مختصر تفسيرالميزان

 
 

بربوة...) الربوة: الأرض الجيدة التي تزيد وتعلو في نموها. والطل: أضعف المطر القليل الأثر. والغرض من المثل: ان الانفاق الذي أريد به وجه الله لا يتخلف عن أثره الحسن، فإن العناية الالهية واقعة عليه متعلقة به، وإن كانت مراتب العناية مختلفة لاختلاف درجات النية في الخلوص، واختلاف وزن الاعمال، كما ان الجنة التي في الربوة إذا أصابها المطر لم تلبث دون أن تؤتي اُكلها إيتاءً جيداً، وإن كان إيتاؤها مختلفاً في الجودة باختلاف المطر النازل عليه من وابل وطل.

266 ـ  (أيودّ أحدكم أن تكون...) إذا اجتمع الكبر والذرية الضعفاء، واحترقت الجنة انقطعت الاسباب عنهم عند ذلك، فلا صاحب الجنة يمكنه أن يعيد لنفسه الشباب والقوة أو الأيام الخالية حتى يهيئ لنفسه نظير ما كان هيأها، ولا لذريته قوة على ذلك، ولا رجاء لهم ان ترجع الجنة إلى ما كانت عليه من النضارة والاثمار.

وهذا مثل ضربه الله للذين ينفقون أموالهم ثم يتبعونه منّاً وأذى فيحبط عملهم ولا سبيل إلى إعادة العمل الباطل إلى حال صحته واستقامته. وانطباق المثل على الممثل ظاهر.

267 ـ  (يا أيّها الذين آمنوا أنفقوا...) معنى الآية ظاهر. وإنما بيّن تعالى كيفية مال الانفاق، وانه ينبغي ان يكون من طيّب المال لا من خبيثه الذي لا يأخذه المنفق  إلاّ بإغماض، فإنه لايتصف بوصف الجود والسخاء، بل يُتصور بصورة التخلص، فلا يفيد حباً للصنيعة والمعروف ولا كمالاً للنفس. ولذلك ختمها بقوله: (واعلموا ان الله غني حميد) أي راقبوا في إنفاقكم غناه وحمده، فهو في عين غناه يحمد إنفاقكم الحسن فأنفقوا من طيب المال. أو أنه غني محمود لا ينبغي أن تواجهوه بما لا يليق بجلاله جل جلاله.

268 ـ  (الشيطان يعدكم الفقر...) إن اختياركم الخبيث على الطيب انما هو لخوف الفقر، والجهل بما يستتبعه هذا الانفاق. أما خوف الفقر فهو إلقاء شيطاني ولا يريد الشيطان بكم  إلاّ الضلال والفحشاء، فلا يجوز أن تتبعوه. وأما ما يستتبعه هذا الانفاق فهو الزيادة والمغفرة اللتان ذكرتا لكم في الآيات السابقة، وهو استتباع بالحق لأن الذي يعدكم استتباع الانفاق لهذه المغفرة والزيادة هو الله سبحانه ووعده الحق.

269 ـ  (يؤتي الحكمة من يشاء...) الجملة تدل على ان البيان الذي بيّن الله به حال الانفاق بجميع علله وأسبابه وما يستتبعه من الأثر الصالح في حقيقة حياة الانسان هو من الحكمة، فالحكمة هي القضايا الحقة المطابقة للواقع من حيث اشتمالها بنحو على سعادة الانسان كالمعارف الحقّة الالهية في المبدأ والمعاد.

270 ـ  (وما أنفقتم من نفقة...) ما دعاكم الله سبحانه إليه أو دعوتم أنفسكم إليه بايجابه عليها بالنذر من بذل المال،

 (43)

فلا يخفى على الله، يثيب من أطاعه ويؤاخذ من ظلم.

271 ـ  (إنْ تُبدوا الصدقات...) مدح الله سبحانه كلاً من شقي الترديد (إظهار الصدقات واخفاءه) لكون كل واحد من الشقين ذا آثار صالحة. فأما اظهار الصدقة فإن فيه دعوة عملية إلى المعروف، وتشويقاً للناس إلى البذل والإنفاق. وأما اخفاؤها فإنه حينئذ يكون أبعد من الرياء والمن والأذى، وفيه حفظ لنفوس المحتاجين عن الخزي والمذلة.

272 ـ  (ليس عليك هداهم...) كَأن ما كان يشاهده رسول الله صلى الله عليه وآله من فعال المؤمنين في صدقاتهم من السجايا بالاخلاص من بعضهم، والمن والأذى والتثاقل في انفاق طيب المال من بعض، أوجد في نفسه الشريفة وجداً وحزناً فسلاّه الله تعالى بالتنبيه على أن أمر هذا الايمان الموجود فيهم والهدي الذي لهم إنما هو إلى الله تعالى يهدي من يشاء إلى الايمان وإلى درجاته. (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم) إن ساحة المتكلم الداعي منزهة عن الانتفاع بما يتعقب هذه الدعوة من المنافع، وإنما يعود نفعه إلى المدعوين، فما تنفقوا من خير فلأنفسكم، لكن لا مطلقاً، بل في حال ما تنفقون  إلاّ ابتغاء وجه الله. (وما تنفقوا من خير يُوفَّ...) ان نفع هذا الانفاق المندوب وهو ما يترتب عليه من مثوبة الدنيا والآخرة ليس أمراً وهمياً، بل هو أمر حقيقي واقعي سيوفيه الله تعالى إليكم من غير أن يظلمكم بفقد أو نقص.

273 ـ  (للفقراء الذين اُحصروا...) الحصر: المنع والحبس. والتعفف: التلبس بالعفة. والسيماء: العلامة. والالحاف: الالحاح في السؤال. وفي الآية بيان مصرف الصدقات، وهم الفقراء الذين مُنعوا في سبيل الله، إما عدو أخذ مالهم أو منعهم التعيش بالخروج إلى الاكتساب، أو مرض، أو اشتغال بما لا يسعهم معه الاشتغال بالكسب كطالب العلم وغير ذلك. (يحسبهم الجاهل) الجاهل بحالهم. (لا يسألون الناس إلحافاً) المراد: انهم لا يسألون الناس أصلاً، ولا يبعد ان يكون المراد نفي الالحاف لا أصل السؤال.

274 ـ  (الذين ينفقون أموالهم...) السر والعلانية متقابلان، والتقدير: مسرين ومعلنين. واستيفاء الأزمنة والأحوال في الانفاق للدلالة على اهتمام هؤلاء المنفقين في استيفاء الثواب، وإمعانهم في ابتغاء مرضاة الله وإرادة وجهه.

وقد ورد ان الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام كانت معه أربعة دراهم، فتصدق بواحد ليلاً وبواحد نهاراً وبواحد سراً وبواحد علانية.

275 ـ  (الذين يأكلون الرِّبا...) المراد بخبط الممسوس في قيامه، قيام الربوي في حياته بأمر المعاش كقيام الممسوس الخابط في أمر الحياة. وهذا الخبط الذي يبتلى به المرابي كخبط الممسوس، فان المراباة تضطره أن يختل عنده أصل المعاملة والمعاوضة فلا يفرق بين البيع والربا، فإذا دعي إلى أن يترك الربا ويأخذ بالبيع، أجاب أن البيع مثل الربا لا يزيد على الربا بمزية، فالعادي وغير العادي عنده على حد سواء، ولذلك استدل تعالى على خبط المرابين بما حكاه من قولهم: (انّما البيع مثل الرِّبا). وقوله تعالى: (وأحلّ الله البيع وحرّم الرِّبا) جملة مستأنفة، وهي تدل على الإخبار عن حكم سابق. (فمن جاءه موعظة...) إن من انتهى عن موعظة جاءته فالذي تقدم منه من المعصية سواء كان في حقوق الله أو في حقوق الناس، فإنه لا يؤاخَذ بعينها، لكنه لا يوجب تخلصه من تبعاتها، بل أمره فيها إلى الله إن شاء وضع فيها تبعة كقضاء الصلاة الفائتة وموارد الحدود وغير ذلك مع العفو عن أصل الجرائم بالتوبة، وإن شاء عفا عن الذنب ولم يضع عليه تبعة بعد التوبة.

276 ـ  (يمحق الله الرِّبا...) المحق: نقصان الشيء حالاً بعد حال ووقوعه في طريق الفناء والزوال تدريجاً. والإرباء: الإنماء. والأثيم: الحامل للإثم.

277 ـ  (إن الذين آمنوا وعملوا...) تعليل يُبين به ثواب المتصدقين والمنتهين عما نهى الله عنه من أكل الربا بوجه عام ينطبق على المورد انطباقاً.

278 ـ  (يا أيّها الذين آمنوا اتقوا...) خطاب للمؤمنين وأمرٌ لهم بتقوى الله، وهو توطئة لما يتعقبه من الأمر بقوله:

 (44)

(وذروا ما بقي من الربا) وهو يدل على انه كان من المؤمنين في عهد نزول الآيات من يأخذ الربا، وله بقايا منه في ذمة الناس من الربا، فأمر بتركها، وهدد في ذلك بما سيأتي من قوله:

279 ـ  (فإن لم تفعلوا فأذنوا...) أيقنوا بحرب، أو أعلموا انفسكم باليقين بحرب من الله ورسوله. (وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم...) أي أصول أموالكم الخالصة من الربا لا تَظلمون بأخذ الربا ولا تُظلمون بالتعدي إلى رؤوس أموالكم.

280 ـ  (وإن كان ذو عسرة...) إذا وجد غريم من غرمائكم لا يتمكن من أداء دينه، فأنظروه وامهلوه حتى يكون متمكناً ذا يسار فيؤدي دينه. (وان تصدقوا خيراً...) وإن تضعوا الدين عن المعسر فتتصدقوا به عليه فهو خير لكم إن كنتم تعلمون.

281 ـ  (واتّقوا يوماً ترجعون...) ان أمامكم يوماً ترجعون فيه إلى الله فتوفى كل نفس ما كسبت. وقد قيل: إن هذه الآية آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله.

282، 283 ـ  (يا أيّها الذين آمنوا إذا...) التداين: مداينة بعضهم بعضاً. والإملال والاملاء: إلقاء الرجل للكاتب ما يكتبه. والبخس: النقص والحيف. والسأمة: الملال. والمضارة: من الضرر ويستعمل لما بين الاثنين وغيره. والفسوق: الخروج عن الطاعة. والرهان وقرئ فرُهُن، وكلاهما جمع الرهن: بمعنى المرهون.

والضمير البارز في قوله: (أن يملّ هو فليملل وليّه) فائدته تشريك من عليه الحق مع وليه، فإن هذه الصورة تغاير الصورتين الأوليتين بأن الولي في الصورتين الاوليتين هو المسؤول بالأمر المستقل فيه، بخلاف هذه الصورة فإن الذي عليه الحق يشارك الولي في العمل، فكأنه قيل: ما يستطيعه من العمل فعليه ذلك، وما لا يستطيعه هو فعلى وليه.

وقوله: (أن تضلّ إحداهما) حذر أن تُضل إحداهما.

وفي قوله: (إحداهما الاُخرى) وُضع الظاهر موضع المضمر، والنكتة فيه اختلاف معنى اللفظ في الموضعين. فالمراد من الأول: إحداهما لا على التعيين. ومن الثاني: إحداهما بعد ضلال الاخرى، فالمعنيان مختلفان.

وقوله: (واتقوا الله) أمر بالتقوى فيما ساقه الله إليهم في هذه الآية من الأمر والنهي.

وأما قوله: (ويعلِّمكم الله والله بكل شيء عليم) كلام مستأنف مسوق في مقام الامتنان. كقوله تعالى في آية الإرث: (يبيِّن الله لكم أن تضلّوا) النساء  ـ 176، فالمراد به الامتنان بتعليم شرائع الدين ومسائل الحلال والحرام. ويؤيد ما ذكرنا تكرار لفظ الجلالة ثانياً، فإنه لولا كون قوله: (ويعلِّمكم الله) كلاماً مستأنفاً كان مقتضى السياق أن يقال: يعلمكم، باضمار الفاعل، ففي قوله تعالى: (واتقوا الله ويعلِّمكم الله إنّ الله بكل شيء عليم)، أظهر الاسم أوّلاً وثانياً لوقوعه في كلامين مستقلين، وأظهر ثالثاً ليدل به على التعليل، كأنه قيل: هو بكل شيء عليم لأنه الله.

واعلم ان الآيتين تدلاّن على ما يقرب من عشرين حكماً من أصول أحكام الدين والرهن وغيرهما، والاخبار فيها وفيما يتعلّق بها كثيرة لكن البحث عنها راجع إلى الفقه.

284 ـ  (لله ما في السماوات والأرض...) كلام يدل على ملكه تعالى لعالم الخلق ممّا في السماوات والأرض، وهو توطئة لقوله: (وإن تبدوا ما في أنفسكم...) أي ان له ما في السماوات والأرض ومن جملتها أنتم وأعمالكم وما اكتسبتها

 (45)

نفوسكم، فهو محيط بكم مهيمن على أعمالكم لا يتفاوت عنده كون أعمالكم بادية ظاهرة، أو خافية مستورة فيحاسبكم عليها. (فيغفر لمن يشاء ويعذب...) الترديد بين المغفرة والعذاب لا يخلو من الإشعار بأن المراد بما في النفوس، هي الصفات والأحوال النفسانية السيئة.

285 ـ  (آمن الرسول بما أنزل...) تصديق لايمان الرسول والمؤمنين، وإنما أفرد رسول الله عنهم بالايمان بما أنزل إليه من ربّه ثم الحقهم به، تشريفاً له. وهذا دأب القرآن في الموارد التي تناسب التشريف أن يكرم النبيّ بإفراده وتقديم ذكره، ثم إتباع ذلك بذكر المؤمنين. (كلٌ آمن بالله...) إن ما اُنزل إلى رسول الله، يدعو إلى الايمان وتصديق الكتب والرسل والملائكة، فمن آمن بما اُنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقد آمن بجميع ذلك، كل على ما يليق به. (لا نفرق بين أحد من رسله) حكاية لحالهم من دون توسيط لفظ القول. (وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك...) القوم لما
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث