مختصر تفسيرالميزان

 
 

119 ـ  (قال الله هذا يوم...) المراد بالصّدق من الصّادقين: صدقهم في الدنيا فإنه تعالى يعقب هذه الجملة بقوله: (لهم جنّات تجري...) ومن البين أنه بيان لجزاء صدقهم عند الله سبحانه. (رضي الله عنهم ورضوا عنه) رضي الله عنهم بما قدموا إليه من الصدق، ورضوا عن الله بما آتاهم من الثواب.

120 ـ  (لله ملك السّماوات...) اختتمت السورة بهذه الآية الدالة على الملك المطلق، فإن غرض السورة هو حث العباد وترغيبهم على الوفاء بالعهود والمواثيق المأخوذة عليهم من جانب ربّهم، وهو الملك على الاطلاق.

«سورة الأنعام»

بسم الله الرّحمن الرّحيم

1 ـ  (الحمد لله الّذي خلق...) إشارة إلى نظام الكون العام الذي عليه تدبر الأشياء على كثرتها وتفرقها. (ثمّ الّذين كفروا بربّهم يعدلون) ان الله سبحانه بخلقه السّماوات والأرض وجعله الظلمات والنور، متوحد بالألوهية، ومن العجب أن الذين كفروا يعدلون بالله غيره من أصنامهم فيجعلون له أنداداً تعادله بزعمهم.

2 ـ  (هو الّذي خلقكم...) يشير إلى خلقه العالم الإنساني الصغير بعد الاشارة إلى خلق العالم الكبير. (وأجل مسمّى عنده) الأجل المسمى: هو الذي لا يقع فيه تغير وهو الأجل المحتوم الذي لا يتغير ولا يتبدل. (ثمّ أنتم تمترون) المرية: بمعنى الشك والريب.

3 ـ (...يعلم سرّكم وجهركم) السرّ والجهر متقابلان، وهما وصفان للأعمال، فسرّهم: ما عملوه سراً. وجهرهم: ما عملوه جهراً من غير ستر.

4 ـ  (وما تأتيهم من آية...) إشارة إلى أن سجية الاستكبار رسخت في نفوسهم فانتجت فيهم الاعراض عن الآيات الدالة على الحق.

5 ـ  (...فسوف يأتيهم أنباء...) تخويف وإنذار، فإن الّذي يستهزئون به حق، والحق يأبى  إلاّ أن يظهر يوماً ويخرج من حد النبأ إلى حد العيان.

6 ـ  (ألم يروا كم أهلكنا...) قال الرّاغب: القرن: القوم المقترنون في زمن واحد وجمعه قرون. (فأهلكناهم بذنوبهم) دلالة على أن للسيئات والذنوب دخلاً في البلايا والمحن العامة.

7 ـ  (ولو نزلنا عليك...) إشارة إلى أن استكبارهم قد بلغ مبلغاً لا ينفع معه حتى لو أنزلنا كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم فناله حسهم بالبصر والسمع، وتأيد بعض حسهم ببعض، فانهم قائلون حينئذ لا محالة: هذا سحر مبين.

8 ـ  (وقالوا لولا اُنزل...) سؤالهم إنزال الملك إنما كان لأحد أمرين على ما يحكيه الله عنهم:

الأوّل: أن يأتيهم بما يعدهم النبيّ من العذاب، ولا نجيبهم إلى ما سألوه لأنه لو نزل الملك لقضي بينهم ولم ينظروا، وقد شاء الله أن ينظرهم إلى حين، فليخوضوا فيما يخوضون حتى يلاقوا يومهم، وسيوافيهم ما سألوه فيقضي الله بينهم.

الثاني: أن ينزل عليهم الملك ليكون حاملاً لاعباء الرّسالة داعياً إلى الله مكان النبيّ صلى الله عليه وآله أو يكون معه رسولاً مثله. وهذا هو الذي تجيب عنه الآية التالية.

9 ـ  (ولو جعلناه ملكاً...) احتجاج عليهم بانه لو أنزل عليهم ملك بالرسالة لم ينفعهم ذلك في رفع حيرتهم، فإن الله جاعل الملك عندئذ رجلاً يماثل الرّسول البشري، وهم لابسون على أنفسهم معه متشككون، فإنهم لا يريدون بهذه المسألة  إلاّ أن يتخلصوا من الرّسول البشري الّذي هو في صورة رجل ليبدّلوا بذلك شكهم يقيناً وإذا صار الملك على هذا النعت ـ  ولا محالة  ـ فهم لا ينتفعون بذلك شيئاً.

11 ـ  (ولقد استهزئ برسل من قبلك...) كان استهزاؤهم بالرسل، بالاستهزاء بالعذاب الذي كانوا ينذرونهم بنزوله وحلوله، فحاق بهم (أصابهم) عين ما استهزأوا به.

12 ـ  (قل لمن ما في السّماوات...) يأمر النبيّ صلى الله عليه وآله أن يسألهم عمن يملك السّماوات والأرض، وهو الله سبحانه من غير شك فهو المالك لما في السماوات والأرض جميعاً. (كتب على نفسه الرّحمة) أوجب على نفسه الرّحمة وإفاضة النعم وإنزال الخير لمن يستحقه. ولازم كتابة الرحمة على نفسه أن يتم نعمته عليهم بجمعهم ليوم القيامة ليجزيهم بأقوالهم

 (129)

وأعمالهم، فيفوز به المؤمنون ويخسر غيرهم.

13 ـ  (وله ما سكن في اللّيل...) السكون في الليل والنهار: الوقوع في ظرف هذا العالم الطبيعي الذي يدبر أمره بالليل والنهار.

14 ـ  (قل أغير الله أتخذُ...) أمر سبحانه نبيّه صلى الله عليه وآله أن يبين لهم في صورة الاستفهام والسؤال أن الله سبحانه وحده هو الولي للنعمة التي يتنعم بها الانسان وغيره، لأنه هو الرزاق الّذي لا يحتاج إلى أن يرزقه غيره، يُطعم ولا يطعم. والدليل عليه: أنه تعالى هو الذي فطر السّماوات والأرض وأخرجها من ظلمة العدم إلى نور الوجود.

15 ـ  (قل إنّي أخاف...) ظاهر الآية بحسب النظر البسيط إقامة النبيّ صلى الله عليه وآله الحجة في وجوب التوحيد على نفسه بأن الله نهاه عن الشرك، فيجب عليه توحيده ليؤمن من عذاب الآخرة.

16 ـ  (من يصرف عنه...) إن عذابه مشرف على الجميع محيط بالكل لا مخلص عنه  إلاّ برحمته، فعلى كل إنسان أن يخاف من عذاب يومئذ على نفسه ما يخافه النبيّ صلى الله عليه وآله على نفسه.

17 ـ  (وإن يمسسك الله...) الآية توضح بالتصريح أن هناك من الضر ما هو غير عذاب يوم القيامة، يمس اللهُ سبحانه به الانسان، (فيجب على الإنسان) أن يتوجه إليه تعالى في كشفه، وأن من الخير ما يمس الله به الإنسان ولا راد لفضله، ورجاء الخير يوجب على الإنسان أن يتخذه سبحانه إلهاً معبوداً.

18 ـ  (وهو القاهر فوق...) القهر: نوع من الغلبة. والله سبحانه قاهر فوق عباده يمسهم بالضر والخير ويذللهم لمطاوعته.

19 ـ  (قل أي شيء أكبر...) أمر نبيّه صلى الله عليه وآله أن يسألهم عن أكبر الأشياء من حيث الشهادة. والشهادة هي تحمّل الخبر عن نوع من العيان كالإبصار، وأداء ما تحمل كذلك بالأخبار. (قل الله شهيد...) المراد بشهادته تعالى بينه وبينهم: شهادته بنبوّته. (واُوحي إليّ هذا القرآن...) تدل الآية على كون القرآن الكريم حجة من الله وكتاباً له ينطق بالحق على أهل الدّنيا من لدن نزوله إلى يوم القيامة. (أئِنّكم لتشهدون أن...) أمر نبيّه صلى الله عليه وآله أن يسألهم سؤال متعجب منكر: هل يشهدون بتعدد الآلهة. ثمّ أمره أن يخالفهم في الشهادة فينفي عن نفسه الشهادة بما شهدوا به فقال: (قل لا أشهد) أي بما شهدتهم به. ثمّ قال: (قل إنّما هو إله واحد...) شهادة على وحدانيته والبراءة ممّا يدعون له من شركاء.

20 ـ  (الّذين آتيناهم الكتاب...) إخبار عمّا شهد به الله سبحانه في الكتب المنزلة على أهل الكتاب، وعَلِمَه علماء أهل الكتاب مما عندهم من كتب الأنبياء من البشارة بعد البشارة بالنبيّ صلى الله عليه وآله ووصفه بما لا يعتريه شك ولا يطرأ عليه ريب.

21 ـ  (ومن أظلم ممّن افترى...) افتراء الكذب عليه تعالى: إثبات الشريك له ولا شريك له، أو دعوى النبوة، أو نسبة حكم إليه كذباً وابتداعاً. وتكذيب آياته الدالة عليه: فكتكذيب النبيّ الصّادق في دعواه، أو إنكار الدين الحق.

22 ـ  (ويوم نحشرهم جميعاً...) الله سيحشرهم ويسألهم عن شركائهم.

23 ـ  (ثمّ لم تكن فتنتهم...) المراد بالفتنة: الجواب، أي لم يكن جوابهم  إلاّ أن أقسموا بالله على أنهم ما كانوا مشركين.

24 ـ  (انظر كيف كذبوا على أنفسهم...) إنهم سيكذبون على انفسهم ويفقدون ما افتروا به، ولو أفلحوا في ظلمهم وسعدوا فيما طلبوا لم ينجر أمرهم إلى فقد ذلك وإنكاره على أنفسهم.

25 ـ  (ومنهم من يستمع...) الأكنة: جمع كِن وهو الغطاء الذي يكن فيه الشيء ويغطى. والوقر: الثقل في السمع. والأساطير: جمع اسطورة بمعنى الكذب.

26 ـ  (وهم ينهون عنه...) ينهون عن اتباعه. (وإن يهلكون  إلاّ أنفسهم) إنهم كانوا يحسبون أن النهي عن

 (130)

اتباعه والنأي عنه (الابتعاد عنه) إهلاك له وإبطال للدعوة الإلهية، ويأبى الله  إلاّ أن يتم نوره، فهم الهالكون من حيث لا يشعرون.

27 ـ  (ولو ترى إذ وقفوا) بيان لعاقبة جحودهم وإصرارهم على الكفر والاعراض عن آياته تعالى. (يا ليتنا نرد ولا نكذب...) تمنّ منهم للرجوع إلى الدّنيا والانسلاك في سلك المؤمنين ليخلصوا من عذاب النار يوم القيامة.

28 ـ  (بل بدا لهم ما كانوا...) ظهر لهؤلاء المشركين حين وقفوا على النار ما كانوا هم أنفسهم يخفونه في الدنيا، (ولو ردُوا لعادوا...) عادوا إلى سابق شركهم وعنادهم مع الحق.

29 ـ  (وقالوا إن هي  إلاّ حياتنا...) ما الحياة  إلاّ حياتنا الدنيا لا حياة بعدها وما نحن بمبعوثين بعد الممات.

30 ـ  (ولو ترى إذ وقفوا على...) إنهم سيصدقون بما جحدوا، إذ يوقفون على ربهم فيشاهدون عياناً هذا الموقف الذي اخبروا به في الدنيا، وهو أنهم مبعوثون بعد الموت فيعترفون بذلك بعد ما أنكروه في الدنيا. (أليس هذا) البعث الذي أنكرتموه في الدّنيا وهو لقاء الله (بالحقّ قالوا بلى...).

31 ـ  (قد خسر الّذين كذّبوا...) الآية تبين تبعة اخرى من تبعات إنكارهم البعث وهو أن السّاعة ستفاجئهم فينادون بالحسرة على تفريطهم فيها، وتتمثل لهم أوزارهم وذنوبهم وهم يحملونها على ظهورهم وهو أشق أحوال الإنسان وأردأها (ألا ساء ما يزرون) ويحملون من الثقل أو من الذنب أو من وبال الذنب.

32 ـ  (وما الحياة الدّنيا...) بيان حال الحياتين الدّنيا والآخرة (والمقارنة) بينهما.

33 ـ  (قد نعلم انه ليحزنك...) قد نعلم إن قولهم ليحزنك، لكن لا ينبغي أن يحزنك ذلك، فإنه ليس يعود تكذيبهم إليك، لأنك لا تدعو  إلاّ إلينا، وليس لك فيه  إلاّ الرّسالة، بل هم يظلمون بذلك آياتنا ويجحدونها.

34 ـ  (ولقد كُذبت رسل...) هداية له صلى الله عليه وآله إلى سبيل من تقدمه من الأنبياء، وهو سبيل الصبر في ذات الله. (حتّى أتاهم نصرنا) بيان غاية حسنة لصبرهم، وإشارة إلى الوعد الإلهي بالنصر. وفي قوله: (ولا مبدل لكلمات الله) تأكيد لما يشير إليه الكلام السّابق من الوعد وحتم له.

35 ـ  (وإن كان كبر عليك...) لا ينبغي أن يكبر عليك ويشق اعراضهم، فإن الدار دار الإختيار، والدعوة إلى الحق وقبولها جاريان مجرى الاختيار، وإنك لا تقدر على الحصول على آية توجب عليهم الإيمان وتلزمهم على ذلك، فإن الله سبحانه لم يرد منهم الإيمان  إلاّ على اختيار منهم، ولو شاء الله لآمن النّاس جميعاً، فلا تبتئس ولا تجزع باعراضهم فتكون من الجاهلين بالمعارف الإلهية.

36 ـ  (إنّما يستجيب الّذين...) المراد بالّذين يسمعون: المؤمنون. وبالموتى: المعرضون عن استجابة الدعوة.

37 ـ  (وقالوا لولا نزّل...) الآية الّتي كانوا يقترحونها هي آية غير القرآن، فذكر أن الله قادر على أن ينزّل أي آية شاء، وكيف يمكن أن يفرض من هو مسمّى باسم الله ولا تكون له القدرة المطلقة.

38 ـ  (وما من دابة في الأرض...) الخطاب في الآية للناس، وقد ذكر فيها أن الحيوانات هي أمم أمثال النّاس. (ما فرطنا في الكتاب من شيء) لا يوجد أمر يجب رعاية حاله والقيام بواجب حقه وبيان نعته في الكتاب،  إلاّ وقد فعل من غير تفريط، فالكتاب تام كامل.

39 ـ  (والّذين كذّبوا بآياتنا...) يريد تعالى ان المكذبين لآياته محرومون من نعمة السمع والتكلّم والبصر، فهم

 (131)

لصممهم لا يقدرون على أن يسمعوا الكلام الحق وأن يستجيبوا له، ولبكمهم لا يستطيعون أن يتكلموا بالقول الحق ويشهدوا بالتوحيد والرّسالة، ولإحاطة الظلمات بهم لا يسعهم أن يبصروا طريق الحق فيتخذوه طريقاً. (من يشأ الله يضلله) المراد بهم: الّذين كذبوا بآياته.

40 ـ  (قل أرأيتكم إن أتاكم...) في الآية تجديد احتجاج على المشركين وإقامة حجة على بطلان شركهم من وجه، وهو انها تفرض عذاباً آتياً من جانب الله أو إتيان الساعة إليهم، ثمّ تفرض أنهم يدعون في ذلك من يكشف العذاب عنهم، ثمّ تسألهم أنه من الذي تدعونه وتتوجهون إليه بالمسألة إن كنتم صادقين أغير الله تدعون من أصنامكم وأوثانكم أم إياه تدعون؟

41 ـ  (بل إيّاه تدعون...) وهيهات أن تدعوا غيره وأنتم تشاهدون حينئذ أنها (الأصنام والأوثان) محكومة بالأحكام الكونية مثلكم لا ينفعكم دعاؤها شيئاً، فتنسون شركاءكم وتدعون من يرفعها من دونهم وهو الله عز اسمه، فيكشف الله سبحانه ما تدعون كشفه، إن شاء ان يكشفه، وليس هو تعالى بمحكوم على الاستجابة، بل هو القادر على كل شيء في كل حال.

42 ـ  (ولقد أرسلنا إلى أمم...) انّه سبحانه كان يرسل إليهم الرّسل فيذكّرونهم بتوحيد الله سبحانه، ثم يبتليهم بأنواع الشدة والمحن ويأخذهم بالبأساء والضراء، ولكن بمقدار لا يلجئهم إلى التضرع ولا يضطرهم إلى الابتهال، لعلهم يتضرعون إليه بحسن إختيارهم.

43 ـ  (فلو لا إذ جاءهم...) فلم يتضرعوا حين مجيء البأس، ولم يرجعوا إلى ربهم بالتذلل، بل أبت نفوسهم أن تتأثر عنه، وتلهوا باعمالهم الشيطانية الصارفة عن ذكر الله سبحانه.

44 ـ  (فلمّا نسوا ما ذُكروا...) إنهم لمّا نسوا ما ذُكّروا به أو أعرضوا عنه، آتيناهم من كل نعمة استدراجاً، حتى إذا تمّت لهم النعم وفرحوا بما اُوتوا منها أخذناهم فجأة، فانخمدت أنفاسهم ولا حجة لهم لاستحقاقهم ذلك.

45 ـ  (فقُطع دابر القوم...) ان اللوم والسوء في جميع ما حل بهم من عذاب الاستئصال يرجع إليهم لأنهم القوم الّذين ظلموا، ولا يعود إليه تعالى  إلاّ الثناء الجميل لأنه لم يأت في تدبير أمرهم  إلاّ بما تقتضيه الحكمة البالغة.

46 ـ  (قل أرأيتم إن أخذ...) لو سلب الله عنكم سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم، فعل ذلك ولم يعارض أحد من شركائكم، لأنها شفعاء متوسطة لا أضداد معارضة، ولو فعل ذلك وسلب ما سلب، لم يقدر أحد منها أن يأتيكم به. (انظر كيف نصرّف الآيات ثمّ هم يصدفون) تصريف الآيات: تحويلها إلى افهامهم. والصدوف: الاعراض.

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث