قصة شهادة الإمام علي (عليه السلام)

إستماع تنزيل
 

شهادة الإمام علي (عليه السّلام)

بقلم : الشيخ حسن طراد (بتصرف)

كان الحديث عن شخصية الإمام علي (عليه السّلام) بوحي من مناسبة شهادته , والتي حصلت في الحادي والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة (40) هجرية , اقتضى ذلك أن اُقدّم حديثاً عن الشهادة ودورها الطليعي في قيام الدين وتشييد صرحه السامي الخالد .

وحيث إنّ الشهادة والاستشهاد لا يتحققان غالباً إلاّ في ساحة التضحية والجهاد في سبيل الله سبحانه , فلا بدّ من تقديم كلمة ولو مختصرة عن أهمّيّة فريضة الجهاد , ودورها الفعال في حفظ الرسالة الإسلاميّة , وصونها من الأخطار التي تهدد كيانها المعنوي , وتمنع من إنطلاقها وإشراقها في سماء الحياة ؛ لتنيرها بأضواء الهداية والرقي والتقدم في جميع المجالات , ومن جميع الجهات .

إنّ عظمة الجهاد والتضحية في هذا السبيل مستمدة من عظمة هذا الدين الذي هو المصنع المعنوي الربّاني الذي تُصنع فيه , وبه إنسانية الإنسان , وتبنى شخصيته الرسالية المثالية التي يصبح معها أفضل من الملائكة , ولم يكن أمر الله سبحانه الملائكة بالسجود لآدم إلى من أجل أن يشير الى هذا المعنى .

وإذا لا حظنا أنّ الدين حقّ باُصوله وفروعه , وكل ما يتّصل به , والحق كان ولا يزال محارباً من قِبل أهل الباطل عبر التاريخ فكرياً وعسكرياً ؛ لأنه بطبعه يقتضي تقييدهم بقيود العدل والشرف والفضيلة , وتأبى عليهم أهواؤهم الجامحة وأطماعهم الطامحة أن يتقيّدوا بهذه القيود التي هي في واقعها تمثّل حدود إنسانيتهم , وعنوان شرفهم وكرامتهم , ولكنها مع ذلك تشكّل صعوبةً , وتسبب حرماناً ممّا يرغبون فيه ويميلون إليه ؛ من ارتكاب المحرمات , والتحلل من الفضائل والكمالات .

لذلك يحرصون على تحطيمه وإزالته من ساحة الوجود كما حصل من المشركين وأهل الكتاب في بدء البعثة النبوية بالرسالة الإسلاميّة ؛ حيث اتّفقوا على باطلهم , وتعاونوا على الإثم والعدوان فيما بينهم لمنع الدين الجديد من الانتصار , ورسالته من الانتشار حتّى كان الفتح المبين والنصر العظيم الذي حصل للدين وأنصاره يوم فتح مكّة المكرمة بالاُسلوب السلمي الهادئ الذي تمثّل بذلك الشعار الإنساني النبيل الذي رفعه الإمام علي (عليه السّلام) بأمر من الرسول (صلّى الله عليه وآله) , وهو قوله : (( اليوم يوم المرحمة , اليوم تُحمى الحرمة )) , مع قوله الآخر الذي أكّد به الأوّل , وهو قوله (عليه السّلام) : (( مَن ألقى سلاحه فهو آمن , ومَن دخل بيته فهو آمن , ومَن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن )) .

وبهذا الشعار المقدس الذي يترجم حقيقة الإسلام بما يحمله في طيّه من قيم الرحمة والسماح واليسر والانفتاح , كان الفتح الحقيقي والانتصار الواقعي الذي يسعى إليه الإسلام في كل مواقفه ومعاركه الفكريّة والعسكريّة , وهو فتح القلوب والبصائر على نور الحق والهدى , وانتصار الخير على الشر , والفضيلة على ضدها .

وقد تحقق الهدف المقصود من وراء ذلك الفتح السلمي الإنساني الذي حصل بعون الله وتأييده بدون أن تُسفك قطرة دم واحدة , وهو ـ أي الهدف المقصود ـ دخول الناس بعد ذلك في دين الله أفواجاً بعد أن عرفوا حقيقته وأدركوا غايته , وهي الرحمة الشاملة , والأخلاق السامية , والمكارم العالية كما ورد التصريح بذلك في قوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ )(1) , وبما اشتهر نقله عن لسان النبي (صلّى الله عليه وآله) من قوله : (( إنّما بُعثت لاُتمم مكارم الأخلاق )) .

وحيث إنّ للجهاد قيمته السامية ودوره الطليعي في صون الرسالة من الانهيار أمام اعتداء المعتدين كما تقدّم , فقد حثّت الشريعة المقدّسة عليه , ورغّبت فيه , وأمرت به باُسلوب خاص لم تستعمله في مقام إيجاب سائر الفرائض الشرعيّة كما يظهر بالتأمل في مضمون واُسلوب الآيتين الكريمتين التاليتين , كما ورد التعبير عن أهميّة الجهاد في العديد من الروايات بالاُسلوب المقارب للاُسلوب القرآني .

الاُولى من الآيتين المذكورتين : قوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )(2) .

والثانية : قوله تعالى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )(3) .

ومن الروايات الواردة في مقام بيان فضل الجهاد وأهمّيته في الإسلام ما روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) من قوله : (( فوق كل ذي بِرٍّ بِرْ حتّى يُقتل المرء في سبيل الله فليس فوقه بر )) .

وروي عن الإمام علي (عليه السّلام) قوله ما حاصله : (( لألف ضربة بالسيف أحبُّ إليّ من ميتة على فراش )) , وقوله أيضاً : (( إنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه الله لخاصّة أوليائه )) , وقوله (عليه السّلام) : (( الإيمان أربعة أركان ؛ الصبر واليقين , والعدل والجهاد )) .

وعن الإمام الصادق (عليه السّلام) قوله : (( أصل الإسلام الصلاة , وفرعه الزكاة , وذروة سنامه الجهاد )) .

 

منزلة الشهيد الرفيعة في الإسلام

وقد بيّن الله سبحانه مقام الشهيد ومنزلة الشهادة السامية المترتّبة على الجهاد في سبيل الله بقوله تعالى : (( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ))(4) , وقوله سبحانه : (( وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ ))(5) .

وقد تقدّم أنّ قيمة الجهاد والشهادة والاستشهاد مستمدة من قيمة الدين ودوره الطليعي في صنع إنسانية الإنسان , وبناء شخصيّته الرسالية , وتحقق الغاية الأساسية السامية التي خلق الله الكون والإنسان من أجلها ؛ وهي عبادته وحده لا شريك له ؛ وذلك باعتبار توقّفها على إنزال الله سبحانه التشريع السماوي , والإيمان باُصوله وفروعه والعمل بمقتضاها كما تقدّم مفصلاً .

وقد ذكرت أكثر من مرة في أكثر من مورد أنّ الله سبحانه لم يخلقنا للعبادة ويوجبها علينا إلاّ من أجل أن نتوصّل بها إلى الكمال والسعادة .

وتظهر هذه الحقيقة جليّة بالمقارنة السريعة بين وضع الإنسان قبل بزوغ فجر الإسلام على آفاق الوجود ووضعه بعده ؛ ففي العهد الأوّل كان حيواناً مفترساً , وفي العهد الجديد أصبح بشراً سوياً , وإنساناً وفياً , ومؤمناً ولياً لله تعالى ؛ عابداً له وحده لا شريك له بعد عبادته الأصنام , ومحبّاً الخير لغيره , وكارهاً الشر له , وساعياً في سبيل حصول هذا الخير له , وفي سبيل دفع الشر عنه , وبارّاً بوالديه , ومحترماً للمرأة وخصوصاً زوجته , ومؤدّياً لها حقوقها المادية والمعنوية .

ومحبّاً للبنت , ومدركاً أنها هدية من الله ليحسن تربيتها وينال الأجر العظيم بذلك , ومؤدّياً لحق الآخرين بالرفق والعطف والحنان , وموسعاً دائرة ذلك لتتّسع رحمته تبعاً لاتّساع رحمة الله سبحانه التي وسعت كل شيء ؛ ولذلك يرفق حتّى بالحيوان , ويقوم بواجب النفقة نحوه , ولا يكلّفه فوق طاقته .

والحاصل : إنّ الإنسان الجديد في ظل العهد الجديد أصبح مصداقاً للمؤمن النبيل الذي ورد في وصفه أنّ خيره مضمون , وشره مأمون بعد أن كان عكس ذلك في ظل الجاهليّة الجهلاء .

 

سبب استشهاد الإمام علي (عليه السّلام)

وبعد بيان أهمّية الجهاد وقيمة الشهادة والاستشهاد في سبيل الله تعالى اُحبّ أن أشير باختصار إلى العوامل التي ساهمت في استشهاد الإمام علي (عليه السّلام) بالسبب الذي حصل له , فأقول : إنّ العوامل التي ساهمت في تحقق شهادته عديدة , أبزرها الحسد اللئيم , والحقد الدفين , والحرص اللعين .

أمّا مصدر العامل الأوّل فهو بلوغ الإمام علي (عليه السّلام) أعلى مراتب الفضل والمجد والسؤدد من عدة جهات , وقد اعترف بعضهم بهذه الظاهرة النادرة اللافتة بقوله : لقد كنّا ننظر إلى شخص علي بن أبي طالب في عهد النبي (صلّى الله عليه وآله) كالبدر بين النجوم , وبقدر ما تعلو مرتبة الشخص بالفضل والفضيلة فإنّ حساده يكثرون .

وقد اعتبر بعض الشعراء تفوّق شخصيّة الإمام علي (عليه السّلام) وبروز مقامه عذراً لحاسديه ؛ حيث غطّى نور فضله المتألق على أضواء غيره كما يغطي نور الشمس على ما عاداها من النجوم اللامعة والكواكب الساطعة , فقال ذلك الشاعر :

إنّي لأعذرُ حاسديك على الذي    أعطاك ربُّك ذو الجلال وذو العلا

وأمّا الحقد الدفين فسببه إدخال الإمام علي (عليه السّلام) الحزن والثكل إلى أكثر البيوت ؛ نتيجة قتله العدد الكثير من أعداء الإسلام في المعارك الدامية التي خاضها للدفاع عنه وصونه من أعدائه اللئام ؛ وحيث إنّ الإسلام الذي دخلوا مدرسته مؤخّراً لم تترسّخ عقيدته في قلوبهم بالدرجة القابلة لإزالة رواسب الجاهليّة ونزعة حبِّ الأخذ بالثأر , نتج عن ذلك تغلّب الهوى على الهدى , وتعاون أعداء الحقِّ على الإثم والعدوان من أجل إطفاء نوره بأية وسيلة .

وبذلك يعرف سبب وجود الطمع اللعين لدى الكثيرين ممّن وقفوا في صف المعارضة لحكم الإمام علي (عليه السّلام) ؛ لأنه كان شديد الحرص على تطبيق نظام العدالة بدقة وحزم حتّى في حقِّ القريب فضلاً عن البعيد الغريب , وقصته مع أخيه عقيل مشهورة , ومثلها قصته مع عمرو بن العاص عندما جاءه ليلاً وهو مشغول بإدارة شؤون المسلمين ونظم اُمورهم على ضوء السراج الذي كان مضاء بالزيت المشترى من بيت مال المسلمين ؛ حيث أطفأ السراج لمجرد علمه بأن عمراً هذا قد جاءه بقضية خاصة به , من أجل أن لا يصرف ولو قليلاً من زيت مصباح المسلمين في غير مصلحتهم .

ومن المعلوم أنّ هذه الشدة في تطبيق الأحكام الشرعيّة وخصوصاً فيما يتعلّق بالقضايا المالية لا تنسجم مع طبق وطمع الكثيرين ممّن تعوّدوا على خلاف ذلك , وعلى الأخص بعد إعلانه العزم على استرجاع ما يستطيع إرجاعه من مال بيت للمسلمين الذي اُخذ منه وصُرف في مورد غير مشروع , أو على شخص غير مستحق حتّى ولو تُزوّج به النساء , واشتُريت به العبيد والإماء .

والجامع المشترك بين الأسباب الثلاثة التي ساهمت في إطفاء نور الحق بالقضاء على شخص كان مع الحقِّ كما كان الحقُّ معه كما أخبر الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) , هو عدم الإيمان أو ضعفه إلى درجة يصبح معها بحكم العدم ؛ وذلك لأنّ المؤمن حقّاً لا يحسد , ولا يحقد , ولا يطمع بغير رحمة الله ورضوانه .

وحيث إنّ الشهادة كانت الحلم السامي والأمل الوضّاء الذي سعى في سبيل تحصيله سابقاً , وقوي تطلعه لإدراك هذه الاُمنية ليلة المبيت في فراش الرسول (صلّى الله عليه وآله) , ويوم اُحد , وشاءت الحكمة الإلهية أن تؤخّر له إدراك هذا الهدف الغالي العالي .

أجل , حيث إن الشهادة كانت الاُمنية العزيزة المحبوبة للإمام (عليه السّلام) , وتوفّق أخيراً لإدراكها في أشرف ليلة وهي ليلة القدر , وأفضل شهر وهو شهر الله , وأشرف مكان وهو بيت الله , وحال قيامه بأفضل عمل هو عبادة الله التي تمثّلت بصلاة الصبح يومذاك ؛ لذلك استقبلها الإمام (عليه السّلام) بصدر رحب , وقلب مشرق بنور السرور والسعادة التي أحسّ بها حين ظفره بسبب الشهادة , وقد عبّر عن فرحه الروحي وابتهاجه النفسي بقرب لقائه بالحبيب الحبيب وهو الله سبحانه , بقوله : (( بسم الله وبالله , وعلى ملة رسول الله , فزت وربِّ الكعبة )) .

ـــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنبياء / 107 .
(2) سورة التوبة / 111 .
(3) سورة الصف / 10 ـ 12 .
(4) سورة آل عمران / 169 .
(5) سورة البقرة / 154 .

والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين


مقالة اخرى في شهادة الامام علي (عليه السلام)

www.m-alhassanain.com

info@m-alhassanain.com