مختصر تفسيرالميزان

 
 

14 ـ  (وقد خلقكم أطوارا...) لا ترجون لله وقاراً في ربوبيّة والحال أنه أنشأكم طوراً بعد طور يستعقب طوراً آخر، فأنشأ الواحد منكم تراباً ثمّ نطفة ثم علقة ثمّ مضغة ثم جنيناً ثمّ طفلاً ثمّ شاباً ثمّ شيخاً، وأنشأ جمعكم مختلفة الأفراد في الذكورة والاُنوثة والألوان والهيئات والقوة والضعف إلى غير ذلك، وهل هذا  إلاّ التدبير، فهو مدبر أمْركُم فهو ربّكم.

15 ـ  (ألَم تَروا كيف...) المراد بالرؤية العلم.

16 ـ  (وجعل القمر فيهنّ...) مسوقة لبيان وقوع التدبير الإلهي على الانسان بما يفيض عليه من النعم، حتى تثبت ربوبيته فتجب عبادته.

17 ـ  (والله أنبتكم من...) أنبتكم إنبات النبات، وذلك أن الانسان تنتهي خلقته إلى عناصر أرضية.

18 ـ (ثمّ يعيدكم فيها...) الاعادة فيها بالإماتة والإخراج للجزاء يوم القيامة.

 (571)

19 ـ (والله جعل لكم الأرض...) كالبساط يسهل لكم التقلب من جانب إلى جانب، والانتقال من قطر إلى قطر.

20 ـ (لتسلكوا منها سبلاً...) السبل: جمع سبيل بمعنى الطريق. والفجاج جمع فج بمعنى الطريق الواسعة، وقيل: الطريق الواقعة بين الجبلين.

21 ـ (قال نوح ربِّ...) رجوع منه عليه السّلام إلى شكواه من قومه إلى ربّه، بعد ما ذكر تفصيل دعوته لهم وما ألقاه من القول إليهم. (لم يزده ماله وولده...) إن المال والولد اللّذين هما من نعمتك وكان يجب عليهم شكرهما، لم يزيدهم  إلاّ كفراً وأورثهم ذلك خسراناً من رحمتك.

22 ـ  (ومكروا مكراً كبارا...) الكبار: إسم مبالغة من الكبر.

23 ـ (وقالوا لا تذرن...) توصية منهم بالتمسك بآلهتهم وعدم ترك عبادتها. وود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، خمس من آلهتهم لهم اهتمام تام بعبادتهن.

24 ـ  (وقد أضلّوا كثيراً...) ضمير (أضلّوا) للرؤساء المتبوعين. (ولا تزد الظّالمين  إلاّ ضلالاً) دعاء من نوح على الظالمين أن يجازيهم الله بكفرهم وفسقهم مضافاً إلى ما سيحكي عنه من دعائه عليهم بالهلاك.

25 ـ (ممّا خطيئاتهم اُغرقوا...) من أجل معاصيهم وذنوبهم أغرقوا بالطوفان فادخلوا ـ  أدخلهم الله  ـ ناراً لا يقدر عذابها بقدر. (فلم يجدوا لهم من...) ينصرونهم في صرف الهلاك والعذاب عنهم.

26 ـ  (وقال نوح ربِّ...) الدّيار: نازل الدار، والآية تتمة دعائه عليه السلام عليهم.

27 ـ  (إنّك إن تذرهم...) تعليل لسؤال هلاكهم عن آخرهم مفاده: أن لا فائدة في بقائهم، لا لمن دونهم من المؤمنين، فإنهم يضلونهم، ولا فيمن يلدونه من الأولاد، فإنهم لا يلدون  إلاّ فاجراً كفارا. والفجور: الفسق الشنيع. والكفّار: المبالغ في الكفر.

28 ـ (ربِّ اغفر لي...) المراد بمن دخل بيته مؤمناً: المؤمنون به من قومه. وبالمؤمنين والمؤمنات: عامتهم إلى يوم القيامة. (ولا تزد الظّالمين  إلاّ تبارا) التّبار: الهلاك.

«سورة الجنّ»

بسم الله الرّحمن الرّحيم

1 ـ  (قل اُوحي إليّ...) يا أيّها الرّسول قل للنّاس: اوحي ـ  أي أوحى الله  ـ إلي أنه استمع القرآن جماعة من الجن فقالوا ـ  لقومهم لما رجعوا إليهم  ـ إنا سمعنا كلاماً مقرواً خارقاً للعادة يهدي إلى معارف من عقائد وأعمال، في التلبس بها إصابة الواقع والظفر بحقيقة السعادة.

2 ـ  (وأنّه تعالى جدّ...) فسر الجد بالعظمة وفسّر بالحظ، والآية في معنى التأكيد لقولهم: (ولن نشرك بربّنا أحداً).

4 ـ  (وأنّه كان يقول...) الشطط: القول البعيد من الحق. والآية أيضاً في معنى التأكيد لقولهم: (لن نشرك بربّنا أحداً) ومرادهم بسفيههم: من سبقهم من مشركي الجن.

5 ـ  (وأنّا ظننّا أن لن...) اعتراف منهم بأنهم ظنوا أن الإنس والجن صادقون فيما يقولون ولا يكذبون على الله، فلما وجدوهم مشركين وسمعوهم ينسبون إليه تعالى الصاحبة والولد، أذعنوا به وقلدوهم فيما يقولون، فأشركوا مثلهم، حتى سمعوا القرآن فانكشف لهم الحق، وفيه تكذيب منهم للمشركين من الإنس والجن.

6 ـ (وأنّه كان رجال...) لا يبعد أن يكون المراد بالعوذ بالجن الاستعانة بهم في المقاصد من طريق الكهانة. والمعنى: فزاد رجال الإنس رجال الجن رهقاً بالتجائهم إليهم فاستكبر رجال الجن وطغوا واثموا ويجوز العكس. والمعنى فزاد رجال الجن رجال الإنس رهقاً، أي إثماً وطغياناً أو ذلة وخوفاً.

7 ـ (وأنّهم ظنّوا كما...) ضمير (أنّهم) لرجال من الإنس، والخطاب في (ظننتم) لقومهم من الجن، والمراد بالبعث: بعث الرّسول بالرّسالة، فالمشركون ينكرون ذلك.

8 ـ (وأنّا لمسنا السّماء...) لمس السّماء: الاقتراب منها بالصعود إليها. والحرس ـ  على ما قيل  ـ إسم جمع لحارس، ولذا وصف بالمفرد. والمراد بالحرس الشديد: الحفاظ الاقوياء في دفع من يريد الاستراق منها، ولذا شفع بالشهب في سلاحهم.

9 ـ (وأنّا كنّا نقعد...) إن من يستمع الآن منا بالقعود منها مقعداً للسمع، يجد له شهاباً من صفته أنه راصد له يرميه به الحرس.

10 ـ (وأنّا لا ندري أشرّ...) هذا منهم إظهار للجّهل والتحير فيما شاهدوه من أمر الرجم، ومنع شياطين الجن من الإطلاع على أخبار السّماء، غير أنهم تنبهوا على أن ذلك لأمر ما يرجع إلى أهل الأرض، إما خير أو شر، وإذا كان خيراً فهو نوع هدى لهم وسعادة، ولذا بدلوا الخير وهو المقابل للشر من الرشد، ويؤيده قولهم: (أراد بهم ربّهم) المشعر بالرّحمة والعناية.

11 ـ (وأنّا منّا الصّالحون...) وأنّا منّا الصّالحون طبعاً ومنا غير ذلك، كنا في مذاهب مختلفة، أو ذوي مذاهب مختلفة، أو كالطرق المقطوعة بعضها عن بعض.

12 ـ (وأنّا ظننّا أن لن...) الظنّ: هو العلم اليقيني (لن نعجز الله في الأرض) إعجازه تعالى بالغلبة عليه فيما

 (572)

يشاء فيها وذلك بالإفساد في الأرض (ولن نعجزه هرباً) إعجازه تعالى بالهرب منه إذا طلبهم حتى يفوتوه فلا يقدر على الظفر بهم.

13 ـ (وأنّا لمّا سمعنا...) أنا لمّا سمعنا القرآن الّذي هو الهدى، بادرنا إلى الإيمان به من دون مكث، لأن من آمن به فقد آمن بربه ومن يؤمن بربه فلا يخاف نقصاناً في خير، أو غشياناً من مكروه، حتى يكف عن المبادرة والاستعجال ويتروى في الإقدام عليه، لئلاّ يقع في بخس أو رهق.

14 ـ  (وأنّا منّا المسلمون...) أنّا معشر الجنّ منقسمون إلى من يسلم لأمر الله مطيعين له، وإلى من يعدل عن التسليم لأمر الله وهو الحق. (فمن أسلم فاُولئك تحروا رشداً) فالّذين أسلموا فاولئك قصدوا إصابة الواقع والظفر بالحق.

15 ـ  (وأمّا القاسطون...) فيعذبون بتسعرهم واشتعالهم بأنفسهم كالقاسطين من الإنس.

16، 17 ـ  (وأن لو استقاموا...) وأنّه لو استقاموا أي الجن والإنس على طريقة الإسلام لله، لرزقناهم رزقاً كثيراً لنمتحنهم في رزقهم. (ومن يعرض عن ذكر...) العذاب الصعد: هو الذي يتصعد على المذنب ويغلبه، وقيل: هو العذاب الشاق.

18 ـ  (وأنّ المساجد لله...) التقدير: لا تدعوا مع الله أحداً غيره لأن المساجد له. وعن الإمام الجواد عليه السلام أن المراد بالمساجد: الاعضاء السبعة التي يسجد عليها في الصّلاة وهي الجبهة والكفان والركبتان واصابع الرجلين. والمعنى: واوحي إلى أن أعضاء السجود تختص بالله تعالى فاسجدوا له بها ـ  أو اعبدوه بها  ـ ولا تسجدوا ـ  أو لاتعبدوا  ـ أحداً غيره.

19 ـ  (وأنّه لمّا قام عبد...) اللبد: جمع لبدة المجتمعة المتراكمة والمعنى: وأنه لمّا قام النبيّ صلى الله عليه وآله يعبد الله بالصّلاة، كاد المشركون يكونون بازدحامهم لبداً مجتمعين متراكمين.

20، 21 ـ  (قل إنّما ادعو...) الذي يفيده (سياق ) الآيات الكريمة أنه صلى الله عليه وآله يبين فيها بأمر من ربّه موقع نفسه، بالنسبة إلى ربّه فهو أنه يدعوه ولا يشرك به أحداً وهو قوله: (قل إنّما ادعو ربّي ولا أُشرك به أحداً). وامّا موقعه بالنسبة إليهم فهو أنه بشر مثلهم لا يملك لهم ضراً ولا رشداً أي: أني لا أدعي أني أقدر أن أضركم أو أنفعكم.

22، 23 ـ (قل إنِّي لن يجيرني...) الإجارة: إعطاء الجوار، وحكمه حماية المجير للمجار. والظاهر أن الملتحد: إسم مكان وهو المكان الذي يعدل وينحرف إليه للتحرز من الشر، وقيل: المدخل. ومعنى الآيتين: قل لن يجيرني من الله أحد، فيمنعني منه ولن أجد من دونه مكاناً التجئ إليه،  إلاّ تبليغاً كائناً منه ورسالاته، أي  إلاّ أن امتثل ما أمرني به من التبليغ منه تعالى ببيان أسمائه وصفاته، وإلاّ رسالاته في شرائع الدِّين.

24 ـ (حتّى إذا رأوا...) كقولنا: لا يزالون يستضعفون ناصريك ويستقلون عددهم حتى إذا رأوا ما يوعدون...الخ.

25 ـ  (قل إن أدري...) الأمد: الغاية الّتي ينتهي إليها.

26 ـ  (عالم الغيب فلا يظهر...) هو عالم كل غيب علماً يختص به، فلا يطلع على الغيب وهو مختص به، أحداً من الناس.

27 ـ  (إلاّ من ارتضى...) إستثناء من قوله: (أحداً) فيفيد أن الله تعالى يظهر رسله على من يشاء من الغيب المختص به. (فإنّه يسلك من بين يديه) فإن الله يسلك ما بين الرّسول ومن أرسل إليه، وما بين الرّسول ومصدر الوحي، مراقبين حارسين من الملائكة. ومن المعلوم أن سلوك الرصد من بين يديه ومن خلفه، لحفظ الوحي من كل تخليط وتغيير بالزيادة والنقصان يقع فيه، من ناحية الشياطين بلا واسطة أو معها.

28 ـ  (وليعلم أن قد أبلغوا...) ليتحقق إبلاغ رسالات ربّهم، أي لتبلغ الناس رسالاته تعالى على ما هي عليه من غير تغيّر وتبدّل.

«سورة المزّمِّل»

بسم الله الرّحمن الرّحيم

1 ـ  (يا أيُّها المزّمِّل...) ظاهره أنه صلى الله عليه وآله كان قد تزمل بثوب للنوم، فنزل عليه الوحي وخوطب بالمزمل.

2 ـ  (قُم اللّيل  إلاّ قليلا...) المراد بقيام اللّيل: القيام فيه إلى الصّلاة.

4 ـ  (نصفه أو انقص...) قُم نصف اللّيل أو انقص من النصف قليلاً أو زد على النصف قليلاً، والترديد بين الثلاثة للتخيير فقد خير بين قيام النصف وقيام أقل من النصف بقليل وقيام أكثر منه بقليل. (ورتّل القرآن...) ترتيل القرآن: تلاوته بتبيين حروفه على تواليها. والظاهر أن المراد بترتيل القرآن: ترتيله في الصّلاة، أو المراد به الصّلاة نفسها.

 (573)

5 ـ  (إنّا سنلقي عليك...) المراد بالقول الثقيل: القرآن العظيم، وبه فسره المفسرون.

6 ـ  (إنّ ناشئة اللّيل...) إن حادثة اللّيل، أو الصّلاة في الليل هي أثبت قدماً، أو أشد في مواطاة القلب اللسان، وأثبت قولاً وأصوب، لما أن الله جعل الليل سكناً يستتبع انقطاع الإنسان عن شواغل المعيشة إلى نفسه وفراغ باله.

7 ـ (إنّ لك في النّهار...) إن لك في النّهار مشاغل كثيرة تشتغل بها، لا تدع لك فراغاً تشتغل فيه بالتوجه التام إلى ربّك والانقطاع إليه.

8 ـ  (واذكر اسم ربّك...) أمر بذكر اسم من أسمائه، أو لفظ الجلالة خاصة، وقيل المراد به البسملة. (وتبتّل إليه تبتيلا) من المروي عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام أن التبتّل: رفع اليد إلى الله والتضرع إليه.

9 ـ  (ربّ المشرق والمغرب...) في معنى ربّ العالم كله، فإن المشرق والمغرب جهتان نسبيتان تشملان جهات العالم المشهود كلها. (فاتّخذه وكيلا) في جميع اُمورك.

10 ـ  (واصبر على ما يقولون...) اتخذه وكيلا، ولازم اتخاذه وكيلاً أن تصبر على ما يقولون مما فيه إيذاؤك والاستهزاء بك ورميك بما ليس فيك، وأن تهجرهم هجراً جميلاً. والمراد بالهجر الجميل على ما يعطيه السّياق: أن يعاملهم بحسن الخلق والدعوة إلى الحق بالمناصحة.

11 ـ  (ذرني والمكذِّبين...) المراد بالمكذّبين أولي النّعمة: الكفار المذكورون في الآية السابقة أو رؤساؤهم المتبوعون.

12 ـ  (إنّ لدينا أنكالاً...) الأنكال: القيود.

13 ـ (وطعاماً ذا غصّة...) قال في المجمع: الغصة: تردد اللقمة في الحلق ولا يسيغها آكلها.

14 ـ  (يوم ترجف الأرض...) قال الرّاغب: الرجف الإضطراب الشديد. وفي المجمع: الكثيب: الرمل المجتمع الكثير.

15 ـ (إنّا أرسلنا إليكم...) إشارة إلى تصديق رسالة النبيّ صلّى الله عليه وآله من قبله تعالى وشهادته على أعمالهم بتحملها في الدنيا وتأديتها يوم القيامة.

16 ـ  (فعصى فرعون الرّسول...) إشارة إلى عاقبة أمر فرعون في عصيانه موسى عليه السلام.

17 ـ  (فكيف تتّقون إن...) المراد: إتقاء العذاب الموعود فيه. (يجعل الولدان شيباً) الشيب: جمع أشيب مقابل الشاب، وجعل الولدان شيباً كناية عن شدة اليوم لا عن طوله.

18 ـ  (السّماء منفطر به...) السّماء منشقّة في ذلك اليوم أو بسبب شدّته.

19 ـ  (إنّ هذه تذكرة...) التّذكرة: الموعظة الّتي يذكر بها ما يعمل عليه.

20 ـ  (إنّ ربّك يعلم...) الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وآله. (تقوم أدنى من ثلثي...) المراد أنه يعلم انّك تقوم في بعض الليالي أدنى من ثلثي الليل وفي بعضها نصفه وفي بعضها ثلثه. (وطائفة من الّذين معك) الآية تدل على أن بعضهم كان يقوم الليل كما كان يقومَه النبيّ صلى الله عليه وآله. (والله يقدر اللّيل والنّهار) وكيف لا يعلم وهو الله الذي إليه الخلق والتقدير. (علم أن لن تحصوه...) علمه تعالى بعدم تيسر إحصاء المقدار الذي أُمروا بقيامه من الليل لعامة المكلفين. (فتاب عليكم) توبته تعالى ورجوعه إليهم بمعنى انعطاف الرحمة الالهية عليهم بالتخفيف. (فاقرأوا ما
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث