الصفحة (109)
لمحات من مُثل الإمام الحسين (عليه السّلام)
الصفحة (110)
الصفحة (111)
وتجسّدت في شخصية أبي الأحرار
جميع القِيَم الإنسانية والمثُل العليا , والتقت به عناصر النبوّة
والإمامة , فكان بحكم مثُله وتهذيبه فذّاً من أفذاذ التكامل الإنساني ,
ومثلاً رائعاً من أمثلة الرسالة الإسلامية , فهو ـ بحق ـ الاُطروحة
الخالدة للإسلام بجميع طاقاته ومقوّماته .
إنّ أيّة صفة من صفات أبي
الشهداء أو نزعة من نزعاته الكريمة لترفعه عالياً على جميع عظماء
العالم , وتدفع إلى القول ـ بلا مغالاة ـ : إنّه نسخة لا ثاني لها في
تاريخ البشرية على الإطلاق ما عدا جدّه وأبيه , ونعرض ـ بإيجاز ـ إلى
بعض خصائصه وذاتيّاته .
إمامته
الإمام الحسين أحد الكواكب
المشرقة من أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) الذين استكملت فيهم الصفات
الإنسانية , وبلغوا ذروة الكمال المطلق , وأقاموا منار هذا الدين ,
ورفعوا شعار الحق والعدل في الأرض , وتبنّوا القضايا المصيرية للإسلام
, وعانوا في سبيله جميع ألوان الكوارث والخطوب , ولاقوا كل جهد وضيق من
جبابرة عصورهم الذين اتّخذوا مال الله دولاً وعباد الله خولاً .
وقد نظر النبي (صلّى الله عليه
وآله) ـ وهو يوحى
إليه ـ من خلال
الأحقاب المترامية إلى الأئمة الطاهرين من أهل بيته فعرّفهم بأسمائهم
وصفاتهم , ودلّل بنصوصه العامّة والخاصّة على أنّهم خلفاؤه وأوصياؤه , وأنّهم
سفن النجاة وأمن العباد , وقرنهم بكتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل
من بين يديه ولا من خلفه , وقد ألمعنا إلى الكثير من تلكم النصوص في
البحوث
الصفحة (112)
السابقة فلم تعُد هنا ضرورة
لذكرها , كما أنّا بحثنا بصورة موضوعية وشاملة عن الإمامة وضرورتها ,
وواجبات الإمام وصفاته في كتابنا (حياة الإمام الحسن) فلا حاجة لإعادة
البحث هنا .
مظاهر شخصيّته
أمّا الظاهر الفذّة التي
اتّصفت بها شخصية أبي الأحرار , وكانت من عناصره ومقوّماته فهي :
1 ـ قوّة
الإرادة
من النزعات الذاتية لأبي
الشهداء (عليه السّلام) قوّة الإرادة , وصلابة العزم والتصميم , وقد ورث هذه
الظاهرة الكريمة من جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) الذي غيّر التاريخ , وقلب مفاهيم
الحياة , ووقف صامداً وحده أمام القوى الهائلة التي هبّت لتمنعه من أن
يقول كلمة الله , فلم يعنِ بها وراح يقول لعمّه أبي طالب مؤمن قريش :
(( والله
, لو وضعوا الشمس بيميني والقمر بيساري
على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتّى أموت أو يظهره الله )) .
بهذا الإرادة الجبارة قابل قوى الشرك
, واستطاع
أن يتغلّب على مجريات الأحداث , وكذلك وقف سبطه العظيم في وجه الحكم
الاُموي فأعلن بلا تردّد رفضه لبيعة يزيد , وانطلق مع قلّة الناصر إلى
ساحات الجهاد ليرفع كلمة الحق , ويدحض كلمة الباطل , وقد حشدت عليه
الدولة
الصفحة (113)
الاُمويّة جيوشها الهائلة ,
فلم يحفل بها , وأعلن عن عزمه وتصميمه بكلمته الخالدة قائلاً : (( لا أرى الموت إلاّ سعادة
, والحياة مع
الظالمين إلاّ برما )) .
وانطلق مع الاُسرة الكريمة من
أهل بيته وأصحابه إلى ميدان الشرف والمجد ليرفع راية الإسلام , ويحقّق
للاُمّة الإسلامية أعظم الانتصارات والفتح حتّى استشهد سلام الله عليه
,
وهو من أقوى الناس إرادة , وأمضاهم عزيمة وتصميماً , غير حافل بما
عاناه من الكوارث التي تذهل العقول وتحيّر الألباب .
2 ـ الإباء
عن الضيم
والصفة البارزة من نزعات
الإمام الحسين (عليه السّلام) الإباء عن الضيم , حتّى لقّب (بأبي الضيم) , وهي من
أعظم ألقابه ذيوعاً وانتشاراً بين الناس ؛ فقد كان المثل الأعلى لهذه
الظاهرة , فهو الذي رفع شعار الكرامة الإنسانية ورسم طريق الشرف
والعزّة , فلم يخنع ولم يخضع لقرود بني اُميّة , وآثر الموت تحت ظلال
الأسنة . يقول عبد العزيز بن نباتة السعدي :
والحسينُ الذي رأى الموتَ في العزْ زِ حـياةً والـعيشَ فـي الذلِّ قتلا
|
ووصفه المؤرّخ الشهير اليعقوبي بأنّه شديد العزّة(1).
يقول ابن
أبي الحديد : سيّد أهل الإباء الذي علّم الناس الحميّة
,
والموت تحت ظلال السيوف اختياراً على الدنيّة , أبو عبد الله الحسين بن علي
بن أبي طالب (عليه السّلام) عرض عليه الأمان هو وأصحابه فأنف من الذل , وخاف ابن
زياد أن يناله بنوع من الهوان مع أنه لا يقتله , فاختار الموت على ذلك
. وسمعت النقيب
ــــــــــــــ
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 293 .
الصفحة (114)
أبا زيد يحيى بن زيد العلوي يقول : كأنّ أبيات أبي تمام في محمد بن حميد الطائي ما قيلت إلاّ في
الحسين :
وَقَـد كـانَ فَـوتُ المَوتِ سَهلاً فَرَدَّهُ إِلَـيهِ الـحِفاظُ الـمُرُّ وَالـخُلُقُ الوَعرُ
وَنَـفسٌ تَـعافُ الـعارَ حَـتّى كَـأَنَّهُ هُـوَ الـكُفرُ يَومَ الرَوعِ أَو دونَهُ الكُفرُ فَـأَثبَتَ فـي مُـستَنقَعِ الـمَوتِ رِجلَهُ وَقـالَ لَـها مِن تَحتِ أَخمُصِكِ الحَشرُ تَـرَدّى ثِـيابَ الـمَوتِ حُمراً فَما أَتى لَها اللَيلُ إِلاّ وَهيَ مِن سُندُسٍ خُضرُ(1)
|
لقد علّم أبو الأحرار الناس نبل الإباء ونبل
التضحية , يقول فيه مصعب ابن الزبير : واختار الميتة الكريمة على الحياة
الذميمة(2) , ثمّ تمثّل :
وإن الاُلى بالطفِّ من آل هاشم تـآسوا فـسنّوا للكرام التآسيا
|
وقد كات كلماته يوم الطفِّ من
أروع ما أثر من الكلام العربي في تصوير العزّة والمنعة والاعتداد
بالنفس يقول :
(( ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين
؛ بين السلّة والذلّة , وهيهات منّا الذلّة , يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون
, وحجور طابت وطهرت , واُنوف حميّة , ونفوس أبّية من أن نؤثر طاعة اللئام على
مصارع الكرام )) .
ووقف يوم الطفِّ كالجبل الأشم
، غير حافل بتلك الوحوش الكاسرة من جيوش الردّة الاُمويّة , وقد ألقى
عليهم وعلى الأجيال أروع الدروس عن الكرامة وعزّة النفس وشرف الإباء
قائلاً :
(( والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل , ولا أفرّ
فرار العبيد ,
َإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ )) . وألقت هذه الكلمات
المشرقة الأضواء على مدى ما يحمله الإمام العظيم
ـــــــــــــــ
(1) شرح ابن أبي الحديد 1 /
302 .
(2) تاريخ الطبري 6 / 273 .
الصفحة (115)
من الكرامة التي التي لا حدّ
لأبعادها , والتي هي من أروع ما حفل به تاريخ الإسلام من صور البطولات
الخالدة في جميع الآباد .
وتسابق شعراء أهل البيت (عليهم
السّلام) إلى تصوير هذه الظاهرة الكريمة , فكان ما نظموه في ذلك من أثمن
ما دوّنته مصادر الأدب العربي , وقد عنى السّيد حيدر الحلّي إلى تصوير
ذلك في كثير من روائعه الخالدة التي رثى بها جدّه الحسين ، يقول :
طـمعتْ أن تسومَهُ القومُ ضيماً وأبـى الله والـحسامُ الـصنيعُ
كـيف يـلوي على الدنيةِ جيداً لـسوى اللهِ مـا لواه الخضوعُ
ولـديه جـأشٌ أردُّ من الدرع لـضمأى الـقنا وهـنَّ شُروعُ وبـه يـرجعُ الـحفاظُ لصدرٍ ضاقت الأرضُ وهي فيه تضيعُ فـأبى أن يَـعيشَ إلاَّ عـزيزاً أو تجلَّى الكفاحُ وهو صريعُ(1)
|
ولم تصوّر منعة النفس وإباؤها
بمثل هذا التصوير الرائع , فقد عرض حيدر إلى ما صممت عليه الدولة
الاُمويّة من إرغام الإمام الحسين (عليه السّلام) على الذل والهوان , وإخضاعه
لجورهم واستبدادهم , ولكن يأبى له الله ذلك , وتأبى له نفسه العظيمة
التي ورثت عزّ النبوة أن يقرّ على الضيم ؛ فإنّه سلام الله عليه لم يلو
جيده خاضعاً لأيّ أحد إلاّ لله , فكيف يخضع لأقزام بني اُميّة ؟! وكيف
يلويه سلطانهم عن عزمه الجبار الذي هو أرد من الدرع للقنا الضامئة ,
وما أروع قوله :
وبـه يـرجعُ الـحفاظُ لصدرٍ ضاقت الأرضُ وهي فيه تضيعُ
|
وهل هناك أبلغ أو أدقّ وصفاً لإباء الإمام الحسين
(عليه السّلام) وعزّته من هذا
الوصف ؟ فقد أرجع جميع طاقات الحفّاظ والذمام لصدر الإمام (عليه
السّلام) التي ضاقت
الأرض من صلابة عزمه وتصميمه , بل إنّها على سعتها تضيع فيه
ــــــــــــــــ
(1) ديوان السّيد حيدر/ 87 .
الصفحة (116)
ومن الحقّ أنّه قد حلّق في
وصفه لإباء الإمام , ويضاف لذلك جمال اللفظ فليس في هذا الشعر كلمة
غريبة أو حرف ينبو على السمع . وانظر إلى هذه الأبيات من
رائعته الاُخرى التي يصف بها إباء الحسين (عليه السّلام) ، يقول :
لـقد مـات لـكنْ مـيتةً هـاشميّةً لـهمْ عُـرفت تحت القنا المتقصّدِ كـريـمٌ أبـى شـمّ الـدنيةِ أنـفُهُ فـأشمَمهُ شـوكَ الـوشيج المُسدّدِ وقـال قـفي يـا نفسُ وقفةَ واردٍ حـياضَ الـردى لا وقـفة المتردّدِ رأى أنّ ظـهرَ الـذلِّ أخشن مركباً من الموتِ حيثُ الموتُ منه بمرصدِ فـآثر أن يسعى على جمرةِ الوغى برجلٍ ولا يعطي المقادةَ عن يدِ(1)
|
لا أكاد أعرف شعراً أدقّ ولا
أعذب من هذا الشعر , فهو يمثّل أصدق تمثيل منعة الإمام العظيم , وعزّة
نفسه التي آثرت الموت تحت ظلال الأسنة على العيش الرغيد بذلٍّ وخنوع ,
ناهجاً بذلك منهج الشهداء من أسرته الذين تسابقوا إلى ساحات النضال ,
واندفعوا بشوق إلى ميادين التضحية والفداء لينعموا بالكرامة والعزّة .
ومضى السيد حيدر في تصويره لإباء
الإمام الشهيد فوصفه بأنّه أبى شمّ الدنيّة والضيم , وعمد إلى شمّ
الرماح والسيوف ؛ لأن بها طعام الإباء وطعم الشرف والمجد ... وعلى هذا الغرار من الوصف الرائع يمضي حيدر في تصويره لمنعة الإمام , تلك المنعة
التي ملكت مشاعره وعواطفه كما ملكت عواطف غيره , ومن المقطوع به أنّه
لم يكن متكلّفاً بذلك ولا منتحلاً , وإنما وصف الواقع وصفاً صادقاً لا
تكلّف فيه .
ويقول السيد حيدر في رائعة
اُخرى يصف بها إباء الإمام وسموّ ذاته ,
ــــــــــــــــ
(1) ديوان السّيد حيدر / 71 .
الصفحة (117)
ولعلّها من أجمل ما رثى به
الإمام (عليه السّلام) , يقول :
وسـامتهُ يركبُ إحدى اثنتينْ وقـد صرّت الحربُ أسنانَها
فـإمّا يُـرى مُذعناً أو تموت نـفسٌ أبـى الـعزُّ إذعانَها
فـقال لـها اعتصمي بالإباءِ فـنفسُ الأبـيّ ومـا زانَـها
إذا لـم تجد غيرَ لبسِ الهوانِ فـبالموتِ تـنزع جـثمانَها رأى القتل صبراً شعارَ الكرامِ وفـخراً يُـزينُ لـها شأنَها فـشمَّر لـلحرب في مَعركٍ بـه عرك الموتُ فرسانَها(1)
|
إنّ مراثي حيدر للإمام تعدّ
بحقٍّ طغراء مشرقاً في تراث الاُمّة العربية , فقد فكّر فيها تفكيراً
جادّاً , ورتّب أجزاءها ترتيباً دقيقاً حتّى جاءت بهذه الروعة , وكان ـ
فيما يقول معاصروه ـ ينظم في كل حول قصيدة خاصّة في الإمام (عليه
السّلام) ويعكف
طيلة عامه على إصلاحها , ويمعن إمعاناً دقيقاً في كل كلمة من كلماتها ,
حتّى جاءت بمنتهى الروعة والإبداع .
3 ـ الشجاعة
ولم يشاهد الناس في جميع مراحل
التاريخ أشجع , ولا أربط جأشاً , ولا أقوى جناناً من الإمام الحسين
(عليه السّلام) , فقد وقف يوم الطفِّ موقفاً حيّر فيه الألباب , وأذهل فيه العقول ,
وأخذت الأجيال تتحدّث بإعجاب وإكبار عن بسالته وصلابة عزمه , وقدّم
الناس شجاعته على شجاعة أبيه التي استوعبت جميع لغات الأرض .
وقد بهر أعداؤه الجبناء بقوّة بأسه
؛ فإنه لم
ينهار أمام تلك النكبات المذهلة التي أخذت تتواكب عليه , وكان يزداد
انطلاقاً وبشراً كلمّا ازداد
ـــــــــــــــ
(1) ديوان السّيد حيدر .
الصفحة (118)
الموقف بلاءً ومحنة ؛ فإنّه
بعد ما فَقَد أصحابه وأهل بيته زحف عليه الجيش بأسره وكان عدده ـ فيما
يقول الرواة ـ ثلاثين ألفاً , فحمل عليهم وحده وقد ملك الخوف والرعب
قلوبهم ، فكانوا ينهزمون أمامه كالمعزى إذا شدّ عليها الذئب ـ على حدّ
تعبير الرواة ـ , وبقي صامداً كالجبل يتلقّى الطعنات من كل جانب , ولم يوهَ له ركن , وإنّما مضى في أمره استبسالاً واستخفافاً بالمنيّة
.
يقول السّيد حيدر :
فـتلقّى الـجموعَ فـرداً ولكنْ كلّ عضوٍ في الروع منه جموعُ رمـحهُ مـن بَـنانهِ وكأنّ من عـزمهِ حـدُّ سـيفِهِ مـطبوعُ زوّج الـسّيفَ بـالنفوسِ ولكنْ مهرها الموتُ والخضابُ النجيعُ
|
ويقول في رائعة اُخرى :
ركينٌ وللأرض تحت الكماة رجـيفٌ يـزلزل ثـهلانَها أقرّ على الأرض من ظهرها إذا مـلمل الـرعبُ أقرانَها تـزيد الـطلاقةُ في وجههِ إذا غـيّر الـخوفُ ألوانَها
|
ولمّا سقط أبي الضيم على الأرض
جريحاً ـ وقد أعياه نزف الدماء ـ تحامى الجيش بأسره من الإجهاز عليه
؛ رعباً وخوفاً منه . يقول السّيد حيدر :
عـفيراً متى عاينتهُ الكماة يـختطفُ الرعبُ ألوانَها فما أجلت الحربُ عن مثلهِ صـريعاً يُـجبّن شجعانَها
|
وتغذّى أهل بيته
وأصحابه بهذه الروح العظيمة ، فتسابقوا إلى الموت بشوق وإخلاص لم يختلج في
قلوبهم رعب ولا خوف , وقد شهد لهم عدوّهم بالبسالة ورباطة الجأش , فقد قيل
لرجل شهد يوم الطفِّ مع عمر بن سعد : ويحك ! أقتلتم ذرّية رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) ؟
فاندفع قائلاً : عضضت بالجندل , إنّك لو شهدت ما شهدنا لفعلت
ما فعلنا ؛ ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية ,
تحطم
الصفحة (119)
الفرسان يميناً وشمالاً , وتلقي أنفسها على
الموت , لا تقبل الأمان , ولا ترغب في المال , ولا يحول حائل بينها وبين
الورود على حياض المنيّة والاستيلاء على الملك , فلو كففنا عنها رويداً
لأتت على نفوس العسكر بحذافيره , فما كنّا فاعلين لا اُمّ لك ؟!(1) .
ووصف بعض الشعراء هذه البسالة
النادرة بقوله :
فـلو وقـفتْ صُـمّ الجبالِ مكانهمْ لمادتْ على سهلٍ ودكّت على وعرِ
فـمِن قائمٍ يستعرض النبلُ وجههُ ومـن مقدمٍ يرمي الأسنّة بالصدرِ
|
وما أروع قول السّيد حيدر :
دكّـوا رباها ثمّ قالوا لها وقد جثوا نحنُ مكان الرّبا
|
لقد تحدّى أبو الأحرار ببسالته
النادرة الطبيعة البشرية , فسخِر من الموت وهزأ من الحياة , وقد قال
لأصحابه حينما مطرت عليه سهام الأعداء :
(( قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بدّ منه
؛
فإنّ هذه السهام رسل القوم إليكم )) .
لقد دعا أصحابه إلى الموت كأنّما هو يدعوهم إلى
مأدبة لذيذة , ولقد كانت لذيذة عنده حقّاً ؛ لأنّه هو ينازل الباطل ويرتسم
له برهان ربّه الذي هو مبدؤه(2) .
4 ـ الصراحة
من صفات أبي الأحرار الصراحة في القول
والصراحة في السلوك , ففي جميع فترات حياته لم يوارب ولم يخادع , ولم يسلك
طريقاً فيه أيّ
ــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 3 / 263 .
(2) الإمام الحسين / 101 .
الصفحة (120)
التواء , وإنّما سلك الطريق
الواضح الذي يتجاوب مع ضميره الحي , وابتعد عن المنعطفات التي لا
يقرّها دينه وخلقه , وكان من ألوان ذلك السلوك النيّر أنّ الوليد حاكم
يثرب دعاه في غلس الليل , وأحاطه علماً بهلاك معاوية , وطلب منه البيعة
ليزيد مكتفياً بها في جنح الظلام , فامتنع (عليه السّلام) وصارحه بالواقع قائلا :
(( يا أمير
، إنّا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة
، بنا فتح الله وبنا ختم , ويزيد فاسق فاجر , شارب الخمر , قاتل النفس
المحرمة , معلن بالفسق والفجور , ومثلي لا يبايع مثله )) .
وكشفت هذه الكلمات عن مدى
صراحته وسموّ ذاته , وقوة العارضة عنده في سبيل الحق .
ومن ألوان تلك الصراحة التي
اعتادها وصارت من ذاتيّاته أنّه لمّا خرج إلى العراق وافاه النبأ
المؤلم وهو في أثناء الطريق بمقتل سفيره مسلم بن عقيل , وخذلان أهل
الكوفة , فقال للذين اتبعوه طلباً للعافية لا للحقِّ :
((
قد خذَلَنا شيعتنا ، فمَن أحبّ منكم الانصراف
فلينصرف , ليس عليه ذمام )) . فتفرّق عنه ذوو الأطماع , وبقي معه الصفوة من أهل
بيته(1) .
لقد تجنّب (عليه السّلام) في تلك الساعات
الحرجة التي يتطلّب فيها إلى الناصر الإغراء والخداع , مؤمناً أنّ ذلك
لا يمكن أن تتصف به النفوس العظيمة المؤمنة بربّها والمؤمنة بعدالة
قضيّتها .
ومن ألوان تلك الصراحة أنّه جمع أهل بيته
وأصحابه في ليلة العاشر من المحرم , فأحاطهم علماً بأنّه يُقتل في غد ,
ويُقتل جميع مَن كان معه . صارحهم بذلك ليكونوا على بصيرة وبيّنة من أمرهم
,
وأمرهم بالتفرّق
ــــــــــــــ
(1) أنساب
الأشراف 1 ق 1 .
|