ثورة الحسين (عليه السّلام)

 
 

الصفحة (171)

في الخلافة ، وما كان الناس يرونه لذلك أهلاً .

ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أنّ الحسين (عليه السّلام) لمّا خرج وابن الزبير من المدينة إلى مكة ، وأقاما بها ، « عكف الناس على الحسين يفدون إليه ، ويقدمون عليه ، ويجلسون حواليه ، ويستمعون كلامه ، وينتفعون بما يسمع منه ، ويضبطون ما يروون عنه »(1) . ومغزى هذا الخبر بيّن فقد اتّجهت أنظار الناس إلى الحسين (عليه السّلام) وحده فانقطعوا إليه ، وهذا يدلّك على مركزه في نفوس المسلمين إذ ذاك .

قال أبو الفرج الأصفهاني : « إنّ عبد الله بن الزبير لم يكن شيء أثقل عليه من مكان الحسين بالحجاز ، ولا أحبّ إليه من خروجه إلى العراق ؛ طمعاً في الوثوب بالحجاز ، وعلماً منه بأنّ ذلك لا يتمّ له إلاّ بعد خروج الحسين »(2) .

وكان الحسين (عليه السّلام) يعي هذا أيضاً ، فقد قال يوماً لجلسائه : (( إنّ هذا ـ يعني ابن الزبير ـ ليس شيء يؤتاه من الدنيا أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق ، وقد علم أنّه ليس له من الأمر شيء معي ، وأنّ الناس لم يعدلوه بي , فودّ أنّي خرجت منها لتخلو له ))(3) .

وقال عبد الله بن عباس له وهو يحاوره في الخروج إلى العراق : « لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إيّاه والحجاز ،

ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر : البداية والنهاية 3 / 217 .
(2) انظر : مقاتل الطالبيِّين / 245 ، وأنساب الأشراف 4 / 13 ـ 14 ، الإرشاد / 202 .
(3) انظر : تأريخ الطبري 4 / 288 ، والكامل 3 / 276 ، وأنساب الأشراف 4 / 14 .

الصفحة (172)

والخروج منها ، وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك »(1) .

كلّ هذا يكشف عن مدى تعلّق جماهير المسلمين بالحسين (عليه السّلام) باعتباره رجل الساعة . ويقيناً لو أنّه بايع يزيد لما كان لابن الزبير وأضرابه وزن في المعارضة ؛ لأنّهم حينئذ ما كانوا ليجدوا أنصاراً على ما يريدون .

وإذاً ، فقد وجد الحسين (عليه السّلام) نفسه وجهاً لوجه أمام دوره التاريخي ؛ الحكم الاُموي بكلّ ما فيه من فساد وانحطاط ورجعية وظلم ، والاُمّة المسلمة بذلّها وجوعها وحرمانها ومركزه العظيم في المسلمين ، كلّ ذلك وضعه وجهاً لوجه أمام دوره التأريخي ، وخطّط له المصير الذي يتحتّم عليه أن يضعه لنفسه , وعند ذلك أعلن ثورته بهذه الكلمات التي مرّت عليك , وقد أجمل فيها أسباب هذه الثورة ؛ التهتك , والتطاول على الدين ، والاستهتار بحقوق الشعب ، هذه هي أسباب ثورة الحسين (عليه السّلام) .

ويبدو أنّ يزيد بن معاوية أراد أن يخنق ثورة الحسين (عليه السّلام) قبل اشتعالها ، وذلك باغتياله في المدينة . وقد وردت إشارتان إلى ذلك في كتاب أورده اليعقوبي في تأريخه(2) من ابن عباس إلى يزيد بن معاوية صريحتان في الدلالة على أنّ يزيد دسّ رجالاً ليغتالوا الحسين (عليه السّلام) في المدينة قبل مغادرته إيّاها إلى العراق ؛ ولعلّ هذا ما يكشف لنا عن سبب خروج الحسين (عليه السّلام) من المدينة بصورة سرّية .

ــــــــــــــــــــ
(1) انظر : تأريخ الطبري 4 / 288 ، والكامل 3 / 276 ، وأنساب الأشراف 4 / 14 .
(2) انظر : تأريخ اليعقوبي 2 / 234 ـ 236 , طبع النجف سنة 1964 م .

الصفحة (173)

بواعث الثورة عند الحسين (عليه السّلام)

إنّ العنصر الاجتماعي شديد البروز في ثورة الحسين (عليه السّلام) ، ويستطيع الباحث أن يُلاحظه فيها من بدايتها حتّى نهايتها ، ويرى أنّ الحسين (عليه السّلام) ثار من أجل الشعب المسلم .

لقد ثار على يزيد باعتباره مُمثّلاً للحكم الاُموي . هذا الحكم الذي جوّع الشعب المسلم ، وصرف أموال هذا الشعب في اللذات والرشا , وشراء الضمائر وقمع الحركات التحرّرية . هذا الحكم الذي اضطهد المسلمين غير العرب وهدّدهم بالإفناء ، ومزّق وحدة المسلمين العرب ، وبعث بينهم العداوة والبغضاء . هذا الحكم الذي شرّد ذوي العقيدة السياسيّة التي لا تنسجم مع سياسة البيت الأموي ، وقتلهم تحت كلّ حجر ومدر ، وقطع عنهم الأرزاق ، وصادر أموالهم .

هذا الحكم الذي شجّع القبيلة على حساب الكيان الاجتماعي للاُمّة المسلمة . هذا الحكم الذي عمل عن طريق مباشر تارة ، وعن طريق غير مباشر تارة اُخرى على تقويض الحس الإنساني في الشعب ، وقتل كلّ نزعة إلى التحرّر بواسطة التخدير الديني الكاذب .

كلّ هذا الانحطاط ثار عليه الحسين (عليه السّلام) ، وها هو يقول لأخيه محمد بن الحنفيّة في وصيته له : (( إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي ، اُريد أن آمر


الصفحة (174)

بالمعروف وأنهى عن المنكر ، فمَنْ قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ ، ومَنْ ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يحكم الله بيني وبين القوم بالحقّ ، وهو خير الحاكمين ))(1) . فالإصلاح في اُمّة جدّه (صلّى الله عليه وآله) هو هدفه من الثورة .

وهنا شيء اُريد أن أنبه عليه في قوله : (( ... فمَنْ قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ )) . إنّه لم يقل : فمَنْ قبلني لشرفي ومنزلتي في المسلمين ، وقرابتي من رسول الله , وما إلى ذلك ... لم يقل شيئاً من هذا , إنّ قبوله يكون بقبول الحقّ فهذا داع من دعاته ، وحين يقبل الناس داعي الحقّ فإنّما يقبلونه لما يحمله إليهم من الحقّ والخير لا لنفسه ، وفي هذا تعالٍٍ وتسامٍ عن التفاخر القبلي الذي كان رأس مال كلّ زعيم سياسي أو ديني في عصره (عليه السّلام) .

* * *

وظهر العصر الاجتماعي في ثورة الحسين (عليه السّلام) أيضاً حين التقى مع الحرّ بن يزيد الرياحي ، وقد كان ذلك بعد أن علم الحسين (عليه السّلام) بتخاذل أهل العراق عنه بعد بيعتهم له ، وبعد أن انتهى إليه نبأ قتل رسوله وسفيره إليهم مسلم بن عقيل ، وبعد أن تبيّن له ولمَنْ معه المصير الرهيب الذي ينتظرهم جميعاً ، فقد خطب الجيش الذي مع الحرّ قائلاً : (( أيّها الناس ، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : مَنْ رأى سلطاناً جائراً ، مستحلاً لحرام الله ، ناكثاً لعهد الله ، مخالفاً لسنة رسول

ـــــــــــــــــــ
(1) انظر : الفتوح ـ لابن أعثم 5 / 34 ، مناقب آل أبي طالب 3 / 241 .

الصفحة (175)

الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يُغيّر ما عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله .

ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام الله ، وحرّموا حلاله ، وأنا أحقّ مَنْ غيّر . وقد أتتني كتبكم ، وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم ، وإنّكم لا تُسلموني ولا تخذلوني ، فإن تممتم عليّ بيعتكم تصيبوا رُشدكم ؛ فإنّي الحسين بن علي , وابن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، نفسي مع أنفسكم ، وأهلي مع أهليكم ، فلكم فيّ اُسوة .

وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم ، وخلعتم بيعتي من أعناقكم , فلعمري ما هي لكم بنُكر ؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم بن عقيل ، والمغرور مَنْ اغترّ بكم ، فحظّكم أخطأتم ، ونصيبكم ضيّعتم ، ومَنْ نكث فإنّما ينكث على نفسه ))(1) . فهو هنا يبيّن لهم أسباب ثورته : إنّها الظلم , والاضطهاد والتجويع ، وتحريف الدين ، واختلاس أموال الاُمّة .

ثمّ انظر كيف لمّح لهم إلى ما يخشون ، لقد علم أنّهم يخشون الثورة لخشيتهم الحرمان والتشريد ، فهم يؤثرون حياتهم على ما فيها من انحطاط وهوان على محاولة التغيير خشية أن يفشلوا فيعانوا القسوة والضّنك .

لقد علم منهم هذا , فقال لهم :

ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر : تأريخ الطبري 3 / 307 و4 / 304 ـ 305 ، والكامل في التأريخ 3 / 280 .

الصفحة (176)

(( فإنّي الحسين بن علي ، وابن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) . فبيّن لهم مركزه أوّلاً ، ثمّ قال لهم : (( نفسي مع أنفسكم ، وأهلي مع أهليكم ، فلكم فيّ اُسوة )) , فيما قد يحدث من اضطهاد وحرمان .

ويقف المتأمّل وقفة اُخرى عند قوله : (( وأنا أحقّ من غيّر )) . فيها تعبير عن شعوره بدوره التأريخي الذي يتحتّم عليه أن يقوم بأدائه .

ومرّة ثالثة حدّث الحسين (عليه السّلام) أهل العراق عن ثورته ومبرراتها ، وكانت خطبته هذه في الساعات الأخيرة التي سبقت اشتباك القتال بينه وبين الجيش الأموي . قالوا : إنّه (عليه السّلام) ركب فرسه فاستنصتهم فلم ينصتوا ، حتّى قال لهم : (( ويلكم ! ما عليكم أن تنصتوا لي فتسمعوا قولي ؟! وإنّما أدعوكم إلى سبيل الرشاد ، فمَنْ أطاعني كان من المرشدين ، ومَنْ عصاني كان من المهلكين ، وكلّكم عاصٍ لأمري ، غير مستمع لقولي ، فقد مُلئت [ بطونكم ] من الحرام ، وطُبع على قلوبكم . ويلكم ! ألا تنصتون ؟ ألا تسمعون ؟ )) .

فتلاوم أصحاب عمر بن سعد بينهم ، وقالوا : « أنصتوا له . فحمد الله وأثنى عليه وذكره بما هو أهله ، وصلّى على محمد وعلى الملائكة والأنبياء والرسل ، وأبلغ في المقال » .


الصفحة (177)

ثمّ قال : (( تبّاً لكم أيّها الجماعة وترحاً ! أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين ، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم ، وحششتم علينا ناراً أوقدناها على عدوّنا وعدوّكم ، فأصبحتم إلباً على أوليائكم , ويداً عليهم لأعدائكم , بغير عدل أفشوه فيكم , ولا أمل أصبح لكم فيهم ، إلاّ الحرام من الدنيا أنالوكم ، وخسيس عيش طمعتم فيه , من غير حدث كان منّا , ولا رأي تفيّل لنا .

فهلاّ ـ لكم الويلات ! ـ إذ كرهتمونا وتركتمونا ، [ تجهزتموها ] والسيف مشيم , والجأش طامن , والرأي لمّا يستحصف ، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدُّبا ، وتداعيتم إليها كتداعي الفراش . فسحقاً لكم يا عبيد الاُمّة ، وشذّاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ونفثة الشيطان ، وعصبة الآثام ، ومُحرّفي الكتاب ، ومُطفئي السنن ، وقتلة أولاد الأنبياء ، ومُبيدي عترة الأوصياء ، ومُلحقي العهار بالنسب ، ومُؤذي المؤمنين ، وصُراخ أئمّة المُستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين ، ولبئس ما قدّمت لهم أنفسهم وفي العذاب هم خالدون !

وأنتم ابن حرب وأشياعه تعضدون , وعنّا تخاذلون ! أجل والله ، الخذل فيكم معروف ؛ وشجت عليه اُصولكم ، وتأزّرت عليه فروعكم ، وثبتت عليه قلوبكم ، وغشيت صدوركم ، فكنتم أخبث ثمرة شجيّ للناظر ، وأكلة للغاصب ، ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها , وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً , فأنتم والله هم .

ألا وإنّ الدّعيّ ابن الدّعيّ قد ركز بين اثنتين ؛ بين السلّة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة , يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون ، وجدود طابت وحجور طهرت ، واُنوف حمية ونفوس أبيّة ، لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ...

ألا وإنّي


الصفحة (178)

قد أعذرت وأنذرت ، ألا وإنّي زاحف بهذه الاُسرة مع قلّة العدد , وكثرة العدوّ , وخذلان الناصر .

ثمّ قال :

فـإن نـهزِم فـهزّامونَ  قـدماً      وإن نُـغـلب فـغير  مُـغلّبينا
ومـا أن طـبّنا جـبنٌ  ولـكن      مـنـايانا  ودولــة  آخـرينا
إذا  مـا الموتُ رفّعَ عن  اُناسٍ      كـلاكـلَه أنــاخَ بـآخـرينا
فـأفنى ذلـكمْ سـرواتُ  قومي      كـما أفـنى الـقرونَ  الغابرينا
فـلو  خـلدَ الـملوكُ إذاً  خلدنا      ولـو بـقي الـكرامُ إذاً  بـقينا
فـقل  لـلشامتينَ بـنا أفـيقوا      سيلقى الشامتونَ كما لقينا ))(1)

في هذه الخطبة حدّثهم الحسين (عليه السّلام) عن أنفسهم , وعن واقعهم , وعن زيف حياتهم . حدّثهم كيف أنّهم استصرخوه على جلاّديهم ثمّ انكفؤوا مع هؤلاء الجلاّدين عليه . هؤلاء الجلاّدون الذين لم يسيروا فيهم بالعدل وإنّما حملوهم على ارتكاب الحرام في مقابل عيش خسيس . خسيس في نفسه ، قليل دون الكفاية ، خسيس لأنّه يعمل على مدّ الأجل بحياة حقيرة ذليلة ، خسيس باعتباره أجراً لعمل خسيس .

وحدّثهم عن مواقفهم المتكرّرة من الحركات الإصلاحية ، إنّهم دائماً يُظهرون العزم على الثورة والرغبة فيها , يُظهرون العزم على تطوير واقعهم السيِّئ حتّى إذا جدّ الجدّ انقلبوا جلاّدين للثورة بدل أن يكونوا وقوداً لها .

ــــــــــــــــــــــ
(1) نجد هذه الأبيات تارة مجتمعة في مصدر واحد ، وتارة متفرقة . انظر : الاحتجاج ـ الشيخ الطبرسي 2 / 25 ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد 3 / 344 ، النزاع والتخاصم ـ المقريزي / 139 ، اللهوف في قتلى الطفوف ـ السيد ابن طاووس / 59 ، تأريخ الطبري 2 / 292 ، البداية والنهاية 5 / 83 ، السيرة النبوية ـ لابن كثير 4 / 137 .

الصفحة (179)

حدّثهم عن أعدائه باعتبارهم أعدائهم أيضاً ، ولكنّهم يُزيّفون حياتهم بأيديهم ، يُحاربون محرّريهم ، مَنْ يعلمون أنّهم المحرّرون . مع مَنْ ؟ مع أعدائهم مُذلّيهم وظالميهم .

هذه الخطبة , بهذا الاُسلوب الثائر ، وبما فيها من تقريع ، وبما فيها من فضح لهم , كانت ملائمة تمام الملاءمة للجو النفسي السائد آنذاك على الجيش الاُموي . إنّ محاربي ذلك الجيش كانوا على علم بمَنْ يُحاربون ، فأراد أن يُشعرهم بفداحة الإثم الذي يُقارفونه ، وعظم الأمر الذي يُحاولونه ، وأراد أن يُسمع المجتمع الإسلامي ـ هذا المجتمع الخاضع ـ صوته المدوّي . وبهذا اللون من البيان جعل الحسين (عليه السّلام) من كلّ مسلم بركاناً مدمّراً على أهبة الانفجار .

بواعث الثورة لدى الرأي العام

ولم يكن المغزى الاجتماعي للثورة مُدركاً من قبل الحسين (عليه السّلام) وحده ، فقد كان المسلمون يحسّون بضرورة العمل على تطوير واقعهم السيِّئ إلى واقع أحسن . أدرك هذا اُولئك الذين كتبوا إلى الحسين (عليه السّلام) يطلبون منه القدوم إلى العراق ، وأدرك هذا اُولئك الذين صبّروا أنفسهم على الموت معه .

والذين كتبوا إليه من العراق لم يكونوا أفراداً معدودين ، وإنّما كانوا كثيرين جدّاً ؛ ففي المؤرّخين مَنْ يقول : أنّ كُتب أهل العراق إلى الحسين (عليه السّلام) زادت على مئة وخمسين كتاباً(1) .

وقال مؤرّخون آخرون : إنّه قد اجتمع عند الحسين (عليه السّلام) في نُوب

ـــــــــــــــــــــ
(1) انظر : الكامل في التاريخ 3 / 266 ـ 267 . اختلف المؤرّخون وأصحاب السير والمقاتل في =

الصفحة (180)

مُتفرّقة اثنا عشر ألف كتاب من أهل العراق .

ونستطيع أن نكوّن فكرة صحيحة عن ضخامة عدد الكتب التي دعت الحسين (عليه السّلام) إلى القيام بالثورة إذا قرأنا هذا الخبر الذي رواه أغلب المؤرّخين , وهو : أنّ الحسين (عليه السّلام) لمّا لقي الحرّ بن يزيد كان من جملة ما قاله للحرّ ومَنْ معه : (( أمّا بعد ، أيّها الناس ، فإنّكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى لله ، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالجور والعدوان . وإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقّنا , وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم , وقدمت به عليّ رسلكم , انصرفت عنكم )) .

فقال له الحرّ بن يزيد : إنّا والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر .

فقال الحسين (عليه السّلام) : (( يا عقبة بن سمعان ، أخرج الخرجين اللذين فيهما

ــــــــــــــــــــ
= عدد الكتب التي وردت إلى الحسين (عليه السّلام) من أهل الكوفة ، وكذلك اختلفوا في بعض ألفاظها ، وبيد مَنْ أرسلوها . ولسنا بصدد بيان كلّ ما جاء في بطون الكتب , بل نشير إلى نموذج واحد منها على سبيل المثال ، ونحيل القارئ إلى مصادرها الأصلية ؛ فقد ذكر ابن أعثم في الفتوح 3 / 32 نحو خمسين ومئة , كلّ كتاب من رجلين وثلاثة وأربعة ، ومثله في مقتل الحسين ـ للخوارزمي 1 / 195 ، الإرشاد 2 / 38 ، وفي اللهوف / 15 « فورد عليه في يوم واحد ستمئة كتاب ، وتواترت الكتب حتّى اجتمع عنده في نوّب مُتفرّقة اثنا عشر ألف كتاب » .
انظر : مقتل الحسين ـ لأبي مخنف / 16 ، بلفظ : فحملوا معهم نحواً من ثلاثة وخمسين صحيفة ... ومثله في تأريخ الطبري 4 / 262 ، الكامل في التاريخ ـ ابن الأثير 4 / 10 و2 / 532 ، سمط النجوم العوالي 3 / 58 ، الأخبار الطوال / 229 ، تأريخ اليعقوبي 2 / 242 .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى