تسيّرونا على الأقتابِ عاريةً كأنّنا لم نشيّد فيكمُ دينا(1)
|
وتحدّث حذيم بن شريك الأسدي عن ذلك المنظر المؤلم
, [حيث] يقول : قدمت إلى الكوفة
سنة (61هـ) عند مجيء علي بن الحسين من كربلاء إلى الكوفة ، ومعه النسوة وقد
أحاطت بهم الجنود ، وقد خرج الناس ينظرون إليهم , وكانوا على جمال بغير غطاء ،
فجعلت نساء أهل الكوفة يبكين ويندبن , ورأيت عليّ بن الحسين قد أنهكته العلّة
وفي عنقه الجامعة ، ويده مغلولة إلى عنقه ، وهو يقول بصوت ضعيف :
(( إنّ هؤلاء
يبكون وينوحون من أجلنا , فمَنْ قتلنا ؟! )) .
وانبرت إحدى السيدات , فسألت إحدى العلويات وقالت لها :
من أيّ الأسارى أنتن ؟
فأجابتها العلوية :
نحن اُسارى أهل البيت .
وكان هذا النبأ كالصاعقة عليها , فصرخت وصرخت اللاتي كنّ معها ، ودوّى صراخهن في
أرجاء الكوفة ، وبادرت المرأة إلى بيتها فجمعت ما فيه من اُزر ومقانع فجعلت
تناولها إلى العلويات ليتسترنَ بها عن أعين الناس ، كما بادرت سيدة اُخرى فجاءت
بطعام وتمر ، وأخذت تلقيه على الصبية التي أضناها الجوع ، ونادت السيدة اُمّ
كلثوم من خلف الركب : إنّ الصدقة حرام علينا أهل البيت(2) .
ولمّا سمعت الصبية التي تربّت بآداب أهل البيت مقالة عمّتهم رمى كلّ واحد ما في
يده أو ما في فمه من الطعام ، وراح يقول لمَنْ معه : إنّ عمّتي تقول : الصدقة حرام علينا أهل البيت .
ـــــــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ عبد الله نور الله ، (مخطوط) .
(2) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 335 .
الصفحة (279)
خطاب العقيلة زينب
(عليها السّلام)
وحينما رأت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) زينب الجموع الزاخرة التي ملأت
الشوارع والأزقة ، وقد أحاطت بها , اندفعت إلى الخطابة لبلورة الرأي العام ،
وإظهار المصيبة الكبرى التي داهمت العالم الإسلامي بقتل ريحانة رسول الله (صلّى
الله عليه وآله) , وتحميل الكوفيّين مسؤولية هذه الجريمة النكراء ؛ فهم الذين
نقضوا ما عاهدوا الله عليه من نصرة الإمام الحسين (عليه السّلام) والذبّ عنه ،
ولكنّهم خسروا ذلك , وقتلوه ثمّ راحوا ينوحون ويبكون كأنّهم لم يقترفوا هذا الإثم
العظيم .
وهذا نصّ خطابها :
الحمد لله ، والصلاة على جدّي محمّد وآله الطيّبين الأخيار .
أمّا بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل الختل(1) والغدر ، أتبكون ؟! فلا رقأت
الدمعة ، ولا هدأت الرنّة ، إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة
أنكاثاً ، تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم .
ألا وهل فيكم إلاّ الصلف والنطف ، والصدر الشيف ، وملق الإماء ، وغمز الأعداء
, أو كمرعى على دمنة ، أو كفضّة على ملحودة ، ألا ساء ما قدّمتم لأنفسكم أن سخط
الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون !
أتبكون وتنتحبون ؟! إي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً ؛ فلقد ذهبتم
بعارها وشنارها ، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً ، وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم
النبوّة ، ومعدن الرسالة ، وسيد شباب أهل الجنّة ، وملاذ خيرتكم ، ومفزع نازلتكم
، ومنار
ـــــــــــــــــــــ
(1) في نسخة : ( الغدر ) .
الصفحة (280)
حجّتكم ، ومدرة
سنّتكم ؟!
ألا ساء ما تزرون ، وبعداً لكم وسحقاً ! فلقد خاب السعي ، وتبّت الأيدي ، وخسرت
الصفقة ، وبؤتم بغضب من الله ، وضُربت عليكم الذلّة والمسكنة .
ويلكم يا أهل الكوفة ! أتدرون أيّ كبد لرسول الله فريتم , وأيّ كريمة له
أبرزتم , وأيّ دم له سفكتم , وأيّ حرمة له انتهكتم ؟! لقد جئتم بها صلعاء
عنقاء , سوداء فقماء ـ
وفي بعضها : خرقاء شوهاء ـ كطلاع الأرض وملء السماء .
أفعجبتم أن مطرت السماء دماً ، ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تُنصرون ؟ فلا يستخفنّكم المهل
؛ فإنّه لا يحفزه البدار , ولا يخاف فوت الثار ، وإنّ ربّكم لبالمرصاد(1) .
لقد قرعتهم عقيلة الرسول بخطابها البليغ ، وعرّفتهم زيف إسلامهم ، وكذب دموعهم
، وأنّهم من أحطّ المجرمين ؛ فقد اقترفوا أفضع جريمة وقعت في الأرض ؛ فقد قتلوا
المنقذ والمحرّر الذي أراد لهم الخير ، وفروا بقتله كبد رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) , وانتهكوا حرمته ، وسبوا عياله ، فأيّ جريمة أبشع من هذه الجريمة ؟!
اضطراب الرأي
العام
واضطرب أهل الكوفة من خطاب سليلة النبوّة ، ووصف حذيم الأسدي مدى الأثر
البالغ الذي أحدثته العقيلة في خطابها , يقول :
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 335 .
الصفحة (281)
لم أرَ والله خفرة أنطق منها ، كأنّما تُفرغ عن لسان الإمام أمير المؤمنين
(عليه السّلام) ، ورأيت الناس بعد خطابها حيارى ، واضعي أيديهم على أفواههم ،
ورأيت شيخاً قد دنا منها يبكي حتّى اخضبّت لحيته , وهو يقول : بأبي أنتم واُمّي
!
كهولكم خير الكهول ، وشبابكم خير الشباب ، ونسلكم لا يبور ولا يخزى أبداً(1) .
ورأى الإمام زين العابدين (عليه السّلام) الوضع الراهن لا يساعد على استمرارها في
الخطاب ، فقطع عليها خطبتها قائلاً : (( اسكتي يا عمّة ، فأنت بحمد الله عالمة غير
معلّمة ، وفهمة غير مفهمة ))(2) .
خطاب السيدة
فاطمة (عليها السّلام)
وانبرت السيدة فاطمة بنت الإمام الحسين
(عليه السّلام) فخطبت أبلغ خطاب وأروعه
، وكانت طفلة , وقد برزت فيها معالم الوراثة النبويّة ، فقالت :
الحمد لله عدد الرمل والحصى ، وزنة العرش إلى الثرى ، أحمده واُؤمن به وأتوكّل
عليه ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمّداً (صلّى الله عليه
وآله) عبده ورسوله ، وأنّ ذرّيّته ذُبحوا بشطّ الفرات , بغير ذخل ولا ترات .
اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب ، وأن أقول عليك خلاف ما أنزلت من أخذ
العهود لوصيّة عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) ، المسلوب حقّه ، المقتول بغير ذنب
ـ كما قُتل ولده بالأمس ـ في بيتٍ من بيوت الله ، فيه معشر مسلمة بألسنتهم .
تعساً لرؤوسهم !
ـــــــــــــــــــــ
(1) نور الأبصار / 276 .
(2) الاحتجاج ـ الطبرسي 2 / 304 ـ 305 .
الصفحة (282)
ما دفعت عنه ضيماً في حياته ولا عند مماته
, حتّى قبضته إليك محمود النقيبة ،
طيّب العريكة ، معروف المناقب ، مشهور المذاهب ، لم تأخذه اللّهمّ فيك لومة لائم
, ولا عذل عاذل .
هديته يا ربّ للإسلام صغيراً ، وحمدت مناقبه كبيراً ، ولم يزل
ناصحاً لك ولرسولك صلواتك عليه وآله حتّى قبضته إليك ، زاهداً في الدنيا غير
حريص عليها ، راغباً في الآخرة ، مجاهداً لك في سبيلك ، رضيته فاخترته وهديته
إلى صراط مستقيم .
أمّا بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل المكر والغدر والخُيَلاء ، فإنّا أهل بيت
ابتلانا الله بكم ، وابتلاكم بنا ، فجعل بلاءنا حسناً ، وجعل علمه عندنا وفهمه
لدينا ، فنحن عيبة علمه , ووعاء فهمه وحكمته ، وحجّته على أهل الأرض في بلاده
لعباده ؛ أكرمنا الله بكرامته , وفضّلنا بنبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله) على كثير
ممّن خلق تفضيلاً بيّناً .
فكذّبتمونا وكفّرتمونا ، ورأيتم قتالنا حلالاً , وأموالنا نهباً ، كأنّنا أولاد
ترك أو كابل ، كما قتلتم جدّنا بالأمس ، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت ؛
لحقد متقدّم , قرّت لذلك عيونكم ، وفرحت قلوبكم ؛ افتراء على الله ومكراً مكرتم
والله خير الماكرين .
فلا تدعُوَنّكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا , ونالت أيديكم من أموالنا
؛ فإنّ ما أصابنا من المصائب الجليلة والرزايا العظيمة
( فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى
اللَّهِ يَسِيرٌ *
لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا
بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ )
.
الصفحة (283)
تبّاً لكم ! فانتظروا اللعنة والعذاب ، فكأنّ قد حلّ بكم ، وتواترت من
السماء نقمات ، فيسحتكم بعذاب , ويذيق بعضكم بأس بعض , ثمّ تخلّدون في العذاب
الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا ، ألا لعنة الله على الظالمين .
ويلكم ! أتدرون أيّة يدٍ طاعنتنا منكم , وأيّة نفس نزعت إلى قتالنا ؟! أم
بأيّة رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا ؟!
قست والله قلوبكم ، وغلظت أكبادكم ، وطُبع على أفئدتكم ، وخُتم على أسماعكم
وأبصاركم [سوّل لكم الشيطان وأملى لكم , وجعل على بصركم] غشاوةً فأنتم لا تهتدون
.
فتبّاً لكم يا أهل الكوفة ! أيّ ترات لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) قِبَلكم
, وذحول له لديكم بما غدرتم بأخيه علي بن أبي طالب
(عليه السّلام) جدّي وبنيه وعترة
النبيّ الأخيار صلوات الله وسلامه عليهم ؟!
وافتخر بذلك مفتخركم فقال :
نحن قتلنا عليّاً وبني علي بـسيوف هنديّة
ورماحِ وسبَينا نساءهم سبيَ
تركٍ و نطـحناهم فـأيّ
نطاحِ
|
بفيك أيّها القاتل الكثكث والأثلب(1) ،
افتخرت بقتل قوم زكّاهم الله
وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ! فاكظم واقع كما
ـــــــــــــــــــــ
(1) الكثكث : التراب . الأثلب : فتات الحجارة والتراب .
الصفحة (284)
أقعى أبوك ، فإنّما لكلّ امرئ ما اكتسب وما قدّمت يداه .
أحسدتمونا ـ ويلاً لكم ! ـ على ما فضّلنا الله !
فما ذنبنا إن جاش دهراًً
بحورنا وبحرُك ساجٍ لا يواري الدعامصا
|
(
ذَلِكَ
فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
* وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ
نُورٍ )(1) .
تحدّثت سليلة النبوّة في خطابها الرائع البليغ عن اُمور بالغة الأهمية ذكرناها
بالتفصيل في كتابنا (حياة الإمام الحسين) .
صدى خطابها
وأثّر خطاب السيدة الزكية فاطمة في نفوس الجماهير
؛ فقد وجلت منه عيونهم
, ووجلت قلوبهم ، وعرفوا عظيم ما اقترفوه من الإثم , فاندفعوا ببكاء قائلين :
حسبك يابنة الطاهرين ؛ فقد أحرقت قلوبنا ، وأنضجت نحورنا ، وأضمرت أجوافنا .
وأمسكت السيدة عن الكلام ، وتركت جماهير الكوفيّين في محنتهم وشقائهم .
خطاب السيّدة اُمّ كلثوم
(عليها السّلام)
وانبرت حفيدة الرسول السيدة اُمّ كلثوم(2)
إلى الخطابة , فأومأت إلى الناس
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 339 .
(2) ذهب السيد المقرّم وغيره إلى أنّ السيّدة اُمّ كلثوم هي السيدة زينب (عليها
السّلام) .
الصفحة (285)
بالسكوت ، فلمّا سكنت الأنفاس بدأت بحمد الله والثناء عليه ، ثمّ قالت :
مه يا أهل الكوفة ، سوءاً لكم ! ما لكم خذلتم حسيناً وقتلتموه , وانتهبتم
أمواله وورثتموه , وسبيتم نساءه ونكبتموه ؟! فتبّاً لكم وسحقاً !
ويلكم ! أتدرون أيّ دواه دهتكم , وأيّ وزر على ظهوركم حملتم , وأيّ دماء
سفكتموها ؟! قتلتم خير رجالات بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) ، ونُزِعت الرحمة
من قلوبكم ، ألا إنّ حزب الله هم الغالبون , وحزب الشيطان هم الخاسرون .
واضطرب الكوفيّون من خطابها , فنشرت النساء شعورهن , ولطمن الخدود ، ولم يرَ أكثر
باكٍ ولا باكية مثل ذلك اليوم .
خطاب الإمام زين العابدين
(عليه السّلام)
وانبرى إلى الخطاب الإمام زين العابدين
(عليه السّلام) , فقال بعد حمد الله
والثناء عليه : (( أيّها الناس ، مَنْ عرفني فقد عرفني ، ومَنْ لم يعرفني فأنا أُعَرِّفه بنفسي
؛ أنا
علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، أنا ابن المذبوح بشطّ الفرات من غير ذحل
ولا ترات(1) ، أنا ابن مَنْ انتُهك حريمه
, وسُلب
نعيمه , وانتُهب ماله , وسُبي عياله ، أنا ابن مَنْ قُتل صبراً وكفى بذلك فخراً .
أيّها الناس ، ناشدتكم الله هل تعلمون أنّكم كتبتم إلى أبي
ـــــــــــــــــــــ
(1) الترات : هو مَنْ ظلم حقّه .
الصفحة (286)
وخدعتموه ، وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه وخذلتموه ؟!
فتبّاً لِما قدّمتم لأنفسكم , وسوءاً لرأيكم ! بأيّة عين تنظرون إلى رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) إذ يقول لكم : قتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي فلستم من أُمّتي
؟! )) .
وجرّدهم بهذه الكلمات من الإسلام ، ودلّهم على جرائمهم وآثامهم التي سوّدت وجه
التأريخ ، وقد علت أصواتهم بالبكاء ، ونادى مناد منهم :
هلكتم وما تعلمون .
واستمر الإمام في خطابه قائلاً : (( رحم الله امرأً قَبِل نصيحتي وحفظ وصيّتي في الله وفي رسوله وأهل بيته
؛ فإنّ لنا في رسول الله أُسوة حسنة )) .
فهتفوا قائلين :
نحن يابن رسول الله سامعون مطيعون ، حافظون لذمامك , غير زاهدين فيك ، ولا
راغبين عنك ، فمرنا بأمرك يرحمك الله ؛ فإنّا حرب لحربك وسلم لسلمك ، نبرأ ممّن
ظلمك وظلمنا .
وردّ الإمام عليهم هذا الولاء الكاذب قائلاً : (( هيهات هيهات
أيّتها الغدرة المكرة ! حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم ، أتريدون
أن تأتوا إليّ كما أتيتم إلى أبي من قبل ؟ كلا وربّ الراقصات(1)
؛ فإنّ الجرح
لمّا يندمل ، قُتل أبي صلوات الله عليه بالأمس وأهل بيته معه ، ولم يُنس ثكل
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وثكل أبي وبني أبي ، ووجده بين لهاتي , ومرارته بين
حناجري وحلقي ،
ـــــــــــــــــــــ
(1) الراقصات : هي النجوم .
الصفحة (287)
وغصصه تجري في فراش صدري
))(1) .
وأمسك الإمام (عليه السّلام) عن الكلام ، وتركهم حيارى يندبون حظّهم التعيس .
في مجلس ابن زياد
وأُدخلت عقائل الوحي ومخدّرات النبوّة وهنَّ في ذلّ الأسر ، قد شُهرت على رؤوسهنَّ
سيوف الكافر ابن مرجانة سليل الأرجاس والخيانة ، وهو في قصر الإمارة وقد امتلأ
القصر بالسفكة المجرمين من جنوده ، وهم يهنّئونه بالظفر , ويحدّثونه بجرائمهم
التي اقترفوها يوم الطفّ , وهو جذلان مسرور يهزّ أعطافه فرحاً وسروراً ، وبين
يديه رأس زعيم الاُمّة وريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ فجعل الخبيث يعبث
بالرأس الشريف وينكته بمخصرته ، وهو يقول متشمّتاً :
ما رأيت مثل هذا الوجه قطّ .
إنّه وجه النبوة والإمامة ، ووجه الإسلام بجميع مبادئه وقيمه .
ولم ينه ابن مرجانة كلامه حتّى سدّد له الصحابي أنس بن مالك سهماً , فقال له :
إنّه كان يشبه النبي(2) .
والتاع الخبيث من كلامه ، ولم يجد أيّ مجال للردّ عليه .
الطاغية مع عقيلة الوحي
(عليها السّلام)
ولمّا روى المجرم الخبيث ابن مرجانة أحقاده من رأس ريحانة رسول الله
(صلّى
الله عليه وآله) , التفت إلى عائلة الإمام الحسين (عليه السّلام) , فرأى سيدة منحازة في ناحية من
مجلسه ، وعليها أرذل
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 342 .
(2) أنساب الأشراف / 222 .
الصفحة (288)
الثياب , وقد حفّت بها المهابة والجلال ، فانبرى ابن مرجانة سائلاً عنها ، فقال
:
مَنْ هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها ؟
فأعرضت عنه احتقاراً واستهانة به ، وكرّر السؤال فلم تجبه , فانبرت إحدى السيّدات
فأجابته :
هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
فالتاع الخبيث الدنس من احتقارها له ، واندفع يظهر الشماتة بلسانه الألكن
قائلاً :
الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم ، وأبطل اُحدوثتكم .
فثارت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأجابته بشجاعة أبيها , محتقرة له قائلة :
الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه ، وطهّرنا من الرجس تطهيراً ، إنّما يفتضح
الفاسق ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا يابن مرجانة(1) .
وكانت هذه الكلمات كالصاعقة على رأس هذا الوضر الخبيث ، لقد قالت هذا القول
الصارم وهي مع بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قيد الأسر , قد نُصبت فوق
رؤوسهنَّ حراب الظالمين , وشُهرت عليهن سيوف الشامتين .
ولم يجد ابن مرجانة كلاماً يُجيب به سوى التشفّي قائلاً :
كيف رأيت صنع الله بأخيك ؟
فأجابته حفيدة الرسول ومفخرة الإسلام بكلمات الظفر والنصر لها ولأخيها قائلة
: ما رأيت إلاّ جميلاً ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل ، فبرزوا إلى مضاجعهم ،
وسيجمع الله بينكم وبينهم ، فتُحاجّ وتُخاصم ، فانظر لمَنْ الفلج يومئذ ، ثكلتك
اُمّك يابن مرجانة !
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 263 .
الصفحة (289)
وفقد الحقير الدنس إهابه من هذا التبكيت والاحتقار اللاذع ، فهمّ أن يضرب
العقيلة , فنهاه عمرو بن حريث وقال له : إنّها امرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها .
يالله ! يا للمسلمين ! ابن مرجانة يروم أن يعتدي على عقيلة بني هاشم وحفيدة
الرسول !
إنّ المسؤول عن هذا الاعتداء الصارخ على الأُسرة النبويّة وعلى عقائل الوحي
مؤتمر السقيفة والشورى ؛ فهم الذين سلّطوا على المسلمين الاُمويِّين , خصوم
الإسلام وأعداء البيت العلوي ، وحجبوا آل البيت عن القيادة الروحية لهذه
الاُمّة .
وعلى أيّ حال ، فإنّ ابن مرجانة التفت إلى العقيلة مظهراً لها التشفّي بقتل أخيها
قائلاً :
لقد شفى الله قلبي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك .
وغلب الأسى والحزن على العقيلة (عليها السّلام) من هذا التشفّي الآثم ، وتذكّرت حماتها الصفوة
من الاُسرة النبويّة ، فأدركتها لوعة الأسى ، وقالت : لعمري لقد قتلت كهلي , وقطعت فرعي ، واجتثثت أصلي ، فإن كان هذا شفاؤك فقد
اشتفيت .
وتهافت غيظ ابن مرجانة ، وراح يقول : هذه سجّاعة ، لعمري لقد كان أبوها سجّاعاً
شاعراً .
فردّت عليه العقيلة : إنّ لي عن السجاعة لشغلاً ، ما للمرأة والسجاعة(1)
!
ما أخسّ هذه الحياة وما ألأمها التي جعلت حفيدة الرسول أسيرة عند
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 344 .
الصفحة (290)
ابن مرجانة ، وهو يبالغ في احتقارها
!
إنقاذ العقيلة للإمام زين العابدين
(عليه السّلام)
وأدار ابن مرجانة بصره في بقية الأسرى من أهل البيت
(عليهم السّلام) , فوقع بصره على الإمام
زين العابدين (عليه السّلام) ، وقد أنهكته العلّة , فسأله :
مَنْ أنت ؟
ـ (( عليّ بن الحسين )) .
فصاح به الرجس الخبيث : أوَ لم يقتل الله علي بن الحسين ؟
فأجابه الإمام (عليه السّلام) بأناة : (( قد كان لي أخ يُسمّى عليّ بن الحسين قتلتموه ، وإنّ له منكم مطالباً يوم
القيامة )) .
فثار ابن مرجانة ، ورفع صوته قائلاً :
الله قتله .
فأجابه الإمام (عليه السّلام) بكلّ شجاعة وثبات :
(اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) ،
(وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّه) .
ودارت الأرض بابن مرجانة ولم يعرف ما يقول ، وغاظه أن يتكلّم هذا الغلام الأسير
بقوّة الحجّة ، والاستشهاد بالقرآن الكريم ، فرفع عقيرته قائلاً :
وبك جرأة على ردّ جوابي ! وفيك بقية للردّ عليّ ! والتفت إلى بعض جلاديه فقال له :
خذ هذا الغلام واضرب عنقه .
وطاشت أحلام العقيلة (عليها السّلام) , وانبرت بشجاعة لا يرهبها سلطان ، فاحتضنت ابن أخيها
وقالت لابن مرجانة :
الصفحة (291)
حسبك يابن زياد ما سفكت من دمائنا
! إنّك لم تُبقِ منّا أحداً ، فإن كنت عزمت
على قتله فاقتلني معه .
وبُهر الطاغية وانخذل ، وقال متعجّباً :
دعوه لها ، عجباً للرحم ودّت أن تُقتل معه !
ولولا موقف العقيلة (عليها السّلام) لذهبت البقيّة من نسل أخيها التي هي مصدر الخير والفضيلة في
دنيا العرب والإسلام .
لقد أنجا الله زين العابدين (عليه السّلام) من القتل المحتّم ببركة العقيلة
(عليها السّلام) ؛ فهي التي أنقدته من
هذا الطاغية الجبّار(1) .
حبس عقائل الوحي
وأمر ابن مرجانة بحبس مخدّرات الرسالة وعقائل الوحي فاُدخلنّ في سجن يقع
إلى جانب المسجد الأعظم ، وقد ضيّق عليهنَّ أشدّ التضييق ، فكان يجري على كلّ
واحدة في اليوم رغيفاً واحداً من الخبز ، وكانت العقيلة تؤثر أطفال أخيها
برغيفها وتبقى ممسكة حتّى بان عليها الضعف فلم تتمكّن من النهوض , وكانت تُصلّي
من جلوس ، وفزع الإمام زين العابدين (عليه السّلام) من حالتها , فأخبرته بالأمر .
ورفضت عقيلة بني هاشم مقابلة أيّة امرأة من الكوفيات , وقالت : لا يدخلنّ علينا إلاّ أُمّ ولد
, أو مملوكة ؛ فإنّهنّ سُبين كما سُبينا
.
واُلقي على بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حجر قد ربط فيه كتاب جاء فيه :
إنّ البريد قد سار بأمركم إلى يزيد , فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالهلاك ، وإن لم
تسمعوا بالتكبير فهو الأمان . وحدّدوا لمجيء الكتاب وقتاً ، وفزعت العلويات
وذُعرن ، وقبل قدوم البريد بيومين اُلقي عليهم حجر آخر فيه كتاب جاء فيه : أوصوا
واعهدوا فقد قارب
ــــــــــــــــ
(1)
الصفحة (292)
وصول البريد . وبعد انتهاء المدّة جاء أمر يزيد بحمل الأسرى إلى دمشق(1) .
وصرّح بعض المؤرّخين أنّ يزيد كان عازماً على
استئصال نسل الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) , إلاّ أنّه بعد ذلك عدل عن نيّته .
وبقيت العائلة النبويّة في السجن ، فلمّا جاءت أوامر يزيد بحملهم إلى دمشق لتعرض
على أهل الشام كما عرضت على أهل الكوفة فقد حُملت السبايا ، وأمّا رؤوس
العترة الطاهرة الذين أرادوا أن يقيموا في هذا الشرق حكومة الإسلام والقرآن فقد
حُملت ليراها أهل الشام , ويتلذّذ بمنظرها يزيد .
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 37 .
الصفحة (293)
سبايا آل النبي (عليهم السّلام) في دمشق
وعانت عقائل الوحي ومخدّرات النبوّة والإمامة جميع ضروب المحن والبلاء أيام
مكثهنَّ في الكوفة ؛ فقد عانينَ مرارة السجن , وشماتة الأعداء ، وذلّ الأسر . وبعدما
صدرت الأوامر من دمشق بحملهن إلى يزيد أمر ابن مرجانة بتسيير رؤوس أبناء النبي
(صلّى الله عليه وآله) وأصحابهم إلى الشام لتُعرض على الشاميّين كما عرضت على
الكوفيّين ؛ حتّى تمتلأ قلوب الناس فزعاً وخوفاً , وتظهر مقدرة الاُمويِّين وغلبتهم
على آل الرسول .
وقد سُيّرت رؤوس العترة الطاهرة مع الأثيم زهير بن قيس الجعفي ، كما سُيّرت
العائلة النبويّة مع محفر بن ثعلبة من عائدة قريش ، وشمر بن ذي الجوشن ، وقد
أوثقت بالحبال , وأُركبت على أقتاب الجمال , وهنَّ بحالة تقشعر منها ومن ذكرها
الأبدان ، وترتعد لها فرائص كلّ إنسان(1) .
وسارت قافلة الأسرى لا تلوي على شيء حتّى انتهت إلى القرب من دمشق ، فاُقيمت
هناك حتّى تتزيّن البلد بمظهر الزهو والأفراح .
ومن الجدير بالذكر أنّ مخدّرات
النبوّة وباقي الأسرى قد التزموا جانب الصمت , فلم يطلبوا أيّ شيء من اُولئك الأنذال
الموكّلين بهم ؛ وذلك لعلم العلويات بعدم الاستجابة لأيّ شيء من مطالبهنَّ .
ـــــــــــــــــــــ
(1) تحفة الأنام في مختصر الإسلام / 84 .