الحسين (ع) سِمـاتُهُ و سِيْرَتُهُ

 

الصفحة (97)

يحتوشونه ، حتّى إنّهم أعلنوا عن تخوّفاتهم وظنونهم بأنّ الإمام (عليه السّلام) يفكّر في حركة يسمّونها «نزوة» أو «مرصداً للفتنة» وما إلى ذلك ، لكنّهم لم يُقْدموا على أمر ضدّه . ولعلّ معاوية كان يُحاول أن يقضي عليه بطريقته الخاصّة في الكيد والمكر ، إلاّ أنّ سرعة الأحداث ومجيء الأجل لم تمهله لذلك .

فكانت مواجهة الحسين (عليه السّلام) وصدّه من آخر وصايا معاوية لابنه يزيد ، كما كانت هي من أُولى اهتمامات يزيد نفسه ؛ ففي التاريخ [255 ص199] : توفّي معاوية ليلة النصف من رجب سنة ستّين ، وبايع الناس ليزيد ، فكتب يزيد مع عبد الله بن عمرو بن أُويس العامري إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ـ وهو على المدينة ـ : أن ادعُ الناسَ فبايعهم ، وابدأ بوجوه قريش ، وليكن أوّل من تبدأ به الحسين بن عليّ بن أبي طالب ...(1) . فبعث الوليد بن عتبة من ساعته ـ نصف الليل ـ إلى الحسين بن عليّ (عليه السّلام) .

إنّ اهتمام يزيد وتأكيده بأخذ البيعة أوّلاً من الحسين (عليه السّلام) ، واستعجال الوالي بالأمر بهذا الشكل لم يكن إلاّ لأمر مبيّت ومدبّر من قبل البلاط ورجاله , ولا بُدّ أنّ الإمام (عليه السّلام) كان قد قدّر الحسابات ، فلّما طلب الوالي منه البيعة رفضها وقال له : (( نصبح فننظر ما يصنع الناس )) . ووثب فخرج كما جاء في نفس الحديث السابق .

ويبدو أنّ الوليد الوالي لم يكن متفاعلاً بشدّة مع الأمر ، أو أنّه لم يكن متوقّعاً لهكذا موقف من الإمام (عليه السّلام) ؛ لأنّه لما تشادّ مع الحسين في الكلام قال الوليد : إن هجنا بأبي عبد الله إلاّ أسداً . ولكنّها هي الحقيقة التي وقف عليها معاوية في حياته وأطلقها وإن كان الوليد لم يعرفها إلاّ اليوم .

وتتمّة الحديث السابق

ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 138 .

الصفحة (98)

[ص200] : وخرجَ الحسين من ليلته إلى مكّة ، وأصبحَ النّاس وغدوا إلى البيعة ليزيد ، وطُلِبَ الحسين فلم يوجد(1) .

ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 138 .

الصفحة (99)

وهكذا أفلت الحسين (عليه السّلام) من والي المدينة ، وفيها مروان بن الحكم العدوّ اللدود لآل محمّد (عليهم السّلام) ، والذي كان يحرّض الوالي على قتل الحسين (عليه السّلام) في نفس تلك الليلة إن لم يُبَايع .

وخرج الحسين (عليه السّلام) إلى مكّة التي هي أبعد مكان من الأزمة هذه ، والتي سوف يتقاطر عليها الحُجّاج لقُرب الموسم فتكون قاعدةً أفْسح وأوسع للتحرّك الإعلاميّ في صالح الحركة .

27 ـ عراقيل على المسير

لا ريب أنّ تخلّص الحسين (عليه السّلام) من مسألة البيعة ، وخروجه بهذا الشكل المتخفي من المدينة لم يُرضِ الدولة ولا أجهزتها ؛ فلذلك تصدّوا للموقف بمحاولة اغتيال الحسين (عليه السّلام) في مكّة ، وفي زحام الموسم ، وقد جـاء في بعض المصـادر «أنّ يزيد بثّ مَن يغتـاله ولو كان متعلّقـاً بأستـار الكعبة» .

وعلى أبعد احتمال كان الحسين (عليه السّلام) يُجَرُّ إلى المواجهة المسلّحة مع رجال الدولة في منطقة الحرم ، ذلك الأمر الذي لا يريده الحسين (عليه السّلام) ، بل يربأ بنفسه أن يقع فيه كما عرفناه في الفقرة (22) ؛ فلذلك عزم على الخروج من مكّة .

[ص205] فخرج متوجّهاً إلى العراق ، في أهل بيته وستّين شيخاً من أهل الكوفة ، وذلك يوم الإثنين في عشر ذي الحجّة سنة ستّين .

ولا بُدّ أنّ أجهزة الحكم كانت تلاحق الحسين (عليه السّلام) وتراقب تحرّكاته ، ويحاولون صدّه عن ما يريد ، وبالخصوص توجّهه إلى منطقة الكوفة في العراق التي تعتبر


 الصفحة (100)

عند حكّام الشام أرض المعارضة الشيعيّة العلوية ، وإذا أفلت الحسين (عليه السّلام) منهم فلا بُدّ من وضع العراقيل في طريقه حتّى يتراجع ولا يخرج إلى العراق .

ومن الملاحظ في طريق الحسين (عليه السّلام) كثرة عدد «الناصحين» له (عليه السّلام) بعدم الخروج إلى العراق ، وتكاد كلمتهم تتّفق على السبب ، وهو «أنَّ أهل العراق أهل غدر وخيانة ، وأنّهم قتلوا أباه وطعنوا أخاه» .

ومن الغريب أن نجد في الناصحين القريب والغريب ، والشيخ والشاب ، والرجل والمرأة ، ثم نجد الصحابي والتابعي ، والصديق والعدوّ , ومن جهة اُخرى نجد إجابة الإمام الحسين (عليه السّلام) لكلّ واحد تختلف عن إجابته للآخر ، ولكنّ الحقيقة واحدة , وسكت عن إجابة البعض !

وأمّا تفصيل الأمر : جاءه أبو سعيد الخُدْري فقال [ص197] : يا أبا عبد الله ، إنّي لكم ناصح ، وإنّي عليكم مشفق ، وقد بلغني أنّه كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم ، فلا تخرج ؛ فإنّي سمعتُ أباك يقول بالكوفة : (( والله لقد مللتُهم وأبغضتُهم , وملّوني وأبغضوني ، وما بلوت منهم وفاءً , ومَن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب )) . والله ما لهم ثبات ، ولا عزم أمر ، ولا صبر على سيف .

ولم يذكروا جواب الإمام الحسين (عليه السّلام) لأبي سعيد ، الصحابي الكبير ، ولعلّ الإمام (عليه السّلام) تغافل عن جوابه ؛ احتراماً لكبر سنّه ، أو تعجّباً منه لعدم تعمقّه في الأُمور ، وعدم تفكيره فيما أصاب الإسلام وما يهدّده من أخطار بقدر ما كان يفكر في سلامة الحسين (عليه السّلام) .

وقال عبد الله بن عيّاش بن أبي ربيعة [ص201] : أين تريد يابن فاطمة ؟!


الصفحة (101)

إنّي كاره لوجهك هذا ؛ تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك حتّى تركهم سخطة وملّة لهم ! أُذكّرك الله أن تغرّر بنفسك(1) .

ولم يذكروا جواب الإمام (عليه السّلام) هنا أيضاً .

وقال أبو واقد الليثي [ص201] : بلغني خروج حسين ، فأدركته بـ «مَلَل» , فناشدته الله أن لا يخرج ؛ فإنّه يخرج في غير وجه خروج ، إنّما يقتل نفسه .

وقد ذكر جواب الحسين (عليه السّلام) لهذا أنّه قال : (( لا أرجع ))(2).

وكتب إليه المِسْوَر بن مخرمة [ص202] : إيّاك أن تغترّ بكتب أهل العراق ... إيّاك أن تبرحَ الحرمَ ؛ فإنّهم إن كانت لهم بك حاجة فسيضربون إليك آباط الإبل حتّى يوافوك فتخرج في قوّة وعدة(3) .

ويبدو أنّ المِسْوَر كان يعرف السبب الأساس لتوجّه الحسين (عليه السّلام) وخروجه ، وهذا يدلّ على مزيد من الارتباط والتداخل مع قضيّة الحسين (عليه السّلام) ، لكنّه ـ لجهله بمقام إمامة الحسين (عليه السّلام) ـ يتصدّى بهذه اللهجة لتحذيره .

ولعدم وجود سوء نيّة عنده يذكر خيانة أهل العراق ، ويقترح على الحسين (عليه السّلام) مخرجاً من التكليف ، وهو أن يترك العراقيّين ليقدموا بأنفسهم إلى الخروج إلى الحسين (عليه السّلام) ، وهذه نصيحة مشفق ، متفهّم لجوانب من الحقيقة وإن خفي عليه لبّها وجوهرها ؛ ولذلك نجد أن الحسين (عليه السّلام) كان ليّناً في جوابه , فجزّاه خيراً وقال : (( أستخير الله في ذلك ))(4) .

ــــــــــــــــــــــــ
(1) و (2) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 139 .
(3) و(4) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 140 .

الصفحة (102)

وكتبت إليه عمرة بنت عبد الرحمن تعظّم عليه ما يريد أن يصنع ، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة , وتخبره أنَّه إنّما يُساق الى مصرعه ، وتخبره وتقول [ص202] : أشهدُ لحدّثتني عائشة أنّها سمعتْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( يُقتل حسين بأرض بابل ))(1) .

إن تدخّل هذه المرأة في الأمر غريب ، والنساء الأكبر منها قدراً والأكثر منها معرفة وحديثاً حاضرات ، والأغرب أنّها «تأمر» الإمام (عليه السّلام) «بالطاعة ولزوم الجماعة» , وهذه اللغة إنّما هي لغة الدولة ورجالها والمندفعين لها ، ولا أستبعد أن يكون وراء تحريك هذه ـ وهي ربيبة عائشة والراوية لحديثها ـ أيد عميلة للدولة .

وقد كان جواب الإمام (عليه السّلام) لها إلزامها بما رَوَتْ ، فلما قَرأ كتابها قال : (( فلا بُدّ لي إذاً من مَصْرعي )) , ومضى (عليه السّلام) .

وأتاه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فقال [ص202] : إنّ الرحم تُصارّني(2) عليك ، وما أدري كيف أنا عندك في النصيحة لك ؟

قال (عليه السّلام) : (( يا أبا بكر , ما أنت ممّن يُستغشَّ ولا يُتَّهم ، فقل )) .

قال : قد رأيتَ ما صنع أهل العراق بأبيك وبأخيك ، وأنت تريد أن تسير إليهم ، وهم عبيد الدنيا ؛ فيقاتلك مَنْ قد وعدك أن ينصرك ، ويخذلك من أنت أحبّ إليه ممّن ينصر , فاذكّرك الله في نفسك(3) .

إنّ أبا بكر ـ حسب النصّ عن الحسين (عليه السّلام) ـ ليس هو متّهماً , ولا يتوقع منه الغش كما يُتّهم غيره من «الناصحين» . ثم يبدو أنّه إنسان بعيد النظر ؛ حيث تنبّأ بأُمور أصبحت حقيقةً ، فيبدو أنّه كان مخلصاً في نصحه ؛ ولذلك كان جواب الإمام الحسين (عليه السّلام) له أن قال :

ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 140 .
(2) في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور : تظارُّني .
(3) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 141 .

الصفحة (103)

[ص202] (( جزاك الله يابن عمّ خيراً ، فقد أجتهدت رأيك , ومهما يقضِ الله من أمر يكنْ )) .

وكتب إليه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب كتاباً يحذّره أهل الكوفة ، ويُناشده الله أن يشخص إليهم , فكتب إليه الحسين (عليه السّلام) [ص202] : (( إنّي رأيتُ رؤيا ، ورأيت فيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأمرني بأمر أنا ماضٍ له ، ولستُ بمخبر بها أحداً حتّى أُلاقي عملي ))(1) .

وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص [ص202 ـ 203] : إنّي أسأل الله أن يُلهمك رُشدك ، وأن يصرفك عمّا يُرديك . بلغني أنّك قد اعتزمت على الشخوصَ إلى العراق ، فإنّي أُعيذك بالله من الشقاق ؛ فإنْ كنتَ خائفاً فأقبلْ إليّ فلك عندي الأمانُ والبرّ والصلة .

وعمرو هذا من الأُمراء الأقوياء في فلك الحكام ، وذو عدّة وعَدَد ، ويبدو من كتابه أنّه على ثقة من نفسه ، وأنّه إنّما كتب الكتاب مستقلاً ، وأمّا نيّته فلا يبعد أن يكون قد فكّر في التخلّص من الحسين (عليه السّلام) وحركته بنحو سلمي ؛ لأنّه كان ممّن يرشَّح نفسه للحكم ، أو هو محسوب على الحكم ولا يحبّ أن يتورّط في مواجهة مع الحسين (عليه السّلام) ، ومع هذا فهو جاهل بكلّ الموازين والمصطلحات الإسلاميّة ؛ فهو يحذّر الإمام من «الشقاق» ثمّ هو يُحاول أن يُطمع الحسين (عليه السّلام) في الأمان والبرّ والصلة .

وقد كتب إليه الحسين (عليه السّلام) جواباً مُناسباً هذا نصّه [ص203] : (( إن كنتَ أردتَ بكتابكَ إليَّ برّي وصلتي ، فجُزيتَ خيراً في الدنيا والآخرة ,

ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 141 .

الصفحة (104)

وإنّه لم يُشاقق مَنْ دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال : إنّني من المسلمين .

وخير الأمانِ أمانُ الله ، ولم يؤمِنِ الله من لم يَخَفْهُ في الدنيا ، فنسأل الله مخافةً في الدنيا توجب لنا أمانَ الآخرة عنده ))(1) .

ومن العِبَرِ أنّ عمراً هذا اغترّ بأمان خلفاء بني أُميّة , فغدروا به ، وقطّعوه بالسيوف ، ولم ينفعه أهله وعشيرته ، فخسر أمان الدنيا وأمان الآخرة .

ويبقى من الناصحين العبادلة : ابن عبّاس ، وابن عمرو ، وابن الزبير ، وابن عمر ؛ أمّا ابن عبّاس فلو صحّت الرواية فإنّ يزيد بن معاوية دفعه على التحرّك في هذا المجال ، وكتبَ إليه يخبره بخروج الحسين (عليه السّلام) إلى مكّة ، وقال له [203] : ... وأنت كبير أهل بيتك , والمنظور إليه ، فاكْفُفْه عن السعي في الفُرقة .

وتقول الرواية : إنّ ابن عبّاس أجاب يزيد ، فكتب إليه : إنّي لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه ، ولستُ أدع النصيحة له في كلّ ما يجمع الله به الأُلفة وتُطفأ به النائرة .

وتقول الرواية : ودخل عبد الله بن العبّاس على الحسين (عليه السّلام) فكلّمه ليلاً طويلاً ، وقال [ص204] : أنشدك الله أن تهلك غداً بحال مضيعة ، لا تأتِ العراقَ ، وإن كنتَ لا بُدّ فاعلاً فأقم حتّى ينقضي الموسم , وتلقى النّاسَ وتعلم على ما يصدرون , ثمّ ترى رأيك .

وتحدّد الرواية تاريخ هذا الحديث في عشر ذي الحجّة سنة ستّين .

وتقول الرواية : فأبى الحسين إلاّ أن يمضي إلى العراق ، وقال لابن عبّاس :

ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 141 .

الصفحة (105)

(( يابن العبّاس ، إنّك شيخ قد كبُرت ))(1) . ثمّ خرج عبد الله من عند الإمام (عليه السّلام) وهو مغضب .

ولو صحّت الروايةُ فإنّ إقدام ابن عبّاس على هذا العمل ، وانبعاثه ببعث يزيد ، وأُطروحته بتأخير الحركة ، وسائر كلامه يدلّ على تناسي ابن عبّاس لمقام الحسين (عليه السّلام) في العلم والإمامة ، وعلى بُعده عن الأحداث , فكان جواب الحسين (عليه السّلام) بأنّه «شيخ قد كبر» تعبيراً هادئاً عن فقده للذاكرة ، وقوّة الحدس ، وما اتصّف به ابن عبّاس من الذكاء طول حياته الماضية والتي كشفتْ عنها مواقفُه السامية , مع أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) ذكر لابن عبّاس أمراً جعله يهدأ ، وهو قوله له [ص204] : (( لأن أُقتلَ بمكان كذا وكذا أحبُّ إليّ أن تستحلّ بي )) , يعني مكّة .

فبَكى ابن عبّاس ، وكان يقول : فذاك الذي سلا بنفسي عنه(2) . وهذا ما يُبعد كل ما احتوته تلك الرواية ، ولعل الرواة خلطوا بين ابن الزبير وابن عبّاس . ولو كان يزيد تمكّن من تحريك شيخ بني هاشم في تنفيذ ما يُريد ، فكيف لغيره من البُلهاء والمغفَّلين ، أو البسطاء والمستأجرين ؟!

وأمّا ابن عمرو بن العاص فلم تُؤثر عنه كلمة في «الناصحين» , إلاّ أنّه قال لمّا سُئل عن الحسين (عليه السّلام) ومخرجه [ص206] : أما إنّه لا يَحِيْكُ فيه السلاحُ(3) .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) و (2) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 142 .
(3) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 144 .

الصفحة (106)

ومعنى كلامه أنّه لا يضرّه القتل مع سوابقه في الإسلام . لكنّ الفرزدقَ الشاعرَ استشعر من الكلام دلالةً أُخرى ، ولعلّه عدّها تشجيعاً على الخروج , وتأييداً له وحثّاً عليه حتّى عدّ ذلك من ابن العاص نفاقاً وخبثاً .

وأمّا ابن الزبير فقد حشره بعض المؤرّخين في «الناصحين» , وإنْ صحّت الرواية بذلك فهو بلا ريب ممّن «يُستغشُّ» في نُصحه ؛ لأنّه هو الذي شبّ على عداء أهل البيت النبويّ (عليهم السّلام)، ودفع أباه في اُتون حرب الجمل ، ووقف مع عائشة خالته في وجه العدالة .

ولقد أبدى حقده وسريرة نفسه لمّا استولى على الحكم في مكّة , فكان يترك الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله) حسداً لآله . وقد جمع آل أبي طالب في الشعب مهدّداً بالإحراق عليهم لمّا أبوا أن يبايعوه ويعترفوا بإمارته . وقد كان يكيد للإمام زين العابدين (عليه السّلام) في المدينة(1) . هذا الرجل لم يُحاول نصح الحسين (عليه السّلام) بعدم الخروج خوفاً عليه من قَتَلة أبيه وأخيه ، بل لا يذكر ذلك إلاّ شماتةً .

وقد أجابه الإمام الحسين (عليه السّلام) ـ كما في الرواية ـ متُناسياً هذا الماضي الأسود ، لكن مذكّراً إيّاه بمستقبل مشؤوم [248] , فقال له : (( لأنْ أُقتلَ بمكان كذا وكذا أحبَّ إليَّ من أن تُستحلّ بي )) ـ يعني مكّة ـ , متنبئاً بتسبّبه في انتهاك حرمة البيت والحرم عندما يعلن طغيانه في داخل مكّة ويستولي عليها ، ممّا يفتح يد جيش الشام لانتهاك حرمتها ، بل رميهم للكعبة وهدمها , بينما الحسين (عليه السّلام) قد خَرج من مكّة رعايةً لهذه الحرمة أن تهتك .

وهكذا كان أهل البيت يُحافظون على هذه الحرمة كما قرأناه في الفقرة (22) ,

ــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ كتابنا جهاد الإمام السجاد (عليه السّلام) / 283 .

(107)

لكن هُناك نُقولٌ وأحاديث كثيرة تؤكّد على أنّ ابن الزبير لم يكن إلاّ من المشجّعين للحسين (عليه السّلام) على الخروج إلى العراق ، صرّح بذلك سعيد بن المسيّب(1) , واتّهمه بذلك بشدّة المِسْوَر بن مخرمة(2) .

وأمّا ابن عبّاس فقد واجه ابن الزبير بذلك حين قال له [ص204] : يابن الزبير ، قد أتى ما أحببت ، قرّت عينك ، هذا أبو عبد الله يخرج ويتركك والحجاز . وتمثّل :

 يـالـك مـن قُـبَّرة iiبـمعمرِ      خلا لَك الجوّ فبيضي واصفري

ونقّري  ما شئتِ أنْ iiتنقّريْ(3)

وأمّا ابن عمر , ذلك المتظاهر بالورع المُظْلم الذي لم يميّز به الحق ولم يبتعد عن الباطل ، ويُحاول بزعمه الانعزال عن الفتنة ؛ رغبةً في العفّة عن الدماء ؛ فإنّه كان أصغر من أن يجد الحل المناسب للخروج عمّا يدخل فيه إن أحْسَنَ أن يدخُلَ في شيء !

فهو على أساس من نظرته الضعيفة والملتوية امتنعَ عن مبايعة الإمام عليّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) المجمع على إمامته ، لكنّه يقصد الحَجّاج ليُبايعه ؛ زاعماً أنّه سمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( من باتَ وليس في عُنقه بيعةٌ ماتَ ميتةً جاهليّة ))(4) .

فمدّ الحجّاج إليه رجله يُبايعه بها ، وحاجَجَهُ في امتناعه عن بيعة عليّ (عليه السّلام) بأنّه لمَّا ترك بيعته (عليه السّلام) أما كان يخافُ أن يموت في بعض تلك

ــــــــــــــــــــــــ
(1) كما في ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) من تاريخ دمشق / 201 .
(2) كما في (ص202) من المصدر السابق ، وكذلك الحديث (331) منه .
(3) بل اعتبر ابن عبّاس تعزية ابن الزبير له بمقتل الحسين (عليه السّلام) شماتة كما في الحديث (330) , مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 144 .
(4) رواه مسلم في صحيحه 12 / 240 .

الصفحة (108)

الليالي , فكان الحجّاجُ المُلحد أبصَر في ذلك من ابن عمر المتزهّد !

وهكذا يجرُّ الخذلانُ بعضَ الناس إلى العمى عن رؤية ما بين يديه وهو يدّعي أنّه يرى الأُفقَ البعيدَ .

وبعد هذه المواقف الهزيلة يأتي ابنُ عمر إلى الحسين (عليه السّلام) ليحشر نفسه في «الناصحين» له بعدم الخُروج إلى العراق ؛ زاعماً [245] : إنّ أهل العراق قومٌ مناكير ، وقد قتلوا أباك , وضربوا أخاك ، وفعلوا وفعلوا . ولمّا أبى الإمام (عليه السّلام) ـ بما سيأتي نقله ـ قال ابن عمر [246] : أستودعك الله من قتيل .

لكن كلّ ما ذكره ابن عمر لم يكن ليخفى على الحسين (عليه السّلام) نفسه ؛ لأنّه (عليه السّلام) كان أعرف بأهل الكوفة وما فعلوه ؛ حيث كان فعلهم بمنظر منه ومسمع ، وبغياب ابن عمر عن ساحة الجهاد ذلك اليوم ، فليس إلى تنبُّؤات ابن عمر حاجة .

واذا كانت نظرة ابن عمر عدم التدخّل في السياسة ، والانعزال عن الفتن ، فلم يكن تدخُّله اليوم ، ومحاولته منع الحسين من الخروج منبعثاً عن ذات نفسه ، وإنّما أمثاله من البله يندفعون دائماً مع إرادات الظالمين ولو من وراء الكواليس ، اُولئك الّذين كان ابن عُمر يُغازلهم ويتقرّبُ إليهم مثل معاوية ويزيد والحجّاج .

وما أجابَ به الإمامُ الحسين (عليه السّلام) هؤلاء الناصحين قد اختلف حسب الأشخاص وأهوائهم وأغراضهم , ومواقعهم وقناعاتهم ، وقربهم وبُعدهم كما رأينا .

وأمّا الجواب الحاسم والأساس فهو الذي ذكره الإمام (عليه السّلام) في جواب الأمير الأُموي عمرو بن سعيد ، فقال :


الصفحة (109)

[ص203] (( ... إنّه لم يُشاقق مَنْ دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال : إنّني من المسلمين ))(1) .

فإذا كان الحسينُ (عليه السّلام) خارجاً لأداء واجب الدعوة إلى الله , فلا يكون خروجه لغواً ، ولا يحقّ لأحد أن يُعاتبه عليه ؛ لأنّهُ إنّما يؤدّي بإقدامه واجباً إلاهيّاً وضعه اللهُ على الأنبياء وعلى الأئمّة (عليهم السّلام) من قبل الحسين وبعده .

وإذا أحرز الإمام تحقّق شروط ذلك ، وتمَّتْ عنده العدّة للخروج من خلال العهود والمواثيق , ومجموعة الرسائل والكتب التي وصلت إليه , فهو لا محالة خارج ، ولا تقف أمامه العراقيل المنظورة له والواضحة فضلاً عن تلك المحتملة والقائمة على الفرض والتخمين , مثل الغدر به وهلاكه ، ذلك الذي عرضه «الناصحون» .

فكيف لو كان المنظور هو الشهادة والقتل في سبيل الله التي هيَ من أفضلِ النتائج المتوقّعة والمترقّبة والمطلوبة لمن يدخل هذا السبيل ؟! مع أنّها مقضيّة ومأمور بها ، وتحتاج إلى توفيق عظيم لنيلها ؛ فهي إذاً من صميم الأهداف التي يضَعها الإمام أمام وجهه لا أنّها موانع لإقدامه .

وأمّا أهل العراق وسيرتهم ، وأنّهم أهل النفاق والشقاق ، وعادتهم الغدر والخيانة , فتلك أُمور لا تُعرقل خُطّة الإمام (عليه السّلام) في قيامه بواجبه ، وإنّما فيها الضرر المتصوّر على حياة الإمام (عليه السّلام) , وتمسُّ راحته .

وليس هذا مهمّاً في قبال أمر القيادة الإسلاميّة ، وأداء واجب الإمامة حتّى يتركها من أجل ذلك ؛ ولذلك لم يترك الإمام عليّ (عليه السّلام) أهل الكوفة بالرغم من استيائه منهم إلى حدّ الملل والسأم ، لكن لا يجوزُ له شرعاً أن يترك موقع القيادة وواجب الإمامة من أجل أخلاقهم المؤذية لشخصه .

وكذلك الواجب الذي أُلقي على عاتق الإمام الحسين (عليه السّلام) بدعوة أهل العراق وأهل الكوفة بالخروج إليهم ، والقيام بأمر قيادتهم ، وهدايتهم إلى

ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 141 .

الصفحة (110)

الإسلام ، لم يتأدَّ إلاّ بالخروج ، ولم يسقط هذا الواجب بمجرّد احتمال العصيان غير المتحقّق في ظاهر الأمر , فكيف يرفع اليد عنه ؟ وما هو عذره عن الحجّة التي تمّت عليه بدعوتهم له ولم يبدُ منهم نكثٌ وغدرٌ بعدُ ؟ فلا بُدّ أنْ يمضي الإمام (عليه السّلام) في طريق آداء واجبه حتّى تكون له الحجّة عليهم إذا خانوا وغدروا كما حدث في كربلاء , ولو على حساب وجوده الشريف .

وقد كان الإمام يُعلن ويُصرّح ويُشير باستمرار إلى «كتب القوم ورسائلهم» عندما يُسأل عن وَجْه مسيره ؛ ليدلّ المعترضين على خروجه إلى هذا الوجه الرصين المحكم ، وهذا الواجب الإلهيّ المستقرّ على الإمام (عليه السّلام) . وهكذا أسكت الإمام (عليه السّلام) اعتراض ابن عمر , فقال له مكرّراً [246] : (( هذه كتبهم وبيعتهم ))(1) .

وكلّ مسلم يعلم أنّ الحّجة إذا تمّت على الإمام (عليه السّلام) بحضور الحاضر ووجود الناصر فقد أخذ الله عليه أن يقومَ بالأمر عند انعدام العذر الظاهر ، ولا تصدُّه احتمالاتُ الخِذلان ، ولا يردعُه خَوفُ القتل عن ترك واجبه أو التقصير في ما فُرض عليه , بل لا بُدّ من أن يسيرَ على ما ألزمه الله ظاهراً من القيام بالأمر , وطلب الصلاح والإصلاح في الأُمّة , حتّى تنقطع الحّجة ولا يبقى لمعتذر عذر , وهكذا كانَ يعملُ الأنبياء (عليهم السّلام) من قبل .

وها هو الحسين (عليه السّلام) إمام عصره وسيّد المسلمين في زمانه ، يجد المخطّط الأُمويّ لعودة الناس إلى الجاهليّة يُطبَّق ، والإسلام بكلّ شرائعه وشرائحه يُهدّد بالاندثار والإبادة ، ويجد أمامه هذه الكثرة من كتب القوم ودعواتهم ، وبيعتهم ، وإظهارهم للاستعداد ، فأيُّ عذر له في تركهم وعدم الاستجابة لهم ؟!

ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 135 .

الصفحة (111)

وهل المحافظة على النفس ، والرغبة في عدم إراقة الدماء ، والخوف من القتل أُمور تمنع من أداء الواجب ، وتعرقل مسيرة المسؤولية الكبرى ، وهي المحافظة على الإسلام وحرماته , وإتمام الحجّة على الأُمّة بعد دعواتها المتتالية , واستنجادها المتتابع ؟!

ثمَّ هَلْ تُعْقَلُ المحافظة على النفس بعد قطع تلك المراحل النضالية , والتي كان أقل نتائجها المنظورة القتلُ ؛ حيث إنّ يزيدَ صمّم على الفتك بالإمام (عليه السّلام) الذي كان يجده السدّ الوحيد أمام استثمار جهود أبيه في سبيل الملك الأُموي العَضوض , فلا بدّ من أن يزيحه عن هذا الطريق .

ويتمنى الحكم الأُموي لو أن الحسين (عليه السّلام) يقف هادئاً ولو للحظة واحدة حتّى يركّز في استهدافه ويقتله , وحبّذا لو كان قتل الحسين (عليه السّلام) بصورة اغتيال حتّى يضيع دمه وتهدر قضيته .

وقد أعلن الحسين (عليه السّلام) عن رغبتهم في ان يقتلوه هكذا ، وأنّهم مصممون على ذلك حتّى لو وجدوه في جُحْر . وأشار يزيد إلى جلاوزته أن يحاولوا قتل الحسين (عليه السّلام) أينما وجدوه ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة ، فلماذا لا يُبادرهم الإمام (عليه السّلام) إلى انتخاب أفضل زمان ، وأفضل مكان ، وأفضل شكل للقتل ؟!

الزمان «يوم عاشوراء» المسجّل في عالم الغيب ، والمثبت في الصحف الأُولى ، وما تلاها «من أنباء الغيب» التي سنستعرضها . وكذا المكان «كربلاء» الأرض التي ذكر اسمها على الألسن منذ عصر الأنبياء , أمّا الشكل الذي اختاره للقتل فهو النضال المستميت الذي ظلّ صداه مُدَويّاً في اُذن التأريخ ، يقضّ مضاجع الظالمين والمزوّرين لكتبه .

إنّ الإمام (عليه السّلام) وبمثل ما قام به من الإقدام أثبت ذكره ومقتله على صفحات التاريخ ، حتّى لا تناله خيانات المنحرفين , وجحود المنكرين ، وتزييف المزورين ،


الصفحة (112)

ويخلد في الخالدين(1) . وسيأتي حديث عن علم الإمام (عليه السّلام) بمقتله من الغيب ، وإقدامه على ذلك في الفقرة التالية(28) .

28 ـ من أنباء الغيب

للغيب والإيمان به دور في حضارة الدين والرسالات كلّها ، وفي الإسلام كذلك ، حتّى جعل من صفات الّذين يلتزمون بها أنّهم (يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ) .

والرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) قد جاء بأنباء الغيب التي أوحاها الله إليه , وكلّ ما أخبر به منْ أنْباء المستقبل وحوادثه فهو من الغيب الموحى إليه ؛ إذ هو (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى) . وكانت واقعة خروج الحسين (عليه السّلام) إلى أرض العراق وقتله هُناك من دلائل النبوّة ، وشواهد صدقها حقّاًً(2) .

وقد استفاضتْ بذلك الأخبار ، وممّا نقله ابن عساكر [213] : عن عليّ (عليه السّلام) قال : (( دخلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعيناه تفيضان , فقلت : يا نبيّ الله ، أغضبك أحدٌ ؟ ما شأن عينيك تُفُيضان ؟

قال : بل قام من عندي جبرئيل قبلُ ، فحدّثني أنّ الحسين يُقتل بشطّ الفرات ))(3) .

وزار مَلَك القَطْر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فدخل الحسين (عليه السّلام)

ــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر مقال «علم الأئمة بالغيب» / 58 ـ 69 .
(2) أورد كثير من هذه الأخبار البيهقي في «دلائل النبوّة» , وكذلك أبو نعيم في «دلائل النبوّة» , وهما مطبوعان متداولان .
(3) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 133 .

الصفحة (113)

يتوثّب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فقال الملك [217] : أما إنّ أُمّتك ستقتله !

وقد روى هذه الأنباء عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليٌّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، واُمّ سلمة اُمّ المؤمنين ، وزينب اُمّ المؤمنين ، واُمّ الفضل مرضعة الحسين (عليه السّلام) ، وعائشة بنت أبي بكر . ومن الصحابة أنس بن مالك ، وأبو اُمامة .

وفي حديثه [219] قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لنسائه : (( لا تُبكوا هذا الصبيّ )) ـ يعني حسيناً .

فكان يوم اُمّ سلمة ، فنزل جبرئيل (عليه السّلام) , فدخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال لاُمّ سلمة : (( لا تَدَعي أحداً يدخلْ علَيَّ )) . فجاء الحسين (عليه السّلام) ... أراد أن يدخل ، فأخذته اُمّ سلمة فاحتضنته , وجعلت تُناغيه وتسكته ، فلمّا اشتدّ في البكاء خلّت عنه ، فدخل حتّى جلس في حجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فقال جبرئيل للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) : إنّ أُمتّك ستقتل ابنك هذا ...

فخرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد احتضن حسيناً ، كاسف البال مهموماً ... فخرج إلى أصحابه وهم جلوس , فقال لهم : (( إنّ أُمّتي يقتلون هذا )) , وفي القوم أبو بكر وعمر(1) .

إنّ الذين بلغتهم هذه الأنباء وآمنوا بها غيبيّاً ؛ ليَزداد إيمانهم عمقاً وثباتاً لمّا يجدون الحسين (عليه السّلام) يُقتل فعلاً ؛ وبذلك يكون الحسين (عليه السّلام) ومقتله من شواهد النبوّة والرسالة ودلائلها الواضحة ، وبهذا تتحقّق مصداقيّة قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( ... وأنا من حُسين )) .

ونزول جبرئيل (عليه السّلام) بالأنباء إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أمرٌ مألوفٌ ؛ إذ هو

ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 134 .

الصفحة (114)

مَلَك الوحي ، وموصل الأنباء ؛ أمّا نزول ملك القَطْر ـ المطر ـ وإخباره بذلك فهو أمر يستوقف القارئ , فهل في ذلك دلالة خفيّة على موضوع فقدان الماء في قضيّة كربلاء ، و«العطش» الذي سيتصاعد مثل الدخان من أبْنِيَة الحسين (عليه السّلام) يوم عاشوراء ؟!

ومن دلائل الإمامة

فعليٌّ (عليه السّلام) أمير المؤمنين ، الوصيُّ الذي تلقّى من النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أدوات الخلافة ؛ عينيّها ومعنويّها ، خفيّها وعلنيّها ، علومها الشرعية وأسرارها المودعة الجفريّة ، ما أسرّ كثيراً منها وأعلن عن البعض , فكان فيما أعلن عنه الإخبار عن مقتل الحسين (عليه السّلام) .

قال صاحب مطهرته [213] : لمّا حَاذى (عليه السّلام) نينوى وهو منطلق إلى صفّين , نادى : (( صبراً أبا عبد الله ، صبراً أبا عبد الله بشطّ الفُرات )) .

قلتُ : مَنْ ذا أبو عبد الله ؟

قال عليّ (عليه السّلام) : (( دخلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعيناه تُفيضان ... فقال : قام من عندي جبرئيل قبلُ ، فحدّثني أن الحسين يُقتل بشطّ فرات... ))(1) .

أمّا أين هي نينوى ؟ وأيّ شاطئ من شواطئ الفرات هو موضع قتل الحسين (عليه السّلام) ؟ فإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد هدى عليّاً (عليه السّلام) إلى «علامة» , ووضع عنده عيّنةً من تربة الموضع .

قال : (( هل لك أنْ اُشِمَّك من تُربته ؟ فمدّ يده ، فقبض قبضةً من تراب فأعطانيها )) .

وعلامةٌ اُخرى ، إنّ هذه التربةَ مفيضةُ الدمع ، وقد جرّبها عليّ (عليه السّلام)

ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 133 .

الصفحة (115)

لأوّل مرّة وقعت بيده ، فقال : (( فلم أملك عينيَّ أن فاضتا )) .

وبعد هذه الأعوام الطوال , والحُسين يقرب من الثلاثين من عمره ، يقف عليٌّ (عليه السّلام) على هذه الأرض ، ليقف على تلكما العلامتين ، ويُعلن عن الغيب المستودع مرّتين ؛ مرّة حين سار إلى صفّين كما قرأنا في الحديث السابق ، ومرّة أُخرى حينما رجع من صفّين .

قال الراوي [238] : أقبلنا مرجعنا من صفّين فنزلنا كربلاء ، فصلّى بها عليّ صلاة الفجر بين شجرات ودوحات حَرْمَل ، ثم أَخَذَ كفّاً من بَعْر الغِزْلان فشمّه ، ثم قال : (( اُوّهْ اُوّهْ ! يُقتلُ بهذا الغائط قومٌ يدخلون الجنّةَ بغير حساب ))(1) .

لقد شمّ عليٌّ تُربة هذه الأرض من يَد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، ويشمّها اليوم وهو على أرض كربلاء ، يقدّسها فيصلّي فيها . ولئن كانت أنباءُ الرسول (صلّى الله عليه وآله) من دلائل النبّوة ، فإنّ حضور عليّ (عليه السّلام) على هذه الأرض ، وإعلانه عن أنباء الغيب التي أوحاها إليه الرسول (صلّى الله عليه وآله) وحمّلها عليّاً (عليه السّلام) ، فهي من دلائل الإمامة .

وزاد عليّ (عليه السّلام) أنْ حضر في كربلاء وقدّس أرضها ، وواسى ابنه الشهيد بنداء له : (( صبراً أبا عبد الله ، صبراً أبا عبد الله )) .

وإذا كانت أنباء كربلاء من الغيب الذي يُوحيه الله إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، فلا بدّ أنّ شيئاً من تلك الأنباء قد جاء في صحف الأنبياء ما دامت الشريعة الإلهية واحدة ، والحقائق الكونيّة بعينها متّحدة ، والوقائع المتجدّدة محفوظة في لوح الغيب ، والأهداف في الإعلان عنها بنفسها مُتكرّرة .

فماذا عن كربلاء في الصحف الأُولى ؟

ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 135 .

الصفحة (116)

إنّ رجالاً من أهل الأديان قد تناقلوا بعض تلك الأنباء [ص189] , فهذا كعب الأحبار كان إذا مرَّ عليٌّ (عليه السّلام) يقول : يخرج من وُلد هذا رجلٌ يُقتل في عصابة , لا يجفُّ عرق خيولهم حتّى يردوا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)(1) .

[ص189] : وكان رأسُ الجالوت ـ وهو من أولاد الأنبياء السابقين ـ يقول : كُنّا نسمع أنّه يُقتل بكربلاء ابنُ نبيٍّ ، فكنتُ إذا دخلتُها ركضتُ فرسي حتّى أجوزَ عنها ، فلمّا قُتل حُسَينٌ جعلتُ أسير بعد ذلك على هيئَتي(2) .

وإذا كانت الأنباء قد ذاعتْ وانتشرتْ ، ورويتْ عن الصحف الأُولى ، وعن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، وعن عليّ (عليه السّلام) ، فأجدر بالحسين أبي عبد الله (عليه السّلام) ، صاحب الأنباء ومحورها ، وموضوع حديثها ، أن يكون على علم بها .

ولقد أعلن عنها قبل كربلاء ، وكان يحلف بالله على النتيجة التي يلقاها . ومن تلك الأنباء [267] قال الحسين (عليه السّلام) : (( والله ، ليَعْتَدُنَّ عليَّ كما اعتدت بنو إسرائيل في السبت )) .

[268] وقال (عليه السّلام) : (( والله ، لا يَدَعُوني حتّى يستخرجوا هذه العَلَقةَ من جوفي )) .

[266] وقال من شافَهَ الحسين (عليه السّلام) : رأيت أبْنِيةً مضروبةً بفلاة من الأرض ، فقلتُ : لمن هذه ؟ قالوا : هذه لحسين . فأتيتُه ، فإذا شيخ يقرأ القرآن والدموع تسيلُ على خدّيه ولحيته , فقلت : بأبي أنت وأُمّي يابن رسول الله ! ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحدٌ ؟!

ــــــــــــــــــــــــ
(1) , (2) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 135 .

الصفحة (117)

فقال : (( هذه كتب أهل الكوفة إليَّ ، ولا أراهم إلاّ قاتلي )) .

وأوْلى بالحسين (عليه السّلام) أن يعلم ما يجري في الغيب من خلال إخبار جدّه المرسَل (صلّى الله عليه وآله) ؛ لأنّه من أعلام الإمامة التي زانها .

حديث كربلاء : أحزانُها وتربتُها

واسم «كربلاء» نفسه الذي لم يذكر في تراث العرب القديم ، وإنّما جاء على لسان الغيب ، وسمعه العرب لأوّل مرّة في حديث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، فيما رواه سعيد بن جهمان قال [233] : إنّ جبرئيل أتى النبي (صلّى الله عليه وآله) بتراب من تربة القرية التي يُقتل فيها الحسين (عليه السّلام) , وقيل : اسمها «كربلاء» .

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( كربٌ وبلاءٌ ))(1) .

فلا بدّ أن يكون هذا الاسم موضوعاً على تلك القرية ، لكن تداولها بدأ منذ هذا الحديث ، وأمّا استيحاء «الكرب» و «البلاء» منه فلم يؤثر إلاّ من هذا النصّ ، بالرغم من إيحاء حروف الكلمة ودلالتها التصوّرية التي لا يمكن إنكارها .

وعليّ (عليه السّلام) أيضاً سأل عن هذا الاسم واستوحى منه نفس الوحي , [278] قال الراوي : رجعنا مَعَ عليّ من صِفّين ، فانتهينا إلى موضع ، فقال : (( ما يُسَمّى هذا الموضع ؟ )) . قلنا : كربلاء . قال : (( كربٌ وبلاءٌ )) .

ثم قَعَدَ على رابِية وقال : (( يُقتل ها هنا قومٌ أفضل شهداء على ظهر الأرض ، لا يكون شهداء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) .

والحسينُ نفسُه حين نزلَ كربلاء تساءَلَ [275] : (( ما اسمُ هذه الأرض ؟ )) .

ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 134 .

الصفحة (118)

قالوا : كربلاء .

قال (عليه السّلام) : (( كربٌ وبلاءٌ )) .

وبعد حديث الغيب كان إحضار عيّنة من «تُربة كربلاء» التي تكرّر الحديث عنها دعماً من الرسول (صلّى الله عليه وآله) لكلّ ذلك الحديث بمصداق ونموذج من تُربتها ؛ لتكون دليلاً عينياً من دلائل النبوّة ومعجزاتها .

[213] ففي حديث عليّ (عليه السّلام) أنّ جبرئيل قال للنّبي (صلّى الله عليه وآله) : هل أُشمّك من تُربته ؟ (( فمدّ يده فقبض قبضةً من تُراب فأعطانيها )) .

وفي حديث أنس [217] , فجاءه بسهلة أو تُراب أحمر ، فأخذته اُمّ سلمة فجعلتْه في ثوبها .

وفي حديث أبي أُمامة [219] , فخرج على أصحابه وهم جلوس ... قال : (( هذه تُربته )) , فأراهم إيّاها(1) .

ولاُمّ المؤمنين اُمّ سلمة شأن أكبر مع هذه التربة ؛ فقد روت حديثه بشيء من التفصيل [221 و222] : ... فاستيقظ وفي يده تُربة حمراء , وقال : (( أخبرني جبرئيل أنّ ابني هذا ـ الحسين ـ يقتل بأرض العراق ... فهذه تُربتها ... أهل هذه المدرة يقتلونه )) .

بل زادها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شرفاً بأن استودعها تلك التربة ، وكانت تحتفظ بها فيما روته ، قالت [223] : كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي النبي (صلّى الله عليه وآله) في بيتي ، فنزل جبرئيل (عليه السّلام) فقال : يا محمّد ، إنّ أُمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك .

ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 134 .

الصفحة (119)

وأومأ بيده إلى الحسين (عليه السّلام) .

فبكى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وضمّه إلى صدره ثمّ قال : (( وديعةٌ عندكِ هذه التُربة )) . فشمّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال : (( وَيْحَ كربٍ وبلاء ! وقال : يا اُمّ سلمة , إذا تحوّلت هذه التُربة دماً فاعلمي أنّ ابني قد قُتل )) .

فجعلتْها اُمّ سلمة في قارورة ، ثمّ جعلتْ تنظر إليها كلّ يوم وتقول : إنّ يوماً تحوّلين دماً ليوم عظيمٌ(1) !

وهذه التفاصيل اختصّت بها اُمّ سلمة من بين زوجات النبيّ (صلّى الله عليه وآله) .

أما حديث التُربة فقد رواه غيرها من النساء أيضاً ؛ فعائشة قالت [228] : فأشار له جبرئيل إلى «الطفّ» بالعراق ، وأخذ تربة حمراء فأراه إيّاها , فقال : هذه تربة مصرعه .

وزينب بنت جحش روت [230] : فأراني تربة حمراء . واُمّ الفضل ـ مرضعة الحسين (عليه السّلام) ـ قالت [232] : وأتاني بتربة من تربته حمراء .

والعجيب في أحاديثهنّ كلّهن ، وأحاديث مِن غيرهنّ أنها تحتوي على جامع مشترك هو «الحُمرة» لون الدم ، إلاّ أنّ حديثها احتوى على تحوّل التربة إلى «دَمٍ» في يوم عاشوراء .

فما هذه الأسرار التي تحتويها هذه الأخبار ؟ وما سرّ هذه التُربة التي تُفيضُ دمعة الناظر إليها ,

ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 134 .

الصفحة (120)

وتتحوّلُ إلى دم , ولها رائحةٌ خاصّة , وكان طيبها دليلاً عليها لمن يهواها ؟!

[346] فلمّا أُجريَ الماءُ على قبر الحسين (عليه السّلام) في عصر المتوكّل العبّاسي , نضب بعد أربعين يوماً ، وامتحى أثر القبر ، فجاء أعرابيٌ من بني أسد ، فجعل يأخذ قبضةً ويشّمها حتّى وقع على قبر الحسين (عليه السّلام) , وبكاه وقال : بأبي وأُمّي ! ما كان أطيبَك , وأطيب تربتك ميتاً ! ثمّ بكى وأنشأ يقول :

 أرادُوا لـيُخفوا قـبره عن iiوليّه(1)      فطِيبُ ترابِ القبر دلَّ على القبرِ(2)

وتُوحي الكرب , والدمّ ، والقتل ، والبلاء , وهل يمكن الاطّلاع على تلك الأسرار إلاّ من خلال أنباء الغيب التي تُوحيها السماءُ على سيّد الانبياء ؟

وإنّ من أعظم دلائل النبوّة والإمامة تحقُّقُ تلك التنبُّؤات كلّها , ولا تزال «تُربةُ كربلاء» ذاتها تتحوّلُ يوم عاشوراء إلى دَم قان , ولا يزال الموالون للحسين (عليه السّلام) يعرفونها من رائحتها , ولا زال تراب كربلاء يُقدَّس ، ويُتقربُ إلى الله بالسجود عليه ؛ لطهارته وشرفه عند الله ، ويُتبرّك به , ويُستشفى به ؛ لأن دم الحسين (عليه السّلام) اُريق عليه في سبيل الله .

ولا زالتْ أرضُ كربلاء توحي المآسيَ والكربَ والبلاء ، وتجري عليها المصائبُ والآلامُ ، وتجري فيها أنهارُ الدماء ؛ لأنّها كربٌ وبلاءٌ .

ــــــــــــــــــــــــ
(1) في المختصر : عن عدوّه ، فليلاحظ .
(2) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 155 .

الصفحة (121)

29 ـ أصْحابٌ أوفياء

صمّم الإمام الحُسينُ (عليه السّلام) على الخروج إلى العراق ، ولم تُثنِه العراقيلُ التي كانت على طول طريقه ، ولم تثبّطه الاحتمالاتُ ، بل ولا ما كان واضحاً في المنظور السياسي ذلك اليوم ؛ من شدّة بطش الحكومة الأُمويّة , وعدم ارعوائها من فعل كلّ مخالفة حتّى إبادته , وغدر أهل الكوفة وتقاعسهم عن نصرته .

بل سار يَسوقه الواجب الإلهيّ المفروض عليه ؛ لكونه إماماً للأُمّة يجب عليه القيام ؛ تلبية لندائها لإتمام الحجّة الظاهرة . والمصير الغيبيّ الذي كان يعلمه هو يعلمه كلّ من سمع جدّه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يتحدّث عن كربلاء ، أو شاهده وشاهدَ أباه عليّاً (عليه السّلام) يشمّان تربتها و, يتناولانها ، ويتعاطيانها ، ويستودعانها , كان هذا المصير يقود الإمام الحسين (عليه السّلام) .

وأمّا من كان مع الحسين (عليه السّلام) في مسيره , فقد كان (عليه السّلام) يصطحبُ معه «جَيْشاً» يُشيرُ إليه ، ويستعرضه كلّما سُئِلَ عنه , ألا وهي أكداس الرسائل وكتب الدعوة الموجّهة إليه من الكوفة ، ممّن كان يعبّر عن رأي عامّة الناس من الرؤساء والأعيان .

إنّه (عليه السّلام) كان يعدّ تلك الأعداد من الكتب والرسائل «جيشاً» يستحثّه المسير ، ويُصاحِبُه ، وكانَ كلّما عرضه على المتسائلين والمتشائمين ، بل الناصحين ، أُفْحِمُوا ولم يَحْرُوا جواباً .

وليس الاستنادُ إلى هذا الكمّ الهائل من عهود الناس ـ وفيهم أصحاب الزعامة ، والكلمة المسموعة ـ بأهونَ من الاعتماد على أمثالهم من الأشخاص المجنّدين الحاضرين معه لو كانوا ؛ فإنّ احتمالات الخيانة والتخاذل في الأشخاص مثلها في أصحاب الرسائل


 الصفحة (122)

والعهود إنْ لم تكن أقوى وأسرع .

وغريبٌ أمرُ اُولئك الّذين ينظرون إلى الموقف من زاوية المظاهر الحاضِرة ، ويحذفون من حساباتهم الأُمور غير المنظورة ، ويُريدون أن يُحاسِبوا حركة الإمام (عليه السّلام) وخروجه على أساس أنّه إمام عالم بالمصير ، بل لا بُدّ أن يعرف كلّ شيء من خلال الغيب , فكيف يُقدم على ما أقدم وهو عالم بكلّ ما يصير ؟!

والغرابةُ من أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) لو عَمِلَ طبقاً لما يعلمه من الغيب ، لعابَ عليه كلّ مَنْ يسمع بالأخبار ويقرأ التاريخ أنّه ترك دعوة الأمّة المتظاهرة بالولاء له ، من خلال آلاف الكتب والعهود الواصلة إليه بواسطة أُمناء القوم ورؤسائهم , استناداً إلى احتمالات الخيانة والتخاذل التي لم تظهر بوادرها إلاّ بالتخمين حسب ماضي هذه الجماعة وأخلاقهم . واعتماداً على الغيب الذي لم يؤمن به كثير من الناس في عصره ومن بعده ، ولم يسلّمه له غير مجموعة من شيعته .

فلو أطاع الإمام الحسين (عليه السّلام) اُولئك الناصحين له بعدم الخروج ، لكان مطيعاً لمن لم تجب عليه طاعتهم ، وتاركاً لنجدة من تجب عليه نجدتهم . كما إنّ طاعة اُولئك القلّة من الناصحين لم تكن بأجدر من طاعة الآلاف من عامّة الشعب الّذين قدّموا له الدعوة ، وبإلحاح ، وقدّموا له الطاعة والولاء .

وقبل هذا وبعده فإنّ الواجب الإلهيّ يحدوه , ويرسم له الخطط للقيام بأمر الأُمّة ، فإذا تمّت الحجّة بوجود الناصر ، فهذا هو الدافع الأوّل والأساس للإمام (عليه السّلام) على الإقدام ، دون الإحجام على أساس الاحتمالات السياسية والتوقّعات الظاهرية ، وإنّما استند إليها في كلماته وتصريحاته لإبلاغ الحجّة ، وإفحام الخصوم ، وتوضيح المحّجة لكلّ جاهل ومظلوم(1) .

ــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد فصّلنا الحديث عن علم الأئمة (عليهم السّلام) بالغيب , والاعتراض على إقدامهم بأنّه إلقاء إلى التهلكة ، في مقال مفصّل طبع في «تراثنا» عدد 37 .

الصفحة (123)

وأمّا ظاهرياً , فقد كان في «قلّة من الناس» , وهذا يوجب القلق في الوجه الذي سار فيه الإمام (عليه السّلام) .

[262 و265] قال زُهَيْر بن شدّاد الأسديّ , من أهل الثعلبيّة التي مرّ بها الحسين (عليه السّلام) في طريقه إلى الشهادة : أي ابن بنت رسول الله ، إنّي أراك في قلّة من الناس ، إنّي أخاف عليك !

فأشار بسوط في يده هكذا , فضرب حقيبةً وراءَه ، فقال : (( إنّ هذه مملوءةٌ كتباً , هذه كتب وجوه أهل المصر )) .

وقد كان أصحاب الحسين (عليه السّلام) من القلّة بحيث قد عدّهم التاريخ كمّاً ، عدّاً بأسمائهم وقبائلهم وأعيانهم ؛ فكان معه من بني هاشم عدّة معروفة كما في الحديث [ص204] : بعث الحسين (عليه السّلام) إلى المدينة ، فقدم عليه مَنْ خفّ معه من بني عبد المطلّب ، وهم تسعة عشر رجلاً ، ونساء وصبيان من إخوانه وبناته ونسائهم(1) .

ويقول الحديث الآخر عن الذين استشهدوا معه (عليه السّلام) من الهاشميّين [284] : قُتل مع الحسين (عليه السّلام) ستّة عشر رجلاً من أهل بيته(2) .

والحسين (عليه السّلام) هو السابع عشر , والّذين خرجوا من المعركة أحياء هم اثنان فقط ؛ أحدهما عليّ زين العابدين (عليه السّلام) ، والآخر الحسن المثنّى ، اللذان ارتُثّا(3) في المعركة واُخذا مَع الأسْرى .

وأمّا العدد الإجماليّ لمجموع الّذين «حضروا» مع الإمام (عليه السّلام) في كربلاء فقد جاء في الحديث

ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 143 .
(2) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 148 .
(3) ارتثّ : أي قاتل وجرح في المعركة ، فاُخرج منها وبه رَمَقٌ . [ إذا كان هذا معنى المرتثّ فإنّ الإمام زين العابدين (عليه السّلام) لم يكن مصداقاً له ؛ لأنه (عليه السّلام) حظر المعركة يومذاك وكان مريضاً , وأنه لم يُقاتل ويُجرح , بل كان هذا الأمر منحصراً في الحسن المثنى , وعليه فالأجدر أن يُقال في عبارة المؤلف : الذي ارتثّ . (موقع معهد الإمامين الحسنَين) ]

الصفحة (124)

[ص205] : فخرج متوجّهاً إلى العراق في أهل بيته ، وستّين شيخاً من أهل الكوفة(1) .

وجاء في بعض المصادر المتخصّصة ذكرُ مَن «حَضَر مع الحسين في كربلاء» , وعددهم يتجاوز المئة بقليل , أمّا الّذين قتلوا معه فقد أُحصوا بدقّة ، وسُجّلتْ أسماؤهم في كتب النسب(2) ، والمشهور أنّ مجموع من قُتل معه هم «72» شهيداًً(3) .

وأمّا نوعية أنصار الحسين (عليه السّلام) كيفاً فقد مثّلوا كلّ شرائح المجتمع البارزة ذلك اليوم ، بالإضافة إلى عِيْنة الأُمّة أهل البيت (عليهم السّلام) ؛ ففيهم من صحابة الرسول (صلّى الله عليه وآله) أنس بن الحارث بن نبيه الأسدي الكوفي , وهو الذي روى عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قوله[283] : (( إنّ ابني هذا ـ يعني الحسين ـ يُقتل بأرض يقالُ لها : كربلاء , فمن شهد ذلك منكم فلينصره )) .

قالوا : فخرج أنَسُ بن الحارث إلى كربلاء وقُتل بها مع الحسين (عليه السّلام) .

ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 143 .
(2) من ذلك كتاب «تسمية من قُتِل مع الحسين (عليه السّلام) من أهله وأولاده وشيعته» للراوي الفضيل بن الزبير بن درهم الأسدي الرسّان الكوفي ، من أصحاب الباقر (عليه السّلام) . وقد حقّقتُه ونشرته في مجلّة «تراثنا» الفصليّة التي تصدر في قم ـ العدد الثاني / 1406 . وقد حاولتُ إعادة النظر فيه ، والاستدراك عليه ، والتقديم له بشكل موسّع , وأسأل الله التوفيق لنشره ثانيةً .
وهناك كتب متخصّصة لذكر أنصار الإمام الحسين (عليهم السّلام) الّذين كانوا معه في كربلاء ، من أشهرها «إبصار العين في أنصار الحسين» للشيخ محمد السماوي .
(3) اُسد الغابة ـ لابن الأثير 2 / 22 .

الصفحة (125)

لكنّ حديث النبي (صلّى الله عليه وآله) وإخباره عن مقتل ابنه في كربلاء لم ينحصر سماعه لهذا الصحابي العظيم , فأين كان سائر الصحابة الّذين عاصروا معركة كربلاء ؟! ولماذا لم يحضروا ولم ينصروا ؟!

إنّ وجود العدّة القليلة من الصحابة الكرام في معركة كربلاء كافية لتمثيل جيل الصحابة الّذين كانت لهم عند الناس حرمة وكرامة بصحبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد تمّت بوجودهم الحجّة ؛ إذ يمثّلون الاستمرار العينيّ لوجود سُنّة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وحديثه وأمره في جانب الحسين (عليه السّلام) .

وكان مع الحسين (عليه السّلام) من أصحاب الإمام عليّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) عمّار بن أبي سلامة بن عبد الله الهمداني الدالاني ، وغيره ممّن شاهدوا عليّاً (عليه السّلام) وهو يُواسي الحسين (عليه السّلام) في هذه الأرض بنداءاته المدوّية في فضائها : (( صبراً أبا عبد الله )) . وكانوا يمثّلون بحضورهم وجود عليّ (عليه السّلام) وصرخاته وتشجيعاته للحسين وأصحابه (عليهم السّلام) .

وقد اشترك في معركة كربلاء إلى جانب الحسين (عليه السّلام) أُناس كانوا قبل قليل من أعدائه ، كالحرّ بن يزيد الرياحي , وكان فيهم ممّن يكنّ أبلغ الحقد والعداء للإمام (عليه السّلام) ، ومن المحكّمة الخوارج ، فانحازوا إلى الإمام (عليه السّلام) لمّا سمعوا منه الحقّ ، وشاهدوا ما عليه من المظلومية ، وما كان عليه أعداؤه من الباطل والقساوة والتجاوز .

وحتّى كان في جيش الحسين (عليه السّلام) ذي العدد الضئيل جنودٌ مجهولون ، لم تحرّكهم إلاّ أنْباء كربلاء التي بلغتْهم ، فبلغتْ إلى عقولهم ، وبلغتْ بهم قمم الشهادة فالخلود .

[269] قال العريان بن الهيثم : كان أبي يَتَبدى(1) فينزل قريباً من

ــــــــــــــــــــــــ
(1) أي يخرج إلى البادية .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى