«سورة
الفاتحة»
1 ـ
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
البسملة آية من كل سورة
ـ ما عدا سورة براءة.
وقد ابتدأ الكلام باسمه
عزّ اسمه ليكون أدباً يؤدب به العباد، فيبتدئوا باسمه في اقوالهم وأفعالهم، لتكون
مقصودة لأجله سبحانه، فكل أمر من الأمور انما نصيبه من البقاء بقدر ما لله فيه
نصيب.
أما الوصفان:
(الرّحمن الرّحيم) فهما من الرحمة. والرّحمن:
صيغة مبالغة تدل على الكثرة. والرحيم: صفة مشبّهة تدل على الثبات والبقاء. ولذلك
فان الرّحمن يدل على الرحمة المفاضة على المؤمن والكافر. والرحيم يدل على النعمة
الدائمة والرحمة الباقية المفاضة على المؤمن.
2 ـ
(الحمد لله ربِّ العالمين)
الحمد هو الثناء على
الجميل. والله تعالى جميل في اسمائه وجميل في افعاله وكل جميل منه، فله سبحانه كل
حمد. والرب هو المالك الذي يدبر أمر مملوكه. أما العالمين فهي جمع عالَم، والمراد
بالعالمين: عوالم الانس والجن وجماعاتهم.
3،
4 ـ
(الرّحمن الرّحيم.
مالكِ يومِ الدين) وقرئ أيضاً: (مَلك يوم الدين).
والمالك من المِلْك بمعنى انه يدبر أمر ما يملك ويتصرف به كيف يشاء.
5 ـ
(إيّاك نعبد وإيّاك نستعين)
العبادة بمثابة ان يضع
العبد نفسه في مقام المملوكية لربه. وقد قدم المفعول وهو
(إيّاك) على الفاعل
(نعبد) للاشارة إلى أن الرب مختص بالمالكية، وأن العبد مقصور على العبودية.
(وإيّاك نستعين)، أي اننا انما ننسب العبادة إلى
انفسنا وندعيها لنا، مع الاستعانة بك، لا مستقلين ومدعين ذلك دُونك.
6 ـ
(إهدنا الصراط المستقيم)
الهداية هي الدلالة
وايضاح الطريق المؤدي إلى الغاية. أما الصراط فهو الواضح من الطريق الذي يوصل
سالكيه إلى غايتهم، والصراط والطريق والسبيل متقاربة المعنى. ويفيد معنى
(الصراط المستقيم) انه يوصل سالكيه إلى غايتهم
دون أن يدعهم يخرجون عنه.
7 ـ
(صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)
بعد ان وصف الله تعالى
الصراط بالاستقامة، بيّن ان هذا الصراط هو صراط الذين أنعم الله تعالى عليهم، وهم
الذين عرّفهم الله سبحانه بقوله: (ومن يطع الله والرسول
فاُولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن
اُولئك رفيقا) النساء ـ 68. ومن المناسب الاشارة إلى ان القرآن الكريم قد
تكرّر فيه ذكر السبيل والصراط. فعدّ السُبل إليه كثيرة، قال تعالى:
(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)
العنكبوت ـ 69. كما أنه تعالى نسب السبيل إلى غيره، قال تعالى:
(قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة) يوسف ـ
108، وقال: (سبيل المؤمنين) النساء ـ 114،
وقال: (سبيل من أناب اليّ) لقمان ـ 15.
«سورة
البقرة»
بسم الله الرّحمن
الرّحيم
1 ـ
(الم) وردت
الحروف المقطّعة في تسع وعشرين سورة. والتدبّر في السور التي تشترك في الحروف
المفتتح بها مثل الميمات والراءآت والطواسين والحواميم، يُبين ان في هذه السور
المشتركة في الحروف من تشابه المضامين وتناسب السياقات ما ليس بينها وبين غيرها من
السور.
(2)
ويمكن أن يحدس من ذلك
أن بين هذه الحروف وبين مضامين السور المفتتحة بها ارتباطاً خاصاً. ويستفاد من ذلك
أن هذه الحروف رموز بين الله سبحانه وبين رسوله صلى الله عليه وآله، خفية عنا، لا
سبيل لأفهامنا العادية إليها إلاّ بمقدار أن نستشعر أن بينها وبين المضامين
المودعة في السور ارتباطاً خاصاً.
2 ـ
(ذلك الكتاب...)
المتقون هم المؤمنون.
والذي أخذه تعالى من الأوصاف المعرّفة للتقوى في هذه الآيات التسع عشرة التي يبيِّن
فيها حال المؤمنين والكفّار والمنافقين، خمس صفات، وهي: الإيمان بالغيب، وإقامة
الصلاة، والإنفاق ممّا رزق الله سبحانه، والإيمان بما أنزله على أنبيائه، والإيقان
بالآخرة. وقد وصف الله تعالى الكتاب بانه هدى لهؤلاء المتقين.
3 ـ
(الذين يؤمنون بالغيب...)
الايمان: تمكن الاعتقاد
في القلب. والغيب: خلاف الشهادة وينطبق على ما لا يقع عليه الحس، وهو الله سبحانه
وآياته الكبرى الغائبة عن حواسنا، ومنها الوحي، وهو الذي أشار إليه سبحانه بقوله:
(والذين يؤمنون بما اُنزل إليك وما اُنزل من قبلك).
4 ـ
(... وبالآخرة هم يوقنون)
اشارة إلى ان التقوى لا
تتم إلاّ مع اليقين بالآخرة، فانّ الانسان ربّما يؤمن بشيء ويذهل عن بعض لوازمه
فيأتي بما ينافيه، لكنّه إذا كان على علم وذكر بيوم يحاسب فيه على الخطير واليسير
من أعماله، فإنّه لا يقتحم الموبقات ولا يحوم حول محارم الله سبحانه.
5 ـ
(اُولئك على هدىً من ربّهم)
الهداية كلّها من الله
سبحانه، لا تنسب الى غيره إلاّ على نحو من المجاز. ولما وصفهم الله تعالى بالهداية،
عقب ذلك بقوله: (واُولئك هم المفلحون).
6 ـ
(إنّ الذين كفروا...)
هؤلاء قوم ثبتوا على
الكفر، وتمكن الجحود في قلوبهم، والذي يدل على ذلك وصف حالهم بمساواة الانذار
وعدمه. ولا يستبعد ان يكون المراد من هؤلاء هم الكفار من زعماء قريش وكبراء مكة
الذين عاندوا ولجّوا في أمر الدين ولم يألوا جهداً في ذلك ولم يؤمنوا حتى أفناهم
الله عن آخرهم في بدر وغيرها. ويؤيده أنّ هذا التعبير وهو قوله:
(سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون)
لايمكن استطراده في حق جميع الكفّار، وإلاّ انسدّ باب الهداية، والقرآن ينادي على
خلافه. وأيضاً هذا التعبير وقع في سورة يس (وهي مكية) وفي هذه السورة (وهي أوّل
سورة نزلت في المدينة) ولم تقع غزوة بدر بعد. فالأشبه أن يكون المراد من الذين
كفروا هنا وفي سائر الموارد من كلامه تعالى: كفّار مكة في أوّل البعثة، إلاّ أن
تقوم قرينة على خلافه.
7 ـ
(ختم الله على...)
هؤلاء الكفار فيهم حجاب
دون الحق في أنفسهم، وحجاب من الله تعالى بعد كفرهم، فاعمالهم متوسطة بين حجابين:
من ذاتهم ومن الله تعالى.
8 ـ 16 ـ
(ومن الناس من يقول آمنّا...)
الخدعة: نوع من المكر،
والشيطان هو الشرير، ولذلك سمِّي إبليس شيطاناً. وهذه الآيات تبيِّن حال المنافقين.
(3)
17 ـ
(مثلهم كمثل الذي استوقد...)
مثل يصور به حال
المنافقين، انهم كالذي وقع في ظلمة عمياء، فلجأ إلى سبب من أسباب الاضاءة كنار
يوقدها ليبصر بها. فلما أضاءت ما حوله أخمدها الله بسبب من الأسباب كريح أو مطر،
فبقي فيما كان عليه من الظلمة، وتورط بين ظلمتين: ظلمة كان فيها، وظلمة الحيرة
وبطلان السبب. وهذا حال المنافق، يظهر الايمان فيستفيد من اشتراكه مع المؤمنين في
حياتهم، حتى إذا حان الموت وفيه تنتهي الاستفادة من هذا الايمان، ذهب الله بنوره
وأبطل ما عمله وتركه في ظلمة لا يدرك فيها شيئاً. ويقع بين الظلمة الأصلية وما
أوجده من ظلمة بافعاله.
19 ـ
(أو
كصيِّب من السماء فيه...) الصيب هو المطر الغزير. والرعد هو الصوت الحادث
عند الابراق. والصاعقة هي النازلة من البروق.
وهذا مثل آخر يمثل به
حال المنافقين في اظهارهم الايمان، انهم كالذي أخذه صيب السماء وفيه ظلمة تسلب عنه
الرؤية، فالصيب يضطره إلى الفرار والخلاص، والظلمة تمنعه من ذلك، والمهولات من
الرعد والصاعقة محيطة به، فلا يجد مناصاً من الاستفادة من ضوء البرق المتقطع، إذا
اضاء مشى وإذا أظلم عليه قام.
21 ـ
(يا أيّها الناس اعبدوا...)
لما بين الله تعالى حال
الفرق الثلاث: المتقين والكافرين والمنافقين، دعا الناس إلى عبادته، وان يلتحقوا
بالمتقين دون الكافرين والمنافقين.
22 ـ
(... فلا تجعلوا لله انداداً)
الأنداد: جمع ند أي
مثل. وعدم تقييد قوله تعالى: (وأنتم تعلمون)
بقيد خاص، يفيد التأكيد البالغ في النهي بأن الانسان ـ وله علم ما ـ لا يجوز له
ان يتخذ لله سبحانه أنداداً، فالله هو الذي خلقهم والذين من قبلهم ثم نظّم النظام
الكوني لرزقهم وبقائهم.
23 ـ
(وإن كنتم في ريب مما نزّلنا...)
أمر تعجيزي لبيان اعجاز
القرآن، وانه كتاب منزل من عند الله لا ريب فيه، إعجازاً باقياً بمر الدهور وتوالي
القرون.
24 ـ
(... فاتّقوا النار التي...)
الوقود ما توقد به
النار. وقد نصت الآية على انه الانسان نفسه، فهو وقود وموقود. والمراد بالحجارة:
الأصنام التي كانوا يعبدونها، ويدل على ذلك قوله تعالى:
(إنّكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) الأنبياء ـ 98، والحصب هو الوقود.
25 ـ
(وبشِّر الذين آمنوا...)
المراد بالطهارة: هي
الطهارة من أنواع الأقذار والمكاره الخَلقية والخُلقية، كما جاء في بعض الروايات
التي تعمِّم الطهارة للبراءة عن جميع العيوب والمكاره.
26 ـ
(إنّ الله لا يستحي...)
البعوضة: الحيوان
المعروف. والآية تشهد على أنّ من الضلال والعمى مايلحق الانسان عقيب أعماله
السيِّئة، حيث يقول تعالى: (وما يُضلّ به إلاّ
الفاسقين) فقد جعل إضلاله عقب الفسق لا متقدِّماً عليه.
27 ـ
(الذين ينقضون عهد...)
تفسير للفاسقين. والنقض
إنّما يكون عن ابرام، ولذلك وصف الفاسقين في آخرالآية بالخاسرين.
(4)
28،
29 ـ
(كيف تكفرون بالله...)
الآية قريبة السياق من
قوله تعالى: (قالوا ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا
اثنتين...) المؤمن ـ 11. وهذه الآيات التي يستدل بها على وجود البرزخ بين
الدنيا والآخرة. فإنّها تشتمل على إماتتين، فلو كان إحداهما الموت الناقل من
الدنيا، لم يكن بدّ في تصوير الإماتة الثانية من فرض حياة بين الموتين وهو البرزخ.
(وكنتم
أمواتاً...)
بيان حقيقة الانسان من حيث وجوده، فهو وجود متحوِّل متكامل يسير في مسير وجوده
المتبدِّل المتغيِّر تدريجاً ويقطعه مرحلة مرحلة. فقد كان الانسان قبل نشأته في
الحياة ميِّتاً، ثم حُيي بإحياء الله، ثم يتحوّل بإماتة وإحياء وهكـذا. وقد قال
سـبحانه: (وبدأ خلق الانسان من طين ثم جعل نسله من
سلالة من ماء مهين...) السجدة ـ 9، وقال تعالى:
(ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) المؤمنون ـ 14، وقال
تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة
أخرى) طه ـ 55. والآيات تدلّ على أن الانسان جزء من الأرض، إنفصل منها ثم
شرع في التطوّر حتى بلغ مرحلة اُنشئ فيها خلقاً آخر، فهو المتحوِّل خلقاً آخر
والمتكامل بهذا الكمال الجديد الحديث، ثم يأخذ ملك الموت هذا الانسان من البدن نوع
أخذ يستوفيه، ثم يرجع الى الله سبحانه. فهذا صراط وجود الانسان. |