|
قالوا: سمعنا وأطعنا،
وهو الاجابة بالسمع والطاعة المطلقين فأوفوا الربوبية حقّها، سألوه تعالى حقهم الذي
جعله لهم وهو المغفرة.
286 ـ
(لا يكلِّف الله نفساً...)
كلام جار على سنة الله
الجارية بين عباده: ان لايكلفهم ما ليس في وسعهم من الايمان بما هو فوق فهمهم،
والإطاعة لما هو فوق طاقة قواهم. (ربّنا لا تؤاخذنا...)
استرحموا ربهم وسألوه أن لا يعاملهم معاملة من كان قبلهم من المؤاخذة والحمل
والتحميل، لأنهم علموا بما علّمهم الله أن لا حول ولا قوة إلاّ بالله، وأن لا عاصم
من الله إلاّ رحمته. والنبيّ صلى الله عليه وآله وإن كان معصوماً من الخطأ
والنسيان، لكنه انما يعتصم بعصمة الله ويصان به تعالى، فصح له أن يسأل ربّه ما لا
يأمنه من نفسه، ويدخل نفسه لذلك في زمرة المؤمنين.
(ربّنا ولا تحمل علينا إصراً...) الإصر: الثقل على ما قيل، وقيل هو حبس
الشيء بقهره، وهو قريب من المعنى الأول، فإن في الحبس حمل الشيء على ما يكرهه ويثقل
عليه. (كما حملته على الذين من قبلنا) هم أهل
الكتاب وخاصة اليهود على ما تشير السورة إلى كثير من قصصهم.
(ربّنا ولا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به) المراد بما لا طاقة لنا به: جزاء
السيئات الواصلة إليهم من تكليف شاق لا يتحمل عادة، أو عذاب نازل، أو رجز مصيب
كالمسخ ونحوه. (واعف عنّا واغفر...) المراد من
العفو والمغفرة والرحمة: ما يتعلق بذنوبهم من جهة الخطأ والنسيان ونحوها.
(أنت مولانا فانصرنا...) المولى: الناصر الذي يتولّى أمر المنصور، فإنه من
الولاية بمعنى تولي الأمر. وهذا الدعاء منهم يدل على انهم ما كان لهم بعد السمع
والطاعة لأصل الدين همّ إلاّ في إقامته ونشره والجهاد لاعلان كلمة الحق، وتحصيل
إتفاق كلمة الاُمم عليه.
«سورة آل
عمران»
بسم الله الرّحمن
الرّحيم
1 ـ
(ألم) (قد مرّ
الكلام عن الحروف المقطعة في أوّل سورة البقرة).
2 ـ
(الله لا إله إلاّ هو...)
المراد: بيان قيامه
تعالى أتم القيام على أمر الايجاد والتدبير.
3 ـ
(نزّل عليك الكتاب...)
الباء في قوله:
(بالحق) للمصاحبة، والمعنى: نزّل عليك الكتاب تنزيلاً يصاحب الحق ولا
يفارقه. والمراد من (ما بين يديه): التوراة
والانجيل. والتوراة: كلمة عبرانية بمعنى الشريعة، والإنجيل: لفظ يوناني، وقيل فارسي
معناه البشارة. (وأنزل الفرقان) الفرقان: ما
يفرق به بين الحق والباطل على ما في الصحاح. والفرقان هو الدين الذي يحكم بين الناس
بالعدل مع ما ينضم إليه من المعارف ووظائف العبودية والله أعلم. وقيل: المراد
بالفرقان القرآن.
4 ـ
(إنّ الذين كفروا...)
الانتقام على ما قيل:
مجازاة المسيء على إساءته.
5 ـ
(إنّ الله لا يخفى عليه...)
بيّن أنه عزيز لا يخفى
عليه شيء ظاهر على الحواس ولا غائب عنها.
6 ـ
(هو الذي يصوِّركم...)
ينظم أجزاء وجودكم في
بدء الأمر على نحو يؤدي إلى ما يشاءه في ختمه.
(46)
7 ـ
(هو الذي أنزل عليك...)
المراد بالتشابه: كون
الآية بحيث لا يتعين مرادها لفهم السامع بمجرد استماعها بل يتردد بين معنى ومعنى،
حتى يرجع إلى محكمات الكتاب، فتعين هي معناها وتبينها بياناً، فتصير الآية
المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة. والآية المحكمة محكمة بنفسها. وقد
وصف المحكمات بأنها (اُمّ الكتاب) والاُم بحسب
أصل معناه: ما يرجع إليه الشيء، فالبعض من الكتاب وهنّ المتشابهات ترجع إلى بعض آخر
وهي المحكمات. (فأمّا الذين في قلوبهم زيغ...)
الآية تصف حال الناس بالنسبة إلى تلقي القرآن بمحكمه ومتشابهه، وأن منهم من هو زائغ
القلب فهو يتبع المتشابه ابتغاءً للفتنة والتأويل. ومنهم من هو راسخ العلم مستقر
القلب يأخذ بالمحكم ويؤمن بالمتشابه ولا يتبعه، ويسأل الله أن لا يزيغ قلبه بعد
الهداية. (والراسخون في العلم يقولون...) ظاهر
الكلام أن الواو للاستئناف. والرسوخ: أشدّ الثبات. وهؤلاء لهم علم بالله وبآياته لا
يدخله ريب وشك، فما حصل لهم من العلم بالمحكمات ثابت لا يتزلزل، وإذا وردت عليهم
آية متشابهة، لم يوجب تشابهها اضطراب قلوبهم فيما عندهم من العلم الراسخ.
8 ـ
(ربّنا لا تُزغ قلوبنا...)
التجأوا إلى ربهم
وسألوه أن لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم، وأن يهب لهم من لدنه رحمة تبقي لهم هذه
النعمة.
9 ـ
(ربّنا إنّك جامع الناس...)
هذا منهم بمنزلة
التعليل لسؤال الرحمة، وذلك لعلمهم بأن إقامة نظام الخلقة ودعوة الدين وكدح الانسان
كل ذلك مقدمة لجمعهم إلى يوم القيامة.
10 ـ
(إنّ الذين كفروا لن تُغني...)
إن الذين كفروا وكذّبوا
بآياتنا وزعموا أنّ أموالهم وأولادهم تغنيهم من الله، قد أخطأوا، فلا غنى من الله
سبحانه في وقت ولا في شيء.
11 ـ
(كدأب آل فرعون...)
إنّ آل فرعون كانوا
دائبين على دأب هؤلاء الذين كفروا، في الكفر وتكذيب الآيات، ولا ريب في هذا الخبر،
فإنا كنا حاضرين شاهدين، وقد كذبوا بآياتنا نحن،
(فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب) كرّر لفظ الجلالة للدلالة على أن
كفرهم وتكذيبهم هذا، منازعة ومحاربة مع من له جلال الالوهية ويهون عليه أخذ المذنب
بذنبه، وهو شديد العقاب لأنه الله جل أسمه.
12 ـ
(قل للذين كفروا...)
الحشر: إخراج الجماعة
عن مقرهم بالازعاج. والمهاد: الفراش. وظاهر السياق ان المراد بالذين كفروا: هم
المشركون. وتذكر هذه الآية الغلبة عليهم وحشرهم إلى جهنم.
13 ـ
(قد كان لكم آية في فئتين...)
إنكم أيها المشركون لو
كنتم من اُولي الأبصار والبصائر، لكفاكم في الاعتبار والدلالة على أن الغلبة للحق
وأن الله يؤيد بنصره من يشاء ولا يغلب بمال ولا ولد، ما رأيتموه يوم بدر، فقد كان
المؤمنون مقاتلين في سبيل الله سبحانه، وقد كانوا فئة قليلة لا يبلغون ثلث الفئة
الكافرة، فنصر الله المؤمنين على قلتهم على أعدائه، وكثرّهم في أعينهم فكانوا
يرونهم مثليهم رأي العين، وأيدهم بالملائكة، فلم ينفع المشركين ما كانوا يتعززون به
من أموال وأولاد، ولم يغنهم جمعهم ولا كثرتهم وقوتهم من الله شيئاً.
14 ـ
(زُيِّن للناس حبُّ
الشهوات...) الآية بمنزلة البيان وشرح حقيقة
الحال لما تقدم، إذ يظهر أنهم يعتقدون الاستغناء بالأموال والأولاد من الله سبحانه،
فالآية تبين أن سبب ذلك أنهم انكبوا على حب هذه المشتهيات وانقطعوا إليها عن ما
يهمهم من أمر الآخرة، وقد اشتبه عليهم الأمر، فان ذلك متاع الحياة الدنيا، ليس لها
إلا أنها مقدمة لنيل ما عند الله من حسن المآب، وانما قدر لهم ذلك ليتخذوها وسيلة
إلى الدار الآخرة، ويأخذوا من متاع هذه ما يتمتعون به في تلك.
والمراد من فاعل
التزيين ليس هو الله سبحانه، بل هو الشيطان أو النفس.
15 ـ
(قل أ أُنبِّئكم بخير...)
الآية مسوقة لبيان
قوله: (والله عنده حسن المآب) وقد وُضِع فيها
محل هذه الشهوات الفانية الباطلة، أمور هي خير للانسان لكونها باقية وحسنة حقيقة من
غير بطلان، وهي مجانسة لهذه الشهوات في ما يريده الانسان من خواصها وآثارها، غير
أنها خالية عن القبح والفساد، غير صارفة للإنسان عن ما هو خير منها،
(47)
وهي الجنّة ومطهّرات
الأزواج ورضوان الله تعالى.
16 ـ
(الّذين يقولون ربّنا...)
وصفٌ للمتقين المدلول
عليهم في الآية السابقة. فوصفهم أنهم يقولون: (ربّنا)
وفيه إظهار للعبودية بذكره تعالى بالرّبوبية، واسترحام منه تعالى فيما
يسألونه بقولهم: (إنّنا آمنّا)، والجملة ليست في
مقام الامتنان، بل استنجاز لما وعد الله تعالى عباده أنه يغفر لمن آمن منهم، ولذلك
فرّعوا عليه قولهم: (فاغفر لنا ذنوبنا) بفاء
التفريع.
17 ـ
(الصّابرين الصّادقين...)
وصفهم الله بخمس خصال
لايشذ منها تقوى من متق، الصبر، والصدق، والقنوت وهو الخضوع لله سبحانه ويشمل
العبادات وأقسام النسك، والانفاق وهو بذل المال لمن يستحق، والاستغفار بالاسحار.
18 ـ
(شهد الله أنّه لا إله إلاّ...)
شهد «وهو الله عز اسمه»
على أنّه لا إله إلاّ هو... شهد بهذه الشهادة وهو قائم بالقسط في فعله، حاكم
بالعدل في خلقه. والملائكة يشهدون بانه لا إله إلاّ هو. واُولو العلم يشهدون أنه
لا إله إلاّ هو، يشاهدون من آياته الآفاقية والأنفسية وقد ملأت مشاعرهم ورسخت في
عقولهم.
19 ـ
(إنّ الدِّين عند الله...)
إن الدِّين عند الله
سبحانه واحد لا اختلاف فيه، وهو الاسلام وهو التسليم للحق. وأما اختلاف أهل الكتاب
من اليهود والنصارى في الدين، فلم يكن عن جهل منهم بحقيقة الأمر، وانما حملهم على
ذلك بغيهم وظلمهم من غير عذر، وذلك كفر منهم بآيات الله،
(ومن يكفر بآيات الله فانّ الله سريع الحساب)
يحاسبه سريعاً في دنياه وآخرته، أما في الدنيا فبالخزي وسلب سعادة الحياة عنه، وأما
في الآخرة فبأليم العذاب.
20 ـ
(فإن حاجّوك فقل...)
فإن حاجوك في أمر الدين
فقل: أسلمت وجهي لله ومن اتبعن، فهذا هو الدين ولا حجة بعد الدين في أمر الدين، ثم
سلهم: أأسلموا فإن أسلموا فقد اهتدوا، وليقبلوا ما أنزل الله عليك وعلى من قبلك،
ولا حجّة عليهم ولا مخاصمة بعد ذلك بينكم، وإن تولوا فلا تخاصمهم ولا تحاجهم فلا
ينبغي الخصام في أمر ضروري وهو أن الدين هو التسليم لله سبحانه، وما عليك إلاّ
البلاغ. والمراد بالأميين: المشركين.
21 ـ
(إنّ الّذين يكفرون...)
مضمون الآية منطبق على
أهل الكتاب وخاصة اليهود. وقوله: (يكفرون)،
(ويقتلون) في موضعين للاستمرار، ويدلان على كون
الكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء، وقتل الذين يدعون إلى القسط، دأباً وعادة جارية
فيما بينهم كما يشتمل عليه تاريخ اليهود، فقد قتلوا جمعاً كثيراً وجماً غفيراً من
أنبيائهم وعبادهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكذا النصارى جروا مجراهم.
22 ـ
(أولئك الّذين حبطت أعمالهم...)
دلالة أولاً: على حبط
عمل من قتل رجلاً من جهة أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر. وثانياً: على عدم شمول
الشفاعة له يوم القيامة، لقوله: (وما لهم من ناصرين).
23 ـ
(ألم تَرَ إلى الّذين اُوتوا...)
المراد بالذين أوتوا
نصيباً من الكتاب: أهل الكتاب. ولم يقل: اوتوا الكتاب، ليدل على أن الذي في أيديهم
من الكتاب ليس إلاّ نصيباً منه دون جميعه لأن تحريفهم أذهب كثيراً من أجزائه.
والمراد ـ والله أعلم: أنهم يتولون عن حكم كتاب الله اعتزازاً بما قالوا واغتراراً
بما وضعوه من عند أنفسهم واستغناءً به عن الكتاب.
24 ـ
(ذلك بأنّهم قالوا...)
معناه واضح. واغترارهم
بفريتهم التي افترتها أنفسهم إنما هو لكون المغرورين غير المفترين، وعلى هذا فنسبة
الافتراء التي توسل إليها سابقوهم إلى هؤلاء المغرورين من اللاحقين، لكونهم أمة
واحدة يرضى بعضهم بفعال بعض.
25 ـ
(فكيف إذا جمعناهم...)
انهم يتولون ويعرضون
إذا دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم اغتراراً بما افتروه في دينهم واستكباراً عن
الحق، فكيف يصنعون إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه وهو يوم القضاء الفصل والحكم الحق،
ووفيت كل نفس ما كسبت والحكم حكم عدل وهم لا يظلمون. |