حياة الأمام الحسين

 
 

الصفحة (1)

حياة الإمام الحسين بن علي (عليهما السّلام)

 

باقر شريف القرشي

 

حقوق الطبع محفوظة للمؤلّف

 


الصفحة (2)

الطبعة الاُولى

1398هـ 1974 م

باقر شريف القرشي

حياة الإمام الحسين بن علي (عليهما السّلام)

دراسة وتحليل

 

الجزء الأوّل

 


الصفحة (3)


الصفحة (4)

الطبعة الاُولى

1394 هـ ـ 1974 م

من مبرّات المغفور له الحاج محمد جواد عجينة

 

مطبعة الآداب ـ النجف الأشرف


 الصفحة (5)

بسم الله الرحمن الرحيم

( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ * إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )

القرآن الكريم

 


الصفحة (6)

الإهداء

إليك ... يا مفجّر العلم والإيمان في الأرض .

إليك ... يا رائد النور والوعي ومحرّر الإنسانية .

إليك ... يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

إلى مقامك العظيم أرفع هذا البحث المتواضع عن حياة ريحانتك وولدك الثاني الإمام الحسين (عليه السّلام) الذي غذّيته من كمال النبوة ، ووهبته حبّك وإخلاصك ، وقلّدته وسامك المشرق بقولك : (( حسين منّي وأنا من حسين )) . فكان المجدّد لدينك ، والمنقذ لاُمّتك ، فاستشهد في سبيل أهدافك ومبادئك ، فلا أحد أولى به منك ، فتقبّل هذه البضاعة المزجّاة ، وامنحني الرضى والقبول ، وحسبي ذلك ذخراً يوم ألقى الله .


الصفحة (7)

بين يديك يا اُنشودة الأحرار

تمثّلت يومك يوم الطفوف ، وأنت ترفع الضحايا من أهل بيتك وأصحابك قرابين خالصة لوجه الله ؛ إيماناً منك بأن الإسلام لا يمكن أن ينتصر في كفاحه ضد قوى البغي والإلحاد إلاّ بالتضحية الفذّة التي لا يقوى على أدائها سواك .

لقد استطعت أيها الفاتح العظيم أن تُملي إرادتك على صفحات هذا الكون ، وتعالج المشاكل الرهيبة التي مُني بها عصرك بالحلول المطلوبة ، لكن ذلك قام بدمك القاني المعطّر بشذى الرسالة ووحي السماء ؛ فدمّرت اُولئك الأقزام من حكّام بني أميّة الذين اغتالوا الإصلاح الاجتماعي ، ودفعوا الناس إلى السراب السياسي ، وتاجروا بمقوّمات الاُمّة ومقدّراتها ، وقذفوا بها في متاهات سحيقة لا حدّ لها من الانحطاط والجهل والتأخّر ، حتّى توارت فكرة النور التي أوقد سناها الرسول (صلّى الله عليه وآله) , وحلّت محلّها الوثنية القرشية ، فعقد لها في كل جامع ومنتدى من بلاد المسلمين صنم يقذف بشواظٍ من نار ؛ لإذابة هدي العقيدة ، وتدمير المثُل العليا ، وتجريد الاُمّة من عناصرها الخلاّقة وأفكارها الأصيلة ، حتّى توارت بوارق النهضة الفكرية والاجتماعية ، وكادت تنطوي رسالة الإسلام بقِيَمها ومثُلها ومكوّناتها .


الصفحة (8)

وانبعث صوتك ـ أيّها الفاتح العظيم ـ فاستوعب صداه جميع أنحاء العالم الإسلامي , وهو ينادي بفجرٍ جديد ويومٍ جديد ، ليستأنف فيه الإنسان المسلم رسالته , ويبدأ تأريخه , ويبني كرامته , ويعدل سلوكه , وينفض عنه غبار الذلّ , وعار العبودية , وينطلق في ميادين التحرّر ؛ ليساهم في بناء الحضارة ويدخل موكب التاريخ .

لقد تحدّى أبو الأحرار بثورته الكبرى الطبيعة البشرية التي هي أسيرة الغرائز والعواطف , فقد تحرّر منها , ولم يعُد لها أيّ حُكم أو سلطان عليه , وقد مكّنته قواه الروحية ـ في ذاتيّة مذهلة ـ أن يشقّ طريقه الخالد ليحقّق المعجز , ويقول كلمة الله بإيمانٍ لا حدّ لأبعاده .

إنّه الإيمان الذي هيمن على جميع مناحي تفكيره ومقوّمات ذاتيّاته ، فهوّن عليه أهوال تلك الكوارث التي تذوب منها القلوب , ويقف الفكر أمامها هائماً وهو حسير ... فقد رأى أصحابه الذين هم من أصدق وأنبل وأوفى مَن عرفهم التاريخ الإنساني ، يتسابقون إلى الموت بين يديه . رأى الكواكب من أهل بيته وأبنائه , وهم في غضارة العمر وريعان الشباب ، تتناهب أشلاءهم السيوف والرماح .

رأى حرم الرسالة ومخدّرات النبوّة تعجّ من ألَم الرزايا ، وتستغيث به من أليم العطش والظمأ القاتل ، وهو لا يجد سبيلاً لإنقاذهن ، فوقف السّبط أمام هذه الخطوب التي تذهل كل كائن حي ، فقال كلمته الخالدة التي نمت عن


الصفحة (9)

عمق الإيمان وروعة التصميم : (( هوّن ما نزل بي أنّه بعين الله )) .

أجل ، بعين الله رزاياك , وفي سبيل الإسلام ما عانيته من أهوال تلك الكوارث والخطوب .

سيّدي أبا الأحرار , لقد عوّضك الله عمّا قاسيته من ضروب المحن وصنوف البلاء أنواع الكرامة , فمنحك في الدار الآخرة الفردوس الأعلى , وأنزلك به منزلاً كريماً تتبوّأ به حيثما شئت ، وجعلك سيّد شباب أهل الجنّة , والشفيع المطاع .

وأمّا في هذه الدار الفانية فقد جعل ذِكرك فيها ندياً خالداً , والدنيا بأسرها خاضعة لك , فأنت حديث الدهر مهما تطاولت لَياليه أيّاماً وصرن لَيالياً . وأمّا خصومك فقد تمزّقوا كل ممزّق , ودفنهم التاريخ في مجاهل سحيقة من الخزي والعار ولعنة الناس .

لقد بقيت أنت وحدك ملء فم الدنيا ورهن الخلود ، وأُنشودة الأحرار في كل جيل ، وعَلماً يهتدي بك المصلحون في تحقيق ما ينفع الناس .


الصفحة (10)

المقدّمة

ـ 1 ـ

الإمام الحسين (عليه السّلام) من أبرز مَن خلّدتهم الإنسانية في جميع مراحل تاريخها . ومن أروع مَن ظهر على صفحات التاريخ من العظماء والمصلحين الذين ساهموا في بناء الفكر الإنساني , وتكوين الحضارة الاجتماعية , وبلورة القضايا المصيرية لجميع شعوب الأرض .

إنّ الإمام أبا الأحرار من ألمع القادة المصلحين الذين حقّقوا المعجز على مسرح الحياة , وقادوا المسيرة الإنسانية نحو أهدافها وآمالها , ودفعوا بها إلى إيجاد مجتمع متوازن تتحقّق فيه الفرص المتكافئة التي ينعم فيها الناس على اختلاف قوميّاتهم وأديانهم .

لقد كان الإمام من أكثر المصلحين جهاداً وبذلاً وتضحية , فقد انطلق إلى ساحات الجهاد مع كوكبة من أهل بيته وأصحابه مضحّياً بنفسه وبهم ؛ ليُقيم في ربوع هذا الشرق حُكم القرآن وعدالة السماء الهادفة إلى تقويض الظلم , وتدمير الجور وإزالة الاستبداد , وإقامة حُكم عادل يجِد فيه الإنسان أمنه وكرامته ورخاءه حسب ما تقتضيه عدالة الله في الأرض ؛ ومن ثمّ كانت حياة الإمام في جميع العصور والأجيال رمزاً للعدل , ورمزاً لجميع القِيَم الإنسانية .

إنّ أغلب حياة المصلحين الذين وهبوا حياتهم لاُممهم وشعوبهم ، تبقى مشعّة تعطى ثمارها ونِتاجها للناس , ولكن في فترة خاصّة ومحدودة من الزمن ، لم تلبث أن تتلاشى كما يتلاشى الضوء في الفضاء .


الصفحة (11)

أمّا حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) فقد شقّت أجواء التاريخ وهي تحمل النور والهدى لجميع الناس , كما تحمل شارات الموت والدمار للمخرّبين والظالمين في جميع الأجيال .

لقد تفاعلت حياة الإمام الحسين مع أرواح الناس وامتزجت بعواطفهم ومشاعرهم , وهي نَديّة عاطرة تتدفّق بالعزّة والكرامة , وتدفع المجتمع إلى ساحات النضال لتحقيق أهدافه وتقرير مصيره .

إنّها مدرسة الأجيال الكبرى التي تفيض بالخير والعطاء على الناس جميعاً متّفقين ومختلفين , فهي تغذّيهم بالوفاء والصبر , وتدفعهم إلى الايمان بالله , وتعمل على توجيههم الوجهة الصالحة , المتّسمة بالكرامة وحسن السلوك ، كما تعمل على تهذيب الضمائر , وتكوين العواطف وتنمية الوعي .

فهي أجدر بالبقاء من كل كائن حي , بل أحقّ بالخلود من هذا الكوكب الذي يعيش فيه الإنسان ؛ لأنّها إطار لأسمى معاني الكرامة الإنسانية .

إنّ حياة ريحانة الرسول ومثُله ستبقى حيّة وخالدة إلى الأبد ؛ لأنّها استهدفت القضايا المصيرية لجميع الشعوب , فإنّ الإمام لم ينشد في ثورته الخالدة أي مطمع سياسي أو نفع مادي , وإنّما استهدف المصلحة الاجتماعية ، وعنى بأمر الناس جميعاً ؛ ليوفّر لهم العدل السياسي والعدل الاجتماعي , وقد أعلن (سلام الله عليه) أهدافه المشرقة بقوله : (( إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا ظالماً ولا مفسداً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي ؛ اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر )) .

من أجل هذه المبادئ العليا خُلّدت قصّة الحسين واستوعبت جميع لغات الأرض , وأخذ الناس يقيمون لها الذكرى مقتبسين منها الايمان بالله , ومقتبسين منها العِبَر والعظات التي تنفعهم في جميع ميادين حياتهم .


الصفحة (12)

إنّها من دون شكّ ستظلّ تساير الركب الإنساني وهي ترفع شعار العدل ، وشعار الحق , وشعار الكرامة ، وتضئ الطريق وتوضّح القصد أمام كل مصلح يعمل من أجل صالح الإنسان .

ـ 2 ـ

وليس في تاريخ الإسلام مَن هو أكثر عائدة ولطفاً وفضلاً على الإسلام من الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فهو المنقذ والمجدّد لهذا الدين العظيم الذي أجهزت عليه السياسة الاُمويّة , وتركته جريحاً على مفترق الطرق تتحدّاه عوامل الانحلال والانهيار من الداخل والخارج , ولم يعُد أيّ مفهوم من مفاهيمه الحيّة ماثلاً في واقع الحياة العامّة للمسلمين . قد جمدت طاقاته وأخمد نوره وانتُهكت سُننه ، ولم يبقَ منه سوى شبح خافت وظِل متهافت ؛ قد أعلنت السلطة في منتدياتها العامّة والخاصّة أنّه لا دين ولا إسلام ولا وحي ولا كتاب .

يقول يزيد بن معاوية :

 لـعبت هاشمُ بالمُلكِ  فلا      خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ

ويقول الوليد بن يزيد :

 تـلعّب بـالخلافةِ  هاشميٌ      بلا وحيٍ أتاه ولا كتابُ(1)

وإذا استعرضنا ما أُثِرَ عنهم في هذا المجال فلا نجد إلاّ الكفر والإلحاد والمروق من الدين ، وقلّما نجِد منهم مَن يؤمن بالله واليوم الآخر أو يرجو وقاراً للإسلام . إنّه ـ من دون شكّ ـ لم يدخل أي بصيص من نور الإسلام في قلوبهم ومشاعرهم , وإنّما ظلّت نفوسهم مترعة بروح الجاهلية ونزعاتها , لم تتغيّر فيهم أيّ ظاهرة من ظواهر الكفر بعد إرغامهم

ــــــــــــــــ
(1) مروج الذهب 3 / 149

الصفحة (13)

على الإسلام ، فكانوا يحملون الحقد والعداء للرسول (صلّى الله عليه وآله) ، ويكفرون بجميع ما جاء به من هدى ورحمة للناس .

رأى الإمام السّبط الغزو الجاهلي الذي اجتاح العالم الإسلامي , وما مُنيت به العقيدة الإسلامية من أخطار هائلة ، تنذر بالردّة الرجعية والانقلاب الشامل ، وتخلّي المسلمين عن عقيدتهم ودينهم ؛ فإنّ السلطة الاُمويّة كانت جاهدة في مسيرتها ، وجادّة في سياستها على استئصال جذور هذا الدين وإزالة ركائزه وقواعده ، وقد تحذّر المسلمون بشكل فظيع نتيجة أوبئة الخوف المفزعة التي انتشرت فيهم , وما طعمتهم به السياسة الاُمويّة من روح الخيانة والغدر , فلا صوت يصدع بالإصلاح , ولا طبل يدقّ للحرب , ولا وازع ولا رادع ولا زاجر لِما كانت تصنعه الطغمة الحاكمة من المخططات الرهيبة ، الهادفة إلى استعباد المسلمين وإرغامهم على ما يكرهون .

رأى الإمام أنّه المسؤول الوحيد أمام الله , وأمام أجيال الاُمّة إن وقف موقفاً سلبيّاً تجاه هذه الأوضاع المنكرة ، ولم يغيّر ولم يبدّل ولم يفجّر ثورته الحمراء التي تعصف بالاستبداد وتهدم صروح الظلم والطغيان ، وتقود الجماهير إلى ميادين الحقّ والعدل .

وقد أدلى الإمام ( عليه السّلام ) بذلك في خطابه الرائع الذي ألقاه على الحر وأصحابه من شرطة ابن زياد قائلاً : (( أيّها الناس , إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : مَن رأى سلطاناً جائراً ؛ مستحلاً لحرم الله , ناكثاً عهده , مخالفاً لسنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان , فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله . ألا إنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان , وتولّوا عن طاعة الرحمن , وأظهروا الفساد , وعطّلوا الحدود , واستأثروا بالفيء , وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله ))(1) .

ــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري

الصفحة (14)

إنّ هذه العوامل الخطيرة هي التي حفّزت الإمام على الثورة ، والخروج على النظام القائم الذي استباح كل ما خالف كتاب الله وسنّة نبيّه .

لقد أمعنت السلطة الاُمويّة في اضطهاد الناس وإرهاقهم , واعتبرت القطّاعات الشعبيّة بستاناً لها تتحكّم في مصائرها ومقدّراتها , وتستنزف ثرواتها فتنفقها على ما يثير الشهوات ويفسد الأخلاق ؛ من أجل ذلك ثار الإمام لينقذ الاُمّة , ويعيد لها كرامتها وأصالتها .

ـ 3 ـ

وأهمّ فترة في تاريخ الإسلام السياسي هي الفترة التي عاشها الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فقد حفلت بأحداث رهيبة تغيّرت بها مجرى الحياة الإسلامية ، وامتحن المسلمون بها امتحاناً عسيراً , واُرهقوا إرهاقاً شديداً , قد أخلت لهم الفتن والمصاعب , وجرت لهم الخطوب والكوارث وألقتهم في شرٍّ عظيم ، ومن أفجع تلك الأحداث وأخلدها كارثة كربلاء التي هي أخطر كارثة في التاريخ الإنساني , وهي لا تزال قائمة في قلوب المسلمين وعواطفهم تثير في نفوسهم الحزن واللوعة .

ولم تكن هذه الحادثة الخطيرة وليدة المصادفة أو المفاجأة وإنّما جاءت نتيجة حتميّة لتلك الأحداث المفزعة التي أخمدت الوعي الإسلامي , وأماتت الشعور بالمسؤولية وجعلت المسلمين أشباحاً مبهمة , وأعصاباً رخوة خالية من الحياة والإحساس . قد سادت فيهم روح التخاذل والانهزامية , ولم تعُد فيهم أيّ روح من روح الإسلام وهَديه , وأوضح شاهد على ذلك : أنّ ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وريحانته يُقتل في وضح النهار , ويرفع رأسه على أطراف الرماح ويُطاف به في الأقطار والأمصار , ومعه عائلة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سبايا قد هُتكت ستورهن وأُبديت 


الصفحة (15)

وجوههن يتصفّحها القريب والبعيد , فلم يثِر ذلك حفيظة المسلمين ، فيهبّوا إلى الانتفاضة على حُكم يزيد للثأر لابن بنت نبيّهم ، ورحم الله دعبل الخزاعي إذ يقول :

 رأسُ  ابنِ بنتِ محمّدٍ  ووصيهِ      يـا  لـلرجالِ على قناةِ  يُرفعُ
 والـمسلمون بـمنظرٍ وبمسمعٍ      لا جازعٌ من ذا ولا متخشّعُ(1)

إنّ كارثة كربلاء لم تأتِ إلاّ بعد تخذير الاُمّة وتغيير سلوكها , وإصابتها بكثير من الأوبئة الأخلاقية والسلوكية ، الناشئة من عدم تقريرها لمصيرها في أدقّ الفترات الحاسمة من تاريخها أمثال : مؤتمر السقيفة والشورى وصفّين .

وعلى أيّ حال ، فإنّ الأحداث التاريخية التي عاشها الإمام الحسين (عليه السّلام) يجب أن تخضع للدراسة العلمية المتّسمة بالعمق والتحليل , والتجرّد من العواطف وسائر التقاليد المذهبية التي أوجبت خفاء الحق , وتضليل الرأي العام في كثير من مناحي حياته العقائدية ؛ فإنّ التاريخ الإسلامي لم يُدرس دراسة موضوعية وشاملة , وإنّما عرض له أكثر البحّاث بصورة تقليدية , وهي لا تجدي المجتمع ولا تفيده ، كما

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث