مختصر
من حياة الإمام أبي محمّد الحسن المُجتبى (عليه السّلام)
1ـ ولادتُـه (عليه السّلام) : وُلد
الإمامُ أبو محمّد الحسنُ بنُ أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (عليهما
السّلام) في المدينة المنوَّرة ، في ليلة النّصف من شهر رمضان سنة ثلاث من
الهجرة(1) . وجاءت به اُمّه فاطمة
الزّهراء (عليها السّلام) يوم السابع من مولده في خرقة من حرير الجنّة
، كان جبرئيل (عليه السّلام) نزل بها إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فسمّاه
حسناً ، وعقّ عنه كبشاً(2) .
كان الإمام الحسنُ (عليه السّلام) أشبهَ
النّاس برسول الله (صلّى الله عليه وآله) خَلقاً وخُلقاً وهدياً ، وكان وصيَّ أميرِ المؤمنين
(عليه السّلام) على أهله ووُلده وأصحابه ، وثاني أئمة المسلمين بعد أبيه
(عليهما السّلام) . ولمُا قُبض الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، خطب
الإمامُ (عليه السّلام) النّاسَ وذكر حقَّه ومنزلته ، فبايعه أصحابُ أبيه على حرب مَنْ
حارب وسلمِ مَن سالم .
2ـ مناقبه وفضائله (عليه السّلام) :
كان الحسنُ بن عليِّ بن أبي طالب (عليهما السّلام) أعبدَ النّاس في زمانه
، وأزهدهم وأفضلهم ، وأصدقهم لهجة ، وكان إذا حجَّ حجَّ ماشياً ، وربما مشى حافياً
، وكان إذا
ذكر الموتَ بكى ، وإذا ذكر القبر بكى ، وإذا ذكر البعث والنّشور بكى ، وإذا ذكر
المرور على الصّراط بكى ، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقةً
يُغشى عليه منها ، وكان إذا قام في صلاته ترتعدُ فرائصُه بين يدي ربِّه عزَّ
وجل ، وكان إذا ذكر الجنّة والنّار اضطرب ، ويسأل الله الجنّة ويتعوّذ
بالله من النار
، وإذا توضأ ارتعدت مفاصله
، واصفرّ لونه ، فقيل له
في ذلك ، فقال : (( حقٌّ على كلِّ مَن وقف بين يدَي ربِّ العرش أنْ يصفرَّ لونُه
، وترتعد مفاصلُه ))(3) . وكان
(عليه السّلام) لا يقرأ من كتاب الله عزَّ وجل
( يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا
)
إلاّ قال : (( لبّيك اللهمّ لبّيك )) . ولم يُرَ في شيءٍ من أحواله إلاّ ذاكراً
لله سبحانه .
وروي : أنّه (عليه السّلام) كان يحضر مجلس رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) وهو ابن سبع سنين ، فيسمع الوحي فيحفظه ، فيأتي
اُمَّه (عليها السّلام) فيلقي إليها ما حفظه . وكلّما دخل عليّ (عليه
السّلام) وجد عندها
علماً بالتّنزيل ، فيسألها عن ذلك ، فتقول : ((
من ولدِك الحسن (عليه السّلام) )) . فتخفّى يوماً في الدّار وقد
دخل الحسن (عليه السّلام) بعدما سمع الوحي في مجلس جدّهِ (صلّى الله
عليه وآله) ، فأراد أنْ يُلقيه إليها ، فارتجَّ ، فتعجّبت اُمّه من ذلك
، فقال : (( لا تعجبين
[ لا تعجبي ] يا
اُمّاه ؛ فإنَّ كبيراً يسمعُني ، واستماعُه قد أوقفني ))
.
فخرج عليّ (عليه السّلام) فقبّله(4)
.
وفي رواية : (( يا
اُُمّاه ، قلَّ بياني ، وكلَّ لساني ، لعلّ سيّدي يراني ))(5)
.
ومن حلمه ما روى المبرّد وغيرُه : أنّ شاميّاً رآه
راكباً ، فجعل يلعنه والحسن (عليه السّلام) لا يردّ ، فلمّا فرغ أقبل الحسن
(عليه السّلام) فسلّم عليه وضحك ، فقال : (( أيّها الشيخ
، أظنُّك غريباً ، ولعلّك
شبّهت ، فلو استعتبتنا أعتبناك ، ولو سألتنا أعطيناك ، ولو استرشدتنا أرشدناك
، ولو استحملتنا أحملناك ، وإنْ كُنتَ جائعاً أشبعناك ، وإنْ كُنتَ عرياناً كسوناك
، وإنْ كُنتَ محتاجاً أغنيناك ، وإنْ كُنتَ طريداً آويناك ، وإنْ كان لك حاجة
قضيناها لك . فلو حرّكت رحلك إلينا ، وكُنتَ ضيفَنا إلى وقت ارتحالِك كان أعود
عليك ؛ لأنَّ لنا موضعاً رحباً ، وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً ))
.
فلمّا سمع
الرجل كلامَه بكى ، ثم قال : أشهد أنّك خليفةُ الله في أرضه ،
( اللّهُ
أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ )(6)
.
وكُنتَ أنت وأبوك أبغضَ خلقِ الله إليّ ، والآن أنت أحبُّ خلق الله إليّ
.
وحوّل رحله إليه ، وكان ضيفَه إلى أنْ ارتحل ، وصار مُعتقداً لمحبّتهم(7)
.
3ـ شهادته (عليه السّلام) :
استشهد
الإمام أبو محمّد الحسن المجتبى (عليه السّلام) ، بعد ما جاهد في الله حقَّ
جهاده ، ومضت أيامُ حياته في طاعة الله وعبادته ، استشهد (عليه
السّلام)
بالسُّمِّ الذي دسّه معاوية إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس ، والتي كانت زوجته(8)
(عليه السّلام) .
وعندما كان يجود بنفسه ، قال له جُنادة
بن أبي اُميّة : يا مولاي ، ما لك لا تُعالج نفسك ؟ فقال (عليه
السّلام) : (( يا عبدَ
الله ، بماذا اُُعالج الموت ؟! )) قلت
: إنّا
لله وإنّا إليه راجعون . ثم إلتفت إليَّ ، وقال :
(( والله
، إنّه لَعهدٌ
عهده إلينا رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) أنّ هذا الأمرَ يملكُه اثنا
عشر إماماً من ولد عليٍّ وفاطمة (عليهما السّلام) ، ما منّا إلاّ
مسمومٌ أو مقتول ))
.
فقلت : عِظني يابن رسول الله . قال
: (( نعم
، استعدَّ لسفرِكْ ، وحصِّل زادَك قبل حلولِ أجلك ، واعلمْ أنّك تطلبُ الدُّنيا والموت يطلبُك
، ولا تحمل
همَّ يومِك الذي لم يأتِ على يومِك الذي أنت فيه ، واعلمْ أنّك لا تكسب من
المالِ شيئاً فوق قُوتِك إلاّ كُنتَ فيه خازناً لغيرك . واعلمْ أنّ في حلالِها
حساباً ، وفي حرامها عقاباً ، وفي الشُّبهاتِ عتاباً ؛ فأنزل الدُّنيا بمنزلة المِيتة
خُذ منها ما يكفيك ، فإنْ كان ذلك حلالاً كُنتَ قد زهدت فيها ، وإنْ
كان حراماً لم يكُنْ فيه وزرٌ فأخذت كما أخذت من الميتة ، وإنْ كان
العتابُ فإنَّ العقاب يسير . . . )) إلى آخر ما أوصى به
(عليه السّلام) . قال الراوي : ثم انقطع نفَسُه ، واصفرّ لونُه حتّى خشيت
عليه(9) .
وهكذا انتقل الإمام أبو محمّد المجتبى
(عليه السّلام) من هذه الدُّنيا إلى النّعيم الذي لا زوال له ولا اضمحلال في
السّابع من صفر ،
وقيل : في الثامن والعشرين من الشهر نفسه(10)
سنة تسع وأربعين ، وهو ابنُ سبع وأربعين سنة(11)
، وقيل غير ذلك .
ودُفن بالبقيع .
وما جرى عليه بعد شهادته ، وعلى جنازته من انتهاكات لجسده
الكريم(12) ليس بأقلّ ممّا جرى عليه في
حياته (عليه السّلام) .
فالسّلام عليك يا أبا محمّد ، يوم
عشت مظلوماً مقهوراً ، ويوم فارقت هذه الدُّنيا وقد سُلّ من نعشك سبعون
نبلاً ، ويوم تُبعث حيّاً مُخاصماً أعداءك ، مُشفَّعاً في
أوليائِك وأحبّائِك .
فإنّا لله وإنّا إليه راجعون .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كشف الغُمّة 2
/ 138 .
(2) كشف الغُمّة 2
/ 138 .
(3) مناقبُ آل أبي طالب 3
/ 180 .
(4) مناقبُ آل أبي طالب 3
/ 175 .
(5)
المصدر نفسه .
(6)
سورة الأنعام / 124 .
(7) مناقبُ آل أبي طالب 3
/ 184 .
(8) الإرشاد 2
/ 15 .
(9) بحار الأنوار 44
/ 139 ـ 140 .
(10) كفاية الأثر
/ 226 .
(11) مناقبُ
آل أبي طالب 4
/ 19 .
(12) كشف الغُمّة 1
/ 585 .
|