الزّبير إلى الإمام
(عليه السّلام) فقال له :
ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها ؟
فأجابه الإمام : (( أظنّ أنّ طاغيتهم ـ يعني معاوية ـ
قد هلك , فبعث إلينا بالبيعة قبل أن يفشو
بالناس الخبر )) .
واستصوب ابن الزّبير رأي الإمام (عليه السّلام) قائلاً :
وأنا ما أظنّ غيره ، فما تريد أن تصنع ؟
ـ (( أجمع فتياني في الساعة ثمّ أسير إليه ، وأجلسهم على الباب
)) .
وانبرى ابن الزّبير يبدي مخاوفه على الإمام (عليه السّلام) قائلاً :
ـــــــــــــــــــــ
(1) الفتوح 5 / 12 ـ 13 ، ذكرنا عرضاً مفصّلاً للأسباب التي دعت مروان إلى هذا
الموقف مع المعارضة في كتابنا ( حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) ) .
(2) البداية والنهاية 8 / 160 .
الصفحة (190)
إنّي أخاف عليك إذا دخلت .
ـ (( لا آتيه إلاّ وأنا قادر على الامتناع ))(1) .
واتّجه الإمام الحسين (عليه السّلام) صوب الوليد ، فلمّا التقى به نعى إليه معاوية
, فاسترجع الإمام (عليه السّلام) وقال له : (( لماذا دعوتني ؟ )) .
ـ
دعوتك للبيعة .
فطلب منه الإمام تأجيل البيعة قائلاً : (( إنّ مثلي لا يُبايع سرّاً ، ولا يجتزئ بها منّي سرّاً ، فإذا خرجت إلى الناس
ودعوتهم للبيعة دعوتنا معهم , فكان الأمر واحداً )) .
لقد أراد الإمام (عليه السّلام) أن يعلن رأيه أمام الجماهير في رفضه البيعة ليزيد ، وعرف مروان
قصده , فصاح بالوليد : لئن فارقك ـ يعني الحسين ـ الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً
حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه ؛ احبسه فإن بايع وإلاّ ضربت عنقه .
ووثب أبيّ الضيم كالأسد ، فقال للوزغ ابن الوزغ : (( يابن الزرقاء
! أأنت تقتلني أم هو ؟ كذبت والله ولؤمت ))(2) .
وأقبل على الوليد فأخبره عن عزمه وتصميمه على رفضه الكامل لبيعة يزيد قائلاً
: (( أيّها الأمير , إنّا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، ومحلّ
الرحمة ، بنا فتح الله وبنا ختم ، ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، وقاتل النفس
المحرّمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر
وتنظرون أيّنا أحق بالخلافة والبيعة ))(3) .
ـــــــــــــــــــــ
(1)(2) تاريخ ابن الأثير 3 / 264 .
(3) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 2 / 255 .
الصفحة (191)
وكان هذا أوّل إعلان من الإمام الحسين
(عليه السّلام) بعد هلاك معاوية في رفضه
البيعة ليزيد .
لقد أعلن ذلك في بيت الإمارة من دون مبالاة ولا خوف من السلطة ،
كيف يبايع حفيد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يزيد الفاسق , شارب الخمر , وقاتل
النفس المحرّمة ؟
ولو بايعه فأقرّه إماماً على المسلمين ، عرّض العقيدة
الإسلاميّة إلى الانهيار والدمار , وعصف بها في متاهات سحيقة من محامل هذه الحياة
.
واستاء مروان من موقف الإمام (عليه السّلام) , ووجّه لوماً وعتاباً إلى الوليد قائلاً :
عصيتني ! لا والله لا يمكّنك مثلها من نفسه أبداً .
وردّ عليه الوليد ببالغ الحجّة قائلاً :
ويحك يا مروان ! أشرت عليّ بذهاب ديني ودنياي . والله ما أحبّ أن أملك الدنيا
بأسرها وإنّي قتلت حسيناً . سبحان الله ! أأقتل حسيناً أن قال : لا أُبايع ؟!
والله ما أظنّ أحداً يلقى الله بدم الحسين إلاّ وهو خفيف الميزان , لا ينظر الله
إليه يوم القيامة ، ولا يزكّيه , وله عذاب أليم .
وسخر منه مروان وراح يقول :
إذا كان هذا رأيك فقد أصبت(1) .
مغادرة الإمام
(عليه السّلام) يثرب
وعزم الإمام (عليه السّلام) على مغادرة يثرب ليلوذ بالبيت الحرام ، وينشر دعوته
فيه .
وداعه لقبر جدّه
(صلّى الله عليه وآله)
وخفّ الإمام الحسين (عليه السّلام) إلى قبر جدّه وهو حزين كئيب
, يشكو إلى الله
ما ألمّ به من الخطوب قائلاً :
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 5 / 340 .
الصفحة (192)
(( اللّهمّ إنّ هذا قبر نبيّك
محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وأنا ابن بنت محمّد ،
وقد حضرني من الأمر ما قد علمت . اللّهمّ إنّي أحبّ المعروف وأنكر المنكر ، وأنا
أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحقّ هذا القبر ومَنْ فيه إلاّ ما اخترت لي ما هو لك
رضاً , ولرسولك رضاً ))(1) .
ويُلمس في هذا الدعاء مدى انقطاعه الكامل إلى الله تعالى ، وحبّه العارم إلى
إقامة المعروف وتدمير الباطل ، وهو يسأل الله بلهفة أن يختار له الصالح في
دينه ودنياه .
وتوجّه الإمام (عليه السّلام) في غلس الليل البهيم إلى قبر اُمّه سيّدة نساء العالمين فودّعها
الوداع الأخير ، ووقف قبال قبرها الشريف ، وتمثّلت أمامه ذكريات عواطفها
الفيّاضة وشدّة حنوّها عليه فانفجر بالبكاء ، وذابت نفسه أسى وحسرات ، ثم ودّع
القبر وداعاً حارّاً وانصرف إلى مرقد أخيه الزكي الإمام أبي محمّد (عليه السّلام)
, فأخذ يروي ثراه بدموع عينيه , وقد طافت به الآلام ، ثمّ قفل راجعاً إلى منزله .
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 2 / 259 .
الصفحة (193)
إلى مكّة
وبعدما أعلن الإمام (عليه
السّلام) رفضه الكامل لبيعة الطاغية يزيد عزم على مغادرة يثرب
والتوجّه إلى مكة المشرّفة ليبثّ دعوته فيها ، وقد دعا العقيلة اُخته السيدة
زينب (عليها السّلام) وعرّفها بعزمه وما سيجري عليه من الأحداث ، وطلب منها أن
تشاركه في محنته فاستجابت له ، وصمّمت على مساعدته في نهضته وثورته التي يقيم
فيها الحقّ ويدحر الباطل ، كما دعا أولاده وزوجاته , وإخوته وبني عمومته إلى
مصاحبته , فلبّوا جميعاً ولم يتخلّف منهم أحد إلاّ لعذر قاهر .
ولمّا أصبحوا جاء الموالي بالإبل فحملوا عليها الخيام وأدوات المياه والأرزاق
وغيرها , وأعدّوها للسفر ، وخرجت حفيدة الرسول السيدة زينب تجرّ أذيالها ونفسها
مترعة بالهموم والآلام , وقد أحاطت بها جواريها ، وكان إلى جانبها أخوها أبو
الفضل العباس قمر بني هاشم ، فكان هو الذي يتولّى رعايتها وخدماتها , وقد مُلئت
نفسه إجلالاً وإكباراً وولاءً لها .
واستقلّت الإبل بعترة رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) , وحدا بهم الحادي إلى مكّة المكرّمة ، وقد خيّم الحزن والأسى على
المدنيّين حينما رأوا آل النبي (صلّى الله عليه وآله) قد نزحوا
عنهم إلى غير مئاب .
وكان سيد الشهداء (عليه السّلام) يتلو في طريقه قوله تعالى :
(
رَبِّ
نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
)(1) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة القصص / 21 .
الصفحة (194)
لقد شبّه خروجه بخروج نبي الله موسى بن عمران على فرعون زمانه ، وكذلك هو
خرج على طاغية عصره حفيد أبي سفيان ليقيم الحقّ وينشر العدل بين الناس ، وسلك
(عليه السّلام) في سفره الطريق العام من دون أن يتجنّب عنه كما فعل ابن الزّبير
مخافة أن يدركه الطلب من قبل السلطة في يثرب ، فامتنع وأجاب :
(( لا والله لا فارقت هذا الطريق أبداً أو أنظر إلى أبيات مكة ، أو يقضي الله في
ذلك ما يحبّ ويرضى )) .
لقد رضي بما كتب الله وقدّر له ، لم تضعف همّته ولم توهن عزيمته ، ولم يبالِ
بالأحداث المروعة التي سيواجهها ، وكان يتمثّل في أثناء مسيرته بشعر يزيد بن
المفرغ :
لا ذعرتُ السوام في فلق الصبـ ـحِ مُغيراً ولا دعـيت
يـزيدا يوم اُعطى مخافة الموت
ضيماً والمنايا ترصدنني أن أحيدا(1)
|
لقد كان على ثقة أنّ المنايا ترصده لا تحيد عنه ما دام مصمّماً على عزمه
الجبّار في أن يعيش عزيزاً ولا يخضع لحكم يزيد .
احتفاف الحجاج والمعتمرين بالإمام
(عليه السّلام)
وانتهى الإمام (عليه السّلام) إلى مكة المكرّمة ليلة الجمعة لثلاث ليال مضين من
شعبان(2) , وقد حطّ رحله في دار العباس بن عبد المطلب(3) ، وقد استقبله
المكّيون استقبالاً حافلاً ، وجعلوا يختلفون إليه بكرةً وعشيةً وهم يسألونه عن
أحكام دينهم ، كما يسألونه عن موقفه تجاه الحكم القائم .
ـــــــــــــــــــــ
(1) خطط المقريزي 2 / 285 .
(2) تاريخ الطبري 6 / 190 .
(3) تاريخ ابن عساكر 13 / 68 .
الصفحة (195)
وأخذ القادمون إلى بيت الله الحرام من الحجاج والمعتمرين يختلفون إليه
ويطوفون حوله ، ويتبرّكون بتقبيل يده ويلتمسون منه العلم والحديث ، ولم يترك
الإمام لحظة واحدة من الوقت تمرّ دون أن يبثّ الوعي الاجتماعي والسياسي في نفوس
القادمين إلى بيت الله الحرام ، ويدعوهم إلى اليقظة والحذر من الحكم الاُموي
الهادف إلى استعباد المسلمين وإذلالهم .
فزع السلطة
المحلّيّة
وفزعت السلطة المحلية في مكة من
قدوم الإمام (عليه السّلام) ، وخافت أن يتّخذها مقرّاً سياسياً لدعوته ومنطلقاً
لإعلان الثورة على حكومة يزيد ، وقد خفّ حاكم مكة عمرو بن سعيد الأشدق إلى
الإمام (عليه السّلام) ، وقال له : ما أقدمك ؟
ـ (( عائذاً بالله وبهذا البيت ))(1) .
لقد جاء الإمام (عليه السّلام) إلى مكة عائذاً ببيت الله الحرام الذي مَنْ دخله كان آمناً من كلّ
ظلم واعتداء .
ولم يحفل الأشدق بكلام الإمام (عليه السّلام) ، وإنّما رفع رسالة إلى يزيد أحاطه بها علماً
بمجيء الإمام إلى مكّة واختلاف الناس إليه ، وازدحامهم على مجلسه , وإجماعهم
على تعظيمه ، وأنّ ذلك يشكّل خطراً على الدولة الاُمويّة .
واضطرب يزيد حينما
وافته رسالة عامله الأشدق ، فرفع إلى ابن عباس رسالة يُمنّي فيها الإمام الحسين
(عليه السّلام) بالسلامة إن استجاب لبيعته , ويتهدّده إن لم يستجب لذلك .
وقد أجابه ابن عباس :
أنّ الحسين إنّما نزح عن يثرب لمضايقة السلطة المحلّيّة له ، كما وعده أن يلقى
الإمام ويعرض عليه ما طلبه منه ، وقد ذكرنا ذلك في (حياة الإمام الحسين ـ نصّ رسالة يزيد وجواب ابن عباس) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) انظر تذكرة الخواصّ / 248 .
الصفحة (196)
إعلان التمرّد في
العراق
وبعدما هلك معاوية أعلن العراقيون رفضهم لبيعة يزيد وخلعهم لطاعته ، فكانت
أندية الكوفة تعجّ بمساوئ معاوية وابنه الخليع يزيد ، وذهب المستشرق (كريمر)
إلى أنّ الأخيار والصلحاء من الشيعة ينظرون إلى يزيد نظرتهم إلى ورثة أعداء
الإسلام(1) .
وعلى أيّ حال ، فإنّ أهل الكوفة لم يرضوا بحكم يزيد وأجمعوا على خلع بيعته ، وقد
عقدت الشيعة مؤتمراً عاماً في بيت سليمان بن صرد الخزاعي ، وهو من أكابر
زعمائهم ، وألقوا الخطب الحماسية التي أظهرت مساوئ الاُمويِّين وما اقترفوه من
الظلم والجور ضدّ شيعة أهل البيت ، ودعوا إلى البيعة للإمام الحسين (عليه السّلام)
.
وكان من جملة الخطباء سليمان بن صرد ، وقد جاء في خطابه :
إنّ معاوية قد هلك ، وإنّ حسيناً قد قبض على القوم بيعته , وقد خرج إلى مكة ،
وأنتم شيعته وشيعة أبيه ، فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوّه فاكتبوا
إليه ، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغرّوا الرجل من نفسه .
وتعالت أصواتهم من كلّ جانب ، وهم يقولون بحماس بالغ :
نقتل أنفسنا دونه ، نقاتل عدوّه .
وأظهروا بالإجماع دعمهم الكامل للحسين (عليه السّلام) ، ورغبتهم الملحّة في نصرته والدفاع عنه
، وأجمعوا على إرسال وفد إليه يدعونه للقدوم إليهم .
وفود أهل الكوفة
للإمام (عليه السّلام)
وأرسلت الكوفة وفوداً متعدّدة إلى الإمام
(عليه السّلام) يدعونه إلى القدوم إلى مصرهم
؛ لينقذهم
ـــــــــــــــــــــ
(1) العقيدة والشريعة في الإسلام / 69 .
الصفحة (197)
من ظلم الاُمويِّين وجورهم ، ويعلنون دعمهم الكامل له ، وكان من بين الوافدين
عبد الله الجدلي(1) .
رسائل أهل الكوفة
وعمد أهل الكوفة إلى كتابة جمهرة من الرسائل إلى الإمام
(عليه السّلام) يحثّونه على القدوم
إليهم ؛ لينقذ الاُمّة من شرّ الاُمويِّين .
وكان من بين تلك الرسائل رسالة بعثها
جماعة من شيعة الإمام ، وجاء فيها بعد البسملة : من سليمان بن صرد ، والمسيب بن
نجيّة ، ورفاعة بن شداد ، وحبيب بن مظاهر وشيعته والمسلمين من أهل الكوفة .
أمّا بعد ، فالحمد لله الذي قصم عدوّك الجبّار العنيد ـ يعني معاوية ـ الذي انتزا على هذه الاُمّة فابتزّها أمرها
، وغصبها فيئها , وتأمّر عليها بغير رضاً منها ، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها
، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها ، فبُعداً له كما بعدت ثمود !
إنّه ليس علينا إمام فاقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الحقّ . واعلم أنّ النعمان
بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد ، ولو
بلغنا أنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتّى نلحقه بالشام إن شاء الله ، والسّلام
عليك ورحمة الله وبركاته(2) .
كما وردت إليه رسائل من الانتهازيين وشيوخ الكوفة ، كان منها ما أرسله شبث بن
ربعي اليربوعي ، ومحمد بن عمر التميمي ، وحجّار بن أبجر العجلي ، ويزيد بن
الحارث الشيباني ، وعزرة بن قيس الأحمسي ، وعمرو بن الحجّاج الزبيدي ، وهذا
نصّها :
ـــــــــــــــــــــ
(1) مقاتل الطالبيّين / 95 .
(2) أنساب الأشراف / 157 .