(126)
الموضع الذي كان فيه معركة الحسين ، فكنّا لا نبدو إلاّ وجدنا رجلاً من بني
أسَد هناك ، فقال له أبي : أراك ملازماً هذا المكان ؟
قال : بلغني أن حُسَيْناً يُقتل ها هنا ، فأنا أخرج إلى هذا المكان
لعلّي اُصادفه فأُقْتَلَ معه .
قال الراوي : فلّما قُتِلَ الحسين (عليه السّلام) قال أبي : انطلقوا ننظر هل الأسدي
فيمن قُتِل ؟
فأتينا المعركة ، وطوّفنا فإذا الأسدي مقتول(1)
.
ولئن خان الجيشُ الكوفيّ بعهوده ، واستهتر برسائله وكتبه ووعوده ، لكنّ أصحاب
الحسين (عليه السّلام) ـ على قلّة العدد ـ ضربوا أروع الأمثلة في الوفاء
والفداء ، وكانوا أكبر من جيش الكوفة في الشجاعة والبطولة والإقدام ، وقد
مجّد الإمام الحسين (عليه السّلام) بموقفهم العظيم في كلماته وخطبه في يوم
عاشوراء .
أمّا هُمْ فكانوا يقفون ذلك الموقف عن بصائر نافذة ، وعن خبرة وعلم اليقين
بالمصير ، ولقد أصبحَ إيثارهم بأرواحهم لسيّدهم الإمام الحسين (عليه
السّلام) عينَ اليقين للتاريخ ، ومضرب الأمثال للأجيال .
ومثال واحد ذكره ابن عساكر عن محمّد بن بشير الحضرميّ الذي لزم الحسين
(عليه السّلام) , وكان
معه في كربلاء
[200] , إذ جاءه نبأُ ابنه أنّه اُسِرَ بثغر الريّ ، فقال : عند الله أحتسبُه
ونفسي ، ما كنتُ أُحبُّ أن يُؤسَرَ ، ولا أنْ أبقى بعده .
فسمع الحسينُ كلامه ، فقال له :
(( رحمك الله ، وأنت في حلٍّ من بيعتي ؛ فاعمل في
فكاك ابْنِك )) .
قال : أكَلَتْني السباعُ حَيّاً إنْ فارقتُكَ
.
فقال له الحسين (عليه السّلام) :
(( فأعْطِ ابنك هذه الأثواب البُرود يستعِنْ بها في
ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 145
.
الصفحة
(127)
فداء أخيه )) .
فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار(1) .
إنّ الكلمة لتقصُر عن التعبير في وصف موقف هؤلاء ، كما
إنّ الذهن ليعجز عن
تصوير ما في قلوبهم من الودّ والإخلاص لإمامهم
إلاّ بتكرار عباراتهم نفسها !
وبهذه النفوس الكبيرة ، والعقول البالغة الرشيدة ، والقلوب المليئة بالولاء
،
والمفعمة بالإخلاص ، وعلم اليقين بالموقف والمصير ، وبالشجاعة والجرأة
والبطولة النادرة , والثبات على الطريق دخل الحسين (عليه السّلام) معركته الفاصِلة في كربلاء .
30 ـ يوم عاشوراء
[ص207] ولمّا خرج الحسين (عليه السّلام) وبلغ يزيد خروجه كتب إلى عبيد الله بن زياد
عامله على العراق يأمره بمحاربته , وحمله إليه إن ظفر به , فوجّه اللعين عبيد
الله الجيش إلى الحسين (عليه السّلام) مع عمر بن سعد .
وعدل الحسين إلى كربلاء ، فلقيه عمر هناك فاقتتلوا
؛ فقُتل الحسين (رضوان
الله عليه ورحمته وبركاته) ، ولعنة الله على قاتليه . وكان قتله في العاشر من المحرّم سنة إحدى وستّين ، يوم عاشوراء(2) .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 129 ـ 130 . ولقد تحدّثنا عن المواقف
الأُخرى للشهداء ، تلك المليئة بالوفاء والإيثار , في مقال بعنوان «شهداء
حقّاً» , نُشر في مجلة «ذكريات المعصومين» الكربلائية , عدد محرم سنة 1385 .
(2) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 145
.
الصفحة
(128)
وهو يومٌ عظيم في تاريخ المسلمين ، وهو على آل الرسول (صلّى
الله عليه وآله) أليم .
أمّا عظمتهُ فهي من أجل اقترانه بالحسين (عليه السّلام) ، ذلك الإمام العظيم الذي مثّل الرسول
(صلّى الله عليه وآله) في شخصه ؛ لكونه سبطه الوحيد ذلك اليوم ، ولكونه كبير أهل
بيته ، وخامس أهل الكساء المطهَّرين من عترته ، والذي مثّل الرسالة في
علمها وسموّها وخلودها .
فكانتْ معركة عاشوراء معركة الإيمان الذي مثله الحسين (عليه السّلام) ، والكفر
الذي حاربه ، ومعركة الحقّ الذي تجسّد في الحسين (عليه السّلام) ، والباطل الذي
قاومه ، ويعني ذلك أنّه قد تكرّرت في هذا اليوم معارك الأنبياء (عليهم
السّلام) ومشاهد
الصالحين عَبْرَ التاريخ ، وبخاصّة مغازي النبيّ محمّد (صلّى الله عليه
وآله) في بدر وأُحُد والأحزاب وغيرها ، ومشاهد عليّ (عليه السّلام) في الجمل وصفّين والنهروان .
فكلّ الأنبياء والأئمّة (عليهم السّلام) , والأولياء والصالحين ، والشهداء والمجاهدين يشتركون
بأهدافهم وآمالهم وبدمائهم ، وتشخَص أعينُهم على نتائج المعركة في عاشوراء
, وكلّ جهود الكفر والنفاق , والفجور والفسق , والرذيلة والخيانة ، والجهل والغرور
والإلحاد تركّزت في جيش بني أُميّة ، تُحاول أن تنتقم لكلّ تاريخها الأسود
من هذه الكوكبة التي تدور حول الحسين (عليه السّلام) , يريدون ليُطفئوا
نور الله بسيوفهم وأسنّة رماحهم .
وأمّا ألَم عاشوراء الذي أقرح جفونَ أهل البيت (عليهم
السّلام) ، وأسبل دموعَهم ، وأورثهم
حُزْناً ، فهو من التوحُّش الذي أبداه الأعداء مع تلك الأبدان الطاهرة , ومن
الظلم الذي جرى على ممثّل الرسول والرسالة في وَضَح النهار المضيئ ، وأمام
أعين الأُمّة المدّعية للإسلام ، من دون نكير ، بل استهلّوا فرحاً بالتهليل
والتكبير .
وما أفظع الظلم والقهر والألم بأنْ يُعتدى على ابن بنت رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) ,
الصفحة (129)
وعلى يد أُمّته ، من المسلمين كما يتظاهرون ، ومن العرب كما
يزعمون ، وبأمر من الخلفاء والولاة كما يدّعون !
إنّها الردّةُ الحقيقيّةُ لا عن الإسلام فحسب ، بل عن كلّ دين مزعوم ، وعن
كلّ معنىً والتزام إنساني ، أو قومي ، أو وطني ، أو انتماء طائفي ، أو تبعية
، أو أي معنىً آخر معقول .
بل ليس ما جرى في يوم عاشوراء قابلاً للتفسير إلاّ على أساس الجاهليّة
والعمى ، والغَباء والغرور ، والغطرسة والحماقة ، وحُبّ سفك الدم الطاهر
،
وروح الاعتداء والانتقام ، والرذالة والخسّة ، والعناد للحقّ الظاهر ، وركوب
الرأس ، والعنجهية ، وخُسران الدنيا والآخرة ؛ فحقّاً كانت معركةُ عاشوراء معركة الفضيلة كلّها ضدّ الرَذيلة كلّها .
لكن لم ينته الظلم على آل محمّد (عليهم السّلام) بانتهاء عاشوراء ، بل امتدّ مدى التاريخ
الظالم ، على يد حكّامه ، وعلى يد كُتّابه ، وعلى يد الأشرار الّذين ناصبوا
آل محمّد (عليهم السّلام) العداءَ والبغضَ والكراهيةَ ، وورثوا كلّ ذلك من أسلافهم الّذين
صنعوا مأساة عاشوراء .
أليس من الظلم البيّن والخيانة المفضوحة أن يُفْصَل «يوم عاشوراء»
ومجرياته التاريخية عن تاريخ الإمام الحسين (عليه السّلام) ؟!
هذا الذي وقع فعلاً في كتاب «تاريخ دمشق» لابن عساكر , ونحنُ نربأ بابن عساكر نفسه ، ذلك المؤرّخ الشهير ، أن يكون قد أغفلَ ذكر أحداث كربلاء ويوم عاشوراء بالذات عن تاريخه الكبير
؛ إذ لا يخفى عليه أنّ
تاريخ الحسين (عليه السّلام) إنّما يتركّز في عاشوراء ، ويعلم أنّ مثل ذلك
العمل سيؤدّي إلى أنْ يُنتقد بلا ريب من قبل المؤرّخين ، والفضلاء
والنبلاء .
لكنّ يداً آثمة امتدّتْ إلى هذا الكتاب العظيم لتفرغه من ذكر أحداث «يوم
عاشوراء» ؛ إذْ ليس في ذكر تلك الأحداث إلاّ ما يَكشف عن مدى الألم والظلم
الصفحة (130)
والاعتداء الذي جرى على أهل البيت (عليهم السّلام) ، ممّا لا يمكن إنكارهُ ولا دفعُه
, ولا
توجيهُه ولا تفسيرهُ إلاّ على أساس ما قُلنا .
وتلك اليد الآثمة الخائنة للعلم والتراث تريد أن تبرّئ ساحة بني أُميّة
ـ
أسلافها ـ من الجرائم المرتكبة يومذاك ، تلك الجرائم السوداء البشعة التي
لم يغسل عارَها مرورُ الأيّام , ولا ينمحي بحذف هذه الأحاديث من هذه النسخة
أو تلك .
ولئن امتدّت يدُ الخيانة إلى تاريخ ابن عساكر فحذفتْ منه حوادث يوم
عاشوراء ، فإنّ مؤرّخي الإسلام ومؤلّفي المسلمين قد أفعموا كتب التاريخ
بذكر تلك الحوادث ، وجاء ذكر ذلك في العديد من الكتب التاريخية , واُلّف لذلك
خاصةً ما يسمّى بكتب «المقاتل» .
ولعلّ نسخةً من أصل تاريخ ابن عساكر توجدُ هنا أو هناك فيعرفها مطّلعٌ ، أو
يطّلع عليها منصِفٌ فيُخرجها إلى النور ؛ فيَبْهَتُ الخائنون الّذين ظلموا
الإسلام ، وظلموا آل محمّد (عليهم السّلام) ، وظلموا التاريخ ، وظلموا التراث ، وظلموا المسلمين
بالتعتيم عليهم وكتمان ما جرى على أرض الواقع عنهم .
كما فعلوا مثل هذا الحذف والتحريف في كثير من كتب التراث والحديث والدين
؛
فأبادوها بالدفن , والإماثة بالماء ، والإحراق(1) . ولكنّ الحقائق وإنْ خالوها تخفى على الناس فإنّها لا بُدّ وأن تُعْلَم مهما
طال الزمن(2) .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) اقرأ عن ذلك : «تدوين السنة الشريفة» للمؤلّف .
(2) مثل الطبقات الكبرى لابن سعد كاتب الواقدي ؛ فإنّه ذكر في ترجمة الإمام
الحسين (عليه السّلام) مقتله ، وما جرى عليه يوم عاشوراء بتفصيل وافٍ
، ولا بدّ
أنّ ابن عساكر قد أورده في تاريخه ؛ لأنه لا يغفل ما رواه ابن سعد في
الطبقات ، فكيف يتجاوز هذا المقتل ؟
إلاّ أنّ ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) من كتاب «الطبقات» لابن سعد هي
الاُخرى حاول إغفالها الطابعون للطبقات ، فلم يوردوها في المطبوع ؛ لا
الطبعة الاُورپية ولا البيروتية ! لكنّ الله ادّخر منها نسخةً في مكتبة أحمد الثالث في استانبول
, وهي النسخة
الأصل التي اعتمدها طابع النسخة الاُورپية , وحقّقها أخيراً سماحة السيد
الطباطبائي في نشرة تراثنا الصادرة عن مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام) في قم
ـ العدد (10)
, ونُشر مستقلاً أيضاً .
كما أورد محقق كتاب ابن عساكر سماحة الشيخ المحمودي كلّ ما يرتبط
بالمقتـل منه في هامش مطبوعته من تاريخ ابن عسـاكر ؛ ليتلافى النقص في ترجمة
الإمام (عليه السّلام) منه ، فجزاه الله خيراً .
الصفحة (131)
ونحن لمّا التزمنا في كتابنا هذا بإيراد ما رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق
, في ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) فقط , لا نحاول أنْ نخرجَ عن هذا
الالتزام ، فلا نَستعرض حوادث السيرة ؛ اكتفاء بما جاء في المقاتل القديمة
والحديثة من ذكرها ، وأملاً في أنْ نوفّق لعرضها في كتاب مستقلّ بعون الله
, ولكنَّا نورد في ما يلي ما رواه ابن عساكر من خطب الإمام (عليه السّلام) في يوم عاشوراء ،
وفيها من العِبَر ما هو كفاية للمعتبرين .
إتمام الحُجّة
وإذا كان الحسين (عليه السّلام) يمثّل الرُسُل والرسالات الألهية ، فلا بدّ أن
ينحو منحاهم في تبليغها ؛ فلقد كانوا يقضون أكثر أوقاتهم في إبلاغها ،
وإتمام الحجّة على أقوامهم قبل أن ينزلوا معهم إلى المعارك الحاسمة .
وهكذا فعل الحسين (عليه السّلام) , فإذا كان في المحلّلين التاريخيِّين مَنْ يزعم «أنّ شعب الكوفة الذي حارب
الحسين لم يكن يعرفه ، ولا يعرف عن أهدافه شيئاً» , فإنّ ذلك ليس إلاّ تحريفاً للحقائق من وجه آخر
؛ فكيف يُدّعى على أُمّة أنّها
لم تعرف سبط نبيّها بعد «خمسين سنة» فقط من وفاته ؟!
فعليها العفاءُ من
اُمَّة ! وبالخصوص أهل الكوفة الّذين عاش الحسين (عليه السّلام) بينهم طوال
خمس سنين ، مدّة وجود أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) في الكوفة (36 ـ 40هـ)
,
الصفحة (132)
فما أغباهم من أُمّة لو نسوا ابن إمامهم بعد (عشرين) سنة فقط
! إنّه عذرٌ أقبح من الجرم بمّرات . ومع هذا فإنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) قطع أوتار هذا العُذْر
، فوقفَ كما
وقفَ الأنبياء (عليهم السّلام) , والدعاة إلى الله ؛ ناصحاً , ومعرّفاً بنفسه ، ومتمّاً
للحّجة عليهم .
قال الرواة : لمّا نزلَ عمر بن سعد بحسين ، وأيقنَ أنّهم قاتلوه ، قامَ
الحسين (عليه السّلام) في أصحابه خطيباً ؛ فحمدَ الله وأثنى عليه ، ثمّ قال
[271] : (( قد نزل بنا ما ترونَ من الأمر ، وإنّ الدنيا قد تغيّرتْ وتنكّرتْ
, وأدبر معروفها ، واستمْرَتْ حتّى لم يبقَ منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء ،
إلاّ خسيس عيش(1)
كالمرعى الوبيل . ألا ترونَ الحقَّ لا يُعمل به والباطلَ لا يُتناهى عنه ؟! ليرغبَ المؤمنُ في لقاء الله
, وإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادةً ، والحياة مع الظالمين إلاّ بَرَماً ))(2) .
ففي أقصر عبارة وأوفاها في الدلالة جمع الإمام (عليه
السّلام) بين الإشارة إلى الماضي
والتعريف بالحاضر , وذكر الحق وتركه ، والباطل والالتزام به , وذكّر بلقاء الله منتهى أمل
المؤمنين , ورغّبهم فيه , وذكر السعادة ، وجعل (( الحياة مع الظالمين
)) ضدّها .
وأهمّ ما في الخطبة التذكير بالتغيّر الحاصل في الدنيا ، وإدبار المعروف
. ألا يكفي السامع أن يتنبهَ إلى الفرق بين «دُنيا» يوم عاشوراء ، عن الدنيا
قبلها ، وما هو «التغيّر» الحاصل فيها كي يعتبر ؟!
وأظنّ أنّ كلّ مفردة من المفردات التي أوردها الإمام (عليه
السّلام) في خطبته تكفي لأن
يعيَ السامعون ويبلغوا الرشد إن لم تكن على القلوب أقفالُها .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور : حشيش عَلَس .
(2) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 146 .
الصفحة (133)
وفي غداة يوم عاشوراء خطب الإمامُ (عليه السّلام) أصحابه [272] , فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال :
(( عبادَ الله ، اتّقوا الله وكونوا من
الدنيا على حَذَر ؛ فإنّ الدنيا لو بقيت لأحد أو بقي عليها أحدٌ كانت
الأنبياءُ أحقَّ بالبقاء ، وأولى بالرضا ، وأرضى بالقضاء , غير أنّ الله تعالى خلق الدنيا للبلاء ، وخلق أهلها للفناء
؛ فجديدها بال ،
ونعيمها مضمحلّ وسرورها مكفهرٌّ , والمنزلُ بُلْغةٌ ، والدار قلعة , (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا
أُوْلِي الأَلْبابِ) ))
.
فذكر الدنيا وحذّر منها ، وذكر الأنبياء (عليهم السّلام)
ليدلّ على حضورهم في الأهداف معه , وذكر البلاء والفناء والبلى , واضمحلال نعيمها
, واكفهرار سرورها لعلّ كلماته
تبلغ مسامعَ أهل الكوفة فتندكّ بها ، فيرعوون عمّا هم عليه مقدمون .
ولّما لم يجدْ منهم اُذناً صاغية ، وكان صباح «عاشوراء» , توجّه بهذا الدعاء
[270] : لمّا صبّحت الخيلُ الحسينَ بن عليّ (عليه السّلام) رفع يديه فقال :
(( اللّهُمَّ أنت ثقتي في كلّ كَرْب ، ورجائي في كلّ شدّة ، وأنتَ لي في كلّ
أمر نَزَلَ بي ثقةٌ وعُدّةٌ .
فكمْ من هَمّ يضعفُ فيه الفؤادُ ، وتقلّ فيه
الحيلةُ ، ويخذل فيه الصديقُ ، ويشمتُ فيه العدوُّ ، فأنزلتُه بك وشكوتُه إليك
؛ رغبةً فيه إليك عمّن سواك ، ففرّجْتَهُ وكشَفْتَهُ وكفيتَنيه , فأنت وليُّ
كلّ نعمة ، وصاحبُ كلِّ حسنة ، ومنتهى كلِّ غاية ))(1) .
وفي هذا الدعاء توجيه للسامعين إلى الله ، وإيحاء بالثقة والرجاء
, والأمل
والفرج , والكشف والكفاية , وتحديد للعدوّ والصديق ، وتذكير بالنعمة والحسنة
, والغاية التي هي لقاء الله .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 146 .
الصفحة (134)
أمّا إذا لم ينفع التذكيرُ ، ولم ينجع النصحُ لقوم غفلوا عن الله ، وهم
عُميٌ صُمٌ بُكمٌ ، لا يفقهون حديثاً ، ولا يعون شيئاً , فإنّ الإمام (عليه السّلام) لمّا وَجَدَ نفسه مُحاطاً بالأعداء ، ووجدهم
مصمّمين على تنفيذ الجريمة العُظمى لا يرعوون ، كاشفهم بكلّ الظواهر
والبواطن ، وأوضح لهم الواضحات ؛ لئلاّ يبقى عذرٌ لمعتذر .
قال الرواة [273] : لما استكفَّ الناس بالحسين (عليه
السّلام) ركب فرسه ، ثمّ استنصتَ الناسَ فأنصتوا له
؛ فحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على النبي (صلّى
الله عليه وآله) ، فقال : (( تبّاً لكم أيّتُها الجماعة وترحاً
! أحين استصرختمونا وَلِهينَ ، فأصرخناكم موجِفينَ ، شحذتُم علينا سيفاً كان في
أيماننا ، وحششتُم علينا ناراً قدحناها على عدوّكم وعدوّنا ، فأصبحتُم إلْباً
على أوليائكم ، ويَداً عليهم لأعدائكم , بغير عدل رأيتموه بثُّوه فيكم ، ولا أمَل أصبح لكم فيهم
,
ومن غير حَدَث كان منّا ، ولا رأي يُفَيّل فينا !
فهلاّ ـ لكم الويلاتُ ! ـ إذ كرهتمونا تركتمونا ، والسيف مشيمٌ ، والجأش طامنٌ
، والرأي لم يستخفّ , ولكن استصرعتم إلينا [كطيرة الدّبا] ، وتداعيتم إلينا كتداعي الفراش
؛ قيحاً وحكةً , وهلوعاً وذلّةً لطواغيت الأُمّة ، وشذّاذ الأحزاب ، ونَبَذة
الكتاب ، وعُصبَة الآثام ، وبقيّة الشيطان ، ومحرّفي الكلام ، ومطفي السنن
،
وملحقي العهر بالنسب ، وأسف المؤمنين ، ومزاح المستهترين الّذين جعلوا
القُرآن عضين , (لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ
أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ
خَالِدُونَ) !
فهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون ؟! أجَلْ والله
, الخذلُ فيكم معروف ، وشجت عليه عروقكم ،
الصفحة (135)
واستأزرت عليه أُصولكم وفروعكم , فكنتم أخبث ثمرة شجرة للناظر ، وأكلة للغاصب
, ألا فلعنة الله على الناكثين , (وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ
تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً) .
ألا وإنّ البَغيَّ قد ركز بين السِلّةِ
والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة(1) ؛
أبى الله ذلك ورسولهُ والمؤمنون ، وحجورٌ طابتْ ، وبطونٌ طهرتْ ، وأُنوفٌ
حميّةٌ ، ونفوسٌ أبيّةٌ ، تُؤْثِر مصارعَ الكرام على ظآر اللئام .
ألا وإنّي زاحِفٌ بهذه الأُسْرة على قِلّة العدد ، وكثرة العدوّ ،
وخذلة الناصر :
فإنْ نَهْزِمْ فهزّامون iiقِدْماً وإن نُهْزَم فغير مُهَزَّمينا وما إنْ طِبُّنا جُبْنٌ iiولكنْ مـنايانا وطعمة iiآخرينا
|
ألا ثمّ لا تلبثون إلاّ ريثما يُركبُ فرسٌ
حتّى تُدار بكم دورَ الرحا ، ويُفلق بكم فلقَ المحور
؛ عهداً عهده النبي إلى أبي
,
(فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ، ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ
عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ )[سورة يونس
/ 71]
, (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَا مِن دَابَّة إِلاَّ
هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِراط مُسْتَقِيم)
)) .
فإنْ كان في سامعي هذه الخطبة مَنْ عنده مثقال ذرّة من خير اكتسَبه بعرف
, أو تعلّمه من درس أو دين ، أو كان له ضمير ووجدان ، أو من يرجع إلى عقل ونظر
لنفسه ، لكانت له مُرشدةً ؛ إذ إنّ الإمام (عليه السّلام) قد استعمل كلّ ذلك
, فحرّك الأعراف القائمة على الوفاء بالعهد ، والإحسان بالمثل ,
ــــــــــــــــــــــــ
(1) وفي نسخة : « الدنيّة » بدل « الذلّة » .
الصفحة (136)
وبصّرهم بالبؤس الذي غمرهم فهم في غمرته ساهون ، فلا عدلَ ولا أملَ في
الحكم الذي تحت نيره يرزحون وهم لا يشعرون .
وقرأ لهم الشعر الحماسي الذي تمثّل به أبطال العرب ، وسارت به الأمثال
, أوضح لهم مفاسد الموقف من خلال عروض البغيّ ابن البغيّة ؛ كي تتحرّك عندهم
خيوط الوجدان ، ويتبصّروا مواقع أقدامهم وأهدافهم لَعلّهم يهتدون .
كما عرّفهم ـ بأقوى نصٍّ ـ بنفسه وأصله وفصله ، والجماعة الّذين معه ، الّذين عبّر عنهم بـ «هذه الأُسرة»
, تعبيراً عن اندماجهم وتكتّلهم ووحدتهم في
المسير والمصير ، وأنّهم ليسوا مّمن يتوقّع نزولهم على رغبة الأعداء ،
هيهات ! وذكر في خُطبته الأنبيَاء (عليهم السّلام) ، والنبيّ (صلّى الله
عليه وآله) ، وأباه
(عليه السّلام) , وقرأ لهم الآيات مستشهداً
بها .
ألم يكن الجمع قد سمعوا آيات القرآن وهم الآن يسمعون الإمام
(عليه السّلام) يتلوها
عليهم ؟! فإن لم يقرؤوا القرآن فكيف يدّعون الإسلام ؟!
وإن قرؤوه فهل حجّة أتمّ عليهم من آياته ؟!
ومن أعظم المواقف إثارة ، وأتمّ الخطب حجّة ، ما نقله الرواة ، قالوا [274 ـ 275]
: إنّ الحسين بن عليّ (عليه السّلام) لمّا أرهقه السلاحُ قال :
(( ألا
تقبلون منّي ما كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقبل من المشركين ؟ ))
.
قالوا : وما كان رسول الله يقبل من المشركين ؟
قال : (( إذا جنحَ أحدُهم قبِلَ منه
)) .
قالوا : لا .
قال : (( فدعوني
أرجع )) .
الصفحة (137)
قالوا : لا .
قال : (( فدعوني آتي التُركَ فأُقاتلهم حتّى أموت
))(1) .
وبدلاً أن يتعاطفوا مع هذا العرض تمادوا في الغيّ ؛ فأخذ له رجلٌ السلاحَ وقال له : أبشر بالنار
.
فقال الحسين (عليه السّلام) : (( بل إن شاء الله برحمة ربّي عزّ وجلّ
، وشفاعة نبيّي (صلّى الله عليه وآله) )) .
إنّها منتهى الضراوة والوحشية من جيش الكوفة ، ولكنّها منتهى الغاية في
إتمام الحجّة عليهم من الإمام الحسين (عليه السّلام) . لقد كشف الإمامُ
(عليه السّلام) بعرض هذه الأُمور عن مدى قساوة هؤلاء ، كما كشف عن جهلهم
بسُنّة الرسول (صلّى الله عليه وآله) التي يدّعون الانتماء إليها والدفاع عنها .
وحين رفضوا الخيارات التي عرضها بكلمة النفي «لا» , فإنّ الخيار الثالث
مهما كانت صيغته فإنّه لم يقابَلْ إلاّ بالسلاح(2) .
وهذا لا يصدر ممّن له وجدان وضمير وإنسانية فضلاً عن الّذين يدّعون
الانتساب إلى الإسلام , دين الرحمة والسلام , والحقّ والعدل !
إنّ عروض الحسين (عليه السّلام) هذه تكشف بجلاء عن مدى بُعْدِ الأُمّة
ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 146 ، تحتوي الروايتان اللتان رواهما
ابن عساكر على طلب الإمام (عليه السّلام) المسير إلى يزيد , لكن الروايات الصحيحة خالية
من ذلك ، بل روى عن عقبة بن سمعان قوله : صاحبت الحسين من المدينة إلى مكّة
, ومن مكّة إلى كربلاء ، ولم أُفارقه في حال من الحالات ، فما سمعت منه أن
يقول : «دعوني آتي يزيد» . لاحظ تاريخ دمشق ـ ترجمة الإمام الحسين (عليه
السّلام) / 220 هامش , مع أنّه لو أُضيفت تلك إلى الخيارات لكانت
أربعاً , بينما المتن ينصّ على أنّها ثلاث , ولاحظ الهامش الآتي .
(2) لقد اختلف الرواة في صيغة الخيار الثالث الذي عبّر عنه الإمام الحسين
(عليه السّلام) ؛ فقال الأكثرون أنه عَرَضَ عليهم الرجوع إلى مدينة جدّه الرسول
(صلّى الله عليه وآله) فقوبل بالسلاح ، ولكنّ الاُمويِّين افتأتوا صيغة اُخرى حاصلها أنّه يذهب إلى
يزيد فيضع يده في يده ، أو يرى فيه رأيه ! لكن مقابلتهم لهذا الخيار بالسلاح
دليل على عدم صدق هذا الافتيات ؛ إذ معنى ذلك التسليم والوقوع في أيديهم ،
فما لهم لا يقبلونه منه ولا يقابلونه إلاّ بالسلاح ؟!
الصفحة (138)
المسلمة عن دين الإسلام ولمّا يمضِ على وفاة النبيّ (صلّى الله عليه
وآله) نصفُ قرن ؛ خمسون عاماً فقط !
وإنّ المسلمين لم يتعمقوا في فهم التعاليم القيّمة التي جاء بها الإسلام
, ولم يتخلّوا تماماً من روح الجاهليّة الأُولى الكامنة في نفوسهم , فلا زالوا
يتحرّكون بها ، ولا زالت أعراف الجاهليّة وعاداتها في حبّها لسفك الدماء ، وهتك
الأعراض ، وخيانة الوعود ، ونبذ العهود ، وخفر الجوار ، وهتك الذمار تملأ
نفوسهم ، وتعشعش في عقولهم .
وأبان الإمام الحسين (عليه السّلام) أنّ المسلمين يومذاك قد استولى عليهم
الحكّام إلى حدّ الانقياد لهم في معصية الله ، وإلى حدّ الذُلّ والخضوع
والطاعة لمن بيده القوّة ـ حبّاً للحياة الدنيا ـ مهما كان الحاكم في شخصه
وفعله , وتصرّفه وقوله وفكره ؛ شناعةً وقباحةً ، وفساداً وجوراً ، وخِسّةً
ووحشيّةً .
وفي كلّ هذا ردّ كاف على الرأي القائل بأنّ للأُمّة «عِصْمةً» في تعيين
مصير السياسة المهمّة التي تتعلّق بدين الناس ودنياهم ، وتبنى عليها
الأعراض والأموال والنفوس .
فقد كشف الإمامُ الحسين (عليه السّلام) بخطاباته ، ومواقفه ، وبشهادته
أنّ
الأُمّة المسلمة إذا كانت بعد مضيّ خمسين عاماً لم تعِ ولم تدرك ما عرض
عليها من الحقائق الواضحة ، وقد أوغلوا في الجهل إلى حدّ الإقدام على قتل
سبط نبيّهم , وأسر بناته وأهله .
إذا بلغَ وَعْيُ الأُمّة بعد خمسين سنة من حكم الخلفاء باسم الإسلام إلى
هذا الحدّ المتردّي من الجهل والتدني , والانحطاط والوحشيّة الذي هو عين
«اللاوعي» , بالرغم من تكاثف الأعوام وتكرّر المفاهيم التي جاء بها الإسلام
بقرآنه وسُنّته ، وسيرة أصحابه ، أمام مرأى الأُمّة ومسامعها , فكيف بهذه الأُمّة قبل خمسين عاماً ، وفي السنة التي توفّي فيها نبيّهم
(صلّى الله عليه وآله)
الصفحة (139)
حين يُدّعى أنّها أجمعتْ ـ لو تمّ ثمّ الإجماعُ ـ
على تنصيب خليفة لأنفسهم ، يقوم مقام الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، ذلك
المقام الجليل المقدّس والمهمّ ؟!
فإذا كانت الأُمّة في عصر الحسين (عليه السّلام) لم تبلغ الرشد في عامها
الخمسين أن تعي من أمر الخليفة والولاة ؛ يزيد وابن زياد ، ما يبعثها على
رفضهما ، والابتعاد عن خطّتهما ، أو الانعزال والتبرّؤ من أعمالهما ، بل بلغ
بها الجهلُ والغيُّ أن أطاعتهما إلى حدّ الإقدام على قتل سيّد شباب أهل
الجنّة ، سبط النبي (صلّى الله عليه وآله) , فكيف تكون راشدةً في اختيار خليفة للرسول
(صلّى الله عليه وآله) فور وفاته قبل خمسين عاماً ، وهي
في حال الصِغَر ؟!
إنّ إثبات هذه الحقيقة الدامغة كان واحدة من نتائج ما قام به الإمام
الحسين (عليه السّلام) من إتمام الحجّة يوم عاشوراء .
ومهما تكن آثار جهود الإمام (عليه السّلام) في خُطبه إلاّ أنّ الأرض لا
تخلو من حجّة ؛ [حيث]
برز من بين تلك الجموع الكثيفة الغارقة في جهلها مَنْ وَعَى نداءات
الحسين (عليه السّلام) ، وتحرّك وجدانه ، وأحسّ ضميره ؛ فقد جاء في نهاية حديث عرض الإمام (عليه السّلام) للخيارات الثلاث ومواجهة جيش
الكوفة لها بالرفض والسلاح ، أنّه [ص220] كان مع عمر قريب من ثلاثين رجلاً من أهل الكوفة
, فقالوا : يعرض عليكم
ابنُ بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثلاث خصال فلا تقبلون شيئاً
منها ! فتحوّلوا مع الحسين (عليه السّلام) فقاتلوا .
إنّ هؤلاء أبلغ حجّة على كلّ القوم ؛ حيث دلّ حديثهم على أنّ كلام الحسين
(عليه السّلام) قد بلغ جيش الكوفة ، لكن رانَ على قلوبهم حبُّ الدنيا ، ونخوة الجاهليّة ،
والعمى عن الحقّ فهم لا يهتدون .
الصفحة (140)
أيحقُّ بعد هذا كلّه لهذه الجماعة أنْ تدّعي أنّها أُمّة محمّد رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأنّها آمنت بدينه الإسلام وتريد أن تدخل
الجنّة ؟!
وقد أشار إلى هذه المفارقة بعضهم لمّا قال [323] : لو كنتُ فيمن قَتَلَ الحسين ثمّ أُدخلتُ الجنّة لاستحييتُ أنْ
أنظر إلى وَجْهِ النبي (صلّى الله عليه وآله) .
ولم يصرّح ؛ لأنّ مثل هذا الفرض قد قيل في بيئة لم يستبعد فيها لقاتل
الحسين (عليه السّلام) أن يدخل الجنّة . وهذا هو واحد من أوجه التردّي في الضلال ، والتقهقر في الوعي ، والتخلّف في
الشعور ، والبعد عن الإسلام , فكيف يحتمل أن يدخلَ الجنّة قاتل الحسين ـ سيّد شبابها ـ بينما
(وَمَن
يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا)
كما يقول القرآن ؟!
العُريان
وقبل أن نغادر كربلاء ونودِّعَ «يوم عاشوراء» بآلامه وشجاه ، لا بُدّ أن نلقي
نظرة وداع على تلك الجثث الطاهرة المضرّجة بدمائها في سبيل الإسلام
ورسالته الكبرى , فإذا بِنا نشاهد مشهداً فظيعاً ؛ جسمَ الحسين (عليه
السّلام) حبيبَ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ملقىً ،
عارياً عن كلّ ما يورايه عن حرّ الشمس !
ولقد جاء في الحديث أنّ الحسين (عليه السّلام) نفسه كان قد توقّع من لؤم القوم أن يجرّدوه
من ثيابه [277] , قال الحسين بن عليّ حين أحسَّ بالقتل :
(( ابغوني ثوباً لا يُرْغَبُ فيه
أجعله تحتَ ثيابي , لا أُجَرَّد )) .
فأخذ ثوباً , فخرقه فجعله تحت ثيابه ,
الصفحة (141)
فلمّا قُتِلَ جُرِّدَ صلوات الله عليه ورضوانه(1) .
وا حسرتا على هذه الأُمّة ! إلى أيّ حدّ وصلت إليه من اللؤم والرذالة ، والخبث والنذالة وهم يدّعون
الانتماء إلى أفضل دين عرفته البشرية بتعاليمه الإنسانية القيّمة !
أربعة آلاف في بداية القتال , بلغوا اثنتي عشر ألفاً على بعض الأقوال ،
وثلاثين ألفاً على أوسط الأقوال ، وأكثر على أقوال أُخر ، جنود الدولة
الإسلاميّة ، ليس فيهم مَنْ يعرف من الإسلام أوّليات واجباته الأخلاقية !
حقّاً إنّ من المستنكَر أن يدّعي أحدهم الإسلام !
وقد ذُهلوا عن هذه الدعوى لمّا واجهتهم أُخت الحسين (عليه
السّلام) بمثل هذا السؤال :
أما فيكم مسلم ؟! فلم يُجبْها أحدٌ منهم . وكيف يجرؤ على ادّعاء الإسلام مَنْ يُقدِمُ على هذا الإجرام الذي تأبى
نفوس أحقر الناس وأفقرهم عن ارتكابه ؛ تجريد ابن بنت رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) من ثوب
ممزّق ملطّخ بالدم !
ولماذا ؟!
إنّه أمر يقزّز الشعور ، ويجرح العاطفة ، ويستدرّ العَبْرة . لكنّهم فعلوا كلّ ذلك وهم يزعمون أنّهم مسلمون عَرَب
!
أمّا الحسين (عليه السّلام) فقد فَنَّدَ بمواقفه وتضحياته مزاعمهم ،
كما صرّح في خطاباته بانتفائهم عن كلّ ما ينتمون إليه حين صاح بهم :
(( ويْحَكُم يا شيعة آل أبي سفيان ! إن لم يكن لكم دين ، وكنتم لا تخافون المعاد ، فكونوا أحراراً في دنياكم إن
كنتم عرباً كما تزعمُون ))(2)
.
ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 147 .
(2) رواه أصحاب المقاتل ، انظر الإيقاد / 129 , ومقتل الحسين (عليه
السّلام) للمقرّم / 275 .
الصفحة (142)
فقد نفى أن يكون لهم «دين» يعتقدون بأحكامه ، ولا مسلمين يخافون المعاد الذي
يخافُه كلّ ملّيٍّ معتقد , فيمتنع من ارتكاب الأصغر من تلك الجرائم النكراء
البشعة !
ونفى أن يكونوا «عرباً» ؛ لأن للعُروبة عند أهلها قوانين وسُنناً وآداباً
وموازين ، أقلّها الشعور بالتحرّر , والإباء والحميّة , والمروءة والتأنُّف من
ارتكاب المآثم الدنيئة والاعتداءات الحقيرة .
أمّا هؤلاء «المسلمونَ» و «العَرَبُ» فهم الممسوخُون المغمُورون في
الرذيلة إلى حدّ الغباء والعمى ؛ لبعدهم عن الحقّ وانضوائهم تحت لواء
الباطل .
وظلّت كربلاء ويوم عاشوراء وصمة عار على جَبينِ التاريخ الإسلاميّ
, وعلى
جبين أهل القرن الأوّل ، لا يمحوها الدهر ، ولا يغسلها الزمن .
(143)
الباب الرابع
أحداث بعد كربلاء
31 ـ مواقف متأخّرة
32 ـ أحزان الأحلام
33 ـ رثاء الطبيعة
34 ـ الأسى والرثاء
35 ـ الانتقام للدماء
الصفحة (144)
31 ـ مواقف متأخّرة
ودائماً ، وفي كلّ حوادث التاريخ يبقى بعضُ الناس في المؤخّرة
؛ لأنّهم
يحتاطون فيقفون بعيداً عن الأحداث لئلاّ يُصيبهم شررٌ أو أثارة من سوء
. لكن ليس مصير المتأخّرين دائماً النجاة والسلامة وإنْ بقوا بعيدين عن
الإصابات ؛ فهم ليسوا بمنجاة من الحسابات ، حسابات التأريخ والضمير والواقع
.
وهكذا كان شأن الّذين تخلّفوا عن اللحوق بالحسين (عليه السّلام)
؛ سواء في مسيره
إلى أرض كربلاء ، أو في سيرته على أهداف كربلاء ، وخاصّةً اُولئك الّذين كانت
تمدّ إليهم الأعناق ، باعتبارهم حاملين للنصوص الفاصلة لكلّ نزاع , التي هي
وصايا النبيّ وسُنّته (صلّى الله عليه وآله) ، وهم صحابته وحاملو آرائه .
ولكن هؤلاء الّذين لم يلحقوا الفتح بتخلفّهم عن وجهة الحسين (عليه السّلام) في
المسير والسيرة وجدوا أنفسهم بعد الحسين (عليه السّلام) بين مخالب
القتلة وزهوهم بعد المذبحة التي ارتكبوها بحقّ الثائرين .
ومهما فرضنا لهؤلاء المتخلّفين من البساطة ، وأنّهم لم يكونوا يتصوّرون أن
الدولة الإسلاميّة تُقدِمَ على قتل جمع من خيرة رجال المسلمين ، وفي مجموعتهم كوكبة من آل محمّد
(عليهم السّلام) ، وعلى رأسهم الحسين ابن بنت رسول الله (صلّى
الله عليه وآله) , وأنّهم فوجئوا بذلك فأُسقط في أيديهم !
لكنَّ بُعْدَهم عن مجريات الأحداث إلى الحدّ الذي يؤدّي بهم إلى هذه
السذاجة ، وتخلّفهم عن ركب الدفاع عن حياض الإسلام ، والالتحاق بالوحيد
المتبقّى من سلالة محمّد (صلّى الله عليه وآله) هو في نفسه يشكّل نقطة
محاسبة عسيرة .
وكفاهم ذُلاً ومهانة أنْ يحضروا مجلس الحكّام القتلة ليُشاهدوا بأعينهم
ما يجري على رأس الحسين (عليه السّلام) , ذلك الرأس الذي رأته أعينهم ذاتها على صدر
الصفحة (145)
الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وعلى عاتقه , وفي حجره , لكن في حالة
أُخرى ، وبالضبط كما يروونها هم ؛ فهذا أنس بن مالك [319] قال : لمّا قُتل الحسين جيء برأسه إلى عبيد الله ابن زياد ، فجعل ينكث
بقضيب على ثناياه ، وقال : إن كان لحسن الثغر !
فقلتُ : أما والله لأسوءنّك ؛ لقد رأيتُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
يقبّل موضع قضيبك من فيه(1) .
وهل كان أنس ـ وهو خادم النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ـ جريئاً حتّى يتمكّن من مواجهة ابن زياد
بهذا ؟! ولماذا لم يُحاول أن يُسيئ إلى ابن زياد قبل أن يضرب ثنايا الحسين
(عليه السّلام) ؟! بل
قبل أن يقتل الحسين (عليه السّلام) ؟! ألم يكن عبيد الله مجرماً ومستحقّاً للإساءة قبل هذا ؟!
ثمّ ماذا يفعل أنس في مجلس عبيد الله في مثل هذا الوقت ؟! وهل رأى أنس رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) يفعل ذلك فقط بسبطه الحسين (عليه السّلام) دون غيره من أفعال
فعلها بالحسين (عليه السّلام) ، وأقوال قالها في الحسين (عليه السّلام) والتي عرفنا بعضاً منها في فصلي
(10 و11) ؟! هذا وهو خادم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ملازم له على باب
داره !
ثم ـ أخيراً ـ لماذا لم يُحاول أن يُبرز هذا الذي رآه يفعله الرسول
(صلّى الله عليه وآله) بسبطه
الحسين (عليه السّلام) قبل هذا المجلس حتّى لا يصل الأمر إلى هذه الحال ؟!
وهذا زيد بن أرقم [321] قال : كنت عند عبيد الله بن زياد لعنه الله ، إذ أُتي برأس
ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 151 .
الصفحة (146)
الحسين بن عليّ ، فوضع في طست بين يديْه ، فأخذ قضيباً فجعل يفتر به عن
شفتيه ، وعن أسنانه , فلم أرَ ثغراً قطّ كان أحسن منه ! كأنّه الدرّ ! فلم أتمالك أن رفعتُ
صوتي بالبكاء , فقال : ما يُبكيك أيّها الشيخ ؟
قلت : يُبكيني ما رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يمصّ موضع هذا
القضيب ويلثمه ، ويقول : (( الّلهمّ إنّي أُحبُّه فأحبَّه
))(1) . وفي نصٍّ آخر أنّ ابن زياد قال لزيد : إنّك شيخ قد خرفتَ وذهب عقلك
.
والذي يستوقف الناظر : ماذا كان يفعل هذا الصحابي الشيخ في مجلس عبيدالله
داخل القصر في مثل هذه الأيّام ؟! هل كان يجهل أنّ النّاسَ في الكوفة قد ذهبوا لقتال الحسين (عليه السّلام) ؟! فهو إذاً قد خرف حقّاً !
ثمّ أين كان حماسُهُ هذا قبل أن يُؤتى برأس الحسين (عليه السّلام) ؟! ولماذا لم يرو قبل هذا ما رواه بعد هذا المجلس لمّا [322] خرج زيد بن أرقم من عنده ـ يعني ابن زياد ـ يوْمئذ
, وهو يقول : أما
والله ، لقد سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول :
(( الّلهمّ إنّي
استودعكه وصالح المؤمنين )) ؟!
فكيف حفظكم لوديعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)(2)
؟! لكن كيف كان حفظُك أنت يا صحابي لوديعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقد أسلمتَه وحدَه في كربلاء ، يُذْبَح هو وأهل بيته وشيعته
وأنت تنادم ابن زياد ؟!
ولكن هذه المواقف المتأخّرة هل تَسُدُّ شيئاً ممّا أُصيب به الإسلام من
ــــــــــــــــــــــــ
(1) و (2) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 152 .
الصفحة (147)
الثلمات , أو تردّ على الأُمّة ما فقدوه من الرجالات ؟!
ولو وقفوا هذه المواقف قبل قتل الحسين (عليه السّلام) لكانت
أشرفَ لهم ، وأنفع للأُمّة , ولو ساروا بعد ذلك بسيرة الحسين (عليه السّلام) لكان أعذرَ لهم ،
وأخلد لذكرهم .
أمّا لو ضيّع الصحابة وديعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وهم «السلف»
المخاطبون بحفظها مباشرة , فما هو عتابه على البُعداء التابعين لهم في دينهم
وعقيدتهم وهم «الخلف» الّذين يستنّنون بسُنّتهم ؟!
32 ـ أحزان الأحلام
ومهما كانت الأحلام وواقعها فإنّ الحُزْن بألم عاشوراء لم يقف على عالم
اليقظة ، بل لقد تحدّثت الأخبار عن أحزان عالم الرؤيا :
[324 ـ 325] قال ابن عبّاس : رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيما
يرى النائم , بنصف النهار , أغبر ، أشعث ، وبيده قارورة فيها دم , فقلت : بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله
! ما هذا ؟
قال : (( هذا دم الحسين وأصحابه ، لم أزل منذ اليوم ألتقطه
)) .
فأُحصي ذلك اليوم فوجدوه قُتل يومئذ .
واُمّ سلمة زوجة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، المتّقية ، المحبّة لأهل بيته
(عليهم السّلام) ، الحنون على الحسين
(عليه السّلام) ،
والتي لها ذكر مكرّر في سيرة الحسين (عليه السّلام) ، قد أفزعها
المنام كذلك هي الأُخرى :
[327] عن سلمى قالت : دخلت على اُمّ سلمة وهي تبكي ، فقلت : ما يبكيك ؟
الصفحة (148)
قالت : رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المنام وعلى رأسه
ولحيته التراب ، فقلت : ما لك يا رسول الله ، ما لك ؟!
قال : (( شهدتُ قتل الحسين آنفاً ))(1) .
33 ـ رثاء الطبيعة
ومن الأحداث بعد مذبحة كربلاء أنّ الطبيعة شاركت في إعلان الحزن
بأساليب غريبة لم تؤثر عند عامة الحوادث , فمنها :
بكاء السماء دماً
[287] قال ابن سيرين : لم تبك السماء على أحد بعد يحيى بن زكريّا إلاّ على
الحسين بن عليّ (عليه السّلام)(2) .
[295] قالت نصرة الأزدية : لمّا أن قُتل الحسين بن عليّ مطرت السماء دماً
, فأصبحت وكلّ شيء لنا ملآن دماً .
[291] وقالت امرأة : كُنّا زماناً بعد مقتل الحسين ، وإنّ الشمس تطلع محمرّة
على الحيطان والجدران بالغداة والعشيّ .
قالت : كانوا لا يرفعون حجراً إلاّ وجدوا تحته دماً(3) .
ومنها ظلمة السماء
[288] قال خليفة : لمّا قُتل الحسين (عليه السّلام) اسودّت السماء , وظهرت الكواكب نهاراً
حتّى رأيت الجوزاء عند العصر ، وسقط التراب الأحمر(4) .
[293] قال عيسى بن الحارث الكندي : لمّا قُتل الحسين (عليه
السّلام) مكثنا سبعة أيّام
؛ إذا
صلّينا العصر نظرنا إلى الشمس على أطراف الحيطان
ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر ابن منظور 7 / 152 .
(2) و (3) و (4) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 149 .
الصفحة (149)
كأنّها الملاحف المعصفرة ، ونظرنا إلى الكواكب يضرب بعضها بعضاًً(1) .
[296] قال أبو قبيل : لمّا قُتل الحسين بن عليّ (عليه
السّلام) كسفت الشمس كسفة بدت الكواكب
نصف النهار حتّى ظننّا أنّها هي(2) .
[301] قالت أُمّ حبّان : يوم قتل الحسين (عليه السّلام) اظلمّت علينا ثلاثاً ، ولم يمسّ أحدٌ
من زعفرانهم شيئاً فجعله على وجهه إلاّ احترق ، ولم يقلب حجرٌ ببيت المقدس
إلاّ أصبح تحته دمٌ عبيط(3) .
وقد اعترف ببعض هذه الأحداث حكّام بني أُمّية [302] , قال معمر : أوّل ما عُرف الزهريّ تكلّم في مجلس الوليد بن عبد الملك ،
فقال الوليد : أيّكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قُتلَ الحسين بن
عليّ ؟
فقال الزهري : بلغني أنّه لم يقلب حجر إلاّ وجد تحته دم عبيط .
34 ـ الأسى والرثاء
لم يبق أحدٌ لم يدخل عليه الحزنُ والألمُ بقتل الحسين (عليه السّلام)
؛ فالإمام
لم يكن شخصاً ، بل كان شاخِصاً إليه تشخص أعين الأُمّة كي يُنجدها من
المأزق الذي حاصرها وحاصر دينها ودنياها .
ولئن تقاعس الناسُ عن إدراك ما يجب عليهم أن يفعلوه في تلك الظروف العصيبة
،
ولم يتمكّنوا من الإقدام على الفداء والتضحية ، إلاّ أنّ الإمام الحسين
(عليه السّلام) بتضحيته وإقدامه فجّر في نفوسهم كوامنها ؛ فلم يحبسوا عن الإمام
(عليه السّلام) نصرهم بالعواطف بعد أن فاتهم نصره بالنفوس وإن كان بعد أن خسروا وجوده
الشريف ، وما يحمله من معارف ومعاني ومكارم ؛
ــــــــــــــــــــــــ
(1) و (2) و (3) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 149 .
الصفحة (150)
فكانت المراثي التي تعتبر في مثل ذلك الظرف الرهيب استمراراً لثورة
الحسين (عليه السّلام) ، واحداً من نتائجها لمّا انطلقت الألسنُ عن صمتها .
وأوّل من أعلن الرثاء اُمّ سلمة زوجة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ،
التي ساهمتْ في نشر أخبار سيرة الحسين (عليه السّلام) بكثرة ؛ فقد كانتْ
تستطلعُ أخبار الحسين (عليه السّلام) ، فقالتْ لجارية لها [89] : اخرجي فخبّريني .
فرجعت الجارية ، فقالت : قُتل الحسين (عليه السّلام) .
فشهقتْ شهقةً غشي عليها ، ثمّ أفاقت فاسترجعتْ ، قالت : قتلوه
! قتلهم الله
.
قتلوه ! أذلّهم الله . قتلوه ! أخزاهم الله .
[329] قالت : قد فعلوها ! ملأ الله بيوتهم ـ أو قبورهم ـ ناراً
. ووقعت مغشيّاً عليها(1)
.
وكان ابن عبّاس يتوقّع خبر الحسين بن عليّ (عليه السّلام) إلى أن أتاه آت ، فسارّه بشيء ،
فأظهر الاسترجاع ، قال الراوي [330] : فقلنا : ما حدث يا أبا العبّاس ؟
قال : مصيبةٌ عظيمةٌ عند الله نحتسبها(2)
.
وحتّى الجنّ قد أسهموا في هذا الحُزن العظيم مع المؤمنين ، ومع الطبيعة
؛
فقد جاءت الأخبار بما يلي :
[335] قالت اُمّ سلمة : سمعت الجنّ تنوح على الحسين يوم قتل ، وهنّ يقلن :
أيّـها الـقاتلون ظلماً iiحـسيناً أبـشـروا بـالعذاب والتنكيلِ كـلُّ أهـل السماء يدعو عليكمii مـن نـبيٍّ ومرسَلٍ iiوقـتيلِ قـد لُعنتم على لسان ابن iiداو د وموسى وصاحب الإنجيلِ(3)
|
ــــــــــــــــــــــــ
(1) و (2) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 153 .
(3) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 154 .
الصفحة (151)
[336] وجنيّة تنوح :
ألا يـا عـين فاحتفلي iiبجهدِ ومن يبكي على الشهداء بعدي عـلى رهـط تقودهم iiالمنايا إلى متجبّرٍ في ملك iiعبدِ(1)
|
[337] قال أبو جناب الكلبيّ : أتيتُ كربلاء ، فقلت لرجل من أشراف العرب بها
: بلغني أنّكم تسمعون نوح الجنّ .
قال : ما تلقى حرّاً ولا عبداً إلاّ أخبرك أنّه سمع ذاك .
قلت : أخبرني ما سمعتَ أنتَ ؟
قال : سمعتهم يقولون :
مـسحَ الرسول iiجبينه فـله بريقٌ في iiالخدودِ أبـواه مـن عَلْيا iiقري شٍ جدّه خير الجدودِ(2)
|
[338] كان الجصّاصون إذا خرجوا في السحر سمعوا نوح الجنّ على الحسين
(عليه السّلام) ينشدون
ذلك الشعر .
[339] ولمّا قُتل الحسين بن عليّ (عليه السّلام) سُمع مناد ينادي ليلاً ، يُسمع صوتُه ولم
يُر شخصُه :
عقرتْ ثمودٌ ناقةً iiفاستؤصلوا وجرت سوانِحُهم بغير الأسعدِ فبنو رسول الله أعظم iiحرمةً وأجلّ من أُمّ الفصيل iiالمقصدِ عجباً لهم ولما أتوا لم يُمسخواii والله يـملي للطغاة الجُحَّدِ(3)
|
وأمّا الإنس , فقد فجّرت واقعة كربلاء قرائح الشعراء ، أصحاب الولاء لأهل
البيت (عليهم السّلام) ، وقد ملأت مراثيهم دواوين الأشعار وكتب الأخبار ، وعرف كثير من
شعراء العربية برثائهم للحسين (عليه السّلام) فقط .
وفي طليعة أهل الرثاء خالد بن عَفران , من أفاضل التابعين , كان بدمشق ،
وحدّثوا أنّ رأس الحسين بن عليّ (عليه السّلام) لمّا صلب بالشام
، أخفى خالد
بن عَفران شخصه عن أصحابه ، وطلبوه شهراً حتّى وجدوه ، فسألوه عن عزلته ,
ــــــــــــــــــــــــ
(1) و (2) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 154 .
(3) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 155 .
الصفحة (152)
فقال : أما ترون ما نزل بنا ؟!
ثمّ أنشد يقول :
جاؤوا برأسك يابن بنت محمّدٍii مـتـزمّلاً بدمائه iiتـزميلا وكـأنّما بك يابن بنت iiمحمّدٍ قـتلوا جهاراً عامدين رسولا قـتلوك عطشاناً ولم iiيترقّبوا فـي قتلك التنزيل iiوالتأويلا ويـكـبّرون بأن قُتلتَ وإنّماii قتلوا بك التكبير والتهليلا(1)
|
[400] ومنهم ـ وقيل : إنّه أوّل من رثى الإمام (عليه السّلام) ـ سليمان بن
قَتّة ، قال :
وإنّ قـتيل الطفّ من آل iiهاشمٍ أذلّ رقـابـاً من قريش iiفـذلَّتِ فإنْ تبتغوه عائذ البيت تفضحوا(2) كـعاد تعمّتْ عن هداها iiفضلّتِ مـررتُ على أبيات آل iiمـحمّد فـلـم أرها أمثالها حيث حـلّتِ وكـانـوا لـنا غُنماً فعادوا رزيّةً لـقد عظمت تلك الرزايا iiوجلّتِ فـلا يُـبـعد الله الديارَ وأهلَها(3) ii لـقد عظمتْ منهم برغمي تخلّتِ إذا افـتقرتْ قيسٌ جبرنا iiفقيرَها ii وتـقـتُـلنا قيسٌ إذا النعلُ زلّتِ وعـنـد غـنـيٍّ قطرةٌ من دمائنا سـنجزيهمُ يوماً بها حيث iiحلّتِ
|
ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 392 , في ترجمة خالد بن عَفران .
(2) البيت في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور :
فإن تبتغوه عائذ البيت
تصبحوا ...
(3) الشطر الثاني من البيت السابق وهذا الشطر كلاهما من مختصر تاريخ دمشق لابن منظور .
الصفحة (153)
ألم تر أنّ الأرض أضحتْ مريضةً لـفقد حسين والبلاد iiاقشعرّتِ(1)
|
[401] وأنشدوا لبعض الشعراء في مرثية الحسين بن عليّ (عليه
السّلام) :
لـقد هدَّ جسمي رزءُ آل محمدٍ وتلك الرزايا والخطوب عظامُ وأبكتْ جفوني بالفرات مصارعٌii لآل النبيِّ المصطفى iiوعظامُ عـظامٌ بأكناف الفرات زكـيةٌ لـهـنَّ علينا حرمةٌ iiوذمـامُ فـكـم حُرّةٌ مسبيّةٌ فـاطـميَّةٌ ii وكـم مـن كريمٍ قد علاه حسامُ لآلِ رسـول الله صلّتْ عليهمُ مـلائكةٌ بيضُ الوجوه كـرامُ أفاطمُ أشجاني بَنُوكِ ذَوُو العُلا ii وشِـبـتُ وإنّـي صادقٌ لَغُلامُ وأصبحتُ لا ألتذُّ طيبَ iiمعيشةٍ كـأَنَّ عَلَيَّ الطّيباتِ iiحـرامُ ولا الباردُ العذبُ الفراتُ iiأُسيغهُ ولا ظـلَّ يهنيني الغَداةَ iiطعامُ يقولون لي صبراً جميلاً وسلوةً ومالي إلى الصبر الجميل مرامُ فكيف اصطباري بعد آل iiمحمّدٍ وفي القلب منهم لوعةٌ iiوسقامُ
|
ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 158 .
الصفحة (154)
35 ـ الانتقام للدماء
ولئن كانت فتنةُ الله لعباده الصالحين , من الأنبياء والأئمّة والأولياء
,
شديدة الوطأة عليهم ، ولكنّها كانتْ وَعْداً وعهداً ربّانياً اتّخذوه
وصَدَقُوهُ ؛ فصبروا على الأذى في جنب الله ، وصابروا ورابطوا على مواقع
الحقّ ، ولم يتراجعوا ، ولم يهنوا ، ولم يحزنوا على ما فاتهم من الدنيا ،
وجاهَدُوا بكلّ قُوّة وصلابة وإصرار حتّى فازوا برضا الله عنهم كما رضوا
عنه ، وحازوا خلود الذكر في الدنيا ، وجنّات عدن في الآخرة .
وصَدَقهم الله وعدَهُ بالانتقام من المُجْرِمين ، وليعلموا
أنّ وعد الله حقّ ، وأنّ الله منجز
وَعْدِهِ رُسُلَهُ
إلى أن يرثَ ويرثوا الأرض ، ويستخلفهم
عليها ، وعْداً عليه حقّاً في كلّ الكتب السماوية ؛ التوراة والإنجيل
والزبور والقرآن .
وقبل هذا الأمر المعلن في النصوص المقدّسة ، والذي لا يستيقنه الّذين لا
يؤمنون ؛ فهم لا يؤمنون بالغيب , وإن كان أمر الانتقام من قتلة الصالحين
والمصلحين هو مكشوف للعيان , واضح لكلّ ذي عينين إذا أتعب جفنيه ففتحهما
على ما حوله .
ألَيْس خلوّ المجتمع من الصلحاء المخلصين للأُمّة والوطن يعني فراغ الساحة
للعابثين والانتهازيّين والنفعيّين ؟!
أليس قتل الجماعة المؤمنة ذات المستويات الرفيعة في الشرف والكرامة بين
الأُمّة ، يؤدّي إلى تجرّؤ القتلة والظلمة على ارتكاب الجرائم الأكثر ؛ لأنّه
يهوّن عليهم قتل الآخرين بعد قتل الأشراف ؟!
أليس سكوت الأُمّة على فظائع مروّعة ، ومجازر رهيبة مثل مذبحة كربلاء ،
بجرائمها وبشاعتها ، يكشف عن عجز الأُمّة عن التصّدي للظالم وخضوعها بما
يؤدّي إلى إقدامه على الإجرام الأوسع كما فعل بنو أُميّة في وقعة الحرّة
,
الصفحة (155)
بل على الهتك الأعظم لحرمات الله كما فعلوه في إحراق الكعبة وهدمها ؟!
إنّ هذه النتائج الواقعة كانت هي النتائج المنظورة والمرئيّة لكلّ أحد
ممّن يحمل قبساً من نور الوعيْ والعقل والفكر ، أو يجد عليها هدىً ، ولم
يكن بحاجة إلاّ إلى التفاتة صغيرة .
وقد أخبر الإمامُ الحسين (عليه السّلام) عن بعض هذه النتائج قبل أن يرد
كربلاء ، وبعد أن وردها [268] , قال : (( والله ، لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي
, فإذا
فعلوا سلّط الله عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من فرم الأَمَة ))
.
[266] وقال : (( لا أراهم إلاّ قاتليّ ، فإذا فعلوا ذلك لم يَدَعُوْا لله حرمة
إلاّ انتهكوها ؛ فيسلّط الله عليهم مَن يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من فرم
الأَمَة )) .
ولقد كان القتلُ للأنبياء والأئمّة (عليهم السّلام) عادةً ، وكرامتهم من الله الشهادة ،
وإنّما بَرز الّذين كُتب عليهم القتلُ إلى مضاجعهم ؛ ليثبتوا أنّهم أوفياء
لوعد ربّهم ، ولدينهم وأهدافهم , فكذلك كان الانتقام للدماء الزاكية
سُنّةً إلهيةً جاريةً .
وقد ذكّر الله تعالى نبيَّه بذلك كما في الحديث [286] : أوحى الله تعالى إلى محمّد (صلّى الله عليه وآله)
(أنّي قد قتلت
بيحيى بن زكريّا سبعين ألفاً ، وأنا قاتل بابن ابنتك سبعين ألفاً وسبعين
ألفاً)(1) .
وأمّا آحاد الحُثالات التي تكدّست في كربلاء , وارتكبتْ جريمة عاشوراء ، فهم
أحقر من أن يُذكروا ويُذكر ما جرى عليهم ، فكفاهم ذلاً وخزياً ، وعاراً
وشناراً ما أقدموا عليه من قتل ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والكوكبة الأخيار من
آله (عليهم السّلام) ، والهالة المشعّة من الصالحين حوله .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 149 .
الصفحة (156)
مع أنّ التاريخ لم يغفل ما جرى على كلّ واحد منهم من الانتقام الإلهيّ في
هذه الدنيا على يَدِ الأخيار من أنصار الحقّ الّذين «اختارهم» الله لهذه
المهمة العظيمة ؛ لتكون عبرة لمن اعتبر ، ولمن يعتبر على طول التاريخ من
الظَلمة , ليعلموا أنّ الله لهم بالمرصاد ، وليأتينّهم موعدهم ولو بعد حين
.
الصفحة (157)
الخاتمة
هذا هو الإمام الحسين أبو عبد الله (عليه السّلام) , في سماته وفي سيرته قبل كربلاء
, وعلى أرضها يوم عاشوراء .
وأمّا بعد كربلاء فهو الزمن القصير الطويل على طول أربعة عشر قرناً
؛
فالإمام الحسين (عليه السّلام) بقي يُذكر وتدوّي صرخاتهُ , ولم تنقطع نداءاته
ولا أحزانه ، ولا ظروف حركته . وهو التأريخ يجدّد وجوده ، ويُعيد نفسه ، ويكرّر أنفاسه
, وتصدُق مقولة «كلّ
يوم عاشوراء , وكلّ أرض كربلاء» .
ولئن خَلَت العصور من عَيْن الحسين (عليه السّلام) فإنّ روحه وأهدافه
تتبلور
في أبنائه وشيعته ، والسائرين على دربه وسيرته وطريقته ؛ يملؤون الأرض
بنماذج من شعاره ، ويحملون لواءَ الحقّ يذبّون عنه ، وينشرونه على خطوط الطول
والعرض ؛ لتفيئ الكرة الأرضيّة إلى حكم الله ، وينعم البشر بآلاء الله ،
ويتحقق وعدُ الله في كتابه الكريم حيث يقول :
(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ
وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَنِي لاَ
يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَاُولئك هُمُ
الْفَاسِقُونَ) .
وآخر دعواهم أن الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ
, والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين |