|
24 ـ
(ألم تر كيف ضرب...)
المراد بالكلمة الطيبة
التي شبهت بشجرة طيبة هو الاعتقاد الحق الثابت. فإنه تعالى يقول بعد وهو كالنتيجة
المأخوذة من التمثيل: (يُثبِّت الله الّذين آمنوا
بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة).
فالقول بالوحدانية والاستقامة عليه هو حق القول الذي له أصل ثابت محفوظ وله
فروع نشأت ونمت من عقائد حقّة فرعية وأخلاق زاكية وأعمال صالحة. ثم ختم الله سبحانه
الآية بقوله: (ويضرب الله الأمثال...) ليتذكّر
بها المتذكِّر أن لا محيص لمريد السعادة عن التحقّق بكلمة التوحيد والاستقامة
عليها.
26 ـ
(ومثل كلمة خبيثة...)
هي كلمة الشرك مثلت
بشجرة خبيثة مفروضة اِقتلعت من فوق الأرض ليس لها أصلٌ ثابت وما لها من قرار، وإذ
كانت خبيثة فلا أثر لها إلاّ الضرّ والشرّ.
27 ـ
(يثبت الله الّذين...)
إن الذين آمنوا إذا
ثبتوا على ايمانهم واستقاموا ثبتهم الله عليه في الدنيا والآخرة.
(ويضل الله الظّالمين) ان الله يضل أهل الكفر بحرمانهم من صراط الهداية.
28 ـ
(ألم تر إلى الّذين...)
ألم تنظر إلى الأئمة
والرؤساء من الامم السابقة ومن امتك الذين بدّلوا شكر نعمةِ الله كفراً واتبعهم
قومهم فحلّوا وأحلّوا قومهم دار الهلاكِ وهو الشقاء والنار.
29 ـ
(جهنّم يصلونها وبئس القرار)
الآية تشمل كل امام
ضلال ممن تقدم وتأخر.
30 ـ
(وجعلوا لله أنداداً...)
الأنداد جمع ندّ وهو
المثل وهم الآلهة الذين اتخذوهم آلهة من دون الله من الملائكة والجنّ والاُنس. وقد
كانوا على بصيرة من أمر التوحيد لم يتّخذوا الأنداد عن غفلة أو خطأ، بل عمدوا إلى
ذلك ابتغاء عرض الحياة الدنيا، وليستعبدوا الناس ويستدرّوهم بإضلالهم عن سبيل الله،
ولذلك علّل اتخاذهم الأنداد بقوله: (ليضلّوا عن سبيله).
ثم أمر نبيّه صلى الله عليه وآله أن يوعدهم بالنار التي إليها مرجعهم، لا
مرجع لهم سواها، فقال: (قل تمتّعوا فإنّ مصيركم الى
النار).
31 ـ
(قل لعبادي الّذين...)
أمر تعالى نبيّه صلى
الله عليه وآله أن يأمر عباده الذين آمنوا بالتزام سبيله من قبل أن يأتي يوم
القيامة فلا يسعهم تدارك ما فات منهم من السعادة بشيء من الأسباب الدائرة بينهم،
لذلك وهي ترجع إلى أحد شيئين: أمّا المعاوضة باعطاء شيء وأخذ ما يعادله وهو البيع
بالمعنى الأعمّ، وإمّا الخلّة والمحبّة، ولا أثر من هذه الأسباب في يوم محض للحساب
والجزاء.
32،
33 ـ
(الله الّذي خلقَ...)
اورد في هذه الآية إلى
تمام ثلاث آيات الحجة على اختصاص الربوبية بنفسه تعالى وتقدس من طريق اختصاص
التدبير العام به من نظم الخلقة وانزال الماء واخراج الرزق وتسخير البحار
ـ الفلك ـ والأنهار والشمس والقمر والليل والنهار.
فقوله:
(وأنزل من السّماء ماءً...) المطر النازل منها والذي يعيش به ذوات الحياة من
النبات والحيوان. (وسخّر لكم الفلك) تسخير الفلك
هو جعلها بحيث تنفع الناس في مقاصدهم. (وسخّر لكم
الأنهار) المياه الجارية في مختلف أقطار الأرض.
(وسخّر لكم الشمس والقمر دائبين...)
الدأب: إدامة السير.
34 ـ
(وآتاكم من كل ما سألتموه...)
ان الله تعالى أعطى
النوع الإنساني ما سأله فما من حاجة من حوائجه إلاّ دفع كلها أو بعضها حسب ما
تقتضيه حكمته البالغة.
35،
36 ـ
(وإذ قال إبراهيم...)
والمراد بالأمن الذي
سأله عليه السّلام، الأمن التشريعي دون التكويني فهو يسأل ربّه أن يشرع لأرض مكّة
حكم الحرمة والأمن. (واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام...)
سؤاله عليه السّلام أن يجنبه الله ويبعده وبنيه من عبادة الاصنام والتجأ
إليه تعالى من الاضلال الذي نسبه اليهنّ في قوله: (ربّ
انهن أضللن) أي إنّي إنما أسألُك أن تبعدني وبني عن عبادتهن لانهن أضللن
كثيراً من الناس، إنه عليه السّلام يُلحق الذين اتبعوه من بعده بنفسه وأمّا غير
متّبعيه فيُخلّي بينهم وبين ربّهم الغفور الرحيم.
37 ـ
(ربّنا إنِّي أسكنتُ...)
إنه عليه السّلام إنّما
دعا بهذا الدعاء في أواخر عمره بعد ما بنى الكعبة وبنى الناس بلدة مكّة وعمروها،
(ربّنا ليقيموا الصّلاة) يفيد أنه عليه السّلام
إنما اختار وادياً غير ذي زرع أعزل من أمتعة الحياة ليتمحّضوا في عبادة الله من غير
أن تشغلهم شواغل الدنيا. (فاجعل افئدة من النّاس تهوي
إليهم) تحنّ وتميل إليهم بالمساكنة معهم أو بالحجّ إلى البيت فيأنسوا بهم.
38 ـ
(ربنّا انّك تعلم...)
انك تعلم ما نخفي وما
نعلن لانك الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
39 ـ
(الحمد لله الّذي...)
انه تعالى إنما وهبهما
له باستجابة دعائه للولد فحمد الله على ما وهبهما وأثنى عليه في استجابة دعائه في
ذلك.
40 ـ
(ربِّي اجعلني مقيم...)
دعاء يشترك فيه عليه
السّلام هو وذريته. (ربّنا اغفر لي ولوالدي...)
ختم عليه السّلام دعاءه بطلب المغفرة للمؤمنين يوم القيامة، وفي الآية دليل على أنه
عليه السّلام لم يكن ولد آزر المشرك لصلبه فانه عليه السّلام يستغفر لوالديه وهو
على الكبر وفي آخر عهده، وقد تبرأ من آزر في أوائل عهده.
42 ـ
(ولا تحسبنّ الله غافلاً...)
ولا تحسبنّ الله ولا
تظننّه غافلاً عما يعمل هؤلاء الظالمون، إنما يمهلهم الله ويؤخر عقابهم إلى يوم
تسكن فيه أبصارهم فلا تطرف.
43 ـ
(مهطعين مقنعي رؤوسهم...)
انهم مادّون لأعناقهم
رافعون لرؤوسهم لا يقدرون على ردّ طرفهم وقلوبهم مدهوشة خالية عن كل تحيُّل وتدبير
من شدةِ هولِ يوم القيامة. وفي الآية اِنذار للظالمين وتعزية لغيرهم.
44 ـ
(وأنذرِ النّاس يوم...)
انذار للناس بعذاب
الاستئصال الذي يقطع دابر الظالمين منهم. (أوَ لَم
تكونوا أقسمتم) ألم تكونوا أقسمتم من قبل نزول العذاب ما لكم من زوال، وانكم
بما عندكم من القوة والسطوة ووسائل الدفاع اُمّة خالدة مسيطرة على الحوادث فما لكم
تستمهلون إلى أجل قريب.
45 ـ
(وسكنتم في مساكن...)
أولم تكونوا سكنتم في
مساكن الذين ظلموا انفسهم من الامم السابقة، وظهر لكم أن هذه الدعوة حقة ويتعقبها
لو ردّت عذاب مستأصل.
46 ـ
(وقد مكروا مكرهم...)
تبين لكم كيف فعلنا
بهم، والحال انهم مكروا ما بوسعهم من المكر والله محيط بمكرهم، وان كان مكرهم
عظيماً موجباً لزوال الجبال.
47 ـ
(فلا تحسبنّ الله مخلف...)
إذا كان الأمر كذلك فلا
تحسبن الله مخلفاً لما وعدَ رُسله من نصرهم ومؤاخذة المتخلفين عن دعوتهم، وكيف يخلف
وعده وهو عزيز ذو انتقام شديد.
48 ـ
(يوم تبدّل الأرض...)
الآية تنبئ عن نظام غير
هذا النظام الذي نعهده (وبرزوا لله الواحد القهّار)
فلا يحول بينهم وبينه حائِل فهم بارزون له بروزاً مطلقاً.
49،
50 ـ
(وترى المجرمين يومئذ...)
المقرنين: من التقرين
وهو جمع الشيء إلى نظيره. والأصفاد: جمع الصفد وهو الغل الذي يجمع اليد إلى العنق.
والسرابيل: جمع السربال وهو القميص. والقطران: شيء أسود منتن تطلى به الابِل.
51 ـ
(ليجزي الله كلّ نفس...)
ان الذي تجزى به كل نفس
هو عين ما كسبته من حسنة أو سيئة.
52 ـ
(هذا بلاغ للنّاس...)
البلاغ بمعنى التبليغ
على ما ذكره الرّاغب.
«سورة
الحِجر»
بسم الله الرّحمن
الرّحيم
1 ـ
(الر تلك آيات الكتاب...)
هذه الآيات العالية
منزلة، الرفيعة درجة التي ننزلها إليك، آيات الكتاب الالهي وآيات قرآن عظيم الشأن
فاصل بين الحق والباطل. فالآية تدلُّ على أن الذين كفروا سيندمون على كفرهم ويتمنون
أن لو كانوا مسلمين، بعد انطواء بساط الحياة الدنيا.
3 ـ
(ذرهم ياكلوا ويتمتعوا...)
امرٌ برفع اليد عنهم
وتركهم وما هم فيه من الباطل، وهو كناية عن النهي عن الجدال معهم والاحتجاج عليهم،
لانهم سوف يعلمون ذلك فانّ الحق ظاهر لا محالة.
4،
5 ـ
(وما أهلكنا من قرية...)
لكل اُمة كتابٌ معلوم
عند الله مكتوب فيه أجلهم لا يقدرون أن يستقدموه ولا يستأخروه ساعة.
6 ـ
(وقالوا يا أيّها الّذي...)
كلام خارج مخرج
الاستهزاء، ولذلك خاطبوه صلّى الله عليه وآله لا باسمه، بل بوصف نزول الذكر عليه
كما كان يدعيه.
7 ـ
(لو ما تأتينا بالملائكة...)
هلّا تأتينا بالملائكة
إن كنت صادقاً في دعوى النبوة.
8 ـ
(ما ننزّل الملائكة إلاّ بالحق...)
إنما اقترحوا نزول
الملائكة ليشاهدوهم في صورهم الأصلية حتى يصدّقوا وهذا الحال لا يتمهّد لهم إلاّ
بالموت.
9 ـ
(إنّا نحن نزّلنا الذِّكر...)
نحن أنزلنا هذا الذِّكر
إنزالاً تدريجياً وإنّا له لحافظون بما له من صفة الذِّكر وبما لنا من العناية
الكاملة به.
10،
11 ـ
(ولقد أرسلنا من قبلك...)
الشيع: جمع شيعة وهم
الفرقة المتفقة على سنة أو مذهب يتبعونه.
12،
13 ـ
(كذلك نسلكه في...)
ان حال رسالتك ودعوتك
بالذكر المنزل إليك تشبه حال الرسالة من قبلك، فكما أرسلنا من قبلك رسلاً فقابلوهم
بالردّ والاستهزاء، كذلك ندخل هذا الذكر وننفذه في قلوب هؤلاء المجرمين، وقد مضت
طريقة الاولين وسنتهم في أنهم يستهزئون بالحق ولا يتبعونه.
14،
15 ـ
(ولو فتحنا عليهم...)
ولو فتحنا عليهم باباً
من السماء ويسرنا لهم الدخول في عالمها فداموا يعرجون فيه عروجاً بعد عروج حتى
يتكرر لهم مشاهدة ما فيه من أسرار الغيب وملكوت الأشياء لقالوا إنما غشيت أبصارُنا
فشاهدت أموراً لا حقيقة لها بل نحن قوم مسحورون.
16
ـ
18 ـ
(ولقد جعلنا في السّماء...)
ولقد جعلنا في السماء
بروجاً وقصوراً هي منازل الشمس والقمر وزيناها أي السماء للناظرين بزينة النجوم
والكواكب وحفظناها من كل شيطان رجيم أن ينفذ فيها فيطلع على ما تحتويه من الملكوت،
إلاّ من استرق السمع من الشياطين بالاقتراب منه ليسمع ما يحدث به الملائكة من
أحاديث الغيب المتعلقة بمستقبل الحوادث وغيرها فانه يتبعه شهاب مبين.
19 ـ
(والأرض مددناها والقينا...)
والأرض بسطناها وطرحنا
فيها جبالاً ثابتة لتسكّنها من الميد، وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ـ ثقيل واقع
تحت الجاذبية أو متناسب ـ مقداراً تقتضيه الحكمة.
20 ـ
(وجعلنا لكم فيها...)
وجعلنا لكم معشر البشر
في الأرض أشياء تعيشون بها ممّا تُدام به الحياة ولغيركم من ارباب الحياة مثل ذلك.
(263)
21 ـ
(وإن من شيء...)
هذه الخزائن فوق عالمنا
المشهود لانه تعالى وصفها بانها عنده.
22 ـ
(وأرسلنا الرياح لواقح...)
اللواقح: جمع لاقحة من
اللقح. (فانزلنا من السّماء ماءً فاسقيناكموه)
اشارة إلى المطر النازل من السحاب.
23 ـ
(وإنّا لنحن نحيي...)
يريد بيان رجوع كل
التدبير إليه، (ونحن الوارثون) الباقون بعد
اماتتكم المتصرفون فيما خولناكموه من امتعة الحياة كانه تعالى يقول: الينا تدبير
امركم ونحن محيطون بكم، نحييكم بما لم تكونوا فنحنُ قبلكم، ونميتكم ونرثكُم فنحنُ
بعدكُم.
24 ـ
(ولقد علمنا المستقدمين...)
الآية دالة على علمه
بمن استقدم منهم بالوجود ومن استأخر، أي المتقدمين من الناس والمتأخرين على ما
يفيده السّياق.
25 ـ
(وإنّ ربّك هو يحشرهم...)
هو يحشرهم لا غير فهو
الربّ.
26،
27 ـ
(ولقد خلقنا الإنسان...)
اقسم لقد خلقنا النوع
الانساني من طين قد جفّ بعد أن كان سائلاً متغيراً منتناً، ونوع الجان بدأنا خلقه
من ريح حادة اشتعلت فصارت ناراً.
28 ـ
(وإذ قال ربّك...)
التقدير: واذكر إذ قال
ربّك.
29 ـ
(فإذا سوّيته ونفخت...)
فإذا عدلتُ تركيبه
وأتممتُ صنع بدنه واوجدت الروح الكريم المنسوب إليّ الذي أربط بينه وبين بدنه فقعوا
وخرّوا على الأرض ساجدين له.
30،
31 ـ
(فسجد الملائكة كُلهم...)
المراد أن الملائكة
سجدوا له بحيث لم يبق منهم أحد، وقد استثنى من ذلك ابليس ولم يكن منهم، ومعنى
الآيتين ظاهر.
32 ـ
(قال يا ابليسُ ما لك...)
ما بالك لم تسجد.
33 ـ
(قال لم أكن لاسجد...)
في التعبير بقوله:
(لم اكن لاسجد) دون أن يقول: لا أسجد أو لست أسجد، دلالة على أن الاباء
مقتضى ذاته.
34،
35 ـ
(قال فأخرج منها فانك رجيم...)
الرجيم: من الرجم وهو
الطرد. واللعن: هو الطرد والابعاد من الرحمة.
36 ـ
(قال ربِّ فانظرني...)
الانظار: هو الامهال.
37،
38 ـ
(قال فانّك من المنظرين...)
يوم الوقت المعلوم غير
يوم يبعثون، فلم يسمح له بانظاره إلى يوم يبعثون، بل إلى يوم هو غيره ولا محالة هو
قبل يوم البعث.
39 ـ
(قال ربّ بما اغويتني...)
أتسبب بإغوائك اياي إلى
التزيين لهم واُلقي إليهم ما استقرّ فيّ من الغواية.
40 ـ
(إلاّ عبادك منهم...)
استثنى من عموم الاغواء
طائفة خاصة من البشر وهم المخلصون.
41 ـ
(قال هذا صراط...)
كناية على أنّ الأمر
إليه تعالى لا غنى فيه عنه بوجه.
42 ـ
(إنّ عبادي ليس...)
هذا هو القضاء الذي
أشار سبحانه إليه في الآية السابقة في أمر الاغواء، وذكر أن له وحده ليس لغيره فيه
صنع ولا نصيب.
43 ـ
(وان جهنّم لموعدهُم...)
كأنه تعالى يقول له: ما
ذكرته من السلطان على الغاوين ليس لك من نفسك ولم تعجزنا بل نحن سلطناك عليهم
لاتباعهم لك على أنا سنجازيهم بعذاب جهنم.
44 ـ
(لها سبعة أبواب...)
كون جهنم لها سبعة
أبواب هو كون العذاب المعد فيها متنوعاً إلى سبعة انواع، ثم انقسم كل نوع إنقساماً
حسب انقسام الجزء الداخل الماكث فيه.
45،
46 ـ
(ان المتقين في جنّات...)
انهم مستقرون في جنات
وعيون، يقال لهم: ادخلوها بسلام لا يوصف ولا
(264)
|