الحُسَيْنُ
(عليه السّلام)
سِمـاتُهُ و سِيْرَتُهُ
ترجمة شارحة اعتماداً على ما أورده المحدّثُ المورّخ الشامي ابنُ عساكر في
كتابه الكبير «تاريخ دمشق»
تأليف :
السيّد محمّد رضا الحسيني
الجلالي
محرّم الحرام 1415هـ
الصفحة
(2)
الحمدُ لله ربّ العالمين والصلاة والسّلام على سيّد الأنبياء والمرسلين
محمّد (صلّى الله عليه وآله) , وعلى الأئمّة الأطهار من آله الأخيار ،
وعلى الأبرار من أصحابهم والتابعين لهم بإحسان .
الصفحة (3)
مُلاحَظات
[إنّ] الأحاديث الواردة في هذا الكتاب كلّها مأخوذةٌ من رواية الحافظ ابن
عساكر في تاريخ دمشق ، جزء ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، من النسخة
التي طبعها الشيخ محمد باقرالمحمودي في بيروت ـ الطبعة الاُولى سنة 1398 هـ
.
وقد وضعتُ أرقام أحاديث النسخة في بداية كلّ رواية نقلتها بين معقوفين
, ثمّ قابلتُ نصوص الروايات بما أورده العلاّمة ابن منظور الأنصاري في
مختصر تاريخ دمشق ، من الجزء السابع من النسخة التي حقّقها أحمد راتب حمروش
ومحمّد ناجي العمر , ونشرتها دار الفكر بدمشق سنة 1405 .
وأرجَعْتُ إلى مواضع الأحاديث في الهامش , ورتّبتُ الكتاب على فقرات مرقّمة حسب العناوين المتعدّدة
, ونظّمتُ الفهارس حسب أرقام الفقرات التى أثبتها في الكتاب .
الصفحة (4)
بسم الله الرحمن الرحيم
على سيرتي في المناسبات والأحداث وأنا ألتزمُ بقراءة ما يخصّها
؛ لأتعرّف
على مجرياتها ومداخلاتها ؛ رغبةً في العلم ، وأملاً في أنْ اُؤدّي حقّ ما
أقوم به من خدمات دينيّة وتراثيّة أعتزُّ بها ... بدأتُ في أوّل يوم من شهر محرّم الحرام سنة 1415 بقراءة الجزء الخاص
بترجمة الإمام السبط الشهيد سيّدنا أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب
(عليه السّلام) ، من كتاب «تاريخ دمشق» , تأليف الحافظ المؤرّخ الدمشقي ابن
عساكر ؛ علي بن الحسن بن هبة الله (499 ـ 571) .
وهو كتاب حافلٌ بالروايات التي أسندها ابن عساكر المعروف بسعة العلم ،
والتضلّع في الفنّ بما يجعله جديراً بكلّ عناية واهتمام . وقد ناهزتْ أحاديثُ هذه الترجمة حسب ترقيم محقّق الكتاب «400» حديثاً ،
ترتبط بالإمام الحسين (عليه السّلام) وشؤون حياته ؛ سمات وسيرة قبل كربلاء
وفيها وبعدها .
والكتاب ـ مثله مثل سائر المؤلّفات القديمة ـ يعتمد اُسلوب الإسناد
, فيُكثر
من الأسانيد ويعدّدها ويكرّرها ؛ الأمر الذي له أهمّيته وضرورته في مجال
النقد والتقييم للتراث ، إلاّ أنّه يجعله شاقّاً على غير العلماء
والمتخصّصين أن يراجعوه ويستفيدوا منه ؛ لاستثقالهم لمثل هذا الاُسلوب
التراثي ، فلا يُقدمون على اقتناء مثله ، ولا يستسيغون مطالعته والاستفادة
منه .
فعزّ عليَّ أنْ يبقى هذا الكتاب وما فيه من ثروة حديثيّة وعلميّة
بعيداً عن متناول أكثر محبّي المعرفة ؛ فقمتُ باستخلاص الأحاديث من ذلك الكتاب العظيم ، وعمدتُ إلى تنظيمها بشكل
يستذوقه عامّة القُرّاء .
الصفحة (5)
ولمزيد التيسير والرغبة في متابعتها وضعت كلّ حديث في إطار معيّن ، يحدّد
الأبعاد المنظورة وحتّى غير المنظورة لمؤدّاه ؛ ممّا يتوقّف عليه فهمُ
النصّ لغوياً وتاريخياً ، وعقائدياً ومنهجياً ، كي لا يبقى النصُّ جامداً
ولا مبهَماً في صورة بُعده عن القرائن الحالية أو المقالية المتوافرة في
بيئات صدوره ، وربّما في بيئات اُخرى لها الصلة الوثيقة بالنصّ ومدلوله
ممّا يفرض ذكر القرائن وضرورتها لتوضيح النصّ وفهمه .
أمّا غير «تاريخ ابن عساكر» فقد التزمتُ بعدم النقل منه إلاّ بعض الشؤون
التي اعتمدتُ فيها أساساً على كتاباتي السابقة ، وخصوصاً ما احتوى منها على
قضايا «حسينيّة» .
ورغم أنّ عملي هذا متواضعٌ فإنّ أملي بالله واسعٌ أَنْ يتقبّلَهُ بقبول
حَسَن ؛ فأحظى أنْ يؤهّلني لشفاعة الحسين (عليه السّلام) يوم الورود ، وأنْ
يثبّتَ لي قدمَ صدق عنده مع الحسين (عليه السّلام) ، وأصحاب الحسين الذين بذلوا مُهَجَهم
دون الحسين (عليه السّلام) .
حُرّر في محرّم الحرام سنة 1415
, وكتب
السيد محمّد رضا الحسيني
الجلالـي
الصفحة (6)
مَنْ هو ابن عساكر ؟
قال الحافظ الذهبي في «سير أعلام النبلاء» : الإمام العلاّمة ، الحافظ الكبير المجوّد ، محدّث الشام ، ثقة الدين أبو
القاسم الدمشقي الشافعي , صاحب «تاريخ دمشق» .
ولد في المحرّم في أوّل الشهر سنة تسع وتسعين وأربعمئة ، وارتحل إلى
العراق في سنة عشرين ، وحجّ سنة إحدى وعشرين ، وارتحل إلى خراسان على طريق
أذربيجان سنة تسع وعشرين وخمسمئة , وهو عليّ بن الحسن بن هبة الله بن عبد
الله بن الحسين .
وعددُ شيوخه الذين
في «معجمه» «1300» بالسماع ، و«46» شيخاً أنشدوه ، وعن «290» شيخاً
بالإجازة ، و«بضعاً وثمانين» امرأة ، فالمجموع «1716» تقريباً . وصنّف الكثير
, وكان فَهِماً حافظاً ، متقناً ذكيّاً ، بصيراً بهذا الشأن ، لا يُلحقُ شاؤُه
ولا يُشقّ غباره ، ولا كان له نظيرٌ في زمانه .
تُوفيَ في رجب سنة «571» ليلة الإثنين ، حادي عشر الشهر ، وصلّى عليه القطب
النيسابوري ، وحضره السلطان ، ودُفن عند أبيه بمقبرة باب الصغير بدمشق .
سير أعلام النبلاء 20 / 554 ـ 571
الترجمة (354) باختصار وتصرّف
الصفحة (7)
1 ـ الهويّة الشخصيّة
اسمه :
الحُسَيْن عن عليّ (عليه السّلام)
[16] لمّا ولد الحسن سمّاه «حمزة» , فلمّا وُلِدَ الحسين سمّاه بعمّه
«جعفر» .
قال عليّ (عليه السّلام) : (( فدعاني رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) فقال : إنّي اُمرتُ
أن اُغيّر اسم ابنَيَّ هذين . فقلت : الله ورسوله أعلم . فسمّاهما حسناً وحسيناً
))(1) .
وإذا كان عليٌّ (عليه السّلام) يُحاول أن يُخَلّد باسم ابنيه ذكر عمّه حمزة وأخيه جعفر ،
وتفاؤلاً أن يخلفاهما في النضال والهمّة والمجد ، فإنّ الوحي الذي لا ينطق
الرسول إلاّ عنه قد حكم لهما باسمين آخرين ، وأمَرَ الوحيُ الرسول الكريم
(صلّى الله عليه وآله) أن يُبلِّغَ هذا الحكم ، فلم يجد من عليٍّ غير التسليم لأمر السماء .
والاسمان السماويّان هما : «الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنّة ، لم يكونا في الجاهليّة»(2)
.
ويؤكّد الرسولُ (صلّى الله عليه وآله) على هذه التسمية فيُعْلِنُ عن أسباب اختيارها فيما رواه
سلمان ، قال :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 116 .
(2) تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام الحسن (عليه السّلام) / 17 رقم
(22) .
الصفحة (8)
[22] قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( سمّى هارون ابنيه شَبَراً
وشُبَيْراً , وإنّي
سَمَّيتُ ابنَيَّ الحسنَ والحُسَيْنَ بما سمّى به ابنيه شَبَراً
وشُبَيْراً )) .
إنّ الرسولَ (صلّى الله عليه وآله) إذْ يعلّل تسمية الحسن والحسين (عليهما
السّلام) بما فعل هارون يذكّر بما لاسم
هارون من ربط بشأن أبي الحسن والحسين ، وما جاء عن الرسول من حديث «المنزلة»
حين أعلن فيه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بقوله:
(( عليٌّ منّي بمنزلة
هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيَّ بعدي )) الذي خرّجه بعض الحّفَاظ بـ «500»
إسناد ، وعُدّ في المتواتر(1) .
فإذا كان عليّ (عليه السّلام) بمنزلة هارون في الخلافة والوزارة ، فليكن اسما ابنيه كاسمي
ابني هارون ؛ ليدلاّ على التنزيل منزلته في جميع الشؤون بلا استثناء سوى
النبوّة التي ختمت بالرسول (صلّى الله عليه وآله) .
كنيته :
أبو عبد الله , اتّفق على ذلك المؤرّخون والمحدّثون ، وما كُنّي بغيرها(2) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر الحديث بطرق ابن عساكر في تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام عليّ
(عليه السّلام) , الأحاديث المرقّمة (336 ـ 456) 1 / 306 ـ 394 , وما علّق
عليه محقّقه المحمودي .
(2) لاحظ تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام)
/ 22 , ومختصر تاريخ
دمشق ـ لابن منظور 7 / 117 .
الصفحة (9)
ألقابه :
سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , كذا ذكره ابن عساكر(1)
, وجاء في المأثور عن أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام)
تلقيب الإمام الحسين به ، وكذلك باللقب التالي(2)
.
سيّد شباب أهل الجنّة : وهذا اللقب مأخوذ من حديث رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) لما قال في
الحسين وفي أخيه الحسن (عليهما السّلام) : ((... سيّدا شباب أهل الجنّة
)) , وسيأتي في الفقرة(11) .
ريحانة رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) : كذا ذكره ابن عساكر(3)
, وهو كذلك مأخوذ من حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين قال فيه وفي أخيه الحسن
(عليهما السّلام) : (( هما ريحانتاي من الدنيا ))
, وسيأتي
في الفقرة(11) .
أبوه : أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلّب بن هاشم بن عبد مناف بن
قصيّ القرشيّ الهاشميّ المطّلبيّ الطالبيّ (عليه السّلام) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام)
/ 5 , ومختصر تاريخ
دمشق ـ لابن منظور 17 / 115 .
(2) تاريخ أهل البيت (عليهم السّلام) ، فصل الألقاب / 130 .
(3) تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) / 5 , ومختصر تاريخ
دمشق ـ لابن منظور 17 / 115 .
الصفحة (10)
اُمّه : الزهراء فاطمة بنت رسول الله محمّد
(صلّى الله عليه وآله) , واُمّها خديجة بنت خويلد بن أسَد بن عبد العزّي بن قصيّ(1) .
أمّا الهالة التي تكتنف الحسين (عليه السّلام) من طرفي اُمّه وأبيه ، وما لتلك
العائلة الكريمة من الشرف في النسب والحسب , فلنقرأ عنها الحديث [173] عن ربيعة السعدي قال : لمّا اختلف الناس في التفضيل رحلتُ راحلتي ،
وأخذتُ زادي حتّى دخلتُ المدينة , فدخلتُ على حُذيفة بن اليمان ، فقال لي :
ممّن الرجلُ ؟
قلتُ : من أهل العراق .
فقال : من أيّ العراق ؟
قلتُ : رجل من أهل
الكوفة .
قال : مرحباً بكم يا أهل الكوفة .
قلتُ : اختلف الناسُ في التفضيل فجئتُ لأسألك عن ذلك .
فقال لي : على الخبير سَقَطْتَ ؛ أما إنّي لا اُحدّثك إلاّ بما سمعتْهُ
أُذنايَ ووعاهُ قلبي وأبصرتْه عيناي ؛ خرج علينا رسولُ الله (صلّى الله
عليه وآله) ـ كأنّي أنظر إليه كما
أنظر إليك الساعة ـ حاملَ الحسين بن عليّ على عاتقه ـ كأني أنظر إلى كفّه
الطيّبة واضِعَها على قدمه يُلصقها بصدره ـ , فقال :
(( يا أيُّها الناس ،
لأعرفنّ ما اختلفتم ـ يعني في الخيار ـ
بعدي , هذا الحسينُ بن عليّ خير الناس جدّاً ، وخير الناس جدّةً
؛ جدّه مُحمد رسول الله سيّد النبيّين , وجدّته خَديجة بنت خويلد سابقة نساء العالمين إلى الإيمان بالله ورسوله .
هذا الحسينُ بن عليّ خير الناس أباً ، وخير الناس
اُمّاً ؛ أبوه عليّ بن أبي طالب أخو رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , ووزيره ،
وابن عمّه ، وسابق رجال العالمين إلى الإيمان بالله ورسوله ,
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) / 23
.
الصفحة (11)
واُمّه فاطمة بنت محمّد سيّدة نساء العالمين .
هذا الحسينُ بن عليّ خيرُ الناس عمّاً ، وخير الناس عمّةً
؛ عمّه جعفر بن أبي طالب ، المزيَّن بالجناحين يطير بهما في الجنّة حيثُ يشاء
, وعمّته أُمّ هانئ بنت أبي طالب .
هذا الحسين بن عليّ خير الناس خالاً ، وخير الناس خالةً
؛
خاله القاسم بن محّمد رسول الله , وخالته زينب بنت محّمد رسول الله ))
.
ثمَّ وضعه عن عاتقه فدرج بين يديه وحَبا , ثم قال :
(( يا أيّها الناس , هذا الحسين بن عليّ , جدّه وجدّته في الجنّة ، وأبوه
واُمّهُ في الجنّة ، وعمّه وعمّتهُ في الجنّة ، وخاله وخالته في الجنّة ، وهو
وأخوه في الجنّة . إنّه لم يُؤْتَ أحدٌ من ذرّيّة النبيّين ما اُوتي الحسين
بن عليّ ما خلا يوسف بن يعقوب ))(1) .
2 ـ تواريخ وأرقام
الولادة : عامها وشهرها ويومها
أجمع المؤرّخون على ولادته في سنة أربع من الهجرة , ولكن محدّثو الشيعة
وعلماؤهم أثبتوا ولادته سنة ( ثلاث ) من الهجرة . ونقل ابن عساكر عنهم ولادته في شهر شعبان لِليال منه أو لخمس ليال بالضبط ،
والمشهور في الثالث منه , ولكنّ التحقيق يدلّنا على أنّ ولادته كانت في آخر ربيع الأوّل
؛
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 5 ـ 126 .
الصفحة (12)
لإجماع الرواة على ولادة الحسن أخيه في النصف من شهر رمضان(1)
, وإجماع أهل البيت على ولادة الحسين بعده بـ «ستّة اشهر وعشرة أيّام»(2) .
مكان الولادة : المدينة المنوّرة
, وبالضبط في بيت عليّ وفاطمة الزهراء (عليهما السّلام) ، المجاور لدار الرسول
(صلّى الله عليه وآله) ، والواقع في داخل المقصورة الشريفة وسط المسجد النبويّ الشريف
ثاني الحرمين الشريفين ، من أفضل بقاع الأرض .
الشهادة : عامها وشهرها ويومها
قال ابن عساكر : أجمع أكثر أهل التاريخ أنّه قُتل في المحرم سنة إحدى وستّين
يوم عاشوراء , يوم السبت(3) , وقيل : الجمعة(4)
.
مكان الشهادة : نَهر كربلاء , وبالضبط جنبَ الفُرات المارّ بمدينة كربلاء المقدّسة ، والتي تسمّى نينوى
والغاضرية والحائر ، قريباً من الكوفة في أرض العراق .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام الحسن (عليه السّلام) / 10 , الأحاديث (8 ـ 12)
, وانظر ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) / 295 رقم (395) , و 282 رقم (364) .
(2) انظر تاريخ أهل البيت (عليهم السّلام) / 76 .
(3) تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) / 282
.
(4) تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) / 288
, ومختصر تاريخ
دمشق ـ لابن منظور 7 / 116 و156 .
الصفحة (13)
مدّة عمره
ستّ وخمسون عاماً وتسعة أشهر وعشرة أيّام(1)
؛ فكان مقامُه مع جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سبع سنين إلاّ
شهراً , وأقامَ مع أبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) ثلاثين سنة إلاّ خمسة أشهر
وأيّام , ومع أخيه الحسن (عليه السّلام) عشر سنين إلاّ ستّة أشهر وعشرين يوماً
, وإمامته بعد أخيه عشر سنين وعشرة أشهر إلاّ عشرة أيّام(2) .
خرج من المدينة بعد ما جاء خبر موت معاوية في النصف من رجب سنة ستّين(3)
, وخرج من مكّة متوجّهاً إلى العراق يوم الإثنين في عشر ذي الحجّة سنة
ستّين(4) , وورد كربلاء في الثاني من المحرّم سنة واحد وستّين(5)
, وكان قتله في العاشر من المحرّم يوم عاشوراء من تلك السنة(6) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال ابن عساكر : وستّ وخمسون في سنّه أثبت . وقد رواه عن الإمام جعفر بن
محمد الصادق (عليه السّلام) (رقم 356) , ومن المعلوم أنّ ذلك بإهمال الأشهر والأيام الباقية ،
كما أنّ من قال بأنّ عمره «سبع وخمسون» استثنى الشهرين والعشرين يوماً .
(2) انظر تاريخ أهل البيت (عليهم السّلام) / 76 .
(3) تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) / 199 ـ 200
, ومختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 138 .
(4) تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) / 205
.
(5) أنساب الأشراف للبلاذري 3 / 176 .
(6) تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) / 207
.
الصفحة (14)
3 ـ المظاهر الخُلقيّة
كان الحسين (عليه السّلام) يُشبَّهُ بجدّه الرسول (صلّى
الله عليه وآله) في الخِلْقة واللونِ ،
ويقتسمُ الشَّبَهَ به (صلّى الله عليه وآله) مع أخيه الحَسَن (عليه
السّلام) , ولا غَرْوَ فهما فِلقتان من ثمرة واحدة من الشجرة التي قالَ فيها رسولُ
الله (صلّى الله عليه وآله) [164] : (( أنا الشجرة ، وفاطمة أصلها ـ أو فرعها ـ
, وعليّ لقاحها ، والحسن والحسين
ثمرتها ، وشيعتنا ورقها ؛ فالشجرة أصلها في جنّة عَدْن ، والأَصل والفرع
واللقاح والثمر والورق في الجنّة ))(1) .
روى ذلك عبد الرحمن بن عوف قائلاً : ألا تسألوني قبل أن تشوبَ الأحاديثَ
الأباطيلُ ؟! فالحسنُ أشبَهَ جدَّه ما بين الصدر إلى الرأس ، والحسين أشبهه ما كان أسفل
من ذلك من لدن قدميه إلى سرّته .
وكان الإمام عليّ (عليه السّلام) يُعلنُ عن ذلك الشَبَه ويقول [47] :
(( مَن سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله
(صلّى الله عليه وآله) ما بين عنقه وثغره فلينظر إلى الحسن , ومَن سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله
(صلّى الله عليه وآله) ما
بين عنقه إلى كعبه خَلقاً ولوناً فلينظر إلى الحسين بن عليّ )) .
وقال في حديث آخر[45] : (( اقتسما شَبَهَهُ
))(2) ؛ ليكون وجودهما ذكرى وعبرةً , استمراراً لوجود النبيّ
(صلّى الله عليه وآله) في العيون ، مع ذكرياته
في القلوب ، وأثره في العقول ,
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 3 ـ 124 .
(2) المصدر نفسه .
الصفحة (15)
وعبرةً للتاريخ ، يتمثّل فيه للقاتلين حسيناً ، والضاربين بالقضيب ثناياه ،
إنهم يقتلون الرسول ويضربون ثناياه .
ولقد أثار ذلك الشَّبَهُ خادِمَ الرسول أنسَ بن مالك لَمّا
رأى قضيبَ ابن زياد يَعْلو ثنايا أبي عبد الله الحسين حين اُتي برأس الحسين ، فجعلَ ينكتُ
فيه بقضيب في يده ، فقال أنس [48] : أما إنّه كانَ أشبههما بالنبيّ (صلّى
الله عليه وآله) .
4 ـ الخُلق العظيم
حِجْرُ الزهراء فاطمة بنت الرسول (صلّى الله عليه وآله) ذي الخلق العظيم ، هو خير مهد لتربية
أولادها على ذلك الخلق ، وأكرم به . ولكن لمّا رأت الزهراء (عليها السّلام) والدها الرسول
(صلّى الله عليه وآله) محتضراً ، وعلمتْ من نبئهِ بسرعة
لحوقها به ، هبّتْ لتستمدّ من الرسول (صلّى الله عليه وآله) لأولادها الصغار المزيدَ من ذلك , واجتهدتْ أن تطلبَ من أبيها علانية ـ حتّى يتناقل حديثها الرواة ـ أن
يُورِّث ابنيها .
[55 ـ 57] أتَتْ فاطمةُ بنت النبي (صلّى الله عليه وآله) بابنيها إلى
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في شكواه التي توفّي فيها , فقالت :
(( يا رسول الله ، هذانِ ابناكَ تورّثهما شيئاً ؟ ))
, أو قالت : (( ابناك وابناي ،
انحلهما )) .
قال (صلّى الله عليه وآله) : (( نعم
؛
أمّا الحسن فقد نحلتُه هَيْبتي وسُؤددي , وأمّا الحسين فقد نحلتُه نَجدتي وجُودي
)) .
قالتْ : (( رضيتُ يا رسول الله ))(1) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 118 .
الصفحة (16)
لقد ذكّرتْ الزهراءُ فاطمة أباها الرسولَ (صلّى الله عليه
وآله) بالإرث منه , فوافقها بقوله :
(( نعَم )) , ولم يقل لها : «إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث»
؛ فإنّ الزهراءَ (عليها السّلام) الوارثة أوْلى بأنْ يُذكر لها عدم الإرث لو كان ، ومع أنّ
ابنيها الحسنين لا يرثان من حيث الطبقة من جدّهما مع وجود اُمّهما بنت
النبي (صلّى الله عليه وآله) , فالنبي كذلك لم يعارض ابنته في طلبها ، بل قال لها :
(( نعم )) .
لكن الذي يخلُد من إرث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هو الخلُق العظيم دون حُطام الدنيا الزائل ،
وهو أشرف لهما ؛ ولذلك رضيت الزهراءُ (عليها السّلام) لابنيها من الرسول
(صلّى الله عليه وآله) إذ نحلهما ـ أيضاً ـ
أهمّ الصفات الضروريّة للقيادة الإلهيّة : الحلم ، والصبر على الشدائد ، والهيبة ، والسؤدد ، والجلالة للحسن الممتَحن في
عصره بأنواع البلاء ، فأعطاه ما يحتاجه الأئمّة الصابرون .
والشجاعة ، والجرأة ، والنجدة ، والجود للحسين الثائر في سبيل الله لإعلاء
كلمته ، فأعطاه ما هو أمسّ للأئمة المجاهدين .
5 ـ الطهارة الإلهيّة
وإذا تقرّرَ في اللوح أن يكونَ الإمامُ الحُسَين (عليه
السّلام) من الأئمّة
الّذين تجب طاعتهم ، فإنّ الوحيَ الذي عاش الحسينُ في ظلّه ؛ حيث كان بيتُ
الرسالة مهبطَهُ ، تنزلُ آياتُه على جدّه (صلّى الله عليه وآله) ، وهو يحبُو في أفنانه ، لا بُدّ وأن
يؤكّد ما تقرّر في اللوح .
وكذلك كان ، فهذه اُمّ المؤمنين اُمّ سلمة تقول [102] : نزلت هذه الآية في بيتي : (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ
الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) , وفي البيت سبعة :
جبريل وميكائيل ، ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وعليّ وفاطمة ،
والحسن والحسين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) .
الصفحة (17)
قالت : وأنا على باب البيت ، فقلت : يا رسول الله , ألستُ من أهل البيت ؟
قال : (( إنّك على خير ، إنّك من أزواج النبيّ
(صلّى الله عليه وآله) )) , وما
قال : «إنّك من أهل البيت»(1) .
وفي حديث آخر [105] إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان عند
اُمّ سلمة ، فجعَل
الحسنَ من شقّ ، والحسين من شقّ ، وفاطمة في حجره ، فقال :
(( رحمةُ اللهِ
وبركاتُه عليكم أهلَ البيتِ إِنَّه حَمِيدٌ مَجِيدٌ )) .
وكان موعدُ المباهلة عندما أمر الله رسولَه بقوله : (فَقُلْ تَعَالَواْ
نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ
وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَعْنَةَ اللهِ
عَلَى الكَاذِبِينَ ) , فإنّ الإمام عليّاً (عليه السّلام) قال [162]
: (( خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين خرج لمباهلة النصارى
بي وبفاطمة , والحسن والحسين ))(2) , ثم قال النبي
(صلّى الله عليه وآله) : (( هؤلاء أبناؤنا ـ يعني : الحسن والحسين
(عليهما السّلام) ـ وأنفسنا ـ يعني : عليّاً
(عليه السّلام) ـ ونساؤنا ـ يعني فاطمة (عليها السّلام)
ـ )) .
وإذا وقفوا مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في هذا الموقف الخاصّ العظيم فلا بُدّ أن يتّسمَ
الواقفون معه بما يتّسم به من الطهارة والقُدس والعظمة .
6 ـ القوة الغيبيّة
وُلِدَ الحسينُ (عليه السّلام) ونَما وعاشَ طفولته في مهبط الملائكة ؛ حيث تخفق صعوداً
ونزولاً على جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , ترفده بالوحي
وأنباء
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 120 .
(2) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 123 .
الصفحة (18)
السماء ومغيّبات الأرض .
وإذا حطّتْ طيور الوحي أو طارتْ فإنّ زَغَبَ أجنحتها لا بُدّ أنْ يتناثر في
أروقة هذا المكان ، وإنّ أهل البيت (عليهم السّلام) لا بُدّ وأنْ يحتفظوا بهذا الزغب ليجدّدوا
به ذكريات الرسول (صلّى الله عليه وآله) والنبوّة . والرسول (صلّى الله
عليه وآله) نفسه قد خَصَّ الحسن والحسين
(عليهما السّلام) بتعويذين جمع فيهمـا زغب جناح
جبريل أمين الوحي يحملانه معهما ؛ ليكونا أظهر دليل على ارتباطهما بالسماء .
[172] عن عبد الله بن عمر : كان على الحسن والحسين تعويذان فيهما من زغب جناح
جبرئيل(1) .
وإذا كان في التعويذ دعمٌ معنويّ ، فإنّ لجبريل موقفاً آخر مع الحسين
(عليه السّلام) خاصّة ؛
إذ كان يدعمُه مادّياً , ويبثّ فيه القوّة والشجاعة ؛ ففي الحديث [156] : إنّ الحسنَ والحسينَ كانا يصطرعان
, فاطّلع عليّ (عليه السّلام) على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وهو يقول :
(( ويهاً الحسنَ )) . فقال عليّ (عليه
السّلام) :
(( يا رسول الله ، على الحسين ؟!
)) . فقال : (( إنّ جبرئيل يقول : ويهاً الحسين
))(2) .
إنّه من أجمل المناظر أن يلعب الصغار ببراءة الطفولة ، ولكن الأجمل من ذلك
أن يكون بمشهد النبيّ الأعظم من جانب ، وجبرئيل مَلَك السماء من جانب آخر .
وإذا كان جبرئيل ينفثُ في الحسين روح القوّة والشدّة والتشجيع ، فإنّ ذلك
بلا ريب بأمر من السماء ؛ إذ إنّ الملائكة الكرام (يَفْعَلُونَ مَا
يُؤْمَرُونَ) .
ولجبرئيل شأن آخر مع الحسين (عليه السّلام) أعظم ، عندما كان المنبئ عن قتله وشهادته ،
والمُراسِل الأوّل بأنباء السماء عن شهيد كربلاء ، بل أتى النبيَّ (صلّى
الله عليه وآله) من أرضها
بتربة حمراء ... إلى آخر الحديث الذي سنذكره في الفقرة (28) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 125 .
(2) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 122 .
الصفحة (19)
وكان أمير المؤمنين (عليه السّلام) يعرف ما تميّز به الحسين
(عليه السّلام) من
القوّة الغيبيّة التي نفثها فيه جبرئيل (عليه السّلام) ، فكان يشّبهه بنفسه في
الشجاعة والإقدام ويقول [184] : (( وأشبه أهلي بي الحُسينُ
))(1) .
وكان إذا تحدّث عن الحرب يقول [185] :
(( وأمّا أنا وحُسين فنحن منكم وأنتم منّا ))(2) . وهو البطل المقدام الذي لا تُنكر ضرباته ولا تُفلّ عزماته .
والإمام الحسن (عليه السّلام) يُعلن عن شدّة الحسين (عليه
السّلام) وصلابته حين قال له [187]
: (( أي أخ ، والله لوددتُ أنّ لي بعض شدّة قلبك ))(3) .
7 ـ شؤون اُخرى
1 ـ بين الحسن والحسين
(عليهما السّلام)
جاء في النصوص عن أهل البيت (عليهم السّلام) أنّه [13 و14] كان بين الحسن والحسين طهر وحمل(4) .
وأقلّ الطهر عشرة أيّام ، وكان الحمل ستّة أشهر ، وهو أقلّ ما يُمكن منه
، وقد
صرّح أهلُ البيت (عليهم السّلام) بأنّه لم يولد لها إلاّ الحسين وعيسى(5) .
فالذي كان بين ولادتي الحسن والحسين من التفاوت هو «ستّة أشهر وعشرة أيام»
, وهو ما جاء التصريحُ به في المأثور من تاريخ أهل البيت (عليهم السّلام) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) و (2) و (3) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 128 .
(4) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 116 .
(5) تاريخ أهل البيت (عليهم السّلام) / 74 .
الصفحة (20)
2 ـ عند الولادة
جاء في الحديث عن بشر بن غالب قال [9] : كنتُ مع أبي هريرة فرأى الحسين بن عليّ ، فقال
: يا أبا عبد الله ، لقد
رأيتك على يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد خضبتهما دماً حين
اُتي بك ، حين وُلِدتَ ، فسرّرك ولفّك في خرقة ، ولقد تفل في فيك ، وتكلّم
بكلام ما أدري ما هو .
ولقد فعلَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كل ذلك خصّيصاً بالحسين
(عليه السّلام) , وهو أمر لا يخفى على الحسين (عليه السّلام) أنّ جده فعله ، فلا بُدّ أنّ أخصّ
أهله به قد أخبره . ولكن ماذا في إخبار أبي هريرة به من فائدة ؟! هل يريد أن يُثبت اتّصاله بالنبيّ
(صلّى الله عليه وآله) وحضوره معه منذ السنة الرابعة من
الهجرة , أو يريد أن يزعم أنّه كان من خاصّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فكان قريباً منه إلى هذا الحدّ ؟!
لكن ما هو الجواب عن الأخبار الكثيرة المصرّحة بتأخّر إسلام أبي هريرة
ولحوقه بالنبي (صلّى الله عليه وآله) بعد مولد الحسين (عليه السّلام) ،
وبالضبط في السنة السابعة من الهجرة المباركة ؟!
3 ـ الرضاع
لا بُدّ أنّ الحسين (عليه السّلام) ارتضع بلبان المعرفة والحكمة من ثدي الزهراء
اُمّه (عليها السّلام) ، وقد
ورد في الحديث أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) نفسه زقّه بلسانه وبإبهامه يمصّ منهما ما يُنبت
اللحم .
لكن جاء في الحديث أنّ زوجة العبّاس عمّ النبيّ (صلّى الله
عليه وآله) كانت مرضعة له ، وهي
اُم
الفضل بنت الحارث [8] أنّها رأتْ ـ فيما يرى النائمُ ـ أنّ عضواً من أعضاء النبيّ
(صلّى الله عليه وآله) في بيتها ,
الصفحة (21)
قالت : فقصصتُها على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، فقال :
(( خيراً رأيتِ ؛
تلدُ فاطمة غلاماً فترضعيه بلبن قُثَم )) .
فولدتْ فاطمة غلاماً ، فسمّاه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حُسيناً
ودفعه إلى اُمّ الفضل ، وكانت ترضعه بلبن قُثَم(1)
, فقُثَم بن العبّاس كان رضيعَ الحسين (عليه السّلام) .
وله رضيع آخر جاء اسمه في مقتل الحسين (عليه السّلام) وهو عبد الله بن
يَقْطُر ، كان رسوله (عليه السّلام) إلى الكوفة ، قتله عبيد الله بن زياد قبل
وقعة كربلاء(2) .
4 ـ الغنّة الحُسينيّة
جاء في الحديث [264] عن سفيان ، عن شهاب بن حراش ، عن رجل
من قومه قال : كنت في الجيش الذي
بعثهم عبيد الله بن زياد إلى حسين بن عليّ ـ وكانوا أربعة آلاف يريدون
الديلم ، فصرفهم عبيد الله بن زياد إلى حُسين بن عليّ ـ , فلقيتُ حُسيناً ،
فرأيته أسود الرأس واللحية ، فقلتُ له : السلام عليك يا أبا عبد الله .
فقال : (( وعليك السّلام )) , وكانت فيه غُنّة
, فقال : (( لقد بانت منكم فينا سلة منذ
الليلة ! )) ـ يعني : سُرِقَ ـ .
قال شهاب : فحدّثتُ به زيد بن عليّ فأعجبه , وكانت فيه
غُنّة .
قال سفيان : وهي في الحُسينيّينَ .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ تاريخ دمشق، الحديث (231 و 232) , ومختصر تاريخ
دمشق ـ لابن منظور 7 / 116 .
(2) لاحظ تسمية مَن قُتل مع الحسين (عليه السّلام) / 152 رقم (25) .
الصفحة (22)
5 ـ كان يصبغ بالوسمة
جاء في الحديث [54] عن عمر بن عطاء قال : رأيتُ الحُسين بن عليّ يصبغ بالوسمة ، أمّا هو
فكان ابن ستّين ، وكان رأسه ولحيته شديدَي السواد .
6 ـ تواضع وكرم
جاء في الحديث [196] عن أبي بكر بن حزم : مرّ الحسين بمساكين يأكلون في الصُفّة ، فقالوا : الغداءَ
. فنزل وقال : (( إنّ الله لا يحبُّ المتكبّرين ))
. فتغدّى ثم قال لهم : (( قد أجبتُكم
فأجيبوني )) .
قالوا : نعم . فمضى بهم إلى منزله ، فقال للرباب :
(( أخرجي ما كنتِ تدّخرين ))(1) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 129 .
الصفحة (23)
الباب الثاني
سيرة الحسين (عليه السّلام) قبل كربلاء
أولاً : في حماية الرسول
(صلّى الله عليه وآله)
ثانياً : بعد غياب الرسول
(صلّى الله عليه وآله)
ثالثاً : في مقام الإمامة
الصفحة (24)
8 ـ رواية الحديث الشريف
وُلِدَ الحسينُ (عليه السّلام) وجدّه الرسول (صلّى الله
عليه وآله)
منهَمكٌ في بثّ الرسالة الإسلاميّة ، والدولة آخذة بالأوج والرفعة ، والرسولُ
القائدُ لا ينفكّ يدبّر اُمورها ، ويرعى مصالحها ، ويُعالج شؤونها ، ويخطّط
لها .
فالحسين السبط الذي يدور في فلك جدّه الرسول (صلّى الله
عليه وآله) ، ويجلس في حجره ، ويصعد على
ظهره ، ويرتقي عاتقه وكاهله لا بُدّ وأن يمتلئ بكلّ وجوده من كلام الرسول
(صلّى الله عليه وآله) وحديثه ؛ فهو يسمع كلّ ما يقول ، ويرى كلّ ما يفعل . وقد عاشر جدّه سبعاً من
السنين تكفيه لأنْ يعيَ منه الكثير من الأُمور التي تعدّ في اصطلاح
العلماء «حديثاً» لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) و«سُنّة» له .
وقد ابتدأ ابن عساكر برواية بعض الأحاديث التي سمعها من جدّه
(صلّى الله عليه وآله) ، وأوَّل حديث
ذكره هو :
1 ـ قال (عليه السّلام) : (( سمعت رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) يقول : ما
من مسلم ولا مسلمة يُصاب بمصيبة وإن قدم عهدها ، فيُحدِث لها استرجاعاً
إلاّ أحدَثَ الله له عند ذلك ، وأعطاهُ ثوابَ ما وعده عليها يوم أُصيبَ
بها ))(1) .
أَوَمن القَدَرِ أن يكون هذا أوّل حديث يُروى في ترجمة الإمام الحسين
(عليه السّلام) ؟! أو أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) أراد أنْ يلقّنَ الحسين
في أوّل دروسه له درساً في الصبر على المُصيبة التي تكون قطب رحى سيرته ،
ومقرونة باسمه مدى التاريخ ؟! إنّ في ذلك ـ حقّاً ـ لَعِبْرةً .
وحديث آخَر نقله ابن عساكر في ترجمة الإمام (عليه السّلام)
:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) و (2) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 115 .
الصفحة (25)
2 ـ قال : (( إنّ أبي حدّثني ـ يرفع الحديث إلى النبيّ
(صلّى الله عليه وآله) ـ أنّه قال : المغبون لا محمود
ولا مأجور ))(1) .
وهذا درس نبويّ عظيمٌ ؛ فإنّ عمل الإنسان لدنياه يستتبع الحمدَ ، وعمله
لآخرته يستتبع الأجر ، والأعمال بالنيّات . أمّا أنْ يُحتالَ عليه ويُغبَنَ ، فيؤخذَ منه ما لا نيّة له في إعطائه ، فهذا
هو المغبون الذي لا يُحمد على فعله إن لم يُعاتَبْ ، ولا يؤجرَ على شيء لم
يقصد به وجه الله والخير ، بل هو أداةٌ لتجرّؤ الغابنين واستهتارهم ، كما
يؤدّي إلى الاستهزاء بالقِيَم واستحماق الناس .
ففي الحديث دعوة إلى التنبُّهِ والحذر واليقظة حتّى في الأُمور البسيطة
الفردية ، فكيف بالأُمور المصيريّة التي ترتبط بحياة الاُمّة ؟! إنّ في ذلك ـ أيضاً ـ عِبْرةً لقّنها الرسولُ
(صلّى الله عليه وآله)
لحفيده الحسين (عليه السّلام) .
9 ـ بيعة الرسول (صلّى الله عليه وآله)
الّذين لم يبلغوا الحُلُمَ لم يُكلَّفوا في الدين الإسلامي بما يشقُّ
عليهم ، ولم يُعامَلوا إلاّ بما يلائم طفولتهم من الآداب ؛ فأمرٌ مثل «البيعة» التي تعني الالتزام بما يَقع عليه عقدها ، لا يصدُر إلاّ
من الكبار ؛ لأنّها تقتضي الوعيَ الكاملَ ، ومعرفة المسؤولية والشعور بها ،
وتحمّل ما تستتبعه من أُمور ، وكلّ ذلك ليس للصغار قبل البلوغ فيه شأن .
إلاّ أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ميّز بعض مَن كان في عمر الصغار
من أهل البيت (عليهم السّلام) بقبول «البيعة» منهم , وهذا يستلزم أنْ يكون عملهم بمستوى عمل الكبار ، وإلاّ لنافى الحكمة
الصفحة (26)
التي انطوى فعل الرسول (صلّى الله عليه وآله) عليها بأتمّ شكل وبلا ريب ؛ فالمسلمون يربؤون بالنبيّ
(صلّى الله عليه وآله) وحكمته أن يقوم بأمر لغو .
وجاء الحديث عن الإمام أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه
السّلام) [194] أنّه قال : (( إنّ النبي (صلّى الله
عليه وآله) بايع الحسن والحسين ،
وعبد الله بن عبّاس وعبد الله بن جعفر وهم صغارٌ لم يبلغوا )) .
قال : (( ولم يبايع صغيراً إلاّ منِّا
))(1) .
وتدلُّ هذه البيعة على أنّ قلّة الأعوام في أولاد هذا البيت الطاهر ليستْ
مانعةً عن بُلوغهم سنّ الرشد المؤهِّل للأعمال الكبيرة المفروضة على
الكبار ما دام فعل الرسول المعصوم يدعمُ ذلك ، وما دام تصرّفهم يكشف عن
أهليّتهم , وما دام الغيبُ والمعجز الإلهيّ يُبَيّن ذلك .
فليس صِغَر عمر عيسى (عليه السّلام) مانِعاً من نبوّته ما دام المعجِز يرفده في
المهد يكلّم الناس صبيّاً ، وليس الصِغرَ في عمر الحسين (عليه السّلام) مانِعاً من أن
يُبايعه جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) .
10 ـ الرسولُ (صلّى الله عليه وآله) يفعلُ
وَجَدَ الرسولُ (صلّى الله عليه وآله) سبطَه الحسينَ يلعبُ مع غلمان
في الطريق ، فأسرعَ الجدُّ أمامَ القوم وبسطَ يديه ليحتضنَه ، فطفق الحسينُ
يمرُّ ها هنا مرّةً وها هنا مرّةً ، يُداعب جدّه ، يفرّ منه دلالاً كما يفعلُ
الأطفال ، فجعلَ الرسولُ العظيم يُضاحكُهُ حتّى أخذه .
ذكر هذا في الحديث ، وأضاف الراوي له ، قال :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 129 .
|