|
شهادة الإمام علي (عليه السّلام)
كان الحديث
عن شخصية الإمام علي (عليه السّلام)
بوحي من مناسبة شهادته , والتي حصلت
في الحادي والعشرين من شهر رمضان
المبارك سنة (40) هجرية , اقتضى ذلك
أن اُقدّم حديثاً عن الشهادة ودورها
الطليعي في قيام الدين وتشييد صرحه
السامي الخالد .
وحيث إنّ
الشهادة والاستشهاد لا يتحققان غالباً
إلاّ في ساحة التضحية والجهاد في سبيل
الله سبحانه , فلا بدّ من تقديم كلمة
ولو مختصرة عن أهمّيّة فريضة الجهاد ,
ودورها الفعال في حفظ الرسالة
الإسلاميّة , وصونها من الأخطار التي
تهدد كيانها المعنوي , وتمنع من
إنطلاقها وإشراقها في سماء الحياة ؛
لتنيرها بأضواء الهداية والرقي
والتقدم في جميع المجالات , ومن جميع
الجهات .
إنّ عظمة
الجهاد والتضحية في هذا السبيل مستمدة
من عظمة هذا الدين الذي هو المصنع
المعنوي الربّاني الذي تُصنع فيه ,
وبه إنسانية الإنسان , وتبنى شخصيته
الرسالية المثالية التي يصبح معها
أفضل من الملائكة , ولم يكن أمر الله
سبحانه الملائكة بالسجود لآدم إلى من
أجل أن يشير الى هذا المعنى .
وإذا لا
حظنا أنّ الدين حقّ باُصوله وفروعه ,
وكل ما يتّصل به , والحق كان ولا يزال
محارباً من قِبل أهل الباطل عبر
التاريخ فكرياً وعسكرياً ؛ لأنه بطبعه
يقتضي تقييدهم بقيود العدل والشرف
والفضيلة , وتأبى عليهم أهواؤهم
الجامحة وأطماعهم الطامحة أن يتقيّدوا
بهذه القيود التي هي في واقعها تمثّل
حدود إنسانيتهم , وعنوان شرفهم
وكرامتهم , ولكنها مع ذلك تشكّل
صعوبةً , وتسبب حرماناً ممّا يرغبون
فيه ويميلون إليه ؛ من ارتكاب
المحرمات , والتحلل من الفضائل
والكمالات .
لذلك يحرصون
على تحطيمه وإزالته من ساحة الوجود
كما حصل من المشركين وأهل الكتاب في
بدء البعثة النبوية بالرسالة
الإسلاميّة ؛ حيث اتّفقوا على باطلهم
, وتعاونوا على الإثم والعدوان فيما
بينهم لمنع الدين الجديد من الانتصار
, ورسالته من الانتشار حتّى كان الفتح
المبين والنصر العظيم الذي حصل للدين
وأنصاره يوم فتح مكّة المكرمة
بالاُسلوب السلمي الهادئ الذي تمثّل
بذلك الشعار الإنساني النبيل الذي
رفعه الإمام علي (عليه السّلام) بأمر
من الرسول (صلّى الله عليه وآله) ,
وهو قوله : (( اليوم يوم المرحمة ,
اليوم تُحمى الحرمة )) , مع قوله
الآخر الذي أكّد به الأوّل , وهو قوله
(عليه السّلام) : (( مَن ألقى سلاحه
فهو آمن , ومَن دخل بيته فهو آمن ,
ومَن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن )) .
وبهذا
الشعار المقدس الذي يترجم حقيقة
الإسلام بما يحمله في طيّه من قيم
الرحمة والسماح واليسر والانفتاح ,
كان الفتح الحقيقي والانتصار الواقعي
الذي يسعى إليه الإسلام في كل مواقفه
ومعاركه الفكريّة والعسكريّة , وهو
فتح القلوب والبصائر على نور الحق
والهدى , وانتصار الخير على الشر ,
والفضيلة على ضدها

|