|
يكتنه نعته في حال
كونكم آمنين من كل شر وضرّ.
47،
48 ـ
(ونزعنا ما في صدورهم...)
يصف تعالى حال المتقين
في سعادتهم بدخول الجنة، فذكر أنهم في أمن من قبل انفسهم لان الله نزع ما في صدورهم
من غلّ فلا يهم الواحد منهم بصاحبه سوء بل هم إخوان على سرر متقابلين، وانهم في أمن
من ناحية الأسباب والعوامل الخارجية فلا يمسهم نصب أصلاً، وانهم في أمن وسلام من
ناحية ربهم فما هم من الجنة بمخرجين أبداً فلهم السعادة والكرامة من كل جهة.
49،
50 ـ
(نبئ عبادي أني...)
المراد بقوله:
(عبادي) على ما يفيده سياق الآيات مطلق العباد، فليس لأحد أن ييأس من مغفرته
وليس لأحد أن يحقر عذابه.
51 ـ
(ونبئهم عن ضيفِ...)
المراد بالضيف:
الملائكة المكرمون الذين ارسلوا لبشارة إبراهيم بالولد ولهلاك قوم لوط.
52،
53 ـ
(إذ دخلوا عليه...)
نسلم عليك سلاماً. وقول
إبراهيم: (إنّا منكم وجلون) خائفون. وقولهم:
(لا توجل) تسكين لوجله وتأمين له وتطييب لنفسه بانهم رسل ربه، وقد دخلوا
عليه ليبشروه بغلام عليم أي بولد يكون غلاماً وعليما.
54 ـ
(قال أبشرتموني على...)
إني لأعجب من بشارتكم
إياي والحال إني شيخ هرم فنى شبابي وفقدتُ قوى بدني، والعادة تستدعي أن لا يولد لمن
هذا شأنه ولد.
55،
56 ـ
(قالوا بشرناك بالحق...)
ان بشارتنا ملازمة للحق
غير منفكة منه فلا تدفعها بالاستبعاد فتكون من القانطين من رحمةِ الله، وقد قابلهم
إبراهيم عليه السّلام على نحو التكنية فقال: ان القنوط من رحمةِ الله ممّا يختص
بالضالين ولستُ أنا بضال فليس سؤالي سؤال قانط مستبعد.
57 ـ
(قال فما خطبكم...)
الخطب: الأمر الجليل
والشأن العظيم.
58،
59 ـ
(قالوا إنا اُرسلنا...)
جواب الملائكة لسؤال
إبراهيم (قالوا إنا اُرسلنا) من عند الله سبحانه
(إلى قوم مجرمين) نكروهم ولم يسموهم صوناً للسان
عن التصريح باسمهم ثم استثنوا وقالوا: (إلاّ آل لوط)
وهم لوط وخاصته (انا لمنجوهم) مخلصوهم من
العذاب. ثم استثنوا اِمرأة لوط من آله للدلالة على أن النجاة لا تشملها.
61،
62 ـ
(فلما جاء آل لوط...)
إنما قال لهم لوط عليه
السلام ذلك لكونهم ظاهرين بصور غلمان مرد حسان.
63،
64 ـ
(قالوا بل جئناك...)
الامتراء: من المرية
وهو الشك، والمراد بما كانوا فيه يمترون: العذاب الذي كان ينذرهم به لوط وهم يشكون
فيه، والمراد باتيانهم بالحق: اتيانهم بقضاء حق في أمر القوم لا معدل عنه.
65 ـ
(فاسرِ باهلك بقطع من اللّيل...)
يجب عليك أن تسير باهلك
ليلاً وتأخذ أنت وراءهم لئلا يتخلفوا عن السير ولا يتساهلوا فيه ولا يلتفت أحد منكم
إلى ورائه وامضوا حيث تؤمرون.
66 ـ
(وقضينا إليه ذلك...)
وقضينا أمرنا العظيم في
عذابهم موحياً ذلك إلى لوط عليه السلام وهو أن دابر هؤلاء وأثرهم الذي من شأنه أن
يبقى بعدهم من نسل وبناء وعمل مقطوع.
67
ـ
70 ـ
(وجاء أهل المدينة...) (وجاء)
إلى لوط
(أهل المدينة) جمع كثير منهم يريدون أضيافه وهم
(يستبشرون) لولعهم بالفحشاء وخاصة بالداخلين في
بلادهم من خارج فاستقبلهم لوط مدافعاً عن اضيافه (قال
ان هؤلاء ضيفي فلا تفضحون) بالعمل الشنيع بهم
(واتقوا الله ولا تخزون. قالوا)
المهاجمون من أهل المدينة: ألم نقطع عذرك في ايوائهم
(أوَ لم ننهك عن العالمين) أن تؤويهم وتشفع فيهم وتدافع عنهم.
71 ـ
(قال هؤلاء بناتي...)
عرض عليهم بناته، كما
تقدم بيانه في سورة هود.
72
ـ
74 ـ
(لعمرك إنهم لفي...)
اقسم بحياتك وبقائك يا
محمّد انهم لفي سكرتهم، وهي غفلتهم بانغمارهم في الفحشاء والمنكر، يتردّدون
متحيِّرين (فاخذتهم الصّيحة) وهي الصوت الهائل
(مشرقين) حال كونهم داخلين في
(265)
إشراق الصبح، فجعلنا
عالي بلادهم سافلها وفوقها تحتها.
75
ـ
77 ـ
(انّ في ذلك لآيات...)
ان في ذلك أي فيما جرى
من الأمر على قوم لوط وفي بلادهم، لعلامات من بقايا الآثار للمتفرسين، لم تعفُ ولم
تنمحِ بالكلية بعد، ان في ذلك لآية للمؤمنين تدل على حقية الانذار والدعوة.
78،
79 ـ
(وانّ كان أصحاب الأيكة...)
الأيكة: واحدة الأيك
وهو الشجر الملتف بعضه ببعض. وهؤلاء ـ كما ذكروا ـ هم قوم شعيب عليه السّلام أو
طائفة من قومه.
80 ـ
(ولقد كذب أصحاب...)
أصحاب الحجر: هم ثمود
قوم صالح، والحجر: اسم بلدة كانوا يسكنونها.
81 ـ
(وآتيناهم آياتنا فكانوا...)
المراد بالآيات:
المعجزات والخوارق ـ كما هو الظاهر ـ والمراد بها الناقة وشربها وما ظهر لهم بعد
عقرها إلى أن اهلكوا.
82 ـ
(وكانوا ينحتون من...)
كانوا يسكنون الغيران
والكهوف المنحوتة من الحجارة، آمنين من الحوادث الأرضية والسماوية بزعمهم.
83 ـ
(فاخذتهم الصيحة مصبحين)
صيحة العذاب التي كان
فيها هلاكهم.
84 ـ
(فما أغنى عنهم...)
من الأعمال لتأمين
سعادتهم في الحياة.
85،
86 ـ
(وما خلقنا السّماواتِ والأرض...)
ان خلقها جميعاً لا
ينفك عن الحق، (فاصفح الصفح الجميل) إذا كانت
الخلقة بالحق وهناك يوم فيه يحاسبون ويجازون لا ريب فيه فلا تشغل نفسك بما ترى منهم
من التكذيب والاستهزاء واعف عنهم من غير أن تقع فيهم بعتاب أو مناقشة وجدال فان ربك
الذي خلقك وخلقهم هو عليم بحالك وحالهم ووراءهم يوم لا يفوتونه.
87 ـ
(ولقد آتيناك سبعاً...)
السبع المثاني: هي سورة
الحمد.
88 ـ
(لا تمدنّ عينيك...)
لا تتجاوز عن النظر عما
أنعمناك به من النعم الظاهرة والباطنة، إلى ما متعنا به أزواجاً قليلة أو أصنافاً
من الكفار. (ولا تحزن عليهم) من جهة تماديهم في
التكذيب والاستهزاء.
89 ـ
(وقُل إنّي انا النذير...)
لا دعوى لي إلاّ أني
نذير اُنذركم بعذاب الله سبحانه، مبين ابين لكم ما تحتاجون إلى بيانه، وليس لي وراء
ذلك من الأمر شيء.
90 ـ
(كما أنزلنا على المقتسمين)
المراد بالمقتسمين: هم
الذين يصفهم قوله بعد: (في الآية التالية).
91
ـ
93 ـ
(الّذين جعلوا القرآن...)
قوم من قريش جزأوا
القرآن أجزاءً فقالوا: سحر، وقالوا: أساطير الأوّلين، وقالوا: مفترى، وتفرّقوا في
مداخل طرق مكّة أيّام الموسم يصدّون الناس الواردين عن رسول الله صلى الله عليه
وآله. فانزل الله عليهم العذاب وأهلكهم.
94
ـ
96 ـ
(فاصدع بما تؤمر...)
إذا كان الأمر كما
ذكرناه (فاصدع بما تؤمر) واعلن الدعوة وأظهر
الحق (واعرض عن المشركين أنا) أي لاننا
(كفيناك المستهزئين) بانزال العذابِ عليهم وهم
(الّذين يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون).
97 ـ
(ولقد نعلم أنك...)
رجع ثانياً إلى حزنه
صلّى الله عليه وآله وضيق صدره من استهزائهم لمزيد العناية بتسليته وتطييب نفسه
وتقوية روحه.
98،
99 ـ
(فسبح بحمدِ ربّك...)
وصاه سبحانه بالتسبيح
والتحميد والسجدة والعبادة. والمراد باتيان اليقين: حلول الأجل ونزول الموت.
«سورة
النّحل»
بسم الله الرّحمن
الرّحيم
1 ـ
(أتى أمرُ الله...)
المراد بالأمر: ما وعد
الله النبيّ صلّى الله عليه وآله والذين آمنوا، وأوعدَ المشركين مرةً بعد مرة في
كلامه سينصر المؤمنين ويخزي الكافرين.
2 ـ
(ينزل الملائكة بالرّوح...)
ان الله منزّه ومتعال
عن شركهم، ولتنزهه وتعاليه عن الشريك، ينزل سبحانه الملائكة بمصاحبة الروح الذي هو
من سنخ أمره وكلمته في الايحاء ـ أو بسببه ـ على من يشاء من عباده، أن أنذروا أن
لا إله إلاّ أنا فاتقون.
3 ـ
(خلق السّماوات والأرض...)
الخصيم: من الخصومة وهي
الجدال.
5 ـ
(والأنعام خلقها لكم...)
الأنعام: جمع نعم وهي
الابل والبقر والغنم.
6 ـ
(ولكم فيها جمال...)
لكم في الانعام منظر
حسن حين تردّونها بالعشي إلى منازلها وحين تخرجونها بالغداة إلى مراعيها.
7 ـ
(وتحمل اثقالكم إلى...)
ان الانعام كالابل وبعض
البقر تحملُ أمتعتكم الثقيلة إلى بلد ليس يتيسّر لكم بلوغه إلاّ بمشقة تتحملها
أنفسكم، فرفع عنكم المشاق بخلقها وتسخيرها لكم، (ان
ربّكم لرؤوف رحيم).
8 ـ
(والخيل والبغال والحمير...)
والخيل والبغال والحمير
خلقها لتركبوها، (وزينة) انكم تركبونها
وتتخذونها زينةً وجمالاً. (ويخلق ما لا تعلمون)
يخلقُ ما لا علم لكم به من الحيوان وغيره.
9 ـ
(وعلى الله قصد...)
القصدُ: استقامة الطريق
وهو كونه قيماً على سالكيه يوصلهم إلى الغاية. (ومنها
جائر) ومن السبيل ما هو جائر أي مائل عن الغاية، وقد نسب سبحانه قصد السبيل
إلى نفسه دون السبيل الجائر لان سبيل الضلال ليس سبيلاً مجعولاً له وإنما هو الخروج
عن السبيل وعدمُ التلبُّس بسلوكه فليس بسبيل حقيقة. وانما هو عدمُ السبيل.
10 ـ
(هو الّذي أنزل...)
شروع في نوع آخر من
النعم وهي النعم النباتية. (تسيمون) من الاسامة:
وهي رعي المواشي.
11 ـ
(ينبت لكم به...)
لعل التصريح باسماء هذه
الثمرات الثلاث بخصوصها وعطف الباقي عليها لكونها ممّا يقتاتُ بها غالباً.
12 ـ
(وسخّر لكم اللّيل والنّهار...)
تكرر الكلامُ في معنى
تسخير الليلِ والنهار والشمس والقمر والنجوم.
13 ـ
(وما ذرأ لكم في...)
الذرء: الخلق.
14 ـ
(وهو الّذي سخّر...)
هذا فصل آخر من النعم
الالهية وهو نعم البحر. والمراد باكل اللحم الطري من البحر: هو أكلُ لحوم الحيتان
المصطادة منه، وباستخراج حلية تلبسونها: ما يستخرج منه بالغوص من أمثال اللؤلؤ
والمرجان التي تتحلّى وتتزيّن بها النساء. (وترى الفلك
مواخر فيه) تشاهد السفائن تشق ماءه عن اليمين والشمال،
(ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) ولتطلبوا بعض
رزقه في ركوب البحر وإرسالِ السفائن فيه (ولعلّكم
تشكرون) ومن الغايات في تسخير البحر واجراء الفلك فيه شكركم له المرجوّ منكم
إذ هو من زيادته تعالى في النعمة. لعلكم تشكرونه على هذا الزائد.
(267)
15 ـ
(وألقى في الأرض...)
طرح على الأرض جبالاً
ثوابت لئلا تضطرب وتميل يميناً وشمالاً فيختلّ بذلك نظام معاشكم.
(وسبلاً لعلّكم تهتدون) وجعل سبلاً لغاية الاهتداء المرجو منكم.
16 ـ
(وعلامات وبالنّجم...)
وجعل علامات تستدلّون
بها على الأشياء الغائبة عن الحس وهي كل آية وإمارة طبيعية أو وضعية تدلُّ على
مدلولها ومنها الشواخص والنصب واللغات والاشارات وغيرها.
17 ـ
(أفمن يخلق كمن لا يخلق...)
انّ الله سبحانه يخلقُ
الأشياء ويستمر في خلقها فلا يستوي هو ومن لا يخلق شيئاً.
18 ـ
(واِن تعدّوا نعمةَ...)
إشارة إلى كثرة النعم
الألهية كثرة خارجة عن حيطة الاحصاء.
19 ـ
(والله يعلم ما تسرون...)
اشارة إلى الركن الثالث
من أركان الربوبية وهو العلم.
20 ـ
(والّذين يدعون من...)
اشارة إلى فقدان الركن
الأول من أركان الربوبية في آلهتهم الذين يدعون من دون الله ويتفرع عليه الركن
الثاني وهو إيتاء النعمة، فليس الذين يدعونهم آلهة وأرباباً، والله الرّب.
21 ـ
(أمواتُ غير أحياء...)
اشارة إلى فقدان الركن
الثالث من أركان الربوبية في أصنامهم وهو العلم بما يسرّون وما يعلنون.
22 ـ
(الهكم إله واحد...)
الهكم واحد على ما تدل
عليه الآيات الواضحة في دلالتها. فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرةٌ للحق
جاحدةٌ له عناداً وهم مستكبرون عن الانقياد للحق من غير حجة ولا برهان.
23 ـ
(لا جرم أن الله...)
من المحقق ـ أو حق ـ
ان الله يعلم ما يخفونه من أعمالهم وما يظهرونه فيسيجزيهم بما عملوا ويؤاخذهم على
ما أنكروا واستكبروا إنه لا يحب المستكبرين.
24 ـ
(وإذا قيل لهم...)
يمكن أن يكون القائل من
المشركين، ويمكن أن يكون شاكاً متحيراً باحثاً.
25 ـ
(وليحملوا أوزارهم...)
التقدير: قالوا أساطير
الأولين ليضلوهم وهم أنفسهم ضالون فيحملوا أوزار أنفسهم كاملة ومن أوزار أولئك
الذين يضلونهم بغير علم. وتقييده سبحانَه قوله:
(يضلّونهم) بقوله: (بغير علم) للدلالة
على أن الذين أضلهم هؤلاء المشركون الذين قالوا: أساطير الأولين، إنّما ضلّوا
باتباعهم لهم تقليداً وبغير علم فالقائلون أئمة الضلال.
26 ـ
(قد مكر الّذين...)
تهديد للمشركين الذين
كانوا يمكرون بالله ورسوله بتذكيرهم ما فعل الله بالماكرين من قبلهم من مستكبري
الاُمم الماضية.
27 ـ
(ثمّ يوم القيامةِ...)
إن الله سبحانه سيخزيهم
يوم القيامة ويضرب عليهم الذلة والهوان بقوله: أين شركائي الذين كنتم تشاقون أهل
الحق فيهم وتخاصمونهم وتوجدون الاختلاف في دينِ الله.
(قال الّذين اوتوا العلم...) وهؤلاء الذين وصفهم الله بانهم اوتوا العلم، هم
الذين رزقوا العلم بالله وانكشفت لهم حقيقة التوحيد.
28 ـ
(الّذين تتوفاهم الملائكة...)
الكافرون هم الذين
تتوفاهم الملائكة ويقبضون أرواحهم والحال أنهم ظالمون لأنفسهم بكفرهم بالله فالقوا
السلم وقدموا ألخضوع والانقياد مظهرين بذلك أنهم ما كانوا يعملون من سوء، فيردّ
عليهم قولهم ويكذبون ويقالُ لهم: بلى قد فعلتم وعملتم، ان الله عليم بما كنتم
تعملون قبل ورودكم هذا المورد وهو الموت.
29 ـ
(فادخلوا أبوابَ جهنّم...)
ليدخل كل واحد منكم
باباً من جهنم يناسب عمله وموقفه من الكفر.
(268)
30،
31 ـ
(وقيل للّذين اتقوا...)
وقيل للمتقين من
المؤمنين ماذا أنزل ربكم من الكتاب وما شأنه؟ قالوا أنزل خيراً، وكونه خيراً هو إن
للذين أحسنوا في هذه الدنيا مثوبةً وحسنة ولدار الآخرة خيرٌ لهم جزاء. ثمّ مدح
دارهم ليكون تأكيداً للقول فقال: (ولنعم دار المتّقين)،
ثمّ بيّن دار المتقين بقوله: (جناتُ عدن يدخلونها...). |