مختصر تفسيرالميزان

 
 

71 ـ  (... قالوا الآن جئت بالحق...) لما تم عليهم البيان ولم يجدوا ما يسألونه، قالوا: (الآن جئت بالحق) وهو قول من يعترف بالحقيقة من غير أن يجد إلى الرد سبيلاً، فيعترف بالحق اضطراراً، والدليل على ذلك قوله تعالى: (فذبحوها وما كادوا يفعلون).

72 ـ  (وإذ قتلتم نفساً فادارأتم...) الدرء: الدفع. وقد كانوا قتلوا نفساً، وكل طائفة منهم تدفع الدم عن نفسها إلى غيرها، وأراد الله سبحانه إظهار ما كتموه.

73 ـ  (فقلنا اضربوه ببعضها...) أوّل الضميرين راجع إلى النفس باعتبار انه قتيل، وثانيهما إلى البقرة. [وقد مرّ بيان القصة في الآيات 67  ـ 69].

74 ـ  (ثم قَسَتْ قُلوبُكُم...) القسوة في القلب بمنزلة الصلابة في الحجر. وكلمة (أو) بمعنى: بل. وقد بيّن شدة قسوة قلوبهم بقوله: (وإن من الحجارة لما يتفجر منه...). وقوله: (وإن منها لما يهبط) بيان ثان لكون قلوبهم أقسى من الحجارة، فان الحجارة تخشى الله تعالى، فتهبط من خشيته، وقلوبهم لا تخشى الله تعالى ولا تهابه.

75 ـ  (أفتطمعون أن يؤمنوا...) إلتفات من خطاب بني إسرائيل إلى خطاب النبيّ صلى الله عليه وآله والذين آمنوا، ووضعهم [أي بني اسرائيل] موضع الغيبة، والوجه فيه انه لما قصّ قصّة البقرة، وعدل فيها من خطاب بني إسرائيل إلى غيبتهم، لمكان التحريف الواقع فيها بحذفها من التوراة، اُريد إتمام البيان بالاشارة إلى تحريفهم كتاب الله تعالى، فصرف لذلك وجه الكلام إلى الغيبة.

76، 77 ـ  (وإذا لقوا الذين آمنوا...) المراد بيان موضعين آخرين من مواضع جرائمهم وجهالتهم. احدهما: أنهم ينافقون فيتظاهرون بالايمان صوناً لأنفسهم من الإيذاء والطعن والقتل. وثانيهما: أنهم يريدون تعمية الأمر وإبهامه على الله سبحانه العالم بسرّهم وعلانيتهم، وذلك أن العامة منهم ربما كانوا ينبسطون للمؤمنين فيحدثونهم ببعض ما في كتبهم من بشارات النبيّ صلى الله عليه وآله أو ما ينفع المؤمنين في تصديق النبوة، فكان أولياؤهم ينهونهم مُعللين أن ذلك مما فتح الله لهم، فلا ينبغي أن يُفشى للمؤمنين فيحاجونهم به عند ربهم، كأنهم لو لم يحاجوهم به عند ربهم، لم يطلع الله عليه. وهذا من الجهل بمكان، فرد الله سبحانه عليهم بقوله: (ألم يعلموا أن الله يعلم...).

78 ـ  (ومنهم أميون لا يعلمون...) الأمي: من لا يقرأ ولا يكتب. والأماني: جمع اُمنية وهي الأكاذيب. والمعنى: انهم بين من يقرأ الكتاب ويكتبه فيحرفه، وبين من لا يقرأ ولا يكتب ولا يعلم من الكتاب  إلاّ أكاذيب المحرفين.

79 ـ  (فويل للذين يكتبون...) الويل: الهلكة والعذاب الشديد والخزي وكل ما يحذره الانسان أشد الحذر. والاشتراء: الابتياع. والضمائر في قوله: (فويل لهم ممّا...) إما راجعة إلى بني إسرائيل أو لخصوص المحرفين منهم، وعلى الأول يثبت الويل للأميين منهم أيضاً.

80 ـ  (وقالوا لن تمسّنا النار...) [جاء في مجمع البيان: قالت اليهود (لن تمسنا النار) أي لن تصيبنا  إلاّ أياماً قلائل. فقال الله سبحانه: قل يا محمّد لهم (اتخذتم عند الله عهداً) أي موثقاً انه لا يعذبكم  إلاّ هذه المدة وعرفتم ذلك بوحيه وتنزيله. فإن كان كذلك فالله سبحانه لا ينقض عهده وميثاقه، (أم تقولون على الله) الباطل جهلاً منكم به وجرأة عليه].

81 ـ  (بلى من كسب سيئة...) الخطيئة هي الحالة الحاصلة للنفس من كسب السيئة، ولذلك أتى باحاطة الخطيئة بعد ذكر كسب السيئة. وإحاطة الخطيئة توجب أن يكون الانسان المحاط مقطوع الطريق إلى النجاة. كأن الهداية ـ  لاحاطة الخطيئة به  ـ  لا تجد إليه سبيلاً، فهو من أصحاب النار مخلداً فيها. ولو انه كان في قلبه شيء من الايمان لكانت الهداية والسعادة ممكنتي النفوذ إليه. فإحاطة الخطيئة لا تتحقق  إلاّ بالشرك، ومن جهة أخرى  إلاّ بالكفر وتكذيب الآيات. فكسب السيئة وإحاطة الخطيئة كالكلمة الجامعة لما يوجب الخلود في النار.

82 ـ  (والذين آمنوا وعملوا...) [هذه الآية والتي قبلها] في مقام بيان أن الملاك في السعادة إنما هو حقيقة الايمان والعمل الصالح دون الدعاوى.

83 ـ  (وإذ أخذنا ميثاق...) الميثاق: أخذ للعهد، ولا يكون  إلاّ بالقول. (لا تعبدون  إلاّ الله...) نهي في صورة الخبر، وإنما فعل ذلك دلالة على شدة الاهتمام به، كأن الناهي لا يشك في عدم تحقق ما نهى عنه، ولا يرتاب في أن المكلف المأخوذ عليه الميثاق سوف لا ينتهي عن نهيه فلا يُوقِع الفعل قطعاً، وكذا قوله: (وبالوالدين إحسانا وذي...)، كل ذلك أمر في صورة الخبر، والتقدير: وأحسنوا بالوالدين إحساناً، وذي القربى واليتامى والمساكين. وقد رُتبت موارد الاحسان أخذاً من الأهم والأقرب إلى المهم والأبعد.

84 ـ  (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون...) السفك: الصب. وقوله: (لا تسفكون دماءكم) خبر في معنى الانشاء نظير ما مرّ في قوله: (لا تعبدون  إلاّ الله).

85 ـ  (... تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان...) التظاهر: التعاون. والظهير: العون، مأخوذ من الظهر، لأن العون يلي ظهر الانسان.

 [ورد في مجمع البيان: (ثم أنتم) يا معشر اليهود بعد اقراركم بالميثاق الذي اخذته عليكم (تقتلون انفسكم) أي يقتل بعضكم بعضاً، وقيل معناه تتعرضون للقتل، (وتخرجون فريقاً...) متعاونين عليهم في إخراجكم إياهم. (وإن يأتوكم اسارى تُفادوهم...) أي وانتم مع قتلكم من تقتلون منكم إذا وجدتم أسيراً في أيدي غيركم من اعدائكم تفدونهم. فكيف تستجيزون قتلهم ولا تستجيزون ترك فدائهم].

وقوله تعالى: (أفتؤمنون ببعض الكتاب) معناه: ما هو الفرق بين الاخراج والفدية، حيث اخذتم بحكم الفدية وتركتم حكم الاخراج وهما جميعاً في الكتاب، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض.

86 ـ  (أولئك الذين اشتروا...) [جاء في مجمع البيان: ابتاعوا رياسة الدنيا (بالآخرة) أي رضوا بها عوضاً من نعيم الآخرة. (فلا يخفف عنهم العذاب) لا يُنقص من عذابهم ولا يُهوّن عنهم (ولا هم ينصرون) أي لا ينصرهم أحد في الآخرة فيدفع عنهم بنصرته عذاب الله تعالى].

87 ـ  (ولقد آتينا موسى الكتاب وقفّينا...) التقفية: الإتباع وإتيان الواحد قفأ الواحد. [ذكر في مجمع البيان: (وقفّينا من بعده) أتبعنا من بعد موسى (بالرسل) رسولاً بعد رسول، (وآتينا عيسى بن مريم البينات) أعطيناه المعجزات والدلالات على نبوته من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ونحو ذلك من الآيات الدالة على صدقه وصحة نبوّته، وقال بعضهم: أراد بالبينات الإنجيل. (وأيّدناه بروح القدس) قويناه وأعنّاه بجبريل عليه السلام. (أفكلّما جاءكم رسول...) أكلّما جاءكم رسول من رسلي بغير الذي تهواه أنفسكم تجبرتم وأنفتم من قبول قوله (ففريقاً كذّبتم وفريقاً تقتلون)].

88 ـ  (وقالوا قلوبنا غُلف...) غُلف: جمع أغلف، من الغلاف. أي قلوبنا محفوظة تحت لفائف وأستار وحجب.

89 ـ  (ولمّا جاءهم كتاب...) السياق يدل على ان هذا الكتاب هو القرآن، وعلى وقوع تعرض بهم [أي باليهود] من كفار العرب. (وكانوا من قبل يستفتحون...) يطلبون الفتح عليهم على كفار العرب ببعثة النبيّ صلى الله عليه وآله وهجرته، وأن ذلك الاستفتاح قد استمر منهم قبل الهجرة بحيث ان الكفار من العرب أيضاً يعرفون ذلك منهم. (فلما جاءهم ما عرفوا) عرفوا انه هو [النبيّ] بانطباق ما كان عندهم من الأوصاف عليه (كفروا به...).

90 ـ  (بئسما اشتروا به أنفسهم...) بيان لسبب كفرهم بعد العلم، وان السبب الوحيد في ذلك هو البغي والحسد. والمعنى: انهم كانوا قبل البعثة والهجرة ظهيراً للنبيّ صلى الله عليه وآله ومستفتحاً به وبالكتاب النازل عليه، ثم لما نزل بهم النبيّ صلى الله عليه وآله ونزل عليه القرآن، وعرفوا أنه هو الذي كانوا يستفتحون به وينتظرون قدومه هاج بهم الحسد وأخذهم الاستبكار، فكفروا وأنكروا ما كانوا يذكرونه، كما كانوا يكفرون بالتوراة من قبل، فكان ذلك منهم كفراً على كفر.

91، 92 ـ  (... ويكفرون بما وراءه...) يظهرون الكفر بما وراءه، وإلاّ فهم بالذي اُنزل إليهم وهو التوراة أيضاً كافرون. (قل فلم تقتلون...) السؤال متفرع على قولهم: (نؤمن بما انزل علينا)، والمعنى: لو كان قولكم: نؤمن بما اُنزل علينا حقاً وصدقاً فلم تقتلون أنبياء الله ولِمَ كفرتم بموسى باتخاذكم العجل ولِمَ قلتم عند أخذ الميثاق ورفع الطور: سمعنا وعصينا.

93 ـ  (... واشربوا في قلوبهم العجل...) الإشراب: السقي. والمراد بالعجل: حب العجل. وقد وُضع موضعه للمبالغة، كأنهم قد اُشربوا نفس العجل، وبه يتعلق قوله: (في قلوبهم). ففي الكلام استعارتان، أو استعارة ومجاز.

وقوله تعالى: (قل بئسما يأمركم به إيمانكم) بمنزلة أخذ النتيجة مما أورد عليهم من قتل الأنبياء، والكفر بموسى، والاستكبار بإعلان المعصية. وفيه معنى الاستهزاء بهم.

94 ـ  (قل إن كانت لكم الدار...) لو كانوا صادقين في دعواهم أن السعادة الخالصة الأخروية لهم دون غيرهم من الناس، وجب أن يتمنوا الموت جناناً ولساناً وأركاناً.

95 ـ  (ولن يتمنّوه أبداً...) بما قدمت أيديهم من قتل الأنبياء والكفر بموسى ونقض المواثيق والله عليم بالظالمين.

96 ـ  (ولتجدنّهم أحرص الناس...) كالدليل المبين لقوله تعالى: (ولن يتمنوه أبداً) أي ويشهد على أنهم لن يتمنوا الموت، أنهم أحرص الناس على هذه الحياة الدنيا التي لا حاجب ولا مانع عن تمني الدار الآخرة  إلاّ الحرص عليها والإخلاد إليها. والتنكير في قوله تعالى: (على حياة) للتحقير. وقوله: (ومن الذين أشركوا) الظاهر أنه عطف على الناس، والمعنى: ولتجدنّهم أحرص من الذين أشركوا. (يَوَدُّ أحدهم لو يعمر ألف سنة) أطول العمر وأكثره، فالألف كناية عن الكثرة. (وما هو بمزحزحه من العذاب) وليس أطول العمر بمبعده من العذاب لأن العمر محدود منته إلى أمد وأجل. (والله بصير بما يعملون) البصير: من أسمائه الحسنى، ومعناه: العلم بالمبصرات فهو من شعب إسم العليم.

97 ـ  (قل من كان عدواً لجبريل...) السياق يدل على أن الآية نزلت جواباً عما قالته اليهود، وأنهم تأبّوا واستنكفوا عن الايمان بما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله، وعللوه بأنهم عدو لجبريل النازل بالوحي إليه. فأجاب عن قولهم: أولاً: أن جبريل إنما نزل به على قلبك بإذن الله، لا شأن لجبريل في انزاله، إنّما هو مأمور مطيع. وثانياً: أنّ القرآن مصدِّق لما في أيديهم من الكتاب الحق، ولا معنى للايمان بأمر والكفر بما يصدِّقه. وثالثاً: أن القرآن هدى للمؤمنين به. ورابعاً: أنه بشرى، وكيف يصح لعاقل أن ينحرف عن الهداية ويغمض عن البشرى ولو كان الآتي بذلك عدواً له.

98 ـ  (... فإنّ الله عدو للكافرين) كأنه قيل: فإن الله عدو لهم لأنهم كافرون، والله عدو للكافرين.

99 ـ  (... وما يكفر بها  إلاّ الفاسقون) فيه دلالة على علة الكفر، وأنه الفسق، فهم لكفرهم فاسقون.

100 ـ  (أوَ كلّما عهدوا عهداً نبذه...) النبذ: الطرح.

101 ـ  (ولمّا جاءهم رسول...) المراد به رسول الله صلى الله عليه وآله. والآية تشير إلى مخالفتهم للحق من حيث كتمانهم بشارة التوراة وعدم ايمانهم بمن يُصدِّق ما معهم.

 102ـ  (واتبعوا ما تتلو الشياطين...) يلوح من الآية أن اليهود كانوا يتداولون بينهم السحر وينسبونه إلى سليمان، زعماً منهم أن سليمان عليه السلام إنما ملك الملك وسخر الجن والانس والوحش والطير وأتى بغرائب الأمور وخوارقها بالسحر الذي هو بعض ما في أيديهم، وينسبون بعضه الآخر إلى الملكين ببابل هاروت وماروت. فرد عليهم
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث