|
الإمام علي (عليه السّلام) نهج حضاري
محمد علي المحفوظفي ذكرى شهادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ارتأيت أن أنقل هذه الوقائع الرائعة التي تمثّل نهجاً إنسانياً سامياً ، وهي تمثل دروساً بليغة في التربية والأخلاق من أجل الارتقاء بالنظام الإجتماعي والأخلاقي والسياسي إلى مواقع متقدمة تؤسس لبناء مجتمع فاضل ينطلق من منظومة القيم الإنسانيّة الرفيعة التي تبنّتها قيم السماء ورسالات الأنبياء (عليهم السّلام) . وكم نحن بحاجة لكي نتعلم من تاريخنا المضيء ما يمكننا من الارتقاء بأنفسنا وبمجتمعاتنا في مدارج الكمال والتقدّم.روى ابن الأثير في التاريخ (الكامل) أنّ عليّاً (عليه السّلام) وجد درعه عند نصراني , فأقبل إلى شريح قاضيه وجلس إلى جانبه يخاصم النصراني مخاصمة رجل من رعاياه ، وقال : (( إنها درعي لم أبع ولم أهب )) . قال شريح للنصراني : ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين (عليه السّلام) ؟ قال النصراني : ما الدرع إلاّ درعي , وما أمير المؤمنين بكاذب . فالتفت شريح إلى علي (عليه السّلام) يسأله : يا أمير المؤمنين , هل من بيّنة ؟ فضحك علي (عليه السّلام) وقال : (( ما لي بيّنة )) . فقضى شريح بالدرع للنصراني , فأخذها ومشى وأمير المؤمنين (عليه السّلام) ينظر إليه ، إلاّ أنّ النصراني لم يخطُ خطوات حتّى عاد يقول : أمّا أنا فأشهد أنّ هذه أحكام الأنبياء ؛ أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه وقاضيه يقضي عليه ! وأضاف : الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين . وقضية اُخرى نوردها هنا وهي تدعو للتأمّل والانفتاح على عالم رحب وقيمة إنسانيّة راقية تؤسس لنظام أخلاقي رفيع ؛ فقد نُقل أنه في عهد عمر بن الخطاب شكا أحد الناس عليَّ بن أبي طالب (عليه السّلام) إلى عمر في خصومة ، فكان أن أحضرهما عمر وقال لعلي (عليه السّلام) : يا أبا الحسن , قف إلى جانب خصمك . فبدا التأثر على وجه علي (عليه السّلام) ، فقال له عمر : أكرهت يا علي أن تقف إلى جانب خصمك ؟ فقال علي (عليه السّلام) : (( لا ، ولكنّي رأيتك لم تسوِّ بيني وبينه ؛ إذ عظّمتني بالتكنية ولم تكنه )) ، أي لم تخاطبه بكنيته كما فعلت ذلك معي . وفي واقعة اُخرى يؤسس الإمام علي (عليه السّلام) لنظام أخلاقي قائم على الصدق , وحسن المعاملة , والإدارة الواعية فيما يرتبط بشؤون الناس ؛ فقد شكت امرأة ـ واسمها سودة بنت عمارة الهمدانيّة ـ إلى الإمام علي (عليه السّلام) أحد ولاته الكبار , وهو والي صدقاته على الأهواز , وكانت تحت سلطته منطقة واسعة جداً . تقول سودة بنت عمارة : والله لقد جئته ( أي الإمام (عليه السّلام) ) في رجل كان قد ولاّه صدقاتنا فجار علينا ، فصادفته قائماً يصلّي ، فلمّا رآني انفتل (انصرف) من صلاته , ثمّ أقبل عليّ برحمة ورفق , ورأفة وتعطّف , وقال : (( ألكِ حاجة ؟ )) . قلت : نعم , فأخبرته الخبر , فبكى ثمّ قال (عليه السّلام) : (( اللهمَّ أنت الشاهد عليّ وعليهم , وإنّي لم آمرهم بظلم خلقِكَ , ولا بترك حقِّك )) . ثمّ أخرج قطعة جلد فكتب فيها (( بسم الله الرحمن الرحيم ، ( قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ )(1) ، فإذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتّى يقدم عليك مَن يقبضه منك ، والسّلام )) ، ثمّ دفع الرقعة إليّ ، فوالله ما ختمها بطين , ولا خزمها , فجئت بالرقعة إلى صاحبها فانصرف عنّا معزولاً . وفي موقف آخر يؤسس الإمام علي (عليه السّلام) فيه لحالة أخلاقية ترتقي لتشكل دائرة إنسانيّة واسعة يمكن للناس فيها أن يتعايشوا في ظل نظام إجتماعي وسياسي لا يقوم على التمييز , لا من خلال الجنس أو اللون أو حتّى الدين والمعتقد ؛ فقد روي أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) مرّ بشيخ مكفوف كبير في السنِّ وهو يسأل الناس ، فقال (عليه السّلام) : (( ما هذا ؟ )) . فقالوا له : يا أمير المؤمنين , هذا نصراني . فقال علي (عليه السّلام) : (( استعملتموه حتّى إذا كبر وعجز منعتموه ؟ )) . ثمّ التفت إلى مسؤولي بيت المال وقال (عليه السّلام) : (( أنفقوا عليه من بيت المال )) . إننا بحاجة لهذه الإضاءات من تاريخنا , ليس فقط من أجل التباهي بمثل هذه السلوكيات الإنسانيّة العظيمة , وإنما للاقتداء والسير على خطى العظماء من أجل الارتقاء بأنفسنا إلى مستوى إنساني أفضل وأكمل على كل صعيد , وهي دعوة للتأمّل والاعتبار , خصوصاً نحن نعيش في أجواء شهر رمضان المبارك , وهو شهر الله , وشهر الرحمة والبركة والمغفرة , والعلم والمعرفة ؛ حيث إنّ ليلة واحدة فيه ـ وهي ليلة القدر ـ خير من ألف شهر ، فهل نمتلك من الاستعداد والشجاعة النفسيّة ما يجعلنا من المتعلّقين بهكذا منهج وسيرة وطريقة ؟ والله من وراء القصد. ـــــــــــــــــــ(1) سورة الأعراف / 85 . |