الصفحة (313)
إلى يثرب
ولم تمكث سبايا أهل البيت (عليهم
السّلام) زمناً كثيراً في دمشق ؛ فقد خشي الطاغية من وقوع
الفتنة ووقوع ما لا تحمد عقباه ؛ فقد أحدث خطاب العقيلة زينب (عليها السّلام) وخطاب الإمام زين
العابدين (عليه السّلام) انقلاباً فكرياً في جميع الأوساط الشعبيّة والأندية العامة ،
وأخذ الناس يتحدّثون عن زيف وكذب الدعاية الاُمويّة من أنّ السبايا من الخوارج ،
وإنّما هم من صميم الاُسرة النبويّة .
وقد جوبه يزيد بالنقد حتّى في مجلسه ، ونقم
عليه القريب والبعيد ، وقد رأى الطاغية أن يسرع في ترحيل مخدّرات الرسالة إلى يثرب
ليتخلّص ممّا هو فيه ، وقبل ترحيلهم أمر بأنطاع من الأبريسم ففرشت في مجلسه ، وصبّ
عليها أموالاً كثيرة وقدّمها لآل البيت (عليهم السّلام) ؛ لتكون دية لقتلاهم وعوضاً لأموالهم التي
نُهبت في كربلاء ، وقال لهم :
خذوا هذا المال عوض ما أصابكم .
والتاعت مخدّرات الرسالة ، فانبرت إليه العقيلة اُمّ كلثوم ـ وأكبر الظنّ أنّها
زينب (عليها السّلام) ـ فصاحت به : ما أقلّ حياءك وأصلف وجهك ! تقتل أخي وأهل بيتي
وتعطيني عوضهم !
وقالت السيدة سكينة : والله , ما رأيت أقسى قلباً من يزيد ، ولا رأيت كافراً ولا مشركاً شرّاً منه ،
الصفحة (314)
ولا أجفا منه !(1) .
وباء الطاغية بالفشل ؛ فقد حسب أنّ أهل البيت (عليهم السّلام) تغريهم المادة ، ولم يعلم أنّهم من
صنائع الله ؛ فقد أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً .
السفر إلى يثرب
وعهد الطاغية إلى النعمان بن بشير أن يصحب ودائع رسول الله
(صلّى الله عليه وآله)
إلى يثرب ويقوم برعايتهنَّ(2) ,
كما أمر بإخراجهنّ ليلاً من دمشق ؛ خوفاً من الفتنة واضطراب الرأي العام(3) .
وصول النبأ إلى يثرب
وانتهى نبأ الكارثة الكبرى بمقتل سبط الرسول
(صلّى الله عليه وآله) إلى يثرب قبل
وصول السبايا إليها ، وقد حمل النبأ عبد الملك السلمي إليها بأمر من ابن مرجانة ،
وقد وافى به عمرو بن سعيد الأشدق حاكم المدينة ، فاهتزّ فرحاً وسروراً ، وقال :
واعية بواعية عثمان(4) .
وأمر بإذاعة ذلك بين الناس , فهرعوا وقد علاهم البكاء نحو الجامع النبوي ،
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 414 .
(2) تاريخ ابن الأثير 3 / 300 .
(3)(4) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 416 .
الصفحة (315)
وأسرع الأشدق إلى الجامع فاعتلى أعواد المنبر
, وأظهر أحقاده وسروره بمقتل سبط
الرسول (صلّى الله عليه وآله) , فقال :
أيّها الناس ، إنّها لدمة بلدمة ، وصدمة بصدمة ، كم خطبة بعد خطبة ، حكمة بالغة فما
تُغني النذر ، لقد كان يسبّنا ونمدحه ، ويقطعنا ونصله ، كعادتنا وعادته ، ولكن كيف
نصنع بمَنْ سلّ سيفه علينا يريد قتلنا إلاّ أن ندفعه عن أنفسنا ؟
وقطع عليه عبد الله بن السائب خطابه ، فقال له :
لو كانت فاطمة حيّة ورأت رأس الحسين لبكت عليه .
وكان هذا أوّل نقد يُجابه به حاكم
المدينة ، فصاح به :
نحن أحقّ بفاطمة منك ؛ أبوها عمّنا ، وزوجها أخونا ، واُمّها ابنتنا ، ولو كانت
فاطمة حيّة لبكت عليه ، وما لامت مَنْ قتله(1) .
لقد زعم الأشدق أنّ سيدة النساء فاطمة (عليها السّلام) لو [رأت] رأس عزيزها لما لامت قاتله
, ولباركته ؛ لأنّ في ذلك دعماً لحكم الاُمويِّين ، وتشييداً لعروشهم ، وبسطاً لسلطانهم
الذي حمل جميع الاتجاهات الجاهليّة .
إنّ سيدة النساء لو كانت حيّة ورأت فلذة كبدها في عرصات كربلاء وهو يعاني من
الخطوب والكوارث التي لم تجرِ على أيّ إنسان منذ خلق الله الأرض لذابت نفسها حسرات
. وقد روى عليّ (عليه السّلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال :
(( تُحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة ومعها ثياب مصبوغة بدم ولدها ، فتتعلّق بقائمة من
قوائم العرش ، فتقول : يا عدل , احكم بيني وبين قاتل ولدي . فيحكم
ـــــــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ المقرّم / 417 .
الصفحة (316)
لابنتي وربّ
[الكعبة](*)
))(1) .
ويقول الشاعر :
لا بـدّ أن تردَ القيامةَ
فاطمٌ وقميصها بدمِ الحسينِ ملطّخُ
|
فجيعة بني هاشم
وفُجع الهاشميون بقتل زعيمهم ، وعلا الصراخ والعويل من بيوتهم ، وخرجت السيدة
زينب بنت عقيل ناشرة شعرها وهي تصيح : وا محمداه ! وا حسيناه ! وا إخوتاه ! وا
اُهيلاه
! وجعلت تخاطب المسلمين قائلة
:
مـاذا تـقولونَ إذ قـالَ النبي لكمْ مـاذا فـعلتم وأنـتم آخـرُ
الأُممِ بـعترتي و بـأهلي بـعدَ
مفتقدي مـنهم أُسارى ومنهم ضُرّجوا
بدمِ ما كانَ هذا جزائي إذ نصحتُ
لكمْ أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمي
|
فأجابها أبو الأسود وهو غارق في البكاء يقول :
(
رَبَّنَا
ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ
مِنَ الْخَاسِرِينَ
) ، وعلاه
الجزع وراح يقول :
أقولُ وزادني حنقاً وغيظاً أزالَ اللهُ مـلكَ بني
زيادِ وأبعدهم كما بعدوا وخافوا كما بعدت ثمودُ وقومُ
عادِ ولا رجعت ركائبهم
إليهمْ إذا وقفت إلى يومَ التنادِ(2)
|
ـــــــــــــــــــــ
(*) وردت المفردة هنا (وربِّ الجنة) , وهي مخالفة
لجميع ما أوردته المصادر الاُخرى التي ذكرت ما أثبتناه , ولعله من خطأ النساخ .
(موقع معهد الإمامين الحسنين)
(1) الصراط السوي في مناقب آل النبي
(صلّى الله عليه وآله) / 93 .
(2) مجمع الزوائد 9 / 199 ، المعجم الكبير ـ الطبراني 1 / 140 .
الصفحة (317)
مأتم عبد الله بن
جعفر
وأقام عبد الله بن جعفر زوج العقيلة زينب
(عليها السّلام) مأتماً على ابن عمّه سيّد شباب أهل
الجنّة ، وجعل الناس يفدون عليه زرافات ووحداناً وهم يعزّونه بمصابه الأليم ،
وكان عنده بعض مواليه يُسمّى أبا السلاسل , فأراد أن يتقرّب إليه ؛ لأنّ عبد الله
قد استشهد ولداه مع الإمام الحسين (عليه السّلام) , فقال :
ماذا لقينا من الحسين ؟!
ولمّا سمع ابن جعفر مقالته حذفه بنعله ، وقال له : يابن اللخناء ، تقول ذلك في الحسين
! والله لو شهدته لأحببت أن لا اُفارقه حتّى اُقتل معه ، والله إنّه لما يُسخى بنفسي عن ولدي ، ويهونّ عليّ المصاب بهما
أنّهما اُصيبا مع أخي وابن عمّي مواسين له صابرين معه .
وأقبل على حضّار مجلسه فقال لهم :
الحمد لله ، لقد عزّ عليّ المصاب بمصرع الحسين أن لا أكون واسيته بنفسي , فقد واساه ولداي(1) .
رأس الإمام (عليه
السّلام) في المدينة
وأرسل الطاغية يزيد رأس ريحانة رسول الله وسيّد شباب أهل الجنّة إلى المدينة
المنوّرة ؛ لإشاعة الرعب والخوف والقضاء على كلّ حركة ضدّه ، وجيء بالرأس الشريف
إلى عمرو بن سعيد الأشدق حاكم المدينة ، فأنكر ذلك وقال :
وددت والله أنّ أمير المؤمنين لم يبعث إلينا برأسه .
وكان في مجلسه الوزغ ابن الوزغ مروان بن الحكم , فهزأ منه وقال :
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 / 357 .
الصفحة (318)
بئس ما قلت ! هاته .
وأخذ مروان رأس الإمام وهو جذلان مسرور ، وجعل يهزّ أعطافه بشراً وسروراً , ويقول
بشماتة :
يا حبّذا بردُكَ في
اليدينِ ولونُكَ الأزهرُ في الخدينِِ
|
وجيء برأس الإمام (عليه السّلام) فنصب في جامع الرسول
(صلّى الله عليه وآله) ، وهرعنّ نساء آل
أبي طالب إلى القبر الشريف بلوعة وبكاء ، فقال مروان :
عجّت نساءُ بني زبيد
عجةً كعجيجِ نسوتنا غداةَ الأرنبِ
|
وجعل مروان يبدي سروره ، وهو يقول :
والله لكأنّي أنظر إلى أيام عثمان(1) .
ثمّ التفت إلى قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فخاطبه :
يا محمّد ، يوم بيوم بدر(2) .
لقد ظهرت الأحقاد الاُمويّة بهذا الشكل الذي ينمّ عن جاهليّتهم وكفرهم ، وأنّهم
لم يؤمنوا بالإسلام طرفة عين .
السبايا في كربلاء
وطلب سبايا أهل البيت (عليهم السّلام) من الوفد الموكّل بحراستهم أن يعرّج بهم إلى كربلاء
ليجدّدوا عهداً بقبر سيد الشهداء ، ولبّى الوفد طلبتهم فانعطفوا بهم إلى كربلاء ،
وحينما انتهوا إليها استقبلنَ السيدات قبر الإمام أبي عبد الله بالصراخ والعويل ،
وسالت الدموع منهنَّ كلّ مسيل ، وقضينَ ثلاثة أيام في كربلاء ، ولم تهدأ لهنَّ عبرة
ـــــــــــــــــــــ
(1) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان 5 / 101 .
(2) شرح نهج البلاغة 4 / 72 .
الصفحة (319)
حتى بُحّت أصواتهنَّ , وتفّتت قلوبهنَّ ، وخاف الإمام زين العابدين
(عليه السّلام) على
عمّته زينب (عليها السّلام) وباقي العلويات من الهلاك ، فأمرهنَّ بالسفر إلى يثرب , فغادرنَ كربلاء بين
صراخ وعويل(1) .
إلى يثرب
واتّجه موكب أُسارى أهل البيت (عليهم
السّلام) إلى يثرب ، وأخذ يجدّ في السير لا يلوي على شيء ،
وقد غامت عيون بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالدموع وهنَّ ينحنَ ويندبنَ
قتلاهنّ ، ويذكرنَ بمزيد من اللوعة ما جرى عليهنَّ من الذلّ .
وكانت يثرب قبل قدوم
السبايا إليها ترفل في ثياب الحزن على اُمّ المؤمنين السيدة اُمّ سلمة زوجة النبي
(صلّى الله عليه وآله) ؛ فقد توفّيت بعد قتل الحسين (عليه السّلام) بشهر كمداً وحزناً
عليه(2) .
نعي بشر للإمام (عليه
السّلام)
ولمّا وصل الإمام زين العابدين (عليه السّلام) بالقرب من المدينة نزل وضرب فسطاطه
, وأنزل العلويات ، وكان معه بشر بن حذلم , فقال له : (( يا بشر ، رحم الله أباك لقد كان شاعراً ، فهل تقدر على شيء منه ؟
)) .
ـ
بلى يابن رسول الله .
ـ (( فادخل المدينة وانع أبا عبد الله )) .
وانطلق بشر إلى المدينة ، فلمّا انتهى إلى الجامع النبوي رفع صوته مشفوعاً بالبكاء
قائلاً :
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 422 .
(2) اللهوف / 116 .
الصفحة (320)
يا أهلَ يثربَ لا مقامَ لكم
بها قُـتلَ الحسينُ فأدمعي
مدرارُ ألجسمُ منهُ بكربلاء
مُضرّجٌ و الرأسُ منهُ على القناةِ يُدارُ
|
وهرعت الجماهير نحو الجامع النبوي وهي ما بين نائح وصائح تنتظر من بشر
المزيد من الأنباء ، وأحاطوا به قائلين :
ما النبأ ؟
ـ
هذا علي بن الحسين مع عمّاته وأخواته قد حلّوا بساحتكم ، وأنا رسوله إليكم
اُعرّفكم مكانه .
وعجّت الجماهير بالبكاء ، ومضوا مسرعين لاستقبال آل رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) الذي برّ بدينهم ودنياهم ، وساد البكاء وارتفعت أصوات النساء
بالعويل , وأحطنَ بالعلويات ، كما أحاط الرجال بالإمام زين العابدين (عليه
السّلام) وهم
غارقون بالبكاء ، فكان ذلك اليوم كاليوم الذي مات فيه رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) .
خطاب الإمام زين العابدين
(عليه السّلام)
وخطب الإمام زين العابدين (عليه السّلام) خطبة مؤثرة تحدّث فيها عمّا جرى
على آل البيت (عليهم السّلام) من القتل والتنكيل والسبي والذلّ , ولم يكن باستطاعة الإمام
(عليه السّلام) أن يقوم خطيباً ؛ فقد أحاطت به الأمراض والآلام , فاستدعى له بكرسي فجلس
عليه ، ثمّ قال : (( الحمد لله ربّ العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، بارئ الخلائق
أجمعين ، الذي بَعُد فارتفع في السموات العُلا ، وقرب فشهد النجوى ، نحمده
على عظائم الاُمور ، وفجائع الدهور ، وألم الفواجع ، ومضاضة اللواذع ، وجليل
الرزء ، وعظيم المصائب الفاظعة الكاظّة , الفادحة الجائحة .
الصفحة (321)
أيّها القوم ، إنّ الله تعالى
ـ وله الحمد ـ ابتلانا بمصائب جليلة ، وثلمة في
الإسلام عظيمة ؛ قُتل أبو عبد الله (عليه السّلام) وعترته ، وسُبي نساؤه
وصبيته ، وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان ، وهذه الرزية التي
لا مثلها رزية .
أيّها الناس ، فأيّ رجالات منكم يسرّون بعد قتله , أم أيّ فؤاد لا يحزن من
أجله ، أم أيّة عين منكم تحبس دمعها وتضنّ عن انهمالها ؛
فلقد بكت السبع الشداد لقتله ، وبكت البحار بأمواجها ، والسماوات بأركانها
، والأرض بأرجائها ، والأشجار بأغصانها ، والحيتان في لجج البحار ،
والملائكة المقرّبون , وأهل السموات أجمعون ؟!
أيّها الناس ، أيّ قلب لا ينصدع لقتله , أم أيّ فؤاد لا يحنّ إليه , أم أيّ
سمع يسمع هذه الثلمة التي ثُلمت في الإسلام ولا يصم ؟!
أيّها الناس ، أصبحنا مطرودين مشرّدين ، مذودين شاسعين عن الأمصار ، كأنّنا
أولاد ترك أو كابل ، من غير جرم اجترمناه ، ولا مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة
في الإسلام ثلمناها ، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين ، إن هذا إلاّ
اختلاق .
والله ، لو أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدّم
إليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا ، فإنّا لله وإنّا إليه
راجعون من مصيبة ما أعظمها وأوجعها , وأفجعها وأكظّها , وأفظعها وأفدحها ،
الصفحة (322)
فعند الله نحتسب فيما أصابنا وأبلغ بنا إنّه عزيز ذو انتقام
)) .
وعرض الإمام (عليه السّلام) في خطابه إلى المحن السود التي عانتها الاُسرة
النبويّة ، وما
جرى عليها من القتل وسبي النساء ، وغير ذلك ممّا تتصدّع من هوله الجبال .
وانبرى إلى الإمام
(عليه السّلام) صعصعة فألقى إليه معاذيره في عدم نصرته للحسين (عليه
السّلام) , فقبل
الإمام عذره , وترحّم على أبيه .
ثمّ زحف الإمام (عليه السّلام) مع عمّاته وأخواته وقد أحاطت به الجماهير , وعلت أصواتهم
بالبكاء والعويل , فقصدوا الجامع النبوي ، ولمّا انتهوا إليه أخذت العقيلة بعضادتي باب الجامع ، وأخذت تخاطب جدّها الرسول وتعزيه بمصاب ريحانته قائلة
: يا جدّاه ، إنّي ناعية إليك أخي الحسين(1) .
وأقامت العلويات المأتم على سيد الشهداء (عليه السّلام) ، ولبسنَ السواد ، وأخذن يندبنه
بأقسى وأشجى ما تكون الندبة .
مكافأة الحرس
وقام الحرس بخدمات ورعاية إلى السيدات ، فالتفتت السيدة فاطمة بنت
الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) , فقالت للعقيلة زينب (عليها السّلام) :
لقد أحسن هذا الرجل إلينا فهل لك أن نصله بشيء ؟
فأجابتها العقيلة (عليها السّلام) : والله ما معنا شيء نصله به إلاّ حليّنا .
ـ نعم ، هو ما تقولين .
ـــــــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ المقرّم / 472 .
الصفحة (323)
وأخرجن سوارين ودملجين وبعثتا بهما إليه
, واعتذرتا له ، وتأثّر الرجل
من هذا الكرم الغامر وهو يعلم ما هنَّ فيه من الضيق والشدّة ، فقال لهما
باحترام :
لو كان الذي صنعت للدنيا لكان في هذا ما يرضيني ، ولكن والله ما فعلته إلاّ
لله , ولقرابتكم من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)(1) .
حزن العقيلة
(عليها السّلام)
وخلدت عقيلة آل أبي طالب إلى البكاء على انقراض أهلها(2) ، وكانت لا
تجفّ لها عبرة ولا تفتر عن البكاء ، وكانت كلّما نظرت إلى ابن أخيها
الإمام زين العابدين (عليه السّلام) يزداد وجيبها وحزنها ، وقد نخب الحزن قلبها الرقيق
المعذّب حتّى صارت كأنّها صورة جثمان فارقته الحياة .
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 366 ، تاريخ ابن الأثير 3 / 300 .
(2) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 428 .
الصفحة (324)
الصفحة (325)
إلى جنّة المأوى
وخلدت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في يثرب إلى البكاء والنحيب
، وأخذت تراودها صباحاً ومساءً تلك الذكريات المروعة التي جرت على أخيها في
صعيد كربلاء ، وما عاناه من الكوارث القاصمة التي تذوب من هولها الجبال ،
فكانت دموعها تجري في كلّ لحظة على أخيها واُسرتها الذين حصدت رؤوسهم سيوف
البغي ، ومثّلت بأجسامهم العصابات المجرمة .
لقد أخذت تلوح أمامها تلك المناظر الحزينة التي تعصف بالصبر حتّى ضاقت بها
الأرض ، ولم تلبث أن ترفع صوتها عالياً مشفوعاً بالألم والبكاء قائلة : وا حسيناه
! وا أخاه ! وا عبّاساه ! وا أهل بيتاه ! وا مصيبتاه !
ثمّ تهوي إلى الأرض مغمىً عليها وقد صارت شبحاً ، وذوت كما ذوت اُمّها
زهراء الرسول من قبل ، وكان أحبّ شيء لها مفارقة الدنيا والالتحاق بجدّها
الرسول (صلّى الله عليه وآله) ؛ لتشكو إليه ما عانته من الرزايا والأسر والسبي ،
وما جرى على أخيها
الصفحة (326)
من القتل والتمثيل .
ونتحدّث بإيجاز عن وفاتها ، وما قيل في زمانها ،
والمكان الذي حظي بمرقدها .
إلى جنّة
المأوى(*)
ولم تمكث العقيلة (عليها
السّلام) بعد كارثة كربلاء إلاّ زمناً قليلاً حتّى تناهبت
الأمراض جسمها ، وصارت شبحاً لا تقوى حتّى على الكلام ، ولازمت الفراش وهي
تعاني آلام المرض ، وما هو أشقّ منه وهو ما جرى عليها من الرزايا ، وكانت
ماثلة أمامها حتّى الساعات الأخيرة من حياتها .
وقد وافتها المنية ولسانها يلهج بذكر الله وتلاوة كتابه ، وقد صعدت روحها الطاهرة إلى السماء كأسمى
روح صعدت إلى الله ، تحفّها ملائكة الرحمن وتستقبلها أنبياء الله ، وهي ترفع
إلى الله شكواها وما لاقته من المحن والخطوب التي لم تجرِ على أيّ إنسان
منذ خلق الله الأرض .
الزمان
انتقلت العقيلة (عليه
السّلام) إلى جوار الله تعالى على أرجح الأقوال يوم الأحد لخمسة
عشر مضين من شهر رجب سنة (62هـ)(1) ، وقد آن لقلبها الذي مزّقته الكوارث
أن يسكن , ولجسمها المعذّب أن يستريح .
الأقوال في
مرقدها
واختلف المؤرّخون في البقعة التي حظيت بجثمانها المعظم
، وهذه بعض الأقوال
:
ـــــــــــــــــــــ
(*) هكذا ورد
العنوان هنا مكرراً مع ما في الصفحة التي سبقته , وهي طريقة لا نكاد نجد
لها نظيراً في جميع الكتب التي تمّ تصحيحها وتقويمها من قِبل موقعنا .
(موقع معهد الإمامين الحسنين)
(1) السيدة زينب وأخبار الزينبيات ـ العبيدلي / 9 .
الصفحة (327)
1 ـ في البقيع
وذهب بعض المؤرّخين إلى أنّها توفّيت في يثرب ودفنت في بقيع الغرقد
.
ويواجه هذا القول إنّها لو دفنت هناك لكان لها مرقد خاص كما هو الحال في
غيرها من السادة المعظّمين من أبناء الاُسرة النبويّة . ومن المحتمل أنّها
أوصت أن تُدفن في غلس الليل البهيم ، ويُعفى موضع قبرها ؛ تأسّياً باُمّها
زهراء الرسول (صلّى الله عليه وآله) .
2 ـ في الشام
وأفاد فريق من المؤرّخين أنّها توفّيت في إحدى قرى الشام
, ويعزو بعضهم
سبب سفرها إلى الشام أنّه حدثت في يثرب مجاعة عظيمة فهرب منها عبد الله
بن جعفر مصاحباً معه زوجته العقيلة وسائر عائلته ، ولمّا انتهت العقيلة إلى
ذلك المكان توفّيت فيه .
وحدوث المجاعة فيما نعتقد لا أساس له من الصحة ؛
لأنّ المؤرّخين والرواة لم يذكروا أنّه حدثت مجاعة في يثرب في ذلك الوقت , مضافاً إلى أنّ عبد الله بن جعفر كان من الأثرياء المعدودين في المدينة ،
فهل ضاق نطاقه عن إعاشة عائلته حتّى يذهب إلى الشام ؟ كما إنّه كان من أندى
الناس كفّاً ، ومن أكثرهم إسعافاً وعطاءً إلى الفقراء والبؤساء ، فكيف
يتركهم ينهشهم الجوع وينهزم إلى الشام التي هي مقرّ السلطة الاُمويّة التي
نكبته بسيّد أُسرته وابن عمّه الإمام الحسين (عليه السّلام) , وبولديه وغيرهما من
أبناء الاُسرة النبويّة ؟!
وعلى أيّ حال ، فإنّ المشهور في الأوساط الإسلاميّة أنّ قبر العقيلة في الشام
حيث هو قائم الآن ، وقد اُحيط بهالة من التقديس والتعظيم ، وتؤمّه الملايين
من الزائرين متبرّكين ومتوسّلين به إلى الله تعالى ، شأنه شأن مرقد أخيها
أبي الأحرار (عليه السّلام) الذي صار أعزّ مرقد في الأرض .
والذي نذهب إليه هو
أنّ قبرها الشريف في الشام , وإليه ذهب الكثيرون من المحقّقين .
الصفحة (328)
3 ـ في مصر
وذهب جمهرة من المؤرّخين إلى أنّ قبر الصدّيقة الطاهرة زينب
(عليها السّلام)
في مصر ، وهذا هو المشهور عند كافّة المصريين .
ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة
للحديث عن سبب هجرتها لمصر ، وما يتعلّق بمرقدها المعظّم .
سبب هجرتها
لمصر
وذكر المؤرّخون أنّ العقيلة
(عليها السّلام) أخذت تلهب العواطف ، وتستنهض
المسلمين للأخذ بثأر أخيها والانتفاض على السلطة الاُمويّة ، والتي كان من
نتائجها أنّ المدينة أخذت تغلي كالمرجل ، وأعلنت العصيان المسلح على حكم
الطاغية يزيد ، فأرسل إليها جيشاً مكثّفاً بقيادة الإرهابي المجرم مسلم بن
عقبة فأنزل بالمدنيّين أقصى العقوبات ، وأكثرها صرامة وقسوة ، وأرغمهم
على أنّهم خول وعبيد ليزيد ، ومَنْ أبى منهم نفّذ فيه حكم الإعدام .
وعلى أيّ
حال ، فإنّ عمر بن سعيد الأشدق والي يثرب خشي من العقيلة (عليها السّلام) ، وكتب إلى يزيد
خطرها عليه , فأمره بإخراجها من المدينة إلى أيّ بلد شاءت , فامنتعت وقالت
: قتل ـ أي يزيد ـ خيارنا ، وساقنا كما تُساق الأنعام ، وحملنا على الأقتاب ،
فوالله لا أخرج وإن اُهرقت دماؤنا .
وانبرت إليها السيدة زينب بنت عقيل ، فكلّمتها بلطف قائلة :
يا بنت عمّاه ، قد صدقنا الله وعده ، وأورثنا الأرض نتبوّء منها حيث نشاء ،
فطيبي نفساً ، وقرّي عيناً ، وسيجزي الله الظالمين ، أتريدين بعد هذا
هواناً ؟ ارحلي إلى بلد آمن .
واجتمعنَ السيدات من نساء بني هاشم وتلطّفنَ معها في الكلام فأجابت
, واختارت الهجرة إلى مصر ، وصحبنها في السفر السيّدة فاطمة بنت الإمام
الحسين (عليها السّلام)
الصفحة (329)
واُختها سكينة (عليها
السّلام) .
وانتهت إلى مصر لأيام بقيت من ذي الحجّة ، وقد استقبلها
والي مصر مسلمة بن مخلد الأنصاري فأنزلها في داره بالحمراء , فأقامت فيه
أحد عشر شهراً وخمسة عشر يوماً ، وانتقلت إلى جوار الله عشية يوم الأحد
لخمسة عشر يوماً مضت من رجب سنة (62هـ) ، ودُفنت في دار مسلمة حيث مرقدها الآن
في مصر .
هكذا ذكر العبيدلي(1) وغيره(2) .
زيارة المرقد
ويؤمّ المصريون وغيرهم من المسلمين المرقد المعظّم خصوصاً في يوم الأحد
المصادف لليوم الذي توفّيت فيه العقيلة (عليها السّلام) ؛ فإنّهم يزدحمون على زيارته بما
فيهم من العلماء والفقهاء ، وقد زارها في هذا اليوم كافور الأخشيدي ، وأحمد
بن طولون ، والظافر بنصر الله الفاطمي ، وكان يأتي حاسر الرأس مترجّلاً
, ويتصدّق عند القبر الشريف على الفقراء ، واقتدى به ملوك مصر واُمراؤها .
وإذا حلّ شهر رجب ، وهو الشهر الذي توفّيت فيه العقيلة (عليها السّلام) ، زحفت الجماهير إلى
المرقد المعظّم , ويقيم الكثيرون فيه إلى النصف من رجب ، وهم يتلون كتاب
الله والأدعية الشريفة ، وقد ذكر ذلك العبيدلي(3) .
عمارة المرقد
واُجريت على المرقد المعظّم في مصر عدّة عمارات وإصلاحات من قبل بعض
ـــــــــــــــــــــ
(1) السيدة زينب وأخبار الزينبيات / 21 .
(2) إسعاف الراغبين / 196 ، لواقح الأنوار ـ الشمراني / 23 ، الإتحاف بحبّ
الأشراف / 93 ، مشارق الأنوار / 100 .
(3) السيدة زينب وأخبار الزينبيات / 60 ـ 61 .
الصفحة (330)
المحسنين من ملوك ووزراء وغيرهم ، كان منهم ما يلي :
1 ـ أمير مصر ونقيب الأشراف الزينبيّين ، الشريف فخر الدين ثعلب الجعفري
الزينبي ؛ فقد أشاد عمارة مهمّة على المرقد الشريف .
2 ـ الأمير علي باشا الوزير ، والي مصر من قبل السلطان سليمان خان ؛ فقد شيّد المرقد وأضاف إليه مسجداً يتّصل به وذلك في سنة (956هـ) .
3 ـ الأمير عبد الرحمن كتخدا ؛ فقد عمّر المرقد وأنشأ به ساقية وحوضاً
وذلك في سنة (1174هـ) .
4 ـ وفي سنة (1212هـ) ظهر صدع في بعض حوائط المسجد , فندبت حكومة عثمان
المرادي لتجديده وإنشائه , فابتدأ العمل إلاّ أنّه توقّف لدخول الفرنسيّين
لمصر ، وأكمله بعد ذلك الوزير يوسف باشا وذلك في سنة (1326هـ) .
وأرّخ ذلك
بأبيات خطّت على لوح من الرخام وهي :
نـورُ بنت النبي زينب
يعلو مـسجداً فـيه قبرها
والمزارُ قد بناه الوزير صدر
المعالي يـوسف و هو للعلا
مختارُ زاد جلاله كما قلت و مسـ ـجد مـشـرق بــه أنــوارُ
!
|
وحالت دون إتمام عمارته بعض الموانع فأكمله
محمّد علي باشا الكبير جدّ
الاُسرة العلوية .
5 ـ سعيد باشا ، أمر بتجديد الوجهة الغربية والبحرية من الضريح ، وذلك في
سنة (1276هـ) , وبعد تمام العمارة كتب على لوح من الرخام التأريخ , وهذا نصه :
فـي ظـلّ أيـام السعيد
محمد ربّ الفخار مليك مصر
الأفخمِ من فائض الأوقاف أتحف زينباً عون الورى بنت النبيّ الأكرمِ مَن يأت ينوي للوضوء
مؤرّخاً ويـسعد فإنّ وضوءَه من زمزمِ
|
الصفحة (331)
وكتب على باب المقام هذا البيت :
يا زائريها قفوا بالباب
وابتهلوا بنت الرسول لهذا القطر مصباحُ
|
وليست العقيلة مصباحاً وشرفاً لمصر ، وإنّما هي فخر ونور لجميع أقاليم
العالم الإسلامي .
6 ـ الخديوي محمّد توفيق باشا ، جدّد الباب المقابل لباب القبّة ، جدّده
بالمرمر المصري والتركي وذلك في سنة (1294هـ) ، وفي سنة (1297هـ) أمر
بتجديد القبّة والمسجد والمنارة , وتمّ البناء في سنة (1302هـ) ، وكتب على
أبواب القبّة الشريفة هذه الأبيات :
باب الشفاعةِ عند قبّة
زينبٍ يـلقاه غـادٍ لـلمقام
ورائحُ من يمن توفيق العزيز مؤرّخ نور على باب الشفاعة
لائحُ
|
كما كتبت هذه الأبيات :
قـف توسّل بباب بنت
عليّ بـخضوع وسـل إله
السماءِ تـحظ بـالعزّ والقبول
وأرّخ باب اُخت الحسين باب العلاءِ
|
كما رسمت هذه الأبيات :
رفـعوا لـزينب بنت طه
قبّةً عـلياء مـحكمة البناء مشيّدهْ نور القبول يقول في
تأريخها باب الرضا والعدل باب السيّدهْ
|
وفي هذا التأريخ نقشت القبّة والمشهد بنقوش رائعة وبديعة ، كان ذلك بأمر
محمّد توفيق ، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن المرقد المعظم في مصر(1) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) زينب الكبرى / 125 ـ 126 .
الصفحة (332)
ويتشرف ويسمو كلّ قطر اُقيم فيه لسيّدة النساء العقيلة زينب
(عليها السّلام) مرقد أو مقام
، فهي بحكم مواريثها وصفاتها أفضل سيّدة خلقها الله بعد اُمّها زهراء
الرسول ، وبهذا تنطوي الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب .
والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين |