| |
لا تلقي الأضواء على واقع تلك الأحداث التي جرّت للمجتمع كثيراً من
الخطوب والمشاكل , وأوقفت مسيرته نحو التطوّر حسب ما يريده الإسلام .
إنّ الذي لا مجال للشكّ فيه هو أنّ لتلك الأحداث كثيراً من المنعطفات
التاريخية الخطيرة التي تعمّد بعض المؤرّخين على إهمالها , وعدم الكشف
عنها , كما أنّ التاريخ قد خلط بكثير من الموضوعات التي تعمّد بعض
الرواة إلى افتعالها ؛ تدعيماً لسياسة السلطات الحاكمة في تلك العصور .
ـــــــــــ
(1) ديوان دعبل بن علي الخزاعي/ 107
.
الصفحة (16)
وهي مما توجب على الباحث التعمّق
والتدقيق فيها ؛ حتّى يخلص إلى الحقّ مهما استطاع إليه سبيلاً .
ونحن لا نجد بُدّاً من عرض بعض تلك
الأحداث وتحليلها ؛ لأنها من وسائل الكشف عن حياة الإمام الحسين (عليه
السّلام) ,
كما أنّها في نفس الوقت من وسائل الوقوف على الحياة الفكرية
والاجتماعية في ذلك العصر , الذي تعدّ دراسة شؤونه من البحوث المنهجية
التي تكشف عن أبعاد الشخصية وتحليلها حسب الدراسات الحديثة .
إنّي أعتقد
أنّه لا يمكننا أن نلمّ إلماماً واضحاً بقصة الإمام الحسين (عليه
السّلام) , وما
جرى فيها من الأحداث المفزعة من دون أن نكون قد درسنا الحياة
الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في ذلك العصر ؛ فإنّ لها تأثيراً
إيجابياً مباشراً في حدوث هذه النكبة .
إنّ التاريخ الإسلامي في حاجة لأن
يتحرّر من التقديس , ويكون كغيره من البحوث خاضعاً للنقد والتحليل
, والشكّ والرفض , كما تخضع المادة لتجارب العلماء ؛ حتّى يستقيم ويزدهر
,
ويؤتي ثمراً ممتعاً .
إنّ السلطات السياسية في تلك العصور
أخذت على المؤرّخين أن يضعوا التاريخ تحت تصرّفهم فلا يكتبون إلاّ ما
فيه تأييد للسلطة السياسية , وبذلك فقد حفل التاريخ بكثير من الموضوعات
التي تكلّف أصحابها على وضعها وجعلها جزءاً من تاريخ الإسلام , وقد
شوّهت واقعه , وحادت بكثير من بحوثه عن الواقع .
إنّ الأقلام التي تناولت كتابة
التاريخ الإسلامي في عصوره الاُولى لم تكن نزيهة ولا بريئة على الإطلاق
, فكانت تخيّم عليها النزعة المذهبية أو التزلّف إلى السلطة الحاكمة ,
فلا بدّ إذاً أن يخضع لمجاهر الفحص وأضواء الدراسة والنقد .
الصفحة (17)
لا أحسب أنّ هناك خدمة للاُمّة أو
عائدة عليها بخير تضارع نشر فضائل أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) ,
وإذاعة سيرتهم ومآثرهم ؛ فإنّها تفيض بالخير والهدى على الناس جميعاً
ففيها الدروس الحيّة , والعظات البالغة التي تبعث على الاستقامة
والتوازن في السلوك , وهي من أثمن ما يملكه المسلمون من طاقات نديّة
حافلة بالقِيَم الكريمة والمثُل العليا , التي هي السِّر في أصالة هذا
الدين وخلوده .
وحياة الإمام الحسين (عليه السّلام) من أروع
حياة الأئمة الطاهرين ؛ فقد تخطّت حدود الزمان والمكان , وتمثّلت فيها
العبقرية الإنسانية التي تثير في نفس كل إنسان أسمى صور الإكبار
والتقدير . فقد تجسّد في سيرته ومقتله أروع موضوع في تاريخ الإسلام
كلّه ؛ فلم يعرف المسلمون ولا غيرهم من القِيَم الإنسانية مثل ما ظهر
من الإمام على صعيد كربلاء .
فقد ظهر منه من الصمود والإيمان بالله
,
والرضى بقضائه والتسليم لأمره ما لم يشاهده الناس في جميع مراحل
تاريخهم , وكان هذا الإيمان الذي لا حدّ له هو الطابع الخاص الذي امتاز
به أهل بيته وأصحابه على بقيّة الشهداء ؛ فقد أخلصوا في دفاعهم لله , وأخلصوا في نضالهم للحق
, ولم يكونوا مدفوعين بأيّ دافع مادّي
.
فالعباس (عليه السّلام) الذي كان من أقرب الناس للإمام الحسين وألصقهم به لم يندفع
بتضحيته الفذّة بدافع الأخوّة والرَحم , وإنّما أقدم على ذلك بدافع
الإيمان , والذبّ عن الإسلام , وقد أعلن( سلام الله عليه ) ذلك فيما
أثر عنه من رجز , ظلّ يهتف به وينشده شعاراً له في تلك المعركة الرهيبة
, بعد أن يرى القوم يمينه قائلاً :
الصفحة (18)
واللهِ إن قـطعتمُ يـميني إنّي اُحامي أبداً عن ديني وعن إمامٍ صادقِ اليقيني نجلِ النبيِّ الطاهرِ الأمينِ
|
ومعنى ذلك ـ بوضوح ـ أنّ تضحيته لم
تكن مشفوعة بأيّ دافع من دوافع الحبّ أو العاطفة , أو غيرها من
الاعتبارات التي يؤول أمرها إلى التراب , وإنّما كانت من أجل الذبّ عن
دين الله , والدفاع عن إمام من أئمة المسلمين فرض الله طاعته وولاءه
على جميع المسلمين .
وكثير من أمثال هذه الصور الرائعة
الخالدة في التاريخ الإنساني ظهرت من الإمام الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته
وأصحابه , وهي بحقٍّ من أثمن الدروس عن الإيمان والوفاء والتضحية في
سبيل الله , وأنّ أيّة بادرة من بوادر يوم الطفِّ لتَرفع الحسين وأهل
بيته وأصحابه على جميع شهداء الحق والعدل في العالم .
لقد رفع الإمام الحسين ( عليه
السّلام ) راية الإسلام عاليةً خفّاقة , وحرّر إرادة الاُمّة العربية
والإسلامية , فقد كانت قبل واقعة كربلاء جثّة هامدة لا حراك فيها ولا وعي
, قد كبّلت بقيود الحكم الاُموي , ووضعت الحواجز والسدود في
طريق حريتها وكرامتها , فحطّم الإمام بثورته تلك القيود , وحرّرها من
جميع السلبيّات التي كانت مُلمّة بها , وقلب مفاهيم الخوف والخنوع التي
كانت سائدة فيها إلى مبادئ الثورة والنضال .
لقد عملت نهضة الإمام على تكوين
الحسّ الاجتماعي , وخلق الشخصية الاجتماعية , فقد انطلقت الاُمّة
كالمارد الجبار ـ بعد تخديرها ـ وهي تنادي بحقوقها , وتعمل جاهدة على
إسقاط الحكم الاُموي الذي جهد على إذلالها واستعبادها , وهي تقدّم
القرابين تلو القرابين في ثورات متلاحقة حتّى أطاحت بذلك الحكم ,
واكتسحت مشاعر زهوه وطغيانه وجبروته .
لقد كانت ثورة أبي الأحرار ( عليه السّلام
) من أعظم
الثورات التحرّرية
الصفحة (19)
في الأرض , فقد حملت مشعل النور
والفكر في الأرض , وسجّلت شرفاً للإسلام وشرفاً للإنسانية ,
وأعطت الدروس المشرقة عن العقيدة التي لا تضعف , والإيمان الذي لا يقهر
, وستظل مصدر عزّ وفخر وشرف للمسلمين في جميع أجيالهم .
ـ 5 ـ
ومن أغلى أمانيي ـ يعلم الله ـ أن
أحظى بالبحث عن سيّد الشهداء (عليه السّلام) , وأكون من المساهمين في هذا الميدان
المشرق , وكانت هذه الفكرة تراودني في كثير من الأوقات , وكان أخي في
الله المحسن الكبير الحاج محمد رشاد عجينة ( حفظه الله ) يدفعني إلى
ذلك ويحثّني عليه بإصرار ؛ راجياً بذلك التقرّب إلى الله .
وإنّي أقول
للتاريخ : إنّ هذا المحسن من أندر مَن عرفتهم في ولائه
وتفانيه في حبّ أهل البيت ( عليهم السّلام ) ؛ فهو يتحرّى كل خدمة لهم
,
وقد قام بخدمات مشكورة في هذا المجال كان منها : قيامه
بالإنفاق على كتابنا حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) بجميع طبعاته , وقيامه بطبع
كتابنا حياة الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) , أجزل الله له المزيد من الأجر
ووفّقه لكل مسعى نبيل .
وقد رغب سيادته أن تكون نفقات طبع هذا الكتاب
من المبرّات التي أوصى بها المغفور له والده الحاج محمد جواد عجينة (
رحمه الله ) ؛ آملاً منه تعالى أن يتولى جزاءه بالخير والإحسان ,
ويثيبه على ذلك . كما أنّ من الحقّ عليّ أن أشكر بكل تقدير ما قام به
سماحة الحجّة المجاهد السّيد محمد كلانتر ( حفظه الله ) من التشجيع لي
في تأليف هذا المجهود ؛ شاكراً له ألطافه , وأخصّ بالشكر سماحة الحجّة
الأخ الزكي الشيخ هادي القرشي على ما أبداه من لطف في مراجعة بعض
المصادر التي تخصّ البحث .
الصفحة (20)
وإنّي في ختام هذا التقديم أعلن بكل
ثقة وإيمان : أنّي لا أجد عملاً جديراً برضاء الله ,
وجديراً ببلوغ مغفرته ورضوانه سوى التعلّق بسيّد الشهداء (عليه
السّلام) ؛ فقذفت
نفسي بسفينته التي وسعت الكثيرين من المقصّرين أمثالي , وإنّي تمسّكت
بأهداب ولائه , فأنا به ألوذ , وبحبل ولائه أتمسّك يوم ألقى ربّي .
الّلهم لا تخيّب سعيي , ولا تقطع
رجائي , ولا تضيّع أملي , إنّك ولي ذلك
والقادر عليه .
المؤلّف ـ النجف الأشرف
3 رجب 1394 هـ ـ 21 تموز 1974
م
الصفحة (21)
الصفحة (22)
الصفحة (23)
غرس الرسالة
ألا بورك هذا الغرس الذي امتدّ على
هامة الزمن وعياً وإشراقاً , وهو يضيء للناس حياتهم الفكرية
والاجتماعية , ويهديهم إلى سواء السبيل .
الاُمّ
إنّه الغرس الطيّب من سيّدة نساء
العالمين فاطمة الزهراء ( عليها السّلام ) التي طهّرها الله بفضله ,
وجعلها تهدي من ضَلال , وتجمع من فرقة... إنّها فاطمة الزهراء التي
تحمل قبساً من روح أبيها وفيضاً من نوره , وأشعّة من هَديه , فكانت
موضع عنايته واهتمامه , وقد أحاطها بهالة من الإكبار والتقدير ؛ ففرض
ولاءها على المسلمين ؛ ليكون ذلك جزءاً من عقيدتهم ودينهم , وقد أذاع
فضلها وعظيم مكانتها في الإسلام ؛ لتكون قدوة لنساء اُمّته , لقد أشاد
(صلّى الله عليه وآله) بقِيَمها ومثُلها في منتدياته العامّة والخاصّة , وعلى منبره
ليحفظه المسلمون , فقد قال فيما أجمع عليه رواة الإسلام :
1 ـ (( إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك
))(1).
2 ـ (( إنّما فاطمة بضعة منّي
, يؤذيني ما يؤذيها , وينصبني ما أنصبها ))(2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الصحيحين 3 / 153 , تهذيب التهذيب 12 / 441
, كنز العمال 7 / 111 , أسد الغابة 5 / 522 ,
ميزان الاعتدال 2 / 72 , ذخائر العقبى / 39 .
(2) صحيح الترمذي 2 / 319 , مسند
أحمد بن حنبل 4 / 5 , وفي صحيح الترمذي , قال (صلّى الله عليه وآله) : (( فإنّما ابنتي
ـ يعني فاطمة ـ بضعة منّي
, يريبني ما رابها , ويؤذيني ما آذاها )) . وفي كنز العمال 6 / 219
, قال (صلّى الله عليه وآله) :
(( إنّما فاطمة شجنة منّي , يبسطني ما يبسطها , ويغضبني ما يغضبها
)).
الصفحة (24)
3 ـ (( فاطمة سيّدة نساء العالمين
))(1).
إلى غير ذلك من الأخبار التي تحدّثت عن معالم شخصية
الزهراء ( عليها السّلام ) , وأنّها قدوة الإسلام , والمثَل الأعلى لنساء هذه الاُمّة التي تضيء لهنّ الطريق في حسن السلوك والعفّة وإنجاب أجيال مهذّبة... فما
أعظم بركتها وأكثر عائدتها على الإسلام , ويكفي في عظيم شأنها أنه سمّيت
على اسمها الدولة الفاطمية العظيمة , كما أنّ الجامع الأزهر اشتقّ من
اسمها(2). بل يكفي في عظمة الدولة
الفاطمية أن تبرّكت باسم الزهراء .
وعلى أيّ حال فإنّ الرسول الأعظم
(صلّى الله عليه وآله) استشفّ من وراء الغيب أنّ بضعته الطاهرة هي التي تتفرّع منها
الثمرة الطيّبة من أئمة أهل البيت ( عليهم السّلام ) خلفاء الرسول ,
ودعاة الحق في الأرض , الذين يتحمّلون أعباء رسالة الإسلام , ويعانون
في سبيل الإصلاح الاجتماعي كل جهد وضيق ؛ فلذا أولاها النبي اهتمامه ,
وجعل ذرّيتها موضع رعايته وعنايته .
الأب
إنّه ثمرة علي رائد الحقّ والعدالة في الأرض
, أخو
النبي (صلّى الله عليه وآله) , وباب مدينة علمه , ومَن كان منه بمنزلة هارون من
موسى , وأوّل مَن آمن بالله وصدق رسوله , والقائد الأعلى في مركز القيادة
الإسلامية بعد الرسول محمد (صلّى الله عليه وآله) , تحمّل أعباء الجهاد المقدس منذ فجر
الدعوة
ـــــــــــــــــ
(1) أسد الغابة 5 / 522 , وفي مسند
أحمد بن حنبل 6 / 112 , قال : (( فاطمة سيّدة نساء هذه الاُمّة أو
نساء المؤمنين )) . وفي صحيح
البخاري في كتاب بدء الخلق : (( أمَا ترضين أن
تكوني سيّدة نساء أهل الجنّة
أو نساء المؤمنين )).
(2) نساء لهن في تاريخ الإسلام نصيب
/ 84 .
الصفحة (25)
الإسلامية , فخاض الأهوال ,
والتَحَم التحاماً رهيباً مع قوى الشرك والإلحاد , حتّى قام هذا الدين
وهو عبل الذراع بجهاده وجهوده , قد حَباه الله بكل مكرمة وخصّه بكل
فضيلة , وأنّه أبو الأئمة الطاهرين الذين فجّروا ينابيع الحكمة والنور
في الأرض .
الوليد الأوّل
وأفرعت دوحة النبوّة وشجرة الإمامة الذرّية الطاهرة
التي تشكّل الامتداد الرسالي بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) , فكان الوليد الأوّل أبا محمد
الزكي , وقد امتلأت نفس النبي (صلّى الله عليه وآله) سروراً به , فأخذ يتعاهده , ويغذّيه بمثُله
ومكرمات نفسه التي طبق شذاها العالم بأسره(1) .
ولم تمضِ إلاّ أيّام يسيرة ـ حدّدها
بعض المؤرّخين باثنين وخمسين يوماً (2) ـ
حتّى علقت سيّدة النساء بحمل جديد ,
ظلّ يتطلّع إليه الرسول (صلّى الله عليه وآله) وسائر المسلمين بفارغ الصبر , وكلهم رجاء
وأمل في أن يشفع الله ذلك الكوكب بكوكب آخر ليضيئا في سماء الاُمّة
الإسلامية , ويكونا امتداداً لحياة المنقذ العظيم .
رؤيا اُمّ الفضل
ورأت السّيدة اُمّ الفضل بنت الحارث(3) في منامها
رؤيا غريبة
ـــــــــــــــــ
(1) ذكرنا عرضاً مفصّلاً لولادة
الإمام الزكي أبي محمد (عليه السّلام) في كتابنا حياة الإمام الحسن 1 / 49 ـ 56 .
(2) المعارف ـ لابن قتيبة / 158 .
(3) اُمّ الفضل : هي لبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب
, وهي أوّل امرأة أسلمت
بمكة بعد السيّدة خديجة بنت خويلد , وكانت أثيرة عند النبي (صلّى الله
عليه وآله) ؛ فكان
يزورها ويقيل في بيتها . روت عنه أحاديث كثيرة . ولدت للعباس : الفضل ,
وعبد الله , وعبيد الله , وقثم , وعبد الرحمن , واُمّ حبيب .
وفيها
يقول عبد الله بن يزيد الهلالي :
مـا ولـدت نـجيبةٌ من فحلِ بـجـبلٍ نـعـلمُهُ أو سـهلِ
كـستّةٍ مـن بـطنِ اُمّ الفضلِ أكـرمْ بـها مـن كهلةٍ وكهلِ عمّ النبي المصطفى ذي الفضلِ وخـاتمِ الـرُّسل وخيرِ الرُّسل
|
تُرجمت في كل من الطبقات الكبرى 8 /
278 , والإصابة 4 / 464 , والاستيعاب .
الصفحة (26)
لم تهتدِ إلى تأويلها , فهرعت إلى
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قائلة له : إنّي رأيت حلماً منكراً ؛ كأنّ
قطعة من جسدك قُطعت ووضعت في حجري ! فأزاح النبي (صلّى الله عليه وآله) مخاوفها , وبشّرها
بخير قائلاً :
(( خيراً رأيتِ ؛ تَلد فاطمة إن شاء الله غلاماً فيكون في
حجرك )) .
ومضت الأيّام سريعة فوضعت سيّدة النساء فاطمة ولدها الحسين
, فكان
في حجر اُمّ الفضل كما أخبر النبي (ص)(1) .
وظلّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) يترقّب بزوغ نجم
الوليد الجديد , الذي تزدهر به حياة بضعته التي هي أعزّ الباقين
والباقيات عنده من أبنائه وبناته .
ــــــــــــــــ
(1) مستدرك الصحيحين 3 / 127 , وفي مسند الفردوسي
, قالت
اُمّ الفضل : رأيت كأن في بيتي طرفاً من رسول الله (صلّى الله عليه
وآله) فجزعت من
ذلك , فأتيته فذكرت له ذلك , فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( هو ذلك
)). فولدت فاطمة حسين , فأرضعته حتّى فطمته . وفي تاريخ الخميس 1 / 418 : إنّ هذه الرؤيا كانت قبل ولادة
الإمام الحسن (ع).
الصفحة (27)
الوليد المبارك
ووضعت سيّدة نساء العالمين وليدها
العظيم , الذي لم تضع مثله سيّدة من بنات حواء , لا في عصر النبوة ولا
فيما بعده , أعظم بركة ولا أكثر عائدة على الإنسانية منه , فلم يكن
أطيب , ولا أزكى ولا أنور منه .
لقد أشرقت الدنيا به , وسعدت به
الإنسانية في جميع أجيالها , واعتزّ به المسلمون , وعمدوا إلى إحياء
هذه الذكرى , افتخاراً بها في كل عام , فتقيم وزارة الأوقاف في مصر
احتفالاً رسميّاً داخل المسجد الحسيني اعتزازاً بهذه الذكرى العظيمة ,
كما تقام في أكثر مناطق العالم الإسلامي . وتَردّد في آفاق يثرب صدى هذا النبأ
المفرح , فهرعت اُمّهات المؤمنين وسائر السّيدات من نساء المسلمين إلى
دار سيّدة النّساء , وهنّ يهنئنها بمولودها الجديد , ويشاركنها في
أفراحها ومسرّاتها .
وجوم النبي (صلّى الله
عليه وآله) وبكاؤه
ولمّا بشّر الرسول الأعظم بسبطه
المبارك خفّ مسرعاً إلى بيت بضعته فاطمة ( عليها السّلام ) وهو مثقل
الخطا , قد ساد عليه الوجوم والحزن , فنادى بصوت خافت حزين النبرات : (( يا أسماء
, هلمّي ابني
)) .
فناولته أسماء , فاحتضنه النبي
(صلّى الله عليه وآله) وجعل يوسعه تقبيلاً
, وقد انفجر بالبكاء , فذُهلت أسماء , وانبرت تقول : فداك أبي واُمّي ! ممّ بكاؤك ؟!
الصفحة (28)
فأجابها النبي (صلّى الله عليه
وآله) ـ وقد غامت عيناه
بالدموع ـ : (( من ابني هذا )) .
وملكت الحيرة إهابها فلم تدرك معنى
هذه الظاهرة ومغزاها , فانطلقت تقول : إنه وُلد الساعة .
فأجابها الرسول بصوت متقطّع النبرات
حزناً وأسى قائلاً : (( تقتله الفئة الباغية من بعدي
, لا أنالهم الله
شفاعتي )) .
ثمّ نهض وهو مثقل بالهمّ , وأسرَّ إلى
أسماء قائلاً :
(( لا تخبري فاطمة ؛ فإنها حديثة عهد بولادة ))(1) .
وانصرف النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو غارق بالأسى
والشجون ؛ فقد استشفّ من وراء الغيب ما سيجري على ولده من النكبات
والخطوب التي تذهل كل كائن حي .
سنة ولادته
واستقبل سبط النبي (صلّى الله عليه
وآله) دنيا الوجود في السنة
الرابعة من الهجرة(2) , وأنّ النبي (صلّى
الله عليه وآله) أخذ الحسين بعد ولادته , ثمّ دفعه إلى صفية بنت عبد المطلب وهو يبكي
ويقول : (( لعن الله قوماً هم قاتلوك يا بُني
)). قالها ثلاثاً , قالت : فداك أبي واُمّي ! ومَن يقتله ؟ قال
: (( تقتله الفئة
الباغية من بني اُمية )) .
ــــــــــــــــ
(1) مسند الإمام زيد / 468 , وفي
أمالي الصدوق / 120 .
(2) تاريخ ابن عساكر 14 / 313 ,
تهذيب الأسماء 1 / 163 , مقاتل الطالبيّين / 78 , خطط المقريزي 2 / 285
,
دائرة المعارف ـ للبستاني 7 / 48 , جوهرة الكلام في مدح السّادة الأعلام
/ 116 , الإفادة في تاريخ الأئمة السّادة ـ ليحيى بن الحسين
المتوفّى سنة 424 هـ , من مصورات مكتبة الإمام الحكيم , الذرّية
الطاهرة , من مخطوطات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) العامة , مجمع
الزوائد 9 / 194 , اُسد الغابة 2 / 18 , الإرشاد / 18 .
|
|