(50)
17 ـ موقف من عُمر
ومن تلك الفلتات حديثٌ تضمّن موقفاً للحسين
(عليه السّلام) من عمر لمّا جَلَسَ على منبر
الخلافة والحسينُ دون العاشرة من عمره . وبفرض وجوده في بيت أبيه الإمام
عليّ (عليه السّلام) وقد امتلأ بكلّ ما يراهُ وليدُ البيت أو يسمعهُ من حديث
وأحداث مهما كان خفيّاً أو كانت صغيرة ، ولا يُفارق ذهنه ، بل قد يقرأ
الصبيُّ ممّا حوله أكثر ممّا يقرأه الكبير من الكلمات المرتسمة على الوجوه
، ويسمعُ من النبرات أوضح المداليل التي لا تعبّر عنها أفصح الكلمات .
كيف , والحسينُ هو الذي أهّله جدّهُ الرسول (صلّى الله عليه وآله) لقبول
«البيعة» منه ، وأهّلته أُمّه الزهراء (عليها السّلام) للشهادة على أنّ «فدكاً» نحلتها من
أبيها عندما طلب أبو بكر منها الشهود !
ويكفي الحسينَ (عليه السّلام) أنْ يعرفَ من خُطبة أُمّه الزهراء
(عليها السّلام) في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ومن
انزواء أبيه (عليه السّلام) في البيت طيلة أيّام الزهراء (عليها السّلام) أنّ حقّاً عظيماً قد غُصب
منهم , مضافاً إلى أنّه يجدُ بيتهم الملتصقَ ببيت الرسول (صلّى الله عليه
وآله) ، ولا يفصله عنه سوى
الحائط ؛ أمّا بابه فقد فتحهُ الله على المسجد ذاته لمّا أحلّ لأهله من
المسجد ما لم يحلّ لأحد بعد أن كان «بيت فاطمة في جوف المسجد» [182][158] .
إنّ الحسينَ (عليه السّلام) يجد هذا البيتَ العظيم كئيباً مهجوراً ، خِلْواً من الزحام
ومن بعض الاحترام الذي كان يَفيض به أيام جده الرسول (صلّى الله عليه وآله) قطب رحى الإسلام ،
وأبوه عليّ (عليه السّلام) يدور في فلكه . ويجدُ الحسينُ (عليه السّلام) أنّ القومَ يأتمرونَ في مَراح ناءٍ
؛ حيث الوجوه الجدُد قد
احتلّوا كلّ شيّ ؛ الأمر والنهي ، والمحراب والمنبر .
وقد أبرزَ ما تكدّس على قلبه لمّا حضر يوماً إلى المسجد ، ورأى عمر على
منبر الإسلام ، فلنسمع الموقف من حديثه :
الصفحة
(51)
[178 ـ 180] قال (عليه السّلام) :
(( أتيتُ على عمر بن الخطّاب وهو على المنبر
،
فصعدتُ إليه ، فقلتُ له : انزلْ عن منبر أبي واذهبْ إلى منبر أبيك . فقال عمر : لم يكنْ لأبي منبر . وأخذني وأجلسني معه ، فجعلتُ أُقلّب حصىً بيدي ، فلمّا نزل انطلق بي إلى
منزله ، فقال لي : مَنْ علّمك ؟ قلتُ : ما علّمنيه أحدٌ .
[قال : منبر أبيك والله ، منبر أبيك والله ، وهل أنبت على رؤوسنا الشعر إلاّ
أنتم !](1) .
قال : يا بُنيَّ ، لو جعلت تأتينا وتغشانا
))(2) .
والحديث إلى هُنا فيه أكثر من مدلول ؛
فصعودُ الحسين (عليه السّلام) إلى عمر وهو خليفة على المنبر مُلْفتٌ للأنظار ،
ومُذكِّر بعهد الرسول (صلّى الله عليه وآله) حين كان سبطاه الحسنان
يتسلّقان هذه الأعواد ، ويزيد الرسول (صلّى الله عليه وآله) في رفعهما على عاتقه أو في حجره .
أمّا بالنسبة إلى الخليفة فلعلّها المرّة الأُولى والأخيرة في ذلك التاريخ
أن يصعد طفل إليه ، فضلاً عن أن يقول له تلك المقالة ؛ إذ لم يسجّل التاريخ
مثيلاً لكل ذلك .
وقوله لعمر : (( انزل عن منبر أبي
)) ,
فليس النزول يعني في المنظار السياسي مدلوله اللغوي الظاهر ، وإنّما
هو الانسحاب عن الخلافة التي تَشَطّر هو وصاحبه ضرعيها في السقيفة ،
فقدّمها إليه هناك حتّى يرخّصها له اليوم .
و (( منبر أبي )) فيها الدلالة الواضحة إذا أُريد بها الحقيقة الظاهرة
؛ فأبوه
عليّ (عليه السّلام)
ــــــــــــــــــــــــ
(1) ما بين [المعقوفتين] من مختصر تاريخ دمشق لابن منظور .
(2) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 127
.
الصفحة
(52)
هو صاحب المنبر ؛ لاعتقاد الحسين (عليه السّلام) بخلافة أبيه بلا ريب .
وإن أُريد بها الحقيقة الأُخرى الماضية فأبوه هو النبيّ (صلّى الله
عليه وآله) ، فلماذا انتقل المنبرُ الذي أسّسهُ وبنى بُنيانَه إلى غير
أهله ؟!
وقوله : (( اذهَبْ إلى منبر أبيك
)) فيه الدلالة الفاضحة ؛ فالحسين (عليه السّلام) وكلّ
الحاضرين يعلمون أنّ «الخطّاب» أبا عمر لم يكن له منبر ، بل ولا خَشَبةٌ
يصعدُ عليها . أمّا عمر فقد أحْرجه الموقفُ واضطرّه ـ وهو على المنبر ـ أن يعترفَ : «أنّه
لم يكن للخطّاب منبر» .
والنتيجة المستلهَمة من هذا الاعتراف أنّ المنبر له أهلٌ يملكونهُ ، وأهلهُ
أحقّ بالصعود عليه وتولّي أُموره ، فما الذي ادّى إلى تجاوزهم واستيلاء
غيرهم عليه ، واستحواذه على اُموره دونهم ؟!
ولكنّ عمر اصطحب الطفلَ ليجري معه عملية «التحقيق»
؛ لسوء ظنّه بأنّ وراء
الطفل مؤامرةً دَبَّرتْ هذا الموقفَ ، واستغلّتْ طفولة الحسين (عليه
السّلام) ، فذهب به إلى
منزله وقال له : مَنْ علَّمك ؟
مع أنّ الحسين (عليه السّلام) لا يحتاج إلى مَنْ يُعلّمه مثل تلك الحقيقة المكشوفة وهو
يعيش في بيت يعرّفه كلّ الحقائق .
وإذا انطلت الأُمور على العامّة من الناس فهناكَ الكثير ممّن يأبى أن
يتقنّع بقناع الجهل والعناد والعصبيّة المقيتة ، أو ينكر النهار المضيء !
وبقيّة الحديث مثيرة أيضاً ؛
فالحسين الذي صارحَ بالحقيقة ، وقام يؤدّي دوره في إعلانها للناس أخذ عمر
يُطايبهُ ، فيدعوه إليه بقوله : يا بُني ، لو جعلت تأتينا فتغشانا . فيأتيه الحسينُ
(عليه السّلام) يوماً وقد خلا بمعاوية ـ أميره على الشام ـ في جلسة خاصّة
،
ويُمنع الجميعُ من اقتحام الجلسة المغلقة حتّى ابن عمر ,
الصفحة
(53)
فيأتي الحسينُ (عليه السّلام) ويرجعُ ، فيطالبُه عمر ، وهُنا يعرّفه الحسينُ بأنّه أتاه
فوجده خالياً بمعاوية .
لكنّ عمر يُطلق تصريحاً آخر ، صارفاً لأنظار العامة ، فيقول للحسين
(عليه السّلام) : أنت أحقّ بالإذن من ابن عمر ,
وإنّما أنبَتَ ما ترى في رؤوسنا الله ثمّ أنتم . ووضع يده على رأسه .
وهكذا ينتهي هذا الحديث الذي يدلّ على نباهة الحسين
(عليه السّلام) منذ الطفولة ، وأدائه
دوره الهامّ بشجاعة هي من شأن أهل البيت (عليهم السّلام) ، وجرأة ورثها ـ فيما ورث ـ من جدّه
الرسول (صلّى الله عليه وآله) .
ولكنّ عمر كان أحْذَقَ من أن تؤثّر فيه أمثال هذه المواقف
؛ فكان يُطّوق
المواقف بالتصريحات والتصرّفات ، فبين الحين والآخر يُطلق : لولا عليٌّ
لهلك عمر .
ولمّا دوّن الديوان وفرض العطاء
[182] ألحق الحسن والحسين بفريضة أبيهما مع أهل بَدْر ؛ لقرابتهما برسول الله
(صلّى الله عليه وآله) ، ففرض لكلّ واحد منهما خمسة آلاف(1) .
وهل يبقى أثر لما يُنتقدُ به أحد إذا كان في هذا المستوى من القول والعمل
؟!
لكنّ الذين اعتقدوا بخلافة عمر ، واستنّوا بسُنتّه ، وجعلوا منها تشريعاً في
عرض الكتاب والسُنّة النبوية ، لم يُراعوا في «الحسين» حتى ما راعاه عمر !
18 ـ مع أبيه (عليه السّلام) في المشاهد
كانت حروب الإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه
السّلام) ومشاهده محكَّ أهل
الولاء ، ومجمع أهل الصفاء من الصفوة النُجباء من أصحاب الرسول (صلّى الله
عليه وآله) والتابعين لهم بإحسان .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 127
.
الصفحة
(54)
فمن أدرك الفتح لحِق به وكان في ركبه ، يُقارع الّذين خرجوا على إمام
زمانهم من
الّذين نكثوا بيعتهم له في المدينة ، ونابذوه الحرب في البصرة ، تقودهم
أُمّهم على الجَمل , والذين بغَوا عليه في صِفّين ، يقودهم مُعاوية إلى
الهاوية ، هو وفئته الباغية ,
والّذين مرقوا من الدين ، ساحِبين ذُيول الهوان في النهروان .
إنّ عليّاً (عليه السّلام) كان محور الحقّ في عصره ، يدورُ معه حيثما دار
، بنصّ
النبيّ المختار ، وبقوله (صلّى الله عليه وآله) : (( عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور معه حيثما
دار )) , أو (( لم يفترقا حتّى يردا عليَّ
الحوض ))(1) .
وصحابة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من المهاجرين والأنصار يتفانون في الذبّ عن الإمام ونصرته
،
ويتهافتون بين يديه , مُضحّين بأرواحهم دونه بعد أنْ وجدوا في شخصهِ
متمثلةً كلّ دلائل النبوّة ، ومتحقّقة عنده كلّ أخبار الرسالة ,
وعمّار ـ الفاروق بين الحقّ والباطل في الفتنة ـ يأتمر بأوامره ,
والنجمان المتألِّقان ، السِبطان الأكرمان ، سيّدا شباب أهل الجنّة في ركاب
أبيهما ، ويسيران في ظِلّ رايته .
وكلّ اُولئك يفتخرون أنَّهم وُفِّقوا للكون مع الإمام الذي يمثّل الحق ، كما
كان لأصحاب النبي الفخر بصحبته (صلّى الله عليه وآله) .
وقد رووا في تسمية الاُمراء يوم الجمل
[212] ... وعلى الميسرة الحسين بن عليّ (عليه السّلام) .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) ورد باللفظ الثاني عن اُمّ سلمة رضي الله عنها في تاريخ دمشق لابن
عساكر ـ ترجمة الإمام علي (عليه السّلام) 3 / 151 رقم (1172) ، ونقله الخطيب في
تاريخ بغداد 14 / 321 رقم (7643) ، وورد في ترجمة سعد من تاريخ دمشق 20 / 157 باللفظ الأوّل عنها ، ونقله في مجمع الزوائد 7 / 236
.
الصفحة
(55)
وذكر المحلّي في تعبئة أمير المؤمنين (عليه السّلام) لعسكره في صفّين
:
على خيل ميمنته الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، وعلى رجّالتها عبد الله بن جعفر ومسلم بن
عقيل , وعلى الميسرة محمد بن الحنفيّة ومحمد بن أبي بكر ، وعلى رجالتها هاشم
بن عتبة ,
وعلى جناح القلب عبد الله بن العبّاس , وعلى رجالتها الأشتر والأشعث ,
وعلى الكمين عمّار بن ياسر(1) .
19 ـ في وداع أخيه الحسن (عليه السّلام)
ووقف الحسين (عليه السّلام) ينعى صنوه وشقيقه في كلّ الحياة ، وفي الفضائل ، وفي المشاكل
وإن سبقه في الولادة ستّة أشهر وعشرة أيام ؛ فقد سبقه في الشهادة عشر سنين
.
وفي الكلمة التي ألقاها الحسين (عليه السّلام) على قبر أخيه كثير من المعاني الجامعة على
لسان هذا الصنو الموتور بأخيه ، قال (عليه السّلام) :
(( رحمك الله أبا محمد ،
إنْ كنتَ لتناصر الحقّ عند مظانّه ، وتؤثر الله عند مداحضِ الباطل , وفي
مواطن التقيّة بحُسْن الرويّة ,
وتستشفُّ جليل معاظم الدنيا بعين لها حاقرة ، وتقبض عنها(2)
يداً طاهرة ,
وتردعُ ما ردة(3)
أعدائك بأيسر المؤونة عليك
.
وأنتَ ابن سلالة النبوّة ، ورضيع لُبان الحكمة
,
ــــــــــــــــــــــــ
(1) الحدائق الوردّية / 40 .
(2) في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور : وتفيض عليها .
(3) في المختصر : بادرة .
الصفحة
(56)
وإلى رَوْح وريحان ، وجنّةِ نعيم .
أعظم الله لنا ولكم الأجر عليه ، ووهب لنا ولكم السلوة وحسن الأسى عليه ))(1).
حقّاً ، يعزُّ على أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) أن يفقد عضده في أحلك الظروف
؛ حيث
شوكة بني اُميّة في تقوٍّ ، وأحوال الأُمّة في تردٍّ ، وقد كان الإمام الحسن
(عليه السّلام) صامداً في مواجهة المعاناة التي تحمّلها ، فتجرّع غصص الصلح مع
معاوية , ذلك الذي ألجأه إليه وَهْنُ الجبهة الداخلية ، وشراسة الأعداء
الخارجيّين ، وتسلّل الخَونة من أمراء جيشه ، وفساد خُلق الأُمّة , وانعدام
الخَلاق إلى حدّ التكالب على الدنيا وحبّ الحياة ، والهروب من الموت .
إن كان الإمام الحسنُ (عليه السّلام) يُواجه هذه المصاعب فإنّه لم يكن
وحيداً ، بل كان الحسين (عليه السّلام) إلى جانبه يعضُده ، لكن الحسين (عليه السّلام) حين ينعى
أخاه سوف يبقى لما سيتحمّله من أعباء المسؤوليّات وحيداً بلا عضُد .
ولكنّه الواجب الإلهي يفرض على الإمام (عليه السّلام) أن يقف أمام كلّ التحديات التي تهدّد
كيان الإسلام مهما كانت خطيرة وصعبة ولو على حساب وجود شخص الإمام الذي
هو أعزّ مَنْ في الوجود . وهذا هو الدرس الذي تلقّنه من جدّه الرسول (صلّى
الله عليه وآله) طفلاً
،
ومن أبيه (عليه السّلام) شابّاً ، ومن أخيه (عليه السّلام) كهلاً .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام الحسن (عليه
السّلام) / 233 رقم (369) , ومختصر
تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 46 .
الصفحة
(57)
الباب الثاني
سيرة الحسين (عليه السّلام) قبل كربلاء
ثالثاً : في مقام الإمام
20 ـ مقوّمات الإمامة
21 ـ البركة والإعجاز
22 ـ «الحجّ» في سيرة الحسين
(عليه السّلام)
23 ـ مع الشعر والشعراء
24 ـ رعاية المجتمع الإسلاميّ
25 ـ مواقف قبل كربلاء
الصفحة
(58)
20 ـ مقوِّمات الإمامة
إنّ الإمامة في الحضارة الإسلاميّة هي ولاية أُمور المسلمين المرتبطة
بدينهم وبدنياهم ,
والإمام هو الوالي المدبّر لتلك الأُمور حسب المصالح المتوفّرة في زمنه ،
وبالأدوات والأساليب الممكنة له كمّاً وكيفاً .
ولا بُدّ أن يتّصف الإمامُ بالأهليّة التامّة لمثل تلك الولاية التي يرتبط
بها مصيرُ الأُمّة كلّها ، والإسلام نفسه ، كما إنّ إرادته هي التي تحدد
مسير الدولة ودوائرها وسياستها .
ومن أجل خُطورة المنصب وعظمة ما يترتّب عليه ويرتبط به من أُمور مصيريّة
فإنّ العلم بتوفّر تلك الأهليّة التي تكوّنها مقوّمات خلقيّة ونفسية
, وقابليّات ونيّات وأهداف ، لا يمكن الاطّلاع عليها إلاّ من خلال المعرفة
التامة ، والتداخل الوثيق في الماضي والحاضر وحتّى المستقبل المستور ،
وذلك ليسَ متصوّراً حصوله إلاّ لله العالم بكلِّ الأُمور .
ومن هُنا فإنّ عنصر «النَّص» والتعيين الإلهيّ من خلاله لشخص الإمام
المالك لأهليّة الإمامة شرط أساسيّ وضروريّ لإثبات الإمامة لأَي إمام
.
ثمّ المواصفات الأُخرى ؛
فالعلم بالدين بجميع معارفه وشؤونه ، وبشكل كامل وتامّ من أبده الأُمور
اللازم وجودها في الإمام الذي يتولّى أمر الدولة الإسلاميّة .
ومن الواضح
أنّ ذلك لا يحصل إلاّ بالاتّصال الوثيق بمصادر المعرفة الإسلاميّة الثرّة
الغنية ، والبعيدة عن الشوب والتحريف ؛ ليكون الإمام أعلم الناس ، ومرجعاً لهم
في أُمور الدين ومعارفه .
والفضل وأدواته من الشرف والتقى ومكارم الأخلاق فلا بُدّ أن يكون
الصفحة
(59)
الإمام مقدَّماً على أُمّته فيها حتّى يكون «القدوة» لهم .
والقيادة ، بأن يكون بمستوى رفيع من الحكمة والتدبير ، والجرأة في الإقدام
على الصالح للدين وللمسلمين ، والمتكفّل لعزته ودوامه .
وفي الفترة من سنة (50) إلى سنة (60) انحصرت هذه الخلال ، واجتمعت في شخص
الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) بالإجماع وبلا منازع .
أمّا النصّ ,
فقد روى أهل الإسلام كافّة أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال في
الحسن والحسين صلوات الله عليهما : (( ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا
)) ,
الحديث الذي أجمع عليه أهل القبلة ، وتلقّته الأُمّة بالقبول ، وبلغ حدّ
التواتر(1) .
مضافاً إلى الأدلّة الخاصّة الدالّة على إمامة الحسين بعد أخيه
الحسن (عليهما السّلام) ، وما دلّ على أنّ الأئمّة اثنا عشر ؛ أوّلهم عليّ أمير المؤمنين
(عليه السّلام) ،
والآخرون من ذرّيّته , ممّا طفحت به كتب الإمامة .
وأمّا العلم ,
فمن أوْلى باستيعابه من الحسين (عليه السّلام) الذي تربّى في حجر الرسول
(صلّى الله عليه وآله) وهو مدينة العلم ،
ونشأ ونما في مدرسة الزهراء البتول (عليها السّلام) ، ولازم عليّاً (عليه
السّلام) أباه باب مدينة العلم ،
وصحب أخاه الحسن (عليه السّلام) الإمام بإجماع أُولي العلم ؟!
فلا بُدّ أنّه قد امتلأ من علم الدين من هذه العيون الصافية .
وقد أجمع أهل الولاء على تقدّمه على مَنْ عاصره في ذلك ، والتزموا بإمامته
لذلك ، أمّا الآخرون فقد اضطرّهم هذا الواقع إلى الاعتراف ؛
فهذا ابن عمر لمّا يُحاسب على تصّرفه ، ويقاس عمله إلى عمل الحسنين (عليهما
السّلام) المتّزن والملي بالحكمة مع أنّهما أصغر سنّاً منه , أجاب ابن عمر
ــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه الشيخ المفيد في النكت في مقدمات الأُصول ، الفقرة (82)
, وقد
خرّجناه في هامشه , ونقلنا ما قاله علماء الإسلام حول تواتره .
الصفحة
(60)
بقوله
[176 ـ 177] : ابنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، إنّهما كانا
يُغَرّان بالعلم غَرَّاً ـ
أي يُزَقّانِه كما يَزُقّ الطائر فرخه ـ .
وهذا يُعطي أنّهما كانا منذ
الصِغَر يَبُثُّ فيهما الجَدُّ والأبُ والأُمُّ العلمَ , فَهَلْ يكون
أحدٌ أعلمَ منهما في عصرهما ؟!
وروى عكرمة حديثاً فيه الاعتراف بعلم الحسين
(عليه السّلام) ، إليك
نصّه بطوله :
[203] روى عكرمة : بينما ابن عباس يحدّث الناس إذ قام إليه نافع بن الأزرق
,
فقال له : يابن عبّاس ، تفتي الناسَ في النملة والقَمْلة ! صِفْ لي إلهك
الذي تعبد .
فأطرق ابن عبّاس إعظاماً لقوله ، وكان الحسينُ بن عليّ جالساً ناحيةً ، فقال
: (( إليّ يابن الأزرق )) .
قال [ابن الأزرق] : لستُ إياك أسأل .
قال ابن عبّاس : يابن الأزرق ، إنّه من أهل بيت النبوّة ، وهم ورثة العلم .
فأقبل نافع نحو الحسين (عليه السّلام) ، فقال له الحسين :
(( يا نافع ، إنّ من وضع دينه على القياس لم يزل
الدهر في التباس ، سائلاً ناكباً عن المنهاج ، طاعناً بالاعوجاج ، ضالاً عن السبيل ، قائلاً غير الجميل .
يابن الأزرق ، أصِفُ إلهي بما وصف به نَفْسَه ، وأُعرّفه بما عرّف به نفسه
؛
لا يُدرَك بالحواس ، ولا يُقاس بالناس ، قريب غير ملتصق ، وبعيد غير منتقص
،
يُوحَّد ولا يبعّض ، معروف بالآيات ، موصوف بالعلامات ، لا إلهَ إلاّ هو
الكبير المتعال )) .
فبكى ابنُ الأزرق ، وقال : يا حسين ، ما أحسنَ كلامك
!
قال له الحسين (عليه السّلام) :
(( بلغني أنّك تشهد على أبي وعلى أخي بالكفر ، وعليَّ ؟! )) .
الصفحة
(61)
قال ابن الأزرق : أما والله يا حسين ، لئن كان ذلك ، لقد كنتم منارَ الإسلام
،
ونجومَ الأحكام ...(1) .
فشهادة ابن عبّاس الحقّة بأنّ الحسين (عليه
السّلام) «من أهل بيت النبوّة
،
وهم ورثة العلم» ليست الأُولى منه ، لكن رواية عكرمة ـ وهو من الخوارج ـ
لها دليل على خضوع الأعداء لعلم أهل البيت (عليهم السّلام) .
أمّا إعراض ابن الأزرق عن مسائلة الحسين (عليه السّلام) وتوجّهه إلى ابن عبّاس ، فهذا يكشف
جانباً من مظلوميّة أهل البيت (عليهم السّلام) ، وصَدّ الناس عن معادن العلم وورثته وخزنته
.
أمّا الحسين (عليه السّلام) فهو لا يترك الأمر سُدىً ، بينما السؤال على رؤوس
الأشهاد عن أعظم قضيّة جاء من أجلها الإسلام ، وهيَ «التوحيد» , فهو ينبري
للجواب .
أمّا ابن الأزرق ، فحيث يجد الحقّ من معدنه لا يملك إلاّ الإقرار والخضوع
والقبول .
ولمّا يستغل الإمام الحسين (عليه السّلام) الموقف ليحرق جذور العدوان
، ويقطع
أوداجَ الظلم ، ويبدّد نتائج المهاترات السياسية طيلة الأعوام السوداء ممّا
تكدّس في عقول علماء الأُمّة [أمثال] ابن الأزرق , وصار فكرة ورأياً وقولاً
على فظاعته وشناعته وسوئه ، وهو تكفيره أهل البيت (عليهم السّلام) بدلاً من
تقديسهم .
ولمّا يُبهتُ الحسينُ ابنَ الأزرق ، ويواجهه بهذا الكلام الثقيل
،
لا يملك ابن الأزرق إلاّ الاعتراف والتراجع عن أشدّ المواقف للخوارج
التزاماً وتصلباً واعتقاداً ,
ويصرّح ابن الأزرق معترفاً بأنّ أهل البيت «منار الإسلام ونجوم الأحكام» .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 130 .
الصفحة
(62)
وابن هند ,
ذلك العدو اللدود لمحمّد وآل محمّد (عليهم السّلام) ، ولما جاؤوا به من معالم دين الإسلام
ومكارم الأخلاق ، والذي استنفد كلّ سهام مكره ودهائه في قمع هذا الدين
واجتثاث أُصوله وفروعه ، وقتل ذويه وأنصاره ، وإطفاء أنواره ، وتهديم مناره
، وتحريف شرائعه , وإبطال أحكامه .
هذا المنافق الحسود الحقود لم يجدْ بُدّاً من الاعتراف بعلم الحُسين
(عليه السّلام) والإشادة بمنزلته ؛
فقد أخذ الحسين (عليه السّلام) العلوم في مسجد رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) ، حيث فتح عينه ، وتعلّم ألف باء الحياة والإسلام معاً ،
ومعلّمه الأمين هو جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . واليوم ، حين آلتْ إلى الإمام الحسين (عليه
السّلام) مهمّة تعليم الأُمّة
وإرشادها ، اتّخذ نفس المسجد مدرسةً .
وابن هند , ذلك الضلّيل الذي لم يهدأ لحظةً يجدّ في تحريف مسيرة الإسلام
،
ويطمس تعاليمه السامية لا يمكنه أن يتغافل عن وجود تلك المدرسة ؛ لأنّه
باسمها يتسنّم العرش ، ولا يمكنه أن يغضّ الطرف عن وجود معلّم مثل أبي
عبد الله الحسين الذي هو الامتداد الحقيقيّ لجدّه الرسول (صلّى الله عليه
وآله) مؤسّس المدرسة ،
فقال معاوية لرجل من قريش :
[189] إذا دخلتَ مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فرأيت حلقةً
فيها قومٌ كأنَّ على رؤوسهم الطير فتلك حلقة أبي عبد الله ؛ مؤتزراً على
أنصاف ساقيه ، ليس فيها من الهُزّيلى شيء .
والهُزّيلى فعلُ المشعوذ الذي يسحر أعين الناس ، لكن ليس في مجلس درس الحسين
(عليه السّلام) إلاّ حقائق المعرفة ، وعيون الحكمة ، والعلم الموروث
، ومعارف
الكتاب ، وأحكام السُنّة .
الصفحة
(63)
وأمّا الفضل ,
فلا يرتاب مسلم بأنّ «آل محمّد» أشرف بني هاشم ، وأنّ بني هاشم أشرف قريش ،
وأنّ قريشاً أشرف العرب ، وآل محمّد (عليهم السّلام) أعرق بني هاشم نسباً ، وأطهرهم رحماً
،
وأكرمهم حَسَباً ، وأوفاهم ذِمَماً ، وأحمدهم فعلاً ، وأنزههم ثوباً ، وأتقاهم
عملاً ، وأرفعهم همماً .
وقد أقرّ لهم العدوّ والصديق بالشرف والفضل والكرم والمجد(1)
؛ فهذا عمرو بن العاص ـ الداهية النكراء الذي حارب آل محمّد (عليهم
السّلام) جهاراً عن علم
وعمد ، وبكلّ صلافة وحقد ، زاعماً أنّه يستغلّ الظروف المؤاتية لصالح دُنياه
القصيرة ـ يعلن عن بعض الحقيقة عندما يستظلّ بالكعبة التي كان يعبد
أصنامها من قبل ، فجاء جدّ الحسين (عليه السّلام) ليشرّفه وقومه بعبادة الله ، ويطهرّ
الكعبة من رجس الأصنام والأزلام .
وبالرغم من أنّ ابن النابغة نبغ في محاربة كلّ القيم التي جاء بها
الإسلام ، وعارض كلّ الذين وقفوا مدافعين عن تلك القيم ، وكانت لهم فضيلة
التشرّف بها ، وجدّ بكلّ دهاء ومكر وحيلة يملكها ؛ فنفث في الأُمّة روح
الجاهليّة ليعيد مجدها ، ونابذ عليّاً والحسن والحسين (عليهم السّلام) بكلّ
الطرق ، ووقف في وجه العدالة سنين طوالاً .
لكنّه اليوم ، يجد الكعبة وبناءَها الرفيع الشامخ تَزْخَرُ بالعظمة
الإسلاميّة ، طاهرة من أوثان الجاهليّة وأرجاسها ، فلا يجد بُدّاً من
الاعتراف . وبينما هو كذلك إذ رأى الحسين (عليه السّلام) ابن ذلك الرسول
(صلّى الله عليه وآله) ، فلم يملك أيضاً
إلاّ الإعتراف ، فقال [190] : هذا أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء اليومَ !
ومعاوية ، أخوه الضلّيل ، يخنع لهذه الحقيقة يوم دخل الحسن والحسين
(عليهما السّلام) عليه
،
فأمر لهما بمئتي ألف درهم ، وقال متبجّحاً : خذاها وأنا ابن هند ، ما أعطاها
ــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 125
.
الصفحة
(64)
أحدٌ قبلي ، ولا يُعطيها أحدٌ بعدي !
وكأنَّ معاوية استغلّ سياسة الإمام الحسن
(عليه السّلام) المبتنية على عدم
مجابهته بالأجوبة حتّى وُصف بأنّه كان «سكّيتاً» , ولكنّ الحسين (عليه
السّلام) وهو يسير على
خطّ إمامه الحسن (عليه السّلام) , ولا يخرج عن طوع إرادته , يعطي الموقف حقّه
،
ويدمغ معاوية بالحقيقة الصارخة ، ويقول
[5] : (( والله ، ما أعطى أحدٌ قبلك ، ولا أحدٌ بعدك لرجلين أشرفَ ولا أفضلَ
منّا ))(1) .
فأُفْحِمَ معاوية ولم يَحْرِ جواباً .
وأمّا الآخرون ,
فالمؤمنون يتشرّفون بآل محمّد (عليهم السّلام) ، كابن عبّاس حبر الأُمّة ، وتلميذ أمير
المؤمنين (عليه السّلام) ؛ فهو قرين الحسنين (عليهما السّلام) في التربية في هذا البيت الطاهر
؛
بيت الرسالة والإمامة ، رفيع العماد .
وبالرغم من تقدّمه في السنّ على
الحسنين (عليهما السّلام) فهو لمعرفته بفضلهما وجلالتهما ، وشرفهما على قومهما لا يقصّر في
إظهار ما يعرف ، وإبراز ما يجب القيام به تجاههما من الحرمة والكرامة
فيما قال الراوي
[188] : رأيتُ ابن عبّاس آخذاً بركاب الحسن والحسين , فقيل له : أتأخذ
بركابهما وأنتَ أسَنُّ منهما ؟!
فقال : إنّ هذين ابنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، أوَليس من
سعادتي أن آخذ بركابيهما(2)
؟!
بلى ، إنّها من نعم الله الكبرى ، ومن السعادة العظمى أن يتشرّف الإنسان
بخدمة أشرف الخلق وأفضلهم ، وخاصة في تلك الظروف السياسية الحرجة , وأنْ
يُقدّم بذلك خدمة للأُمّة فيعرّفها بفضل أهل البيت (عليهم السّلام) .
وحتّى أبو هريرة
ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 115
.
(2) مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور 7 / 128
.
الصفحة
(65)
الذي التقى بالنبي في أواخر سنيِّ حياته
(صلّى الله عليه وآله) , «فأسلم
في السنة السابعة للهجرة» , ملازماً الصُفّة الشريفة بباب المسجد على شبع
بطنه , فلا بدّ أنّه كان يرى الحسين (عليه السّلام) يروح ويغدو بين بيت أُمّه الزهراء وجدّه
الرسول (صلوات الله عليهما وآلهما) ، ويصحب جدّه في رواحه إلى المحراب ، وعلى ظهر المنبر ، وغدوّه
منهما .
هذا الذي ادّعى ملازمة الرسول (صلّى الله عليه وآله) أكثر من أصحابه الّذين شغلهم الصفقُ
بالأسواق ، وانفضّوا إلى التجارات ، فكان لذلك أكثرهم حديثاً ـ بزعمه ـ على
الإطلاق ، حتّى اتّخذ لنفسه موقعاً رفيعاً في نفوس مَن صدّقه من الناس ، على
الرغم ممّن كذّبه من كبار الصحابة وزوجات النبي (صلّى الله عليه وآله) ؛ كعليّ (عليه السّلام) ، وعمر ،
وعائشة(1) .
فهو إذن ـ حسب زعمه ـ يعلم من الحسين (عليه
السّلام) وفضائله أكثر ممّا يعرفه
غيره ، لكنّه يبيت من أمر إعلانها وروايتها على خَطَرين : كيف يظهرها في دولة بني أُميّة وهو يرتع في مراعيهم ، ويطمع في برّهم
, ويقصع من مضيرتهم ؟
وكيف يتغافل عنها وله دعاوٍ طويلة عريضة في سماع الحديث الكثير عن رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) ، والاتّصال به باستمرار ؟!
وإذا اضطرّ إلى إبراز شيء فهو يعتمد على الإجمال .
اقرأ معي هذه الصورة من مواقف أبي هريرة :
[191] ... أعْيَا الحسينُ فقعدَ في الطريق ، فجعل أبو هريرة ينفُضُ الترابَ
عَن قدميه بطرف ثوبه ,
فقال الحسين (عليه السّلام) : (( يا أبا هريرة ، وأنتَ تفْعَل هذا
! )) .
قال أبو هريرة : دعني ، فوالله لو يعلم الناسُ منك ما أعلم ، لحملوك على
رقابهم(2) .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر تدوين السُنّة الشريفة / 7 ـ 488 , والمحدّث الفاصل
/ 4 ـ 555 .
(2) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 128
.
الصفحة
(66)
لكن لماذا قصّر أبو هريرة في تعليم الناس بعض ما يعلم عن الحسين
(عليه السّلام) ؟!
فلو كان يعلمهم لم يكن الجهلُ يؤدّي بالناس إلى أن يحملوا رأس الحسين على
رؤوس الرماح , ولا أن يطؤوا جسده بخيولهم قبل أن يحملوه على رقابهم ؟! أليسَ
هذا غَدْراً بأُمّة الإسلام ، وإماتة للسُنّة التي كان أبوهريرة ينوء بدعوى
حملها ؟!
وأمّا القيادة ,
فقد اتّفقت كلمةُ مؤرّخي الإسلام فكريّاً وسياسيّاً أنّ الإمام الحسين
(عليه السّلام) قد أدّى دوراً عظيماً في فترة إمامته ، وأنّه بمواقفه كان
المانع الوحيد عن انهيار الإسلام وقواعده على أيدي بني أُميّة وعمّالهم ،
وأنّه بقيادته الحكيمة للإسلام في تلك الفترة ، وبتضحيته العظيمة في كربلاء
كان الصدّ الأساسي من العودة إلى الجاهليّة الأُولى .
فالحسين (عليه السّلام) قد أحيا الإسلام بمواقفه قبل كربلاء ، وفي كربلاء
،
واستمرّت آثار حركته إلى الأبد ؛ ولذلك تحقّق مصداق قول الرسول (صلّى الله
عليه وآله) : (( حسينٌ منّي وأنا من حسين )) كما شرحناه في الفقرة (11)
السابقة .
أمّا عن صلابة الحسين (عليه السّلام) ، وإقدامه في نصرة الحقّ خارج إطار كربلاء
فقد مرّ بنا موقفه من عمر في الفصل (17) , وسنقف على مواقفه من معاوية في
الفصل (25) .
وأمّا حديث كربلاء وبطولاتها وأشجانها فقد عقدنا له الباب الثالث التالي
، بفصوله المروّعة .
21 ـ البركة والإعجاز
من معجزات النبيّ (صلّى الله عليه وآله) المذكورة في سيرته أنّه تفل
في بئر قد جفّت ؛ فكثر ماؤها , وعذب وأمهى وأمرى ، وهذا المعجز من بركة نبيّ
الصفحة
(67)
الرحمة للعالمين قليل من كثير ، وغيضٌ من فيض .
والحسين (عليه السّلام) ابنُ ذلك النبيّ ، وبضعةٌ منه ، وعصارة من وجوده
،
والسائر على دربه ، والساعي في إحياء رسالته ؛ فهو يمثّل في عصره جدّه الرسول
جسدّياً ، ويمثل رسالته هدياً ، فلا غروَ أن يكون له مثل ما كان لجدّه من
الإعجاز وهو سائر في طريقه إلى الشهادة والتضحية من أجل الإسلام ؛ ليفعل
ما لم يفعله أحَدٌ من قبله .
والإمامة ـ عندنا نحن الشيعة الإماميّة ـ تشترك مع النبّوة في كلّ شيء
, إلاّ
أنّ النبوّة تختصّ بالوحي المباشر ، وبالشريعة المستقلّة ، أمّا النصّ
والأهداف ، والوسائل والغايات فهما لا يفترقان في شيء من ذلك ,
بل الإمامة امتدادٌ أرضيٌ للرسالة السماويّة ، فلا غروَ أن يَمُدّ الله
تعالى الإمامَ بما يمدّ النبيَّ من القُدرة على الخوارق التي لا يستطيعها البشر .
أليس الهدف من الإعجاز إقناع الناس بالحقّ الذي جاء به الأنبياء ؟ فإذا كان
ما يدعو إليه الأئمّة هو عين ما يدعو إليه الأنبياء , فأيّ بُعْد في دعم
هؤلاء بما دعم به اُولئك من دون تقصير في حقّ اُولئك ، ولا مغالاة في قدر
هؤلاء ؟
ومهما كان ، فإنّ الحسين (عليه السّلام) لمّا خرج من المدينة يريد مكّة مرّ
بابن مطيع وهو يحفر بئره ، وجرى بينهما حديث عن مسير الإمام (عليه السّلام) ، وجاء في
نهايته :
[201] قال ابن مطيع : إنّ بئري هذه قد رشحتُها ، وهذا اليوم أوان ما خرج
إلينا في الدلو شيء من الماء ، فلو دعوتَ الله لنا فيها بالبركة .
قال (عليه السّلام) :
(( هات من مائها )) .
فأُتي من مائها في الدلو ، فشرِبَ منه
ثمّ
تمضمض ثمّ ردّه في البئر فأعذَب وأمْهى(1) .
وهذا من الحسين (عليه السّلام) أيضاً غيض ، وهو معدن الكرم والفيْض
, إلاّ
ــــــــــــــــــــــــ
(1) في مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 130
(وأُمْرِيَ) , هكذا مضبوطاً ، بدل
(وأمهى) .
الصفحة
(68)
أنّ حديث الماء والحسين (عليه السّلام) في طريقه إلى كربلاء فيه عِبْرة تستدرّ
العَبْرة ,
فهل هي إشارات غيبيّة إلى أنّ الحسين (عليه السّلام) سيواجه المنع من الماء ، وسيُقتل
«عَطشاً» وهو منبع البركة ، من فيض فمه يعذب الماء وينفجر ينبوعُه ؟! فهل كان ذلك يخطر على بال ؟!
لكنّ ذكر العطش والبحث عن الماء له شأن آخر في حديث كربلاء .
22 ـ الحجّ في سيرة الحسين (عليه السّلام)
للحجّ في تراث أهل البيت (عليهم السّلام) شأنٌ عظيم وموقع متميّز بين عبادات
الإسلام ؛ فهم يبالغون في التأكيد على أنّ الكعبة هي محور الدين ، ومدار
الإسلام ، ونقطة المركز له ، وقطب رحاه ، على المسلمين غاية تعظيمه
والوفادة إليه .
ومن الواضح أنّ من الفوائد المنظورة للحجّ والتي صرّحت بها الآيات
الكريمة ، وأصبحت لذلك أفئدة المؤمنين تهوي إليه هو دلالته الواضحة على خلوص
النيّة ، والتركيز على وحدة الصفّ الإسلامي ، وتوحيد الأهداف الإسلاميّة التي
تركّزت عند الكعبة وتمحورت حولها .
وأهل البيت (عليهم السّلام) كانوا في هذا التكريم العظيم جادّين أقوالاً
وأفعالاً ؛ فالنصوص الواردة لذلك مستفيضة بل متواترة ، وقد أقدموا على ذلك
عملياً بأساليب شتّى ,
منها الإكثار من أداء الحجّ ، وقد جاء في سيرة الحسين (عليه السّلام)
[2 ـ 193] أنّه حجّ ماشياً «خمساً وعشرين» وأنّ نجائبه معه تُقاد
وراءه(1) .
إنّها الغاية في تعظيم الحجّ بالسعي إلى الكعبة على الأقدام ، لا عن قلّة
ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 129
.
الصفحة
(69)
راحلة ، بل إمعان في تجليل المقصد والتأكيد على احترامه .
وهذا على الرغم من ازدحام سنيّ حياته بالأعمال ، فلو عدّدنا سنّي إمامته
العشر ، وسنوات إمامة أخيه الحسن (عليه السّلام) العشر كذلك ، وسنوات إمامة أبيه
(عليه السّلام) الخمس
لاستغرقت «خمساً وعشرين» حجّة , فهل حجّ الحسين (عليه السّلام) في الفترة السابقة بعض السنوات ؟
واُسلوب آخر من تعظيم أهل البيت (عليهم السّلام) للكعبة والبيت والحرم
أنّهم لم يُقْدموا على أيّ تحرّك داخل الحرم المكّيّ ، وكذلك الحرم المدني
؛ رعاية لحرمتهما أن
يُهدَر فيهما دم ، وتهتك لهما حرمة على يد الحكّام والأُمراء الظالمين ،
وجيوشهم الفاسدة المعتدية على حرمات الدين .
ومن أجل ذلك خرج الإمام عليّ (عليه السّلام) من الحجاز ، وكذلك الإمام الحسين
(عليه السّلام) ، وكلّ العلويّين الّذين نهضوا ضدّ جبابرة عصورهم وطواغيت
بلادهم ، خرجوا إلى خارج حدود الحرمين حفظاً لكرامتهما ورعاية لحرمتهما(1) .
وبهذا الصدد جاء في حديث سيرة الحسين (عليه
السّلام) أنّه خرج من مكّة
معجّلاً ، جاعلاً حجّه عمرةً مفردة حتّى لا تُنتهك حرمةُ البيت العتيق
بقتله بعد أن دسَّ يزيدُ جلاوزته ليفتكوا بالإمام (عليه السّلام) ولو كان متعلّقاً
بأستار الكعبة .
وإذا كان الظالمون لا يلتزمون للكعبة والحرم بأيّة حرمة ، ويستعدّون لقتل
النفوس البريئة فيها ، وهتك الأعراض في ساحتها ، وحتّى لهدمها وإحراقها كما
أحدثوه في تاريخهم الأسود مراراً ؛ وصولاً إلى أغراضهم السياسية المشؤومة ,
فإنّ بإمكان الحسين (عليه السّلام) أن يسلبهم إمكانيّة تلك الدناءة ، فلا يوفّر
لهم فرصة ذلك الإجرام ، ولا يجعل من نفسه ودمه موضعاً لهذا الإقدام الذي
يريده المجرمون ، فلا يحقّق بحضوره في الحرم للمجرمين أغراضهم الخبيثة
بقتله
ــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع جهاد الإمام السجّاد (عليه
السّلام) / 77 .
الصفحة (70)
وهتك حرمة الحرم وإن كان مظلوماً على كلّ حال . وهذه هي الغاية في احترام الكعبة وحفظ حرمة الحرم .
وقد صرّح الإمام الحسين (عليه السّلام) بهذه الغاية لابن عبّاس لمّا
وقف أمام خروجه إلى العراق ، فقال [243] : (( لئن أُقتل بمكان كذا وكذا أحَبُّ إليَّ من أنْ استحلَّ حرمتها
)) .
[244] وفي نصّ آخر : (( ... أحبُّ إليَّ من أن يُستحلّ بي ذلك
))(1) . والنصُّ الوارد في نقل الطبراني :
(( ... أحبُّ إليَّ من أن يُستحلَّ بي حرم الله
ورسوله ))(2) .
وهذه مأثرة اختصّ بها أهل البيت (عليهم السّلام) لا بُدّ أنْ يمجّدها
المسلمون .
23 ـ مع الشعر والشعراء
الشعر يجري في وجدان الشعوب مجرى الدم ، ومعه يجري ما يحتويه الشعر من معنىً
ومضمون . وللشعراء في المجتمعات ـ وخاصة المجتمع العربي ـ وجود مؤثّر لا
يمكن إنكاره .
واختلف الشعراء في أغراضهم وأهدافهم باختلاف طبائعهم وأُصولهم ،
وانتماءاتهم القبلية والطائفية ، وأهدافهم وأطماعهم الدينيّة والدنيوية ، وما
إلى ذلك من وجهات نظر وغايات وآمال .
والمال الذي يسيل له لعابُ كثير من الناس يُغري من الشعراء مَنْ امتهنوا
ــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 142 .
(2) لاحظ تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام الحسين
(عليه السّلام) / 190 ـ 193 هامش
(3) .
الصفحة (71)
الشعر ، وحمّلوه مؤونة حياتهم المادّية قبل أن يكون بنفسه غرضاً يحدوهم
إلى نيل مكانة اجتماعية في الأدب واللغة ، أو خلود الذكر في الحضارة
البشرية ، أو علوّ الكعب والشرف بين الأقران والأهل والعشيرة ، أو الخُلْد
والثواب والأجر في الآخرة .
أمّا المال عند أهل الشرف والكرامة والإنسانية والعزّة النفسية من أصحاب
الأهداف السامية الكُبرى ، فهو وسيلةٌ وليس هدفاً . وكما إنّ الله تعالى ذكره استخدمَ المالَ لأغْراض العُبور على الجسور ،
والوصول بها إلى الأهداف الربّانيّة ؛ فجعل للمؤلَّفة قلوبهم حقّاً في
أموال الله , فكذلك الحسين (عليه السّلام) ، اتّباعاً للقرآن ، وتطبيقاً له فإنّه كان
يستخدم المالَ لهدف معنويّ إلهيّ سام ؛ فكان يُعطي شعراء عصره ، ولمّا عوتبَ
قال [199] : (( إنّ خيرَ المال ما وقَى العِرْضَ ))(1) .
و «العِرضُ» هُنا ليس هو «النامُوس» ؛ إذْ ليس بين المسلمين من يَخالُ أن
يَنالَ من عِرض أهل بَيْت الرسالة , بل المراد به «العِرْض السياسي» الذي اسْتَهدفه من «آل محمّد» الأُمويّون
، فكانوا يكيلون سَيْل التهم والافتراء ضدّ عليّ وآل محمّد (عليهم السّلام) ، على حساب
المدائح لمخالفيهم من آل عثمان ومروان وطواغيت آل أبي سفيان .
فكانت مبادرةُ الإمام الحسين (عليه السّلام) قطعاً لأعذار المتسوّلين بشعرهم
والمستغلّين لهذا المنبر الشعبيّ الفاعل في سبيل جمع الحُطام الزائل ،
وعلى حساب تحكيم سلطة الظلمة الجائرين .
فكان عطاء الحسين (عليه السّلام) يحدّ من اتجّاه الشعراء إلى أبواب الحكّام
،
ويقلّل من فرص استغلالهم من قبل الجائرين ، كما يُوصِد أمام السفلة أبواب
ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 129 .
الصفحة (72)
التعرّض للشرفاء من معارضي السلطة وأنصارِها الطُغاة البغاة(1) .
ويُمكن أنْ تُفسَّر ظاهرة رواية الشعر المنسوب إلى الأئمّة (عليهم السّلام) على
أساس من هذا المنطلَق ، فبالرغم من أنّ قول الشعر لا يليقُ باُولئك
العلماء القادة السادة الّذين كانت لهم اهتمامات كبرى ، ومع أنّ الشعر
المنسوب أكثرهُ ضعيف اللفظ والوزن ، ولا وقع له في مجال اللغة والأدب فضلاً
عن أن يُقاس بكلماتهم النثريّة التي هي في قمّة البلاغة والفصاحة .
إلاّ أنّ من الممكن أن تصدُرَ ـ لو صحّت النسبة ـ من أجْل ملء الفراغ في
دنيا الشعر ، والذي انهمك فيه الشعراء بأغراض أُخرى ، وقلّت فيها النخوة
الدينية عندهم ، فلا يبعد أن يكون للأئمّة (عليهم السّلام) شعرٌ يسدّ بعض هذا
الفراغ ، ويجذب قلوب الناس إلى المعاني والأغراض الصالحة التي تحتويه .
أو يكون بعضُ الموالين قد حاول ذلك ؛ فأخذ من الأئمّة المعاني ونظمها بشكل
سهل ليتهيّأ لكلّ الناس حفظه وتداوله ، فنسب إلى الأئمة باعتبار معانيه .
من الشعر المنسوب إلى الإمام (عليه السّلام)
ومهما يكن ، فإنّ ابن عساكر قد روى من الشعر المنسوب إلى الإمام الحسين
(عليه السّلام) الشيء الكثير ، نختار منه ما يلي :
[205] خرجَ سائل يتخطّى أزقّة المدينة حتّى أتى باب الحسين بن عليّ
(عليه السّلام) ، فقرع
الباب وأنشأ يقول :
لم يَخَبِ اليَوم مَنْ رجاكَ ومَنْ حـرّك من خلف بابك الحَلَقَهْ فأنْتَ ذو الجودِ أنْتَ معدِنُه(2) أبـوكَ قـد كان قاتلَ الفَسَقَهْ
|
وكان الحسينُ بن علي (عليه السّلام) واقفاً يُصلّي ، فَخَفَّفَ من
صلاته وخرجَ إلى الأعرابي ، فرأى عليه أثر ضُرّ وفاقة ، فرجع ونادى بقَنْبر
, فأجابه :
ــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر موقف الحسين (عليه السّلام) من الفرزدق الشاعر , هامش 207
من تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) .
(2) في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور :
وأنت جود وأنت معدنه .
الصفحة (73)
لبّيك يابنَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
قال : ((ما تبقّى معكَ من نفقتنا ؟
)) .
قال : مئتا درهم ، أمرتني بتفريقها في أهل بيتك .
قال : (( فهاتها ؛ فقد أتى مَنْ هو أحقُّ بها منهم
)) .
فأخذها وخرج ، فدفعها إلى الأعرابيّ ، وأنشأ يقول :
فأخذها الأعرابي وولّى وهو يقول :
خُـذْهـا فإنّي إليك iiمـعـتذِرٌ واعـلـم بـأنّي عليك ذو شَفَقَهْ لو كان في سيرنا الغداة عصاً(1) كـانَـتْ سمانا عليك iiمُـنْدَفقهْ لـكـنّ ريبَ الزمان ذو iiنَـكَدٍ والـكـفُّ منّا قليلة iiالـنَّـفَقهْ
|
مُـطَـهّـرونَ نقيّاتٌ iiثـيـابُهمُ ii تجري الصلاةُ عليهم أينما ذُكروا فـأنـتـمُ أنـتمُ الأعلونَ عندكمُii علمُ الكتاب وما جاءت به السورُ مَـن لـم يكنْ علويّاً حين تنسبُهii فماله في جميع الناس iiمُفتخرُ(2)
|
[208] وأنشدوا له (عليه السّلام) :
أغْنِ عن المخلوق iiبالخالقِ تغن عن الكاذب iiوالصادقِ واسترزق الرحمنَ من iiفضله فـليس غيرُ الله من iiرازقِ مَـنْ ظنَّ أنّ الناس iiيُـغنونَه فـليس بالرحمن iiبـالواثقِ أو ظـنَّ أنَّ المال من iiكسبهِ زلّتْ به النعلان من حالقِ(3)
|
[209] وروى الأعمش له (عليه السّلام) :
ــــــــــــــــــــــــ
(1) في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور :
لو كان في سيرنا عصاً تمدّ إذن
(2) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 132 .
(3) المصدر نفسه .
|