مختصر تفسيرالميزان

 
 

78 ـ  (وجاء قومه يهرعون...) لما رآهم تجمعوا على الشر لا يصرفهم عن ذلك مجرد القول بعظة أو إغلاظ في الكلام، أراد أن يصرفهم عنه بتبديل ما يريدون من الفحشاء مما لا معصية فيه من الحلال فعرض بناته عليهم، عرض لهم مسّهن عن نكاح. (أليس منكم رجل رشيد) لعله يجد فيهم ذا رشد انساني فينتصر له وينجيه وضيوفه من أيدي أولئك الظالمين.

79 ـ  (قالوا لقد علمت...) يلفتون نظره عليه السّلام إلى ما يعلم من انتفاء حقهم عن بناته بما هن نساء بحسب السنّة القومية (الجارية بينهم) وما يعلم من إرادتهم في الهجوم على داره.

80 ـ  (قال لو أن...) تمنى أن يكون له منهم قوة يقوى بها على دفع عتاتهم الظالمين أو ركن شديد وعشيرة منيعة ينضم إليها فيدفعهم بها.

81 ـ  (قالوا يا لوط إنا رسل...) قالت الملائكة: إنا رسل ربّك، مرسلون لعذاب القوم وهلاكهم، فانج أنت وأهلك، وسيروا بقطع من هذا الليل واخرجوا من ديارهم فانهم هالكون بعذاب الله صبيحة ليلتهم هذه، ولا كثير وقت بينك وبين الصبح.

82 ـ  (فلمّا جاء أمرنا...) ولما جاء أمرنا بالعذاب وهو أمره تعالى الملائكة بعذابهم، جعلنا عالى أرضهم وبلادهم سافلها، بتقليبها عليهم، وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود.

83 ـ  (مسوّمة عند ربّك...) (إن الحجارة كانت) معلّمة عند ربّك وفي علمه ليس لها أن تخطئ هدفها الذي رميت لأجل إصابته. (وما هي من الظّالمين ببعيد) وليست هذه الحجارة من ظالمي مكة ببعيد. أو المعنى: ليست هذه القرى المخسوفة من ظالمي قومك ببعيد.

84 ـ  (وإلى مدين أخاهم...) مدين: اسم مدينة كان يسكنها قوم شعيب. (ولا تنقصوا المكيال والميزان) في

 (224)

تخصيص نقص المكيال والميزان من بين معاصيهم بالذكر، دلالة على شيوعه بينهم. (إنّي أراكم بخير) اشاهدكم في خير وهو ما أنعم الله تعالى عليكم من المال وسعة الرّزق فلا حاجة لكم إلى نقص المكيال والميزان. (وإنّي أخاف عليكم...) يشير به إلى يوم القيامة أو يوم نزول عذاب الاستئصال.

85 ـ  (ويا قوم أوفوا المكيال...) الايفاء: اعطاء الحق بتمامه. والبخس: النقص. (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) نهي عن الفساد في الأرض من قتل أو جرح أو أي ظلم.

86 ـ  (بقية الله خير لكم...) ان الربح الذي هو بقية إلهية هداكم الله إليه من طريق فطرتكم، هو خير لكم من المال الذي تقتنونه من طريق التطفيف ونقص المكيال والميزان إن كنتم مؤمنين. (وما أنا عليكم بحفيظ) وما يرجع إلى قدرتي شيء مما عندكم من نفس أو عمل أو طاعة أو رزق، فانما أنا رسول ليس عليه  إلاّ البلاغ.

87 ـ  (قالوا يا شعيب أصلاتك...) إنك أردت منّا ما أرادته منك صلاتك، ولست تملكنا أنت ولا صلاتك لأننا أحرار في شعورنا وإرادتنا، لنا أن نختار أي دين شئنا ونتصرف في أموالنا أي تصرف أردنا، فهل هذا  إلاّ سفهاً من الرأي وإنك لأنت الحليم الرشيد.

88 ـ  (قال يا قوم أرأيتم...) أخبروني إن كنت رسولاً من الله إليكم وخصّني بوحي المعارف والشرائع وأيدني بآية بينة تدل على صدق دعواي، فهل أنا سفيه في رأيي وهل في ذلك تحكّم مني عليكم أو سلب مني لحريتكم. (وما أريد أن أخالفكم...) إنه لو كان مريداً ذلك لخالفهم فيما ينهاهم عنه وهو لا يريد مخالفتهم، فلا يريد ما اتهموه به، وإنما يريد الاصلاح ما استطاع.

89 ـ  (ويا قوم لا يجرمّنكم شقاقي...) إحذروا أن يكتسب لكم مخالفتي ومعاداتي بسبب ما ادعوكم إليه، إصابة مصيبة قوم مثل مصيبة نوح أو قوم هود أو قوم صالح. (وما قوم لوط منكم ببعيد) لا فصل كثيراً بين زمانهم وزمانكم.

90 ـ  (واستغفروا ربّكم...) استغفروا الله من ذنوبكم وارجعوا إليه بالإيمان به وبرسوله، إن الله ذو رحمة ومودّة يرحم المستغفرين التائبين ويحبّهم.

91 ـ  (قالوا يا شعيب ما نفقه...) لا نفهم ما تقول ولست قوياً فينا حتى تضطرنا قوتك على الاجتهاد في فهم كلامك والاهتمام بأخذه والسمع والقبول له، فإنا لا نراك فينا  إلاّ ضعيفاً لا يعبأ بأمره، ولولا هذا النفر القليل الذين هم عشيرتك لرجمناك، ولست بقوي منيع جانباً علينا حتى يمنعنا ذلك من قتلك بشرِّ القتل.

92 ـ  (قال يا قوم أرهطي...) كيف تعززون رهطي وتحترمون جانبهم ولا تعززون الله سبحانه ولا تحترمون جانبه وإني أنا الذي أدعوكم إليه من جانبه؟ فهل رهطي أعزّ عليكم من الله؟ وقد جعلتموه نسياً منسياً، وليس لكم ذلك وما كان لكم أن تفعلوه، إن ربي بما تعملون محيط بما له من الاحاطة بكل شيء وجوداً وعلماً وقدرة.

93 ـ  (ويا قوم اعملوا على...) هذا تهديد من شعيب لهم، فليعملوا على ما لهم من القوة والتمكن فلهم عملهم وله عمله فسوف يفاجئهم عذاب مخز يعلمون عند ذلك من هو الذي يأخذه العذاب، ويعلمون من هو كاذب؟ فليرتقبوا وهو معهم رقيب لا يفارقهم.

95 ـ  (كأن لم يغنوا...) غنى في المكان: إذا أقام فيه.

96 ـ  (ولقد أرسلنا موسى...) الظاهر أن المراد بهذه الآيات: الأمور الخارقة التي كانت تجري على يده. والسلطان:

 (225)

البرهان والحجّة القاطعة.

97 ـ  (إلى فرعون وملأه...) الملأ: أشراف القوم وعظماؤهم. (وما اُمر فرعون برشيد) وما أمر فرعون بذي رشد حتى يهدي إلى الحق، بل كان ذا غيّ وجهالة.

98 ـ  (يقدم قومه يوم...) يقدم فرعون قومه فإنهم اتبعوا أمره فكان إماماً لهم من أئمة الضلال، فيوردهم النار.

99 ـ  (واُتبعوا في هذه...) هم اتبعوا أمر فرعون فاتبعتهم لعنة من الله في هذه الدنيا وإبعاد من رحمته وطرد من ساحة قربه. (ويوم القيامة بئس الرفد المرفود) وبئس الرفد (العطية ) رفدهم يوم القيامة وهو النار التي يسجرون فيها.

100 ـ  (ذلك من أنباء...) اشارة إلى ما تقدم من القصص. والحصد: قطع الزرع، شبهها بالزرع يكون قائماً ويكون حصيداً.

101 ـ  (وما ظلمناهم ولكن ظلموا...) أخذناهم فلم يكفهم في ذلك آلهتهم التي كانوا يدعونها من دون الله لتجلب إليهم الخير وتدفع عنهم الشرّ، ولم تغنهم شيئاً لما جاء أمر ربّك وحكمه بأخذهم أو لما جاء عذاب ربّك. (وما زادوهم غير تتبيب) التتبيب: التدمير والاهلاك.

102 ـ  (وكذلك أخذ ربّك...) كما أخذ الله سبحانه هؤلاء الاُمم الظالمة، كذلك يأخذ سائر القرى الظالمة إذا أخذها، فليعتبر بذلك المعتبرون.

103 ـ  (إنّ في ذلك...) الاشارة إلى ما أنبأه الله من قصص تلك القرى الظالمة التي أخذها بظلمها، وفي ذلك آية لمن خاف عذاب الحياة الأخرة.

104 ـ  (وما نؤخِّره إلاّ...) إن لذلك اليوم أجلاً قضى الله أن لا يقع قبل حلول أجله، والله يحكم لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، ولا يؤخر اليوم  إلاّ لأجل يعده، فإذا تم العدد وحل الأجل حق القول ووقع اليوم.

105 ـ  (يوم يأتِ لا تكلم...) يوم يأتي الأجل لا تتكلم نفس بشيء من الكلام  إلاّ بالكلام الذي يصاحب إذنه.

106 ـ  (فأما الّذين شقوا...) كأن في الكلام استعارة. والمراد: انهم يردون أنفاسهم إلى صدورهم ثمّ يخرجونها فيمدونها برفع الصوت بالبكاء والأنين من شدة حر النار وعظم الكربة والمصيبة.

107 ـ  (خالدين فيها ما دامت...) دائمين فيها دوام السماوات والأرض،  إلاّ من شاء الله أن يخرج منها ويدخل في الجنّة.

108 ـ  (وأما الّذين سعدوا...) إن أهل الجنة فيها أبداً  إلاّ أن يخرجهم الله منها لكن العطية دائمية وهم غير خارجين والله لا يشاء ذلك أبداً.

109 ـ  (فلا تك في مرية...) فلا تكن في شك من عبادة قومك، ما يعبد هؤلاء  إلاّ كمثل عبادة أولئك الأمم الهالكة الذين هم آباؤهم، ولا شك أنا سنعطيهم حظهم من الجزاء كما فعلنا ذلك بآبائهم.

110 ـ  (ولقد آتينا موسى...) اشارة إلى اختلاف اليهود في التوراة بعد موسى. (ولولا كلمة سبقت...) يشير إلى أن اختلاف الناس في الكتاب ملتقى قضاءين من الله سبحانه يقتضي أحدهما الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقتضي

 (226)

الآخر أن يمتعهم الله إلى يوم القيامة فلا يجازيهم بأعمالهم، ومقتضى ذلك كله أن يتأخر عذابهم إلى يوم القيامة.

111 ـ  (وإن كلاً لمّا...) وإن كل هؤلاء المختلفين ليوفينهم ويعطيهم ربك أعمالهم أي جزاءهم، إنّه بما يعملون من أعمال الخير والشر خبير.

112 ـ  (فاستقم كما اُمرت...) اثبت على دين التوحيد والزم طريق العبودية من غير تزلزل وتذبذب، وليثبت الذين آمنوا معك، ولا تتعدوا الحد الذي حدّ لكم، لأن الله بصير بما تعملون فيؤاخذكم لو خالفتم أمره.

113 ـ  (ولا تركنوا إلى الذين...) نهى النبيّ صلى الله عليه وآله وامته عن الركون إلى من اتسم بسمة الظلم بأن يميلوا إليهم ويعتمدوا على ظلمهم في أمر دينهم أو حياتهم الدينية.

114 ـ  (وأقم الصّلاة طرفي...) أقم الصّلاة في الصباح والمساء، وفي ساعات من اللّيل هي أقرب من النهار. (ذلك ذكري للذّاكرين) هذا الذي ذكر وهو أن الحسنات يذهبن السيئات على رفعة قدره، تذكار للمتلبسين بذكر الله تعالى من عباده.

115 ـ  (واصبر فإن الله...) المراد: إصبر على أذى قومك في طريق دعوتك إلى الله سبحانه وظلم الظالمين منهم.

116 ـ  (فلولا كان من القرون...) من العجب أنه لم يكن من القرون الماضية مع ما رأوا من آيات الله وشاهدوا من عذابه، بقايا (قوم باقون) ينهون عن الفساد في الأرض،  إلاّ قليلاً ممّن أنجينا من العذاب والهلاك منهم، فإنهم كانوا ينهون عن الفساد. (واتّبع الّذين ظلموا...) بيان حال الباقي منهم بعد الاستثناء، وهم أكثرهم، وعرّفهم بأنهم الذين ظلموا، وبيّن أنهم اتبعوا لذائذ الدنيا التي اترفوا فيها وكانوا مجرمين.

117 ـ  (وما كان ربّك ليهلك...) لم يكن من سنته تعالى إهلاك القرى التي أهلها مصلحون، لأن ذلك ظلم ولايظلم ربّك أحداً.

118 ـ  (ولو شاء ربّك...) إنهم وإن اختلفوا في الدين فإنهم لم يعجزوا الله بذلك، ولو شاء الله لجعل الناس أمّة واحدة لا يختلفون في الدِّين.

119 ـ  (إلاّ من رحم...) إن الناس يخالف بعضهم بعضاً في الحق أبداً،  إلاّ الذين رحمهم الله فإنهم لا يختلفون في الحق ولا يتفرقون عنه. والإشارة بقوله: (ولذلك خلقهم) إلى الرحمة وهي الغاية التي أرادها الله من خلقه ليسعدوا بذلك. (وتمت كلمة ربّك...) حقّت كلمته تعالى وأخذت مصداقها منهم بما ظلموا واختلفوا في الحق من بعدما جاءهم العلم بغياً بينهم. والكلمة هي قوله: (لأملأنّ جهنّم...).

120 ـ  (وكلاًّ نقص عليك...) نقص عليك أنباء الرسل لنثبت به فؤادك ونربط جأشك في ما أنت عليه من سلوك سبيل الدعوة إلى الحق والمحنة من أذى قومك.

121، 122 ـ  (وقل للّذين لا يؤمنون...) يأمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يختم الحجاج معهم فيقول لهم: أما  إذا  لم  تؤمنوا فاعملوا  على ما أنتم عليه من المكانة والمنزلة، وبما تحسبونه خيراً لكم إنا عاملون، وانتظروا ما سيستقبلكم من عاقبة عملكم إنا منتظرون، فسوف تعرفون صدق النبأ الإلهي وكذبه.

123 ـ  (ولله غيب السّماوات...) فاعمل وانتظر أنت ومن تبعك فغيب السماوات والأرض الذي يتضمن عاقبة أمرك وأمرهم إنما يملكه ربك الذي هو الله سبحانه. (فاعبده وتوكّل عليه) فاعبده سبحانه واتخذه وكيلاً في جميع الأمور.

«سورة يوسف»

بسم الله الرّحمن الرّحيم

 (227)

1 ـ  (الر تلك آيات...) الإشارة بلفظ البعيد للتعظيم. والظاهر أن يكون المراد بالكتاب المبين: القرآن. ومن المحتمل ان يكون المراد: اللوح المحفوظ.

2 ـ  (إنّا أنزلناه قرآناً...) إنا جعلنا هذا الكتاب المشتمل على الآيات في مرحلة النزول ملبساً بلباس اللفظ العربي، ليقع في معرض التعقل منك ومن قومك أو أمتك.

3 ـ  (نحن نقص عليك...) نحن نقص عليك أحسن القصص بسبب وحينا هذا القرآن إليك، وإنك كنت قبل اقتصاصنا عليك هذه القصة من الغافلين عنها.

4 ـ  (إذ قال يوسف...) افتتح سبحانه قصته عليه السلام بذكر هذه الرؤيا التي أراها له، وهي بشرى له تمثل له ما سيناله من الولاية الالهية، ويخص به من إجتباء الله إياه وتعليمه تأويل الأحاديث وإتمام نعمته عليه.

5 ـ  (قال يا بني لا تقصص...) قال يعقوب ليوسف عليه السلام: يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فانهم يحسدونك ويغتاظون من أمرك، فيكيدونك عندئذ بنزغ واغراء من الشيطان، وقد تمكن من قلوبهم، فان الشيطان للإنسان عدو مبين.

6 ـ  (وكذلك يجتبيك ربّك...) وكما رأيت في رؤياك يخلصك ربك لنفسه بإنقائك من الشرك فلا يكون فيك نصيب لغيره، ويعلمك من تأويل الأحاديث، وهو ما تؤول إليه الحوادث المصورة في نوم أو يقظة. ويتم نعمته هذه وهي الولاية الالهية بالنزول في مصر واجتماع الأهل والملك والعزة عليك وعلى أبويك وإخوتك. وإنما يفعل ربك بك ذلك لأنه عليم بعباده، خبير بحالهم، حكيم يجري عليهم ما يستحقونه.

7 ـ  (لقد كان في يوسف...) دلالة على أنه كان هناك جماعة سألوا النبيّ صلى الله عليه وآله عن القصة أو عمّا يرجع بوجه إلى القصة فانزلت هذه السورة.

8 ـ  (إذ قالوا ليوسف...) القائلون هم أبناء يعقوب ما خلا يوسف وأخاه، وكانت عدتهم عشرة. (ونحن عصبة) عشرة أقوياء. ويدل (قولهم هذ) على حسدهم وحنقهم (على يوسف وبنيامين) وغيظهم على أبيهم يعقوب في حبه لهما أكثر منهم. (إن أبانا لفي ضلال مبين) يعنون بالضلال: الاعوجاج في السليقة دون الضلال في الدين.

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث