الصفحة (394)
شرخ الشباب , ويقول المؤرّخون : إنه انضمّ إلى الجيش
الإسلامي الذي اتّجه إلى فتح طبرستان سنة (30 هـ) , وكان على قيادته سعيد
بن العاص , فأبلى الجيش بلاءً حسناً وفتح الله على يده ورجع ضافراً(1)
.
ولم تظهر لنا بادرة اُخرى عن الإمام الحسين في تلك الفترة , ولعلّ
السبب يعود ـ فيما نحسب ـ إلى أنّ الاُسرة النبوية كانت من الجبهة
المعارضة لحكومة عثمان , وقد قامت بدور إيجابي في التنديد بسياسته ,
وقد صبّ عثمان جامّ غضبه على أصحاب الإمام أمير المؤمنين كأبي ذر ,
وعمار , وابن مسعود , فأمعن في ظلمهم وإرهاقهم , وقد شاهد الإمام
الحسين (عليه السّلام) تلك الأحداث المفزعة فأضافت إلى نفسه آلاماً , وعرّفته
بواقع المجتمع واتّجاهاته .
وزعم بعض المؤرّخين أنّ الإمام
الحسن والحسين(عليهما السّلام) دافعا عن عثمان حينما أحاط به الثوار ,
وقد دلّلنا على عدم صحة ذلك بصورة موضوعية في كتابنا (حياة الإمام
الحسن) , وبهذا ينتهي بنا الحديث عن حكومة عثمان .
ــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 5 / 57
, العبر 2 / 34 , ولم يذكر صاحب الفتوحات الإسلاميّة انضمام الإمام
الحسين (عليه السّلام) إلى ذلك الجيش .
الصفحة (395)
عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام)
الصفحة (396)
الصفحة (397)
وحقّقت الثورة على عثمان مكسباً
عظيماً للمسلمين , فقضت على الاستغلال والتلاعب بمقدّرات الاُمّة ,
وقضت على الغبن والظلم الاجتماعي ودكّت عروش الطغيان , وحقّقت للاُمّة
أهمّ ما تصبو إليه من تحقيق العدل والرخاء والأمن .
لقد استهدفت الثورة القضايا
المصيرية للاُمّة , وكان من أهمّها ترشيح الإمام أمير المؤمنين (عليه
السّلام) لمنصب
الحكم , ويقول المؤرّخون : إنّ الثوار وسائر القوات المسلحة قد احتفّت
بالإمام , وهي تهتف بحياته وتناديه : لا إمام لنا غيرك .
لقد أيقنت الأوساط الشعبية أنّ
الإمام هو الذي يحقّق آمالها وأهدافها ويعيد لها كرامتها , وأنها ستنعم
في ظلال حكمه بالحرية والمساواة والعدل , فأصرّت على انتخابه وتقليده
شؤون الخلافة .
وجوم الإمام
(ع)
واستقبل الإمام الثوار بالوجوم وعدم
الرضا بخلافتهم ؛ لعلمه بالأحداث الرهيبة التي سيواجهها إن قَبِل
خلافتهم , فإنّ الأحزاب النفعية التي خلقتها حكومة عثمان قد تطعّمت
بالخيانة , وتسربلت بالأطماع والمنافع الشخصية , وأنها ستقف في وجهه ,
وتعمل جاهدةً على مناجزته والحيلولة بينه وبين تحقيق مخططاته
السياسية الهادفة إلى تحقيق العدل والقضاء على الجور .
وهتف الإمام بجماهير الشعب التي
احتفّت به معلناً رفضه الكامل لخلافتهم , قائلاً لهم : ((
لا حاجة لي في أمركم , فمَن اخترتم رضيت به )) .
وأيّ حاجة للإمام في خلافتهم , فهو لم ينشد مكسباً خاصّاً
له أو لاُسرته ,
الصفحة 398
وإنما كان يبغي تحقيق أهداف الاُمّة , وإعادة الحياة
الإسلاميّة إلى مجراها الطبيعي ... وأصرّت الجماهير على
انتخابه قائلة : ما نختار غيرك .
ولم يعنَ بهم الإمام , وإنما أصرّ
على الامتناع والرفض , ولكن الثوار لم يجدوا أحداً خليقا بإدارة شؤون الاُمّة غير الإمام الذي توفّرت فيه جميع الصفات القيادية من الصلابة
للحق , والقدرة على تحمّل المسؤولية , فأصرّت على فكرتها في ترشيحه
للخلافة .
مؤتمر القوات المسلحة
وعقدت القوات العسكرية مؤتمراً
خاصّاً بعد امتناع الإمام من إجابتها , عرضت الأحداث الخطيرة التي
تواجه الاُمّة إن بقيت بلا إمام , وقد قرّرت على إحضار المدنيِّين
وتهديدهم بقوة السلاح إن لم ينتخبوا إماماً للمسلمين , ولمّا حضروا
قالوا لهم : أنتم أهل الشورى , وأنتم تعقدون الإمامة
, وحكمكم
جائز على الاُمّة ؛ فانظروا رجلاً تنصبونه , ونحن لكم تبع , وقد أجّلناكم يومكم
. فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلنّ علياً وطلحة والزبير , وتذهب من اُضحية ذلك
اُمّة من الناس(1) .
وفزع المدنيّون وعلاهم الرعب ,
وخيّم عليهم الذعر , فهرعوا إلى الإمام (عليه السّلام) وهم يهتفون : البيعة البيعة
! أما ترى ما نزل بالإسلام , وما
ابتلينا به من أبناء القرى ؟!
ــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن
الأثير 3 / 80 .
الصفحة (399)
فأجابهم الإمام مصرّاً على رفضه
قائلاً : ((
دعوني والتمسوا غيري )) .
وأحاطهم علماً بالأحداث المذهلة
التي سيواجهها إن قَبِل خلافتهم قائلاً : (( أيها الناس
, إنّا مستقبلون أمراً له وجوه وله ألوان
، لا تقوم به القلوب , ولا تثبت له العقول ))(1)
.
ولم تعِ الجماهير قوله , وإنما ازدحمت عليه تنادي
: أمير المؤمنين ، أمير
المؤمنين(2) . وكثر إصرار الناس عليه وتدافعهم
نحوهم , فصارحهم بالواقع ليكونوا على بيّنة من أمرهم قائلاً : ((
إنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم , وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم ,
ألا وأنّي من أسمعكم وأطوعكم لمَن ولّيتموه )) .
لقد أعرب لهم أنه إن تولّى قيادتهم
فسوف يسير فيهم بالحق والعدل فلا يجاب ولا يصانع أيّ إنسان , ودعاهم
إلى التماس غيره , إلاّ أنهم أصرّوا عليه وهتفوا : ما نحن بمفارقيك
حتّى نبايعك .
وتزاحمت الجماهير عليه , وانثالوا
عليه من كل جانب وهم يطالبونه بقبول خلافتهم , وقد وصف (عليه السّلام) شدّة
إصرارهم وازدحامهم عليه بقوله : ((
فما راعني إلاّ والناس كعرف الضبع(3)
ينثالون عليّ
من كل
ـــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة
ـ محمد عبده 1 / 182 .
(2) أنساب الأشراف
5 / 7 .
(3) عرف الضبع
: الشعر الكثير الذي يكون على عنق الضبع , يضرب به المثل في كثرة
الازدحام .
الصفحة (400)
جانب حتّى لقد وُطئ الحسنان
, وشقّ عطفاي(1)
, مجتمعين
حولي كربيضة الغنم ))(2) .
وأجّلهم إلى صباح اليوم الثاني
لينظر في الأمر , فافترقوا على ذلك .
قبول الإمام (عليه السّلام)
ولم يجد الإمام (عليه السّلام) بدّاً من قبول الخلافة
؛ خوفاً أن ينزو
إليهم علج من بني اُميّة , كما كان يتحدّث بذلك , يقول (عليه السّلام)
:
(( والله
, ما تقدّمت عليها إلاّ خوفاً من أن ينزو على
الاُمّة تيس من بني اُميّة , فيلعب بكتاب الله عزّ وجلّ ))(3)
.
لقد دعته الضرورة والخوف على
الإسلام إلى قبول خلافتهم التي لا إرب له فيها سوى إقامة الحقّ ودحر
الباطل , فلم يكن ابن أبي طالب رائد العدالة الاجتماعية في الإسلام من
عشّاق الملك والسلطان , ولا ممن يبغي الحكم لينعم في خيراته , إنه ربيب
الوحي الذي أثبت في جميع أدوار حياته زهده في الدنيا , وعزوفه عن جميع
رغباتها .
البيعة
وازدحمت الناس في الجامع الأعظم تنتظر بفارغ الصبر
لعلّه قد أجابهم
ــــــــــــــــــ
(1) شقّ عطفاي
: أراد به خدش جانبيه من كثرة زحام الناس عليه للبيعة .
(2) ربيضة الغنم
: الطائفة الرابضة , يصف جثومهم بين يديه .
(3) أنساب الأشراف
1 ق 1 / 157 .
الصفحة (401)
إلى ما يريدون , وأقبل الإمام تحفّ
به البقيّة الطيّبة من صحابة الرسول (صلّى الله عليه وآله) فقوبل بموجة
من الهتافات المؤيّدة له , وقد أعلنوا عن رغبتهم الملحّة في أن يتولّى
شؤون المسلمين , واعتلى الإمام أعواد المنبر فخاطب الجماهير قائلاً : ((
أيها الناس , إنّ هذا أمركم ليس لأحد فيه حقّ إلاّ مَن أمّرتم , وقد
افترقنا بالأمس وكنت كارهاً لأمركم فأبيتم إلاّ أن أكون عليكم , ألا
وأنه ليس لي أن آخذ درهماً دونكم , فإن شئتم قعدت لكم وإلاّ فلا أأخذ
على أحد )) .
وألقى الإمام (عليه السّلام) الأضواء على سياسته
المالية النيّرة , فهو يحتاط كأشدّ ما يكون الاحتياط بأموال الدولة ,
فلا يستأثر بأيّ شيء منها , ولا ينفق درهماً على مصالحه وشؤونه الخاصة
, وهو يشير بذلك إلى الذين تمرّغوا في أموال الخزينة المركزية أيّام
الحكم المباد فنهبوا الأموال , وأخذوها بغير حلّها , وإنه إذا تولّى
شؤون المسلمين فسوف يحرمون منها ويعاملون كبقية أفراد الشعب , ويعود
المال حسب ما يريد الله للاُمّة لا للحاكم .
وتعالت الهتافات من جميع جنبات
المسجد وهي تعلن الإصرار الكامل على انتخابه , قائلين بلسان واحد : نحن
على ما فارقناك عليه بالأمس .
وتدافعت الجماهير كالموج المتلاطم
إلى البيعة , وتقدّم طلحة بيده الشلاّء التي سرعان ما نكث بها عهد
الله فبايع , فتطيّر منه الإمام (عليه السّلام) وطفق يقول : (( ما أخلقه أن ينكث
))(1) .
وتوالت الجماهير تبايع الإمام , وهي
إنما تبايع الله
ورسوله , وبايعته القوات المسلحة من المصريِّين والعراقيِّين , وبايعه عرب
الأمصار وأهل
ـــــــــــ
(1) العقد الفريد 3
/ 93 .
الصفحة (402)
بدر والمهاجرين والأنصار عامّة(1)
.
ولم يظفر أحد من الخلفاء بمثل هذه
البيعة في شمولها واتّساعها , وعمّت الأفراح والمسرّات جميع المسلمين ,
وقد وصف الإمام (عليه السّلام) مدى ابتهاج الناس وسرورهم ببيعته بقوله : (( وبلغ من سرور الناس ببيعتهم
أن ابتهج بها الصغير
، وهدج(2) إليها الكبير
, وتحامل نحوها العليل
, وحسرت إليها
الكعاب ))(3) .
لقد ابتهج المسلمون بهذه البيعة التي تحقق أهدافهم
,
وتحقق ما يصبون إليه من العزّة والكرامة , وقد كانت بيعته يوم السبت
لإحدى عشر ليلة بقيت من ذي الحجة(4) .
وقد انبرى أعلام الصحابة فأعلنوا
أمام جماهير الاُمّة عن تأييدهم الشامل ودعمهم الكامل لحكومة الإمام ,
وقد ذكرنا ذلك بصورة مفصّلة في كتابنا (حياة الإمام الحسن) , كما ذكرنا
فيه عرضاً للوفود التي أقبلت من أغلب مناطق العالم الإسلامي وهي تشارك
المسلين فرحتهم , وتعلن عن دعمها لبيعة الإمام .
تطهير جهاز الدولة
وأوّل عمل قام به الإمام فور توليته لمنصب رئاسة
الدولة هو عزل ولاة عثمان الذين سخّروا جهاز الحكم لمصالحهم الخاصة ,
واثروا ثراءً فاحشاً مما اختلسوه من بيوت المال , وقد عزل معاوية بن أبي
سفيان , ويقول
ــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف
5 / 22 .
(2) هدج : الشيخ
الكبير الذي يمشي في ارتعاش .
(3) حياة الإمام
الحسن (عليه السّلام) 1 / 376 , الطبعة الثالثة .
(4) أنساب الأشراف
1 ق 1 .
الصفحة (403)
المؤرّخون : إنّه أشار عليه جماعة
من المخلصين بإبقائه في منصبه ريثما تستقر الأوضاع السياسية ثمّ يعزله
فأبى الإمام , وأعلن أنّ ذلك من المداهنة في دينه , وهو مما لا يقره
ضميره الحيّ الذي لا يسلك أيّ طريق يبعده عن الحقّ , ولو أبقاه ساعة
لكان ذلك تزكيةً له وإقراراً بعدالته , وصلاحيته للحكم .
لقد تحرّج الإمام أشدّ ما يكون
التحرّج في أيّام حكومته فابتعد عن جميع ألوان السياسة المبتنية على
الخداع والتضليل .
تأميم الأموال المختلسة
وانطلق رائد العدالة الإسلاميّة يقيم
في ربوع الدولة الإسلاميّة حكم الله ويرفع راية الحق , وقد أصدر قراره
الحاسم بتأميم الأموال المختلسة التي نهبها الحكم المباد , وبادرت
السلطة التنفيذية بوضع اليد على القطائع التي أقطعها عثمان لذوي قرباه
, والأموال التي استأثر بها عثمان , وقد صودرت أمواله حتّى سيفه ودرعه
,
وأضافها الإمام (عليه السّلام) إلى بيت المال , وقد فزع بنو اُميّة كأشدّ ما يكون الفزع
, واندفعوا إلى الإنكار على الإمام (عليه السّلام) .
يقول الوليد بن عقبة يعاتب بني هاشم
, وينكر عليهم ذلك يقول :
بـني هـاشمٍ ردّوا سلاحَ ابنِ اُختكُمْ ولا تـنـهبوهُ لا تـحـلُّ مـنـاهبُهْ بـني هـاشمٍ كـيف الـهوادةُ بـيننا وعـنـد عـلـيٍّ درعُـهُ ونـجائبُهْ بـني هـاشمٍ كـيف الـتوددُ مـنكمُ وبـزّ ابـن أروى فـيكمُ وحـرائبُهْ بـنـي هـاشـمٍ ألاّ تـردّوا فـإننا ســواءٌ عـلـينا قـاتليه وسـالبُهْ بـني هـاشمٍ إنّـا ومـا كـان منكمُ كصدعِ الصفا لا يشعب الصدعَ شاعبُهْ قـتلتمْ أخـي كـيما تـكونوا مـكانَهُ كـما غـدرتْ يوماً بكسرى مرازبُهْ
|
الصفحة (404)
وألمّت هذه الأبيات بالتوتر
والأحقاد التي أترعت بها نفوس الاُمويِّين , فهم يرون الإمام هو الذي قام
بالحركة الانقلابية التي أطاحت بحكومة عثمان , وهم يطالبون الهاشميِّين
بردّ سيف عثمان ودرعه وسائر ممتلكاته التي صادرتها حكومة الإمام (عليه
السّلام) , وقد
شاع هذا الشعر وردّدته الأندية وحفظه الناس , وقد ردّ عليه عبد الله بن
أبي سفيان بن الحارث بأبيات منها :
فـلا تـسألونا سيفكُمْ إنّ سيفكُمْ اُضيع وألقاهُ لدى الروعِ صاحبُهْ وشـبّهتهُ كِـسرى وقد كان مثلَهُ شبيهاً بكسرى هديهُ وضرائبُهْ(1)
|
وطعن هذا الشاعر بشخصية عثمان فقد
رماه بالخور , وأنه ألقى سيفه لدى الروع حينما هجم عليه الثوار , فلم
يذبّ به عن نفسه , ولم يقُم بأيّ دور في الحماية والدفاع عنه , وإنما
استسلم لسيوف الثوار التي تناهبت شلوه .
فزع
القرشيّين
وفزعت القبائل القرشية وأصابها
الذهول فقد أيقنت أنّ الإمام سيصادر الأموال التي منحها لهم عثمان بغير
حق , فقد كتب عمرو بن العاص رسالة إلى معاوية جاء فيها : ما كنت صانعاً فاصنع إذا قشرك ابن أبي طالب من كل
مال تملكه , كما تقشر عن العصا لحاها(2)
.
لقد خافت قريش على ثرواتها , وخافت على نفوذها
ومكانتها , فقد عرفت الإمام وعرفت مخططاته الهادفة إلى إقامة الحق
والعدل , وتحطيم الامتيازات الغير المشروعة , وأنه سيعاملهم كبقية أفراد
الشعب ؛ فلذا أظهرت
ــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام
الحسن (عليه السّلام) 1 / 343 , الطبعة الثانية .
(2) الغدير 8 / 288
.
الصفحة (405)
أحقادها البالغة على حكومته , وقد
وصف ابن أبي الحديد مدى فزعهم واضطرابهم بقوله : كأنها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن
عمّه من إظهار ما في النفوس , وهيجان ما في القلوب حتّى الأحلاف من قريش
,
والأحداث والفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه وفتكاته في أسلافهم وآبائهم
, فعلوا ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله(1)
.
لقد راح الحسد ينهش قلوب القرشيّين ,
والأحقاد تنخر ضمائرهم , فاندفعوا إلى إعلان العصيان والتمرّد على
حكومة الإمام , وسنذكر لذلك عرضاً في البحوث الآتية .
التياع الإمام (عليه السّلام)
وامتحن الإمام (عليه السّلام) امتحاناً عسيراً من الاُسر القرشية
, وقد
عانى منها أشدّ ألوان المحن والخطوب في جميع أدوار حياته , يقول (ع):
((
لقد أخافتني قريش صغيراً , وأنصبتني كبيراً , حتّى قبض الله رسوله فكانت
الطامة الكبرى , والله المستعان على ما تصفون ))(2)
.
وتحدّث (عليه السّلام) في رسالته إلى أخيه عقيل
عن إجماعهم على حربه , كما أجمعوا على حرب رسول الله (صلّى الله عليه
وآله) , يقول : (( فدع عنك قريشاً في الضلال
, وتجوالهم في الشقاق , وجماحهم في التيه , فإنهم قد أجمعوا على حرب رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) قبلي
, فجزت
قريشاً
ــــــــــــــــ
(1) شرح نهج
البلاغة .
(2) شرح نهج
البلاغة 4 /
108 .
الصفحة (406)
عنّي الجوازي
؛ فقد قطعوا رحمي
, وسلبوني سلطان ابن اُمّي
))(1) .
ولم يعن بهم الإمام , وانطلق يؤسس معالم سياسته
العادلة , ويحقق للاُمّة ما تصبوا إليه من العدالة الاجتماعية , وقد أجمع
رأيه على أن يقابلهم بالمثل , ويسدّد لهم الضربات القاصمة إن خلعوا
الطاعة وأظهروا البغي , يقول (عليه السّلام) :
(( ما لي ولقريش
! لقد قتلتهم كافرين
, ولأقتلنّهم
مفتونين . والله لأبقرنّ الباطل حتّى يظهر الحقّ من خاصرته , فقل لقريش
فلتضجّ ضجيجها ))(2) .
لقد جهدت قريش على إطفاء نور الله ,
وتدمير المثُل الإسلاميّة بكل قواها , في محاربة الإمام والإطاحة
بحكومته , كما جهدت من قبل على حرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وردّ رسالة الإسلام
لمصدرها . |