حياة الأمام الحسين

 
 

الصفحة (224)

دفنه (صلّى الله عليه وآله) 

وبعد أن فرغ المسلمون من الصلاة على الجثمان العظيم وودّعوه الوداع الأخير قام الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في غلس الليل ؛ فوارى الجثمان المقدّس في مثواه الأخير , ووقف على حافة القبر وهو يروي ترابه بماء عينيه , وقال بصوت خافت حزين النبرات : (( إنّ الصبر لجميل إلاّ عنك , وإنّ الجزع لقبيح إلاّ عليك , وإنّ المصاب بك لجليل , وإنه قبلك وبعدك لجلل ))(1) .

لقد انطوت ألوية العدل , ومادت أركان الحق , وارتفع ذلك اللطف الإلهي الذي غيّر مجرى الحياة إلى واقع مشرق , تتلاشى فيه آهات المظلومين والمعذبين , ولا يكون فيه ظلّ للحاجة والحرمان , ويجد فيه الإنسان جميع ما يصبو إليه من الدعة والأمن والاستقرار .

فزع العترة الطاهرة (عليهم السّلام) 

وفزعت العترة الطاهرة من موت الرسول (صلّى الله عليه وآله) كأشد وأقسى ما يكون الفزع , فقد خافت من انتفاض العرب الذين وترهم الإسلام عليها ؛ فإنّ نزعة الأخذ بالثأر متأصّلة وذاتيّة عند العرب وغيرهم , وقد كانت قلوبهم مليئة بالحقد والكراهية لأسرة النبي (صلّى الله عليه وآله) يتربّصون بها الدوائر , ويبغون لها الغوائل للانتقام منها , وكانوا يرون أنّ علياً هو الذي َوتَرها وأطاح برؤوس أبنائها ؛ فهي تتطلّع إليه للأخذ بثأرها منه , وقد أيقن علي (ع)

ـــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة ـ محمد عبده 3 / 224 .

الصفحة (225)

وسائر أفراد أسرته بذلك , فقد باتوا ليلة وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) وهم يتوسّدون الأرق , قد أحاطت بهم الهواجس والآلام . وقد حكى مدى ذعرهم الإمام الصادق (عليه السّلام) بقوله : (( لمّا مات النبي (صلّى الله عليه وآله) بات أهل بيته كأن لا سماء تظلّهم , ولا أرض تقلّهم ؛ لأنّه َوتَر الأقرب والأبعد ))(1) .

وقد عانى الإمام الحسين (عليه السّلام) وهو في سنّه المبكّر هذه المحنة الكبرى وعرف أبعادها , وما تنطوي عليه من الرزايا التي ستعانيها اُسرته , كما أنه قد فقد بموت جدّه العطف الذي كان يغدقه عليه , وقد أضناه ما حلّ بأبويه من فادح الأسى والحزن بموت الرسول (صلّى الله عليه وآله) , وقد ترك ذلك أسى في نفسه استوعب مشاعره وعواطفه .

لقد مضى الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى جنة المأوى , وكان عمر الإمام الحسين (عليه السّلام) ـ فيما يقول المؤرّخون ـ ست سنين وسبعة أشهر(2) وقد تكاملت في ذلك الدور جميع مظاهر شخصيته , وعرف واقع الأحداث التي جرت , وما دبّره القوم من المخططات الرهيبة لصرف الخلافة عن أهل البيت (عليهم السّلام) , فقد تركوا جنازة نبيّهم غير حافلين بها وذهبوا يختصمون على الحكم ويتنازعون على السلطان , وقد عرّفته تلك الأحداث طبيعة المجتمع وسائر غرائزه واتجاهاته , فأعلن (عليه السّلام) رأيه فيه بقوله : (( الناس عبيد الدنيا , والدين لعق على ألسنتهم يحيطونه حيث ما دارت معائشهم , فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديّانون )) .

 وهذه الظاهرة الذاتية سائدة في جميع أنحاء المجتمع لا تتخلف في جميع أدوار التاريخ .

ــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار ج 6 / باب وفاة النبي .
(2) منهاج السنّة 3 / 11 , وجاء فيه : إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) مات ولم يكمل الحسين (عليه السّلام) سبع سنين .

الصفحة (226)

لقد حفلت وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) بأحداث رهيبة بالغة الخطورة كان من أفجعها وأقساها إبعاد العترة الطاهرة عن الشؤون السياسية في البلاد , وجعلها في معزل عن واقع الحياة الاجتماعية , في حين أنّ الاُمّة لم تكن بأي حال في غنى عن ثرواتها الفكرية والعلمية المستمدّة من الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) .

كما أنّ الهزّات العنيفة التي مُنيت بها الاُمّة إنّما جاءت نتيجة حتمية لفصل الخلافة عن أهل البيت (عليهم السّلام) , فقد انتشرت الأطماع السياسية بشكل سافر عند كثير من الصحابة , مما أدّى إلى تشكيلهم للأحزاب النفعية التي لم تكن تنشد في مخططاتها السياسية سوى الوصول إلى الحكم والتنعّم بخيرات البلاد .

وعلى أيّ حال فإن موت الرسول (صلّى الله عليه وآله) كان من أفجع الكوارث الاجتماعية التي دهمت المسلمين , وقد حكى الذكر الحكيم مدى خطورتها قال تعالى : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ) .

وقد تحقّق هذا الانقلاب الخطير الذي عناه الله على مسرح الحياة العامة , وكان من أفجع أنواعه إبادة العترة الطاهرة على صعيد كربلاء , ورفع رؤوس أبناء النبي (صلّى الله عليه وآله) على الحراب , وسبي مخدرات الرسالة يُطاف بها في الأقطار والأمصار .


الصفحة (227)

حكومة الشيخين

 


الصفحة 228

 


الصفحة (229)

والشيء المحقّق أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) قد اهتمّ اهتماماً بالغاً بتكييف حالة المسلمين وتقرير مصيرهم , واستمرار حياتهم في طريقها إلى التطور في مجالاتها الاجتماعية والسياسية , ورسم لها الطريق على أساس من المنهج التجريبي الذي لا يخضع بأيّ حال لعوامل العاطفة أو المؤثرات الخارجية , فعيّن لها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) لقيادتها الروحية والزمنية ؛ وذلك لِما يتمتع به من القابليات الفذّة التي هي بإجماع المسلمين لم تتوفر في غيره , ولعلّ من أهمّها ما يلي :

1 ـ إحاطته بالقضاء , فقد كان المرجع الأعلى للعالم الإسلامي في ذلك , وقد اشتهرت مقالة عمر فيه : لولا علي لهلك عمر .

ولم ينازعه أحد من الصحابة في هذه الموهبة , فقد أجمعوا على أنّه أعلم الناس بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأبصرهم بأمور الدين وشؤون الشريعة , وأوفرهم دراية في الشؤون السياسية والإدارية , وعهده لمالك الأشتر من أوثق الأدلّة على هذا القول ؛ فقد حفل هذا العهد بما لم يحفل به أيّ دستور سياسي في الإسلام وغيره , فقد عنى بواجبات الدولة تجاه المواطنين ومسؤوليتها بتوفير العدل السياسي والاجتماعي لهم .

كما حدّد صلاحيات الحكّام ومسؤولياتهم , ونصّ على الشروط التي يجب أن تتوفر في الموظف في جهاز الحكم من الكفاءة , والدراية التامّة بشؤون العمل الذي يعهد إليه , وأن يتحلّى بالخلق والإيمان , والحريجة في الدين , إلى غير ذلك من البنود المشرقة التي حفل بها هذا العهد , والتي لا غنى للاُمّة حكومةً وشعباً عنها .

وقد ألمعت كثير من رسائله إلى ولاته وعمّاله بالشؤون السياسية التي دلّت على أنه ألمع سياسي في الإسلام وغيره , وكما كان أعلم المسلمين بهذه الاُمور , فقد كان من أعلمهم بسائر العلوم الاُخرى ؛ كعلم الكلام والفلسفة وعلم الحساب وغيرها , وقد فتق أبواباً كثيرة من العلوم تربو على ثلاثين علماً حسب ما يقول المترجمون له , ومع هذه الثروات العلمية الهائلة


الصفحة (230)

التي يتمتّع بها كيف لا ينتخبه الرسول (صلّى الله عليه وآله) , أو يرشّحه لمنصب الخلافة التي هي المحور الذي تدور عليه سيادة الاُمّة وأمنها ؟!

إنّ الطاقات العلمية الضخمة التي يملكها الإمام تقضي بحكم المنطق الإسلامي , الذي يؤثر الصالح العام على كل شيء , أن يكون هو المرشّح للقيادة العامة دون غيره , فإنّ الله تعالى يقول : ( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) .

وليس أدعى إلى السخرية من القول : بجواز تقديم المفضول على الفاضل ؛ فإنّ هذا المنطق يوجب الغبن في العلم , والزهد في الفضيلة , وتأخير الاُمّة وانحطاط قِيَمها ومثُلها .

2 ـ إنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) كان من أشجع الناس , وأثبتهم قلباً , وقد استوعبت شجاعته النادرة جميع لغات الأرض , وهو القائل (سلام الله عليه) : (( لو تظافرت العرب على قتالي لَما ولّيت عنها )) . وقد قام هذا الدين بسيفه وبُني على جهاده وجهوده , وهو صاحب المواقف المشهورة يوم بدر , ويوم حنين , ويوم الأحزاب , قد حصد رؤوس المشركين وأباد ضروسهم , وأشاع فيهم القتل , لم تنفتح ثغرة على الإسلام إلاّ تصدّى إلى إسكاتها , وقدّمه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أميراً في جميع المواقف والمشاهد , وأسند إليه قيادة جيوشه العامة , وما ولج حرباً إلاّ فتح الله على يده وهو الذي قهر اليهود , وفتح حصون خيبر , وكسر شوكتهم وأخمد نارهم .

والشجاعة من العناصر الأساسية التي تتوقّف عليها القيادة العامة , فإنّ الاُمّة إذا مُنيت بالأزمات والنكسات , وكان زعيمها ضعيف الإرادة خائر القوى جبان القلب فإنها تصاب حتماً بالكوارث والخطوب , وتلاحقها الضربات والنكبات .

ومع توفّر هذه الصفة بأسمى معانيها في الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام)


الصفحة (231)

كيف لا يرشّحه النبي (صلّى الله عليه وآله) للخلافة الإسلامية ؟ إنه بحكم شجاعته الفذّة التي تصحبها جميع الصفات الفاضلة والمثُل الكريمة كان متعيّناً لقيادة الاُمّة وإدارة شؤونها حتّى لو لم يكن هناك نصّ من النبي (صلّى الله عليه وآله) عليه .

3 ـ وأهمّ صفة لا بدّ من توفّرها عند مَن يتصدّى لزعامة الاُمّة نكران الذات , وإيثار مصلحة الاُمّة على كل شيء , وعدم الاستئثار بالفيء وغيره من أموال المسلمين , وكانت هذه الظاهرة من أبرز ما عرف به الإمام أيّام حكومته , فلم يعرف المسلمون ولا غيرهم حاكماً تنكّر لجميع مصالحه الخاصة كالإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) , فلم يدّخر لنفسه ولا لأهل بيته شيئاً من أموال الدولة , وتحرّج فيها تحرّجاً شديداً , وقد أجهد نفسه على أن يسير بين المسلمين بسيرة قوامها الحق المحض والعدل الخالص , وسنذكر ذلك بمزيد من التفصيل عند البحث عن حكومته .

4 ـ العدالة ، وهي من أبرز الصفات الماثلة في شخصية الإمام , فقد أترعت نفسه الشريفة بتقوى الله , والتجنّب عن معاصيه , فلم يؤثر أي شيء على طاعة الله , وقد تحرّج أشدّ ما يكون التحرّج عن كل ما لا يقرّه الدين وتأباه شريعة الله , وهو القائل : (( والله , لو اُعطيت الأقاليم السبع بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في جلب شعيرة أسلبها من فم جرادة ما فعلتُ )) .

وكان من مظاهر عدالته النادرة أنه امتنع من إجابة عبد الرحمان بن عوف حينما ألحّ عليه أن يقلّده الخلافة , شريطة الالتزام بسياسة الشيخين , فأبى إلاّ أن يسير على وفق رأيه واجتهاده الخاص , ولو كان من طلاّب الدنيا وعشّاق السلطان لأجابه إلى ذلك , ثمّ يسير على وفق ما يراه , ولكنه لا يلتزم بشيء لا يقرّه , فلم يسلك أيّ طريق فيه التواء أو انحراف عن مثُل الإسلام وهديه .

لقد توفّرت العدالة بأرحب مفاهيمها في شخصية الإمام (عليه السّلام) , وهي


الصفحة (232)

من العناصر الرئيسة التي يجب أن يتحلّى بها مَن يتقلّد زمام الحكم ويلي أمور المسلمين .

هذه بعض خصائص الإمام (عليه السّلام) فكيف لا يرشحه النبي (صلّى الله عليه وآله) ولا ينتخبه لمنصب الخلافة ؟! على أنّا لو التزمنا بمبدأ الوراثة الذي احتجّ به المهاجرون على الأنصار لكان الإمام أولى من غيره بمقام النبي (صلّى الله عليه وآله) ؛ فهو ابن عمّه , وختنه على ابنته , وأبو سبطيه .

يقول ( سيديو ) : لو كان قد تمّ الاعتراف بمبدأ الوراثة ـ وهو في صالح علي منذ البداية ـ لكان بوسع ذلك أن يمنع المنازعات النكباء التي أغرقت الإسلام في الدم ؛ كان زوج فاطمة , يضمّ في شخصه حقّ الوراثة كوارث شرعي للرسول , كما يضمّ الحقّ بالانتخاب(1) .

إنّ التأمّل الدقيق الذي لا يخضع لعوامل العاطفة والتقليد يقضي بأن النبي (صلّى الله عليه وآله) قد عيّن مَن ينوب عنه في إدارة شؤون الخلافة , ولم يهمل هذه الجهة المصيرية لاُمّته , وإنه قد نصّ على الإمام أمير المؤمنين لا لقاعدة الوراثة وغيرها من الاعتبارات العاطفية ، وإنّما لتوفّر الصفات القيادية في شخصيته .

وإنّ من أوهى الأقوال وأكثرها بُعداً عن منطق الدليل القول : بأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قد أهمل أمر الخلافة , ولم يعرض لها بشيء , وإنّما ترك أمرها للمسلمين , وجعل لهم الحرية في اختيار مَن شاؤوا , فإنّ ذلك ـ حسب ما يقوله علماء الشيعة : تدمير للبناء الاجتماعي الذي أقامه الإسلام , وإلقاء للاُمّة في الفتن والأزمات , وفعلاً قد تحقّق ذلك على مسرح الحياة الإسلامية حينما عمدت الاُمّة إلى إلغاء النصوص الواردة من النبي في حقّ الإمام (عليه السّلام) , فقد واجهت هزّات عنيفة , وعصفت بها الفتن والأهواء , فقد سادت الأطماع السياسية عند الكثيرين من قادة المسلمين , وتهالكوا على

ـــــــــــــــ
(1) روح الإسلام / 292 .

الصفحة (233)

الإمرة والسلطان , فدفعوا بالقطاعات الشعبية إلى الحروب الطاحنة ؛ تحقيقاً لأهدافهم ومطامعهم , حتّى شاع الثكل والحداد في جميع أنحاء العالم الإسلامي .

يقول الاستاذ محمد سيّد الكيلاني : لقد تنازع القوم على منصب الخلافة تنازعاً قلّ أن نجد له مثيلاً في الاُمم الاُخرى , وارتكبوا في سبيل ذلك ما نتعفّف نحن عن ارتكابه الآن , فترتّب على ذلك أن أزهقت أرواح ودمّرت مدن , وهدّمت قرى وأحرقت دور , وترمّلت نساء وتيتّمت أطفال , وهلك من المسلمين خلق كثير(1) .

ومن الطبيعي أنّ ذلك الدمار الذي حلّ بالمسلمين كان نتيجة حتمية لانحراف الخلافة عن مجراها الأصيل , الذي أراده الله لها من جعلها في العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم .

وعلى أيّ حال فإنّي أحاول بكل جهد في هذه البحوث أن اتّجه صوب الحقّ , واُصوّر الأحداث التي رافقت بيعة الشيخين , اُصوّر ذلك بدقّة وتجرّد , شأن الباحث الذي يهمّه الوصول إلى الواقع مهما استطاع إليه سبيلاً .

مؤتمر السقيفة 

لا أرى هناك حادثة أخطر على الاُمّة من مؤتمر السقيفة الذي عقده الأنصار للاستيلاء على الحكم , والاستبداد بشؤون الدولة , فقد كان الحجر الأساس لتدهور الاُمّة وما عانته من الكوارث والخطوب , فقد انبثّت فيها الأطماع , وسادت فيها الأهواء .

ــــــــــــــ
(1) أثر التشيّع في الأدب العربي / 15 .

الصفحة (234)

يقول بولس سلامة :

وتوالت تحت السقيفةِ أحدا = ثٌ أثارت كوامناً وميولا

نزعاتٌ تفرّقت كغصون الـ = ـعوسجِ الغضِّ شائكاً مدخولا

لقد جرّ هذا المؤتمر السياسي سلسلة طويلة من الأحداث المريعة التي كان منها ـ فيما يقول المحققون ـ رزية كربلاء .

يقول الإمام كاشف الغطاء رحمه الله :

تاللهِ ما كربلاء لولا (سقيفَتُهُمْ) = ومثلُ ذا الفرعِ ذاك الأصل ينتجهُ

ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للبحث عن هذا المؤتمر الخطير , وكيف فاز فيه أبو بكر .

بواعث المؤتمر 

أمّا البواعث التي أدّت إلى تسابق الأنصار إلى عقد مؤتمرهم بتلك السرعة الخاطفة , وعدم التريّث في الأمر حتّى يوارى النبي (صلّى الله عليه وآله) في مثواه الأخير , فهي :

1 ـ إنّهم رأوا التحرّك السياسي من قِبَل المهاجرين الذين يمثّلون الجبهة القرشية المعارضة للإمام , فقد أجمعوا على صرف الخلافة عن علي , وظهرت منهم ـ بوضوح ـ بوادر التمرّد ؛ فقد امتنعوا من الالتحاق بسرية اُسامة , وحالوا بين النبي (صلّى الله عليه وآله) وبين ما رامه من الكتابة التي وصفها بأنها تضمن لاُمّته سعادتها وأصالتها .

وأكبر الظنّ أنّ الأنصار وقفوا على حقد المهاجرين وكراهيّتهم للإمام قبل وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) بزمان بعيد , وأنهم لا يخضعون لحكمه , ولا يرضون بسلطانه ؛ لأن الإمام قد وتَرَهم , وحصد رؤوس أعلامهم . يقول عثمان بن عفان للإمام (عليه السّلام) :


الصفحة (235)

 ما أصنع إن كانت قريش لا تحبّكم , وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين رجلاً كأنّ وجوههم شنوف الذهب , تصرع آنافهم قبل شفاههم(1) !

ودلّل عثمان على مدى لوعة قريش وحزنها على مَن قتل منها في واقعة بدر , من الرجال الذين كانت وجوههم شبيهة بشنوف الذهب ؛ لنضارتها وحسنها , وقد صرعت أنافهم ذلاً قبل شفاههم . ومما لا شكّ فيه أنها كانت ترى الإمام (عليه السّلام) هو الذي وتَرَها , فهي تطالبه بذحلها والدماء التي سفكها .

يقول الكناني محرّضاً لقريش على الوقيعة بالإمام (عليه السّلام) , والطلب بثأرها منه :

فـي كـلِّ مـجمعِ غـايةٍ أخـزاكُمُ      جـذعٌ  أبـرُّ عـلى المذاكي  القُرّحِ
 لـلـه درّكــمُ ألـمّـا  تـذكـروا      قـد  يـذكر الـحرّ الكريم  ويستحي
هـذا ابـن فـاطمةَ(2) الذي  أفناكُمُ      ذبـحاً  بـقتلةِ بـعضه لـم  يـذبحِ
أيـن  الـكهولُ وأيـن كـلّ  دعامةٍ      في المعضلات وأين زينُ الأبطحِ(3)

ويروي ابن طاووس عن أبيه يقول : قلت لعلي بن الحسين (عليه السّلام) : ما بال قريش لا تحبّ علياً ؟ فأجابه (عليه السّلام) : (( لأنه أورد أوّلهم النار , وألزم آخرهم العار ))(4) .

وعلى أيّ حال , فإن الأنصار قد علمت أنّ المهاجرين من قريش يدبّرون المؤامرات ويبغون الغوائل للإمام , وأنهم لا يرضون بحكمه , وقد أعلنوا ذلك يوم غدير خم , فقد قالوا : لقد حسب محمد أنّ هذا الأمر قد تمّ لابن عمّه , وهيهات أن يتمّ . وقد أيقن الأنصار أنهم سيصيبهم الجهد والعناء إن استولى المهاجرون على زمام الحكم ؛ وذلك بسبب مودّتهم للإمام , فلذلك

ــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 9 / 22 .
(2) فاطمة : هي بنت أسد اُمّ الإمام أمير المؤمنين .
(3) شرح نهج البلاغة .
(4) معجم ابن الأعرابي 4 / 16 .

الصفحة (236)

بادروا إلى عقد مؤتمرهم , والعمل على ترشيح أحدهم للخلافة .

2 ـ واستبان للأنصار فيما أخبر به النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّ أهل بيته لا ينالون الخلافة , وأنهم المستضعفون من بعده , فقد روى شيخ الإمامية الشيخ المفيد : أنه بقي عند النبي (صلّى الله عليه وآله) , في مرضه عمّه العباس , وابنه الفضل , وعلي بن أبي طالب , وأهل بيته خاصة , فقال له العباس : إن يكن هذا الأمر مستقرّاً فينا من بعدك فبشّرنا , وإن كنت تعلم أنّا نغلب عليه فأوصي بنا , فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( أنتم المستضعفون من بعدي ))(1) .

وسبق النبي (صلّى الله عليه وآله) أن أذاع ذلك بين المسلمين , فاحتاطت الأنصار لأنفسها ، فبادرت لعقد مؤتمرها للاستيلاء على الحكم ؛ لئلاّ يسبقهم إليه المهاجرون من قريش .

3 ـ إنّ الأنصار كانوا العمود الفقري للقوات الإسلامية المسلّحة , وقد أنزلوا الضربات القاصمة بالقرشيين فأبادوا أعلامهم وأشاعوا في بيوتهم الحزن والحداد في سبيل الإسلام , وقد علموا أنّ الأمر إذا استتبّ للقرشيين فإنهم سيمعنون في قهرهم وإذلالهم طلباً بثأرهم , وقد أعلن ذلك الحباب بن المنذر بقوله : لكننا نخاف أن يليها بعدكم مَن قتلنا أبناءهم وآباءهم وإخوانهم .

وتحقق هذا التنبّؤ , فإنه لم يكد ينتهي حكم الخلفاء القصير الأمد حتّى آل الحكم إلى الاُمويِّين ؛ فسعوا جاهدين في إذلال الأنصار وقهرهم وإشاعة الفقر والحاجة فيهم , وقد بالغ معاوية في الانتقام منهم , ولمّا ولي الأمر من بعده يزيد جهد على الوقيعة بهم فأباح أموالهم ودماءهم وأعراضهم بجيوشه في واقعة الحرّة التي لم يشاهد التاريخ لها نظيراً في فظاعتها وقسوتها .

هذه بعض العوامل التي أدّت إلى مبادرة الأنصار لعقد مؤتمرهم الذي أحاطوه بكثير من السرّ والكتمان .

ــــــــــــــــ
(1) الإرشاد /99 .

الصفحة (237)

الخطاب السياسي لسعد

ولمّا اجتمع الأوس والخزرج في سقيفة بني ساعدة انبرى سعد بن عبادة زعيم الخزرج إلى افتتاح مؤتمرهم , وكان مريضاً فلم يتمكّن أن يجهر بكلام , وإنما كان يقول ويبلّغ مقالته بعض أقربائه , وهذا هو نصّ خطابه :

 يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين , وفضيلة في الإسلام ليست لأحد من العرب . إنّ محمداً (صلّى الله عليه وآله) لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمان وخلع الأنداد والأوثان , فما آمن به إلاّ القليل ما كانوا يقدرون على منعه , ولا على إعزاز دينه , ولا على دفع ضيمٍ , حتّى إذا أراد الله بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة , وخصّكم بالنعمة , ورزقكم الإيمان به وبرسوله , والمنع له ولأصحابه , والإعزاز له ولدينه , والجهاد لأعدائه ؛ فكنتم أشدّ الناس على عدوه , حتّى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكرهاً , وأعطى البعيد المقادة صاغراً , فدانت لرسوله بأسيافكم العرب , وتوفّاه الله وهو عنكم راضٍ , وبكم قرير العين , استبدّوا بهذا الأمر دون الناس فإنه لكم دونهم(1) .

وحفل خطابه بالنقاط التالية :

1 ـ الإشادة بنضال الأنصار وبسالتهم الفذّة في نصرة الإسلام وإعزاز كلمته , وقهر القوى المعادية له , حتّى استقام أمره وهو عبل الذراع , فلهم الفضل الأكبر في نشره وازدهاره , فهم الذين حموا النبي (صلّى الله عليه وآله) أيّام محنته وغربته , فإذاً هم أولى بالنبي (صلّى الله عليه وآله) وأحقّ بمنصبه من غيرهم ؛ لأن مَن كان عليه العزم فهو أولى بالغنم .

2 ـ التنديد بالاُسر القرشية التي ما آمنت بالنبي (صلّى الله عليه وآله) , وناهضت

ــــــــــــــ
(1) الكامل في التاريخ 2 / 222 , الطبري 3 / 307 .

الصفحة (238)

رسالته وناجزته الحرب حتّى اضطر إلى الهجرة ليثرب , وإنّ مَن آمن به منهم لم يتمكّن أن يحميه ويذبّ عنه , وبذلك فلا حقّ لهم في الحكم , ولا نصيب لهم في إدارة شؤون الدولة الإسلامية التي أقامها الرسول (صلّى الله عليه وآله) والتي ما قامت إلاّ على سواعد الأنصار وجهادهم .

المؤاخذة على سعد

ومما يؤخذ به على سعد أنّه قد تناسى العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم , فلم يعرض إلى سيّدها الإمام أمير المؤمنين الذي هو باب مدينة علم النبي ومَن هو منه بمنزلة هارون من موسى , فقد تجاهله ودعا إلى نفسه وقومه , وأوّل سهم سدّد إلى آل البيت (عليهم السّلام) كان من ذلك اليوم الذي تعمّد فيه الأنصار والمهاجرون على الغضّ من كرامة عترة نبيّهم في سبيل الوصول إلى كراسي الحكم , والتنعّم بخيرات الدولة ومناصبها .

وعلى أيّ حال فإنّ سعداً قد أخطأ إلى حدّ بعيد في تجاهله لحقّ الإمام (عليه السّلام)، ولا نرى له أيّ مبرّر في ذلك , فقد جرّ للاُمّة الفتن والويلات وألقاها في شرٍّ عظيم , فقد انحرفت الخلافة عمّا أرادها الله ورسوله من جعلها في العترة الطاهرة التي هي أحرص ما تكون على الالتزام بحرفية الإسلام وتطبيق شؤونه وأحكامه .

وقد لاقى سعد جزاء عمله , فإنه لم يكد يستقر الحكم إلى أبي بكر حتّى جهد في ملاحقته وفرض الرقابة عليه , حتّى اضطر إلى الهجرة من يثرب إلى أرض الشام فتبعه خالد بن الوليد مع صاحب له , فكمنا له ليلاً وطعناه وألقياه في البئر , وتحدّثوا أنّ الجن هي التي قتلته , ورووا على لسانها شعراً تفتخر فيه بقتله وهو :


الصفحة (239)

نحن قتلنا سيّدَ الخز      رجِ  سعد بن  عبادهْ
ورمـيناه  بـسهمي      نِ  فلم نُخطئ فؤادهْ

ومن الغريب أنّ سياسة الحكم في تلك العصور قد استخدمت الجن واتخذته في أدواتها , وقد آمن بذلك السذّج والبسطاء من غير وعي وإدراك للأهداف السياسية .

وهن الأنصار

ولم تكن للأنصار إرادة صلبة ولا عزم ثابت , كما لا دراية لهم في الشؤون السياسية , فقد مُنوا ـ على كثرتهم ـ بالوهن والضعف والتخاذل , فكانوا بعد خطاب سعد ـ فيما يقول المؤرّخون ـ قد ترادوا الكلام فيما بينهم , فقالوا :
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث