إستماع تنزيل

مقتطفات من حياة الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام)

 

قصّة‌ إنشاد الفرزدق‌ قصيدته‌ في‌الإمام السجّاد عليه‌ السلام‌

 روي‌ العلاّمة‌ المجلسي‌ّ رضوان‌ الله‌ تعإلی‌ عليه‌ في‌ « بحار الانوار » عن‌ « مناقب‌ ابن‌ شهرآشوب‌ » الذي‌ روي‌ عن‌ « الحلية‌ »، و « الاغاني‌ »، وغيرهما: [4] حجّ هشـام‌ بن‌ عبد الملـك‌ فلم‌ يقدر علی‌ الاسـتلام‌ من‌ الزحـام‌ . فنُصـب‌ له‌ منبر فجلس‌ عليه‌ وأطاف‌ به‌ أهل‌ الشام‌، فبينما هو كذلك‌ إذ أقبل‌ علی‌ّبن‌ الحسين‌ عليه‌ السلام‌ وعليه‌ إزار ورداء، من‌ أحسن‌ الناس‌ وجهاً وأطيبهم‌ رائحةً، بين‌ عينيه‌ سجّادة‌ كأ نّها رُكبة‌ عنز. فجعل‌ يطوف‌، فإذا بلغ‌ إلی‌ موضع‌ الحجر تنحّي‌ الناس‌ حتّي‌ يستلمه‌ هيبةً له‌. فقال‌ شامي‌ّ: مَنْ هَذَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟!

 فقال‌: لاَ أَعْرِفُهُ، لئلاّ يرغب‌ فيه‌ أهل‌ الشام‌.

 فقال‌ الفرزدق‌ ( و كان‌ من‌ شعراء بني‌ أُميّة‌ ومادحيهم‌ ) وكان‌ حاضراً: لكنّي‌ أنا أعرفه‌. فقال‌ الشامي‌ّ: مَن‌ هو يا أبا فراس‌؟! فأنشأ قصيدة‌ ذكر بعضها في‌ « الاغاني‌ »، و « الحلية‌ » و « الحماسة‌ »، والقصيدة‌ بتمامها هذه‌:

قصيدة‌ الفرزدق‌ في‌الإمام السجّاد عليه‌ السلام‌

يَـا  سَـائِلِي‌: أَيْنَ حَلَّ الجُودُ iiوَالكَرَمُ       عِـنْـدِي‌  بَـيَانٌ إذَا طُـلاَّبُهُ iiقَـدِمُوا
 هَـذَا الـذي‌ تَـعْرِفُ البَطْحَاءُ iiوَطْأَتَهُ      وَالـبَـيْتُ يَـعْرِفُهُ وَالـحِلُّ iiوَالـحَرَمُ
 هَـذَا ابْـنُ خَـيْرِ عِـبَادِ الـلَهِ iiكُلِّهِمُ       هَـذَا  الـتَّقِي‌ُّ الـنَّقِي‌ُّ الـطَّاهِرُ iiالعَلَمُ
 هَـذَا  الـذي‌ أحْـمَدُ الـمُخْتَارُ iiوَالِدُهُ      صَـلَّي‌  عَـلَیهِ إلَـهِي‌ مَا جَرَي‌ iiالقَلَمُ
 لَـوْ يَـعْلَمُ الـرُّكْنُ مَنْ قَدْ جَاءَ iiيَلْثِمُهُ      لَـخَرَّ  يَـلْثِمُ مِـنْهُ مَـا وَطَـي‌ iiالقَدَمُ
 هَــذَا عـلی رَسُـولُ الـلَهِ وَالِـدُهُ           أَمْـسَتْ بِـنُورِ هُدَاهُ تَهْتَدِي‌ iiالاُمَمُ
 هَـذَا الَّـذِي‌ عَـمُّهُ الـطَّيَّارُ iiجَـعْفَرٌ      وَالـمَقْتُولُ  حَـمْزَةُ لَـيْثٌ حُـبُّهُ iiقَسَمُ
 هَـذَا  ابْـنُ سَـيِّدَةِ الـنِّسْوَانِ iiفَاطِمَةٍ       وَابْـنُ الـوَصِيِّ الَّـذِي‌ في‌ سَيْفِهِ iiنِقَمُ
 إذَا رَأتْــهُ قُـرَيْـشٌ قَـالَ iiقَـائِلُهَا       إلَی‌ مَـكَـارِمِ هَـذَا يَـنْتَهِي‌ iiالـكَرَمُ
 يَـكَـادُ يُـمْـسِكُهُ عِـرْفَانَ iiرَاحَـتِهِ      رُكْـنُ  الـحَطِيمِ إذَا مَـا جَـاءَ iiيَسْتَلِمُ
 وَلَـيْسَ  قُـولُكَ: مَـنْ هَذَا؟ iiبِضَائِرِهِ       الـعُرْبُ  تَـعْرِفُ مَنْ أنْكَرْتَ وَالعَجَمُ
 يُـنْمَي‌ إلَی‌ ذَرْوَةِ الـعِزِّ الَّتِي‌ iiقَصُرَتْ      عَـنْ  نَـيْلِهَا عَـرَبُ الإسْلاَمِ iiوَالعَجَمُ
 يُـغْضِي‌  حَـيَاءً وَيُغْضَي‌ مِنْ iiمَهَابَتِهِ      فَـمَـا يُـكَـلَّمُ إلاَّ حِـيـنَ iiيَـبْـتَسِمُ
 يَـنْجَابُ نُـورُ الدُّجَي‌ عَنْ نُورِ iiغُرِّتِهِ      كَـالشَّمْسِ يَـنْجَابُ عَنْ إشْرَاقِهَا iiالظُّلَمُ
 بِـكَـفِّهِ خَـيْـزُرَانٌ رِيـحُهُ iiعَـبِقٌ      مِـنْ كَـفِّ أَرْوَعَ فِـي‌ عِـرْنِينِهِ iiشَمَمُ
 مَـا  قَـالَ: لاَ، قَـطُّ إلاَّ فِـي‌ iiتَشَهُّدِهِ       لَـوْلاَ  الـتَّشَهُّدُ كَـانَتْ لاَؤهُ نَعَمُ [5]
 مُـشتَقَّةٌ مِـنْ رَسُـولِ الـلَهِ iiنَـبْعَتُهُ      طَـابَتْ  عَـنَاصِرُهُ وَالـخِيمُ وَالـشِّيَمُ
 حَـمَّـالُ  أثْـقَالِ أَقْـوَامٍ إذَا فُـدِحُوا      حُـلْوُ  الـشَّمَائِلِ تَـحْلُو عِـنْدَهُ iiنَـعَمُ
 إنْ قَـالَ قَـالَ بـمِا يَـهْوَي‌ iiجَمِيعُهُمُ      وَإنْ تَـكَـلَّمَ يَـوْمـاً زَانَــهُ iiالـكَلِمُ
 هَـذَا  ابْـنُ فَـاطِمَةٍ إنْ كُنْتَ iiجَاهِلَهُ      بِـجَـدِّهِ أنـبِـيَاءُ الـلَهِ قَـدْ خُـتِمُوا
 اللهُ فَـضَّـلَـهُ قِــدْمـاً وَشَـرَّفَـهُ       جَـرَي‌  بِـذَاكَ لَـهُ فِـي‌ لَوْحِهِ iiالقَلَمُ
 مَـنْ جَـدُّهُ دَانَ فَـضْلُ الانْـبِيَاءِ iiلَهُ      وَفَـضْـلُ أُمَّـتِهِ دَانَـتْ لَـهَا الاُمَـمُ
 عَـمَّ الـبَرِيَّةَ بِـالإحْسَانِ iiوَانْـقَشَعَتْ      عَـنْهَا  الـعِمَايَةُ وَالإمْـلاَقُ iiوَالـظُّلَمُ
 كِـلْـتَا يَـدَيْهِ غِـيَاثٌ عَـمَّ نَـفْعُهُمَا      يُـسْـتَوْكَفَانِ  وَلاَ يَـعْـرُوهُمَا iiعَـدَمُ
 سَـهْلُ الـخَلِيقَةِ لاَ تُـخْشَي‌ iiبَـوَادِرُهُ         يَـزِينُهُ خَـصْلَتَانِ: الـحِلْمُ iiوَالكَرَمُ
 لاَ  يُـخْلِفُ الـوَعْدَ مَـيْمُوناً iiنَـقِيبَتُهُ        رَحْـبُ الـفِنَاءِ أَرِيـبٌ حِينَ iiيُعْتَرَمُ
 مِـنْ مَـعْشَرٍ حُـبُّهُمْ دِيـنٌ iiوَبُغْضُهُمُ      كُـفْـرٌ  وَقُـرْبُهُمُ مَـنْجيً iiوَمُـعْتَصَمُ
 يُـسْتَدْفَعُ الـسُّوءُ وَالـبَلْوَي‌ iiبِـحُبِّهِمُ      وَيُـسْـتَزَادُ  بِـهِ الإحْـسَانُ iiوَالـنِّعَمُ
 مُـقَـدَّمٌ  بَـعْدَ ذِكْـرِ الـلَهِ iiذِكْـرُهُمْ      فِـي‌ كُـلِّ فَـرْضٍ وَمَـخْتُومٌ بِهِ iiالكَلِمُ
 إنْ عُـدَّ أهْـلُ الـتُّقَي‌ كَـانُوا iiأئمَّتَهُمْ      أوْ قِيلَ: مَنْ خَيْرُ أَهْلِ الارْضِ قِيلَ: هُمُ
 لاَ يَـسْـتَطِيعُ جَـوَادٌ بُـعْدَ iiغَـايَتِهِمْ        وَلاَ يُـدَانِـيهِمُ قَــوْمٌ وَإنْ iiكَـرُمُوا
 هُـمُ الـغُيُوثُ إذَا مَـا أزْمَـةٌ iiأزَمَتْ       وَالاُسْـدُ أُسْـدُ الشَّرَي‌ وَالبَأْسُ iiمُحْتَدِمُ
 يَـأبَي‌ لَـهُمْ أَنْ يَـحِلَّ الـذَّمُّ iiسَاحَتَهُمْ      خِـيمٌ  كَـرِيمٌ وَأيْـدٍ بِـالنَّدَي‌ iiهُـضُمُ
 لاَ  يَـقْبِضُ الـعُسْرُ بَسْطاً مِنْ iiأكُفِّهِمُ       سِـيَّانِ ذَلِـكَ إنْ أثْـرَوْا وَإنْ عَـدِمُوا
 أيٌّ الـقَـبَائِلِ لَـيْسَتْ فِـي‌ iiرَقَـابِهِمُ      لاِوَّلِــيَّـةِ هَــذَا أوْ لَــهُ iiنِـعَـمُ
 مَـنْ  يَـعْرِفِ الـلَهَ يَعْرِفْ أوَّلِيَّةَ iiذَا      فَـالدِّينُ  مِـنْ بَـيْتِ هَـذَا نَالَهُ iiالاُمَمُ
 بُـيُوتُهُمْ  مِـنْ قُـرَيْشٍ يُسْتَضَاءُ iiبِهَا      فِـي‌ الـنَّائِبَاتِ وَعِنْدَ الحُكْمِ إنْ iiحَكَمُوا
 فَـجَدُّهُ مِـنْ قُـرَيْشٍ فِـي‌ iiأُرُومَـتِهَا      مُـحَـمَّـدٌ  وَعـلـيّـبَعْدَهُ iiعَــلَـمُ
 بَـدرٌ لـه‌ شَـاهِدٌ وَالـشِّعْبُ مِنْ iiأُحُدٍ      والـخَنْدَقَانِ وَيَـومُ الـفَتْحِ قَـدْ iiعَلِمُوا
 وَخَـيْـبَرٌ وَحُـنَـيْنٌ يَـشْهَدَانِ iiلَـهُ      وَفِــي‌ قُـرَيْضَةَ يَـوْمٌ صَـيْلَمٌ iiقَـتَمُ
 مَـوَاطِنٌ  قَـدْ عَـلَتْ فِـي‌ كُلِّ iiنائِبَةٍ      عـلی‌  الصَّحَابَةِ لَمْ أَكْتُمْ كَمَا iiكَتَمُوا[6]

 فغضب‌ هشام‌ ومنع‌ جائزته‌ وقال‌: أَلاَ قُلْتَ فِينَا مِثْلَهَا؟!

 قال‌: هَاتِ جَدَّاً كَجَدِّهِ، وَأَبَا كَأَبِيهِ، وَأُمَّا كَأُمِّهِ حَتَّي‌ أَقُولَ فِيكُمْ مِثْلَهَا!

تقديرالإمام السجّاد عليه‌ السلام‌ للفرزدق‌

 فحبسوه‌ بعُسفَان‌ بين‌ مكّة‌ والمدينة‌: فبلغ‌ ذلك‌ عليُ بن الحسين‌ عليه‌ السلام‌، فبعث‌ إليه‌ باثني‌ عشر ألف‌ درهم‌، وقال‌: أَعْذِرْنَا يَا أَبَا فِرَاسٍ، فَلَوْ كَانَ عِنْدَنَا أَكْثَرُ مِنْ هَذَا لَوَصَلْنَاكَ بِهِ!

 فردّها وقال‌: يَابْنَ رَسُولِ اللَهِ! مَا قُلْتُ الَّذِي‌ قُلْتُ إلاَّ غَضَباً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ! وَمَا كُنْتُ لاِرْزَأَ عَلَيهِ شَيْئاً.

 فردّها إليه‌ وقال‌: بِحَقِّي‌ عَلَيكَ لَمَّا قَبِلْتَهَا فَقَدْ رَأَي‌ اللَهُ مَكَانَكَ وَعَلِمَ نِيَّتَكَ! فقبلها. فجعل‌ الفرزدق‌ يهجو هشاماً وهو في‌ الحبس‌، فكان‌ ممّا هجاه‌ به‌ قوله‌:

 أَيَحْبِسُنِي‌ بَيْنَ المَدِينَةِ وَالَّتِـي‌       إلَيهَا قُلُوبُ النَّاسِ يَهْوِي‌ مُنِيبُهَا

 يُقَلِّبُ رَأْساً لَمْ يَكُنْ رَأْسَ سَيِّدٍ       وَعَيْنَاً لَهُ حَوْلاَءَ بَادٍ عُيُوبُهَا [7]

 فأُخبر هشام‌ بذلك‌ فأطلقه‌. وفي‌ رواية‌ أبي‌ بكر العلاّف‌ أ نّه‌ أخرجه‌ إلی‌ البصرة‌.