|
32 ـ
(الّذين تتوفّاهم الملائكة...)
ان المتقين هم الذين
تتوفاهم الملائكة متعرّين عن خبث الظلم ـ الشرك والمعاصي ـ يقولون لهم سلامٌ
عليكم ـ وهو تأمين قولي لهم ـ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ـ وهو هداية لهم
إليها.
33 ـ
(هل ينظرون إلاّ...)
المراد باتيان
الملائكة: نزولهم لعذاب الاستئصال. والمراد باتيان أمر الربّ تعالى: قيام الساعة
وفصل القضاء والانتقام الالهي منهم. (كذلك فعل
الّذين...) الذين من قبلهم مثل فعلهم من الجحود والاستهزاء.
(وما ظلمهم الله ولكن...) الذي نزل بهم من العذاب لم يستوجبه إلاّ الظلم،
غير أن هذا الظلم كان هو ظلمهم أنفسهم لا ظلماً منه تعالى وتقدّس.
34 ـ
(فأصابهم سيّئات ما عملوا...)
حاق بهم: حلّ بهم.
والذي كانوا به يستهزئون: هو العذاب الذي كان رسلهم ينذرونهم به.
35 ـ
(وقال الّذين أشركوا...)
مغزى مرادهم أن عبادتهم
لغير الله وتحريمهم لما حرّموه وبالجملة عامة أعمالهم، لم تتعلّق بها مشيئة من الله
بنهي، ولو تعلّقت لم يعملوها ضرورة. (كذلك فعل الّذين
من قبلهم) على هذا الطريق الذي سلكه هؤلاء سلك الذين من قبلهم.
(فهل على الرّسل إلاّ البلاغ المبين) بلغهم الرسالة بلاغاً مبيناً تتم به
الحجة عليهم، فانما وظيفة الرسل البلاغ المبين.
36 ـ
(ولقد بعثنا في...)
اشارة إلى أن بعث
الرّسول أمر لا تختص به امة دون أمة بل هو سنة إلهية جارية في جميع الناس.
(أن اعبدوا الله...) فما كانت حقيقة بعث الرسول إلاّ أن يدعوهم إلى عبادة
الله واجتناب الطاغوت، (فمنهم من هدى...) كانت
كل من هذه الامم مثل هذه الأمة منقسمة إلى طائفتين فبعضهم هو من هداه الله إلى ما
دعاهم إليه الرّسول من عبادة الله واجتناب الطاغوت، وبعض هذه الامم ـ الطائفة
الثانية منهم ـ هو من حقت عليه الضلالة.
37 ـ
(ان تحرص على هداهم...)
ان تحرص على هداهم لم
ينفعهم حرصك شيئاً فليسوا ممّن يمكن له الاهتداء: فان الله هو الذي يهدي من اهتدى،
وهو لا يهديهم، فانه يضلهم ولا يناقض تعالى فعل نفسه، وليس لهم ناصرون ينصرونهم
عليه.
38 ـ
(وأَقسموا بالله جهد...)
قال في المجمع: بلغوا
في القسم كل مبلغ. وقولهم: (لا يبعث الله من يموت)
إنكارهم للحشر. (بلى وعداً عليه حقاً)
ليس الأمر كما يقولون بل يبعث الله من يموت وعده وعداً ثابتاً عليه حقاً.
(ولكن أكثر النّاس لا يعلمون) لا يعلمون انه من الوعد الذي لا يخلف والقضاء
الذي لا يتغير.
39 ـ
(ليبين لهم الّذي...)
ان الكافرين إنما
يعلمون أنهم كانوا كاذبين في نفي المعاد من جهة تبين الاختلاف الذي ظهر بينهم وبين
الرسل، بسبب اثبات المعاد ونفيه، وظهور المعاد لهم عياناً.
40 ـ
(إنّما قولنا لشيء...)
انه تعالى يسمّي أمره
قولاً كما يسمى أمره وقوله من حيث قوته واحكامه وخروجه عن الابهام وكونه مراداً
حكماً وقضاء.
(269)
41 ـ
(والّذين هاجروا في الله...)
وعد جميل للمهاجرين
والمراد بكون المهاجرة في الله ان يكون طلب مرضاته محيطاً بهم في مهاجرتهم لا
يخرجون منه إلى غرض آخر.
42 ـ
(الّذين صبروا وعلى...)
(وصف) المهاجرين بالصبر والتوكل.
43 ـ
(وما أرسلنا من...)
بيان أن الرّسل كانوا
رجالاً من البشر (فاسألوا أهل الذكر...) ارشاد
إلى أصل عام عقلاني وهو وجوب رجوع الجاهل إلى أهل الخبرة،
(بالبيّنات والزبر) أرسلناهم بالبينات والزبر وهي الآيات الواضحة الدالة على
رسالتهم والكتب المنزلة عليهم. (وأنزلنا إليك
الذّكر...) إنما اخترناك لتوجيه والقاء القول لامرين: أحدهما: أن تبين للناس
ما نزل تدريجاً إليهم. والثاني: رجاء أن يتفكروا فيك فيتبصّروا ان ما جئت به حق من
عند الله.
45 ـ
(أفأمن الّذين مكروا...)
فإذا دلّت الآيات
البينات على أن الله هو ربهم لا شريك له في ربوبيته وان الرسالة ليست بامر محال،
فهؤلاء الذين يعرضون عن ذلك ويمكرون بالله ورسله هل أمنوا أن يخسف الله بهم الأرض
أو يأتيهم العذاب وهم لا يشعرون، أي يفاجئهم من غير أن ينتبهوا بتوجهه إليهم قبل
نزوله.
46 ـ
(أو يأخذهم في تقلبهم...)
التقلب: هو التحول من
حال إلى حال، والمراد به: تحول المشركين في مقاصدهم واعمالهم السيئة وانتقالهم من
نعمة إلى نعمة اخرى من نعم الحياة الدنيا، والمعنى: يعذبهم بنفس ما يتقلبون فيه
فتعود النعمة نقمة، (فما هم بمعجزين) ليسوا
بمعجزين لله فيما أراد.
47 ـ
(أو يأخذهم على تخوف...)
الأخذ على تخوف: هو
العذاب مبنياً على المخافة بان يشعروا بالعذاب فيتقوه ويحذروه بما استطاعوا من توبة
وندامة ونحوهما.
48 ـ
(أوَ لم يروا إلى...)
أولم ينظروا
(إلى ما خلق الله من شيء) من هذه الاجسام
القائمة على بسيط الأرض من جبل أو بناء أو شجر أو أي جسم منتصب
(يتفيأ) ويرجع ويدور
(ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله) واقعة على الأرض تذللاً وتعبداً له
سبحانه (وهم داخرون) خاضعون صاغرون.
49 ـ
(ولله يسجد ما في...)
له يخضع وينقاد خضوعاً
وانقياداً ذاتياً.
50 ـ
(يخافون ربّهم من...)
مخافتهم هي تأثرهم
الذاتي عمّا يشاهدونه من مقام ربّهم ولا يغفلون عنه قط.
51 ـ
(وقال الله لا تتخذوا...)
لا تتخذوا إلهين اثنين:
إله الخلق وإله التدبير الذي له العبادة إنما هو، أي الاله إله واحد له الخلق
والتدبير جميعاً.
52 ـ
(وله ما في السّماوات...)
قال في المفردات:
الواصب: الدائم أي حق الإنسان أن يطيعه دائماً في جميع أحواله.
53 ـ
(وما بكم من نعمة...)
ان جميع النعم التي
عندكم من أنعامه تعالى عليكم وانتم تعلمون ذلك ثمّ إذا حلّ بكم شيء من الضرّ وسوء
حال يسير رفعتم أصواتكم بالتضرع وجأرتم إليه لا إلى غيره ولو كان لغيره صنيعة عندكم
لتوجهتم إليه فهو سبحانه منعم النعمة وكاشف الضرّ فما بالكم لا تخصونه بالعبادة ولا
تطيعونه.
54 ـ
(ثمّ إذا كشف الضرّ...)
شروع في ذمهم وتوبيخهم.
55 ـ
(ليكفروا بما آتيناهم...)
انهم إنما يشركون بربهم
ليكفروا بما أعطيناهم من النعمة بكشفِ الضر عنهم ولا يشكروه.
56 ـ
(ويجعلون لما لا يعلمون...)
ويجعل المشركون لالهتهم
التي لا يعلمون من حالها أنها تفتر وتنفع نصيباً ممّا رزقناهم.
57 ـ
(ويجعلون لله البنات...)
عتاب آخر لهم في حكم
حكموا به جهلاً من غير علم فاحترموا لأنفسهم وأساؤا الأدب، مجترئين على الله
سبحانه، حيث اختاروا لأنفسهم البنين وكرهوا البنات، لكنّهم نسبوها إلى الله سبحانه.
58 ـ
(وإذا بشر أحدهم...)
ينسبون إلى ربّهم
البنات والحال أنهم إذا بشر أحدهم بالانثى فقيل: ولدت لك بنت، اسود وجهه من الغيظ
وهو يتجرع غيظه.
(270)
59 ـ
(يتوارى من القوم...)
يستخفي هذا المبشر
بالبنت من القوم، من سوء ما بشر به على عقيدته ويتفكر في أمره: أيمسك ما بشربه وهي
البنت على ذلة من امساكه وحفظه، أم يخفيه في التراب كما كان ذلك عادتهم في المواليد
من البنات. (ألا ساء ما يحكمون) هو حكمهم أن له
البنات ولهم البنون لا لهوان البنات وكرامة البنين في نفس الأمر، بل معنى هذا الحكم
عندهم أن يكون لله ما يكرهون ولهم ما يحبون.
60 ـ
(للّذين لا يؤمنون...)
ان عدم الإيمان بالآخرة
واستخفاف أمر الحساب والجزاء، هو مصدرُ كل عمل سيّء ومورده فكل مثل سوء وصفة قبح
يلزم الإنسان ويلحقه فانما يأتيه من قبل نسيان الأخرة، كما أن كل مثل حسن وصفة حمد
بالعكس من ذلك. (ولله المثل الأعلى) لله المثل
الذي هو أعلى دون المثل الذي هو سيّء، ودون المثل الذي هو حسن عال من صفات الكمال
الذي تتصف به الممكنات وليس باعلى.
61 ـ
(ولو يؤاخذ الله...)
ولو أخذ الله الناس
بظلمهم مستمراً على المؤاخذة ما ترك على الأرض من انسان يدب ويتحرّك.
(ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمّى) فلا يعاجل في مؤاخذتهم ولكن يؤخرهم إلى أجل
مسمى.
62 ـ
(ويجعلون لله ما يكرهون...)
عود إلى نسبة المشركين
إليه تعالى البنات واختيارهم لأنفسهم البنين وهم يكرهون البنات ويحبون البنين،
(وتصف ألسنتهم الكذب) تخبر السنتهم الخبر الكاذب
وهو (أن لهم الحسنى) العاقبة الحسنى من الحياة
وهي أن يخلفهم البنون.
63 ـ
(تالله لقد أرسلنا...)
تالله لقد أرسلنا رسلنا
إلى امم من قبلك، كاليهود والنصارى والمجوس ممن لم ينقرضوا كعاد وثمود، فزين لهم
الشيطان أعمالهم فاتبعوه واعرضوا عن رسلنا، فهو وليهم اليوم وهم متفقون على الضلال
ولهم يوم القيامة عذاب أليم.
64 ـ
(وما أنزلنا عليك...)
هذا حال الناس في
الاختلاف في المعارف الحقة والاحكام الإلهية، وما أنزلنا عليك الكتاب إلاّ لتكشف
لهؤلاء المختلفين الحق الذي اختلف فيه فيتم لهم الحجّة، وليكون هدىً ورحمة لقوم
يؤمنون يهديهم الله به إلى الحق ويرحمهم بالايمان به والعمل.
65 ـ
(والله أنزل من...)
يريد انبات الأرض بعدما
انقطعت عنه بحلولِ الشتاء، بماءِ السماء الذي هو المطر.
66 ـ
(وان لكم في...)
لكم في الابل والبقر
والغنم لأمراً أمكنكم أن تعتبروا به وتتعظوا. (من بين
فرث ودم) نسقيكم ممّا في بطونه لبناً خارجاً من بين فرثِ ودم خالصاً غير
مختلط.
67 ـ
(ومن ثمراتِ النّخيل...)
تتخذون ممّا ذكر من
ثمراتِ النخيل والاعناب ما هو مسكر كالخمر بانواعها ورزقاً حسناً كالتمر والزبيب
والدبس وغير ذلك ممّا يقتاتُ به. ولا دلالة في الآية على إباحة استعمال المسكر ولا
على تحسين استعماله، ان لم تدل على نوع من القبيحة من جهة مقابلته بالرّزق الحسن،
وهي مكية تخاطب المشركين وتدعوهم إلى التوحيد.
68،
69 ـ
(وأوحى ربّك إلى النّحل...)
الهمه من طريق غريزته
التي أودعها في بنيته، وأمر النحل وهو زنبور العسل وهو في حياته الاجتماعية ومسيرته
وصنعته لعجيب.
70 ـ
(والله خلقكم ثمّ يتوفّاكم...)
والله خلقكم معشر الناس
ثمّ يتوفاكم في عمر متوسط ومنكم من يُردُّ إلى سنِّ الهرم وينتهي إلى أن لا يعلم
بعد علم شيئاً لضعف القوى، وهذا آية أن حياتكم وموتكم وكذا شعوركم وعلمكم ليست
بايديكم وإلاّ اخترتم البقاء على الوفاة، والعلم على عدمه بل ذلك على ما له من عجيب
النظام مُنته إلى علمه وقدرته تعالى، ولهذا علّله بقوله:
(إنّ الله عليم قدير).
71 ـ
(والله فضّل بعضكم...)
والله فرق بينكم بأن
فضل بعضكم على بعض في الرزق، فبعضكم حرّ مستقل في التصرّف فيه، وبعضكم عبد تبع له
لا يتصرّف إلاّ عن إذن، فليس الذين فضّلوا برادّي رزقهم الذي رزقوه على سبيل
الحرية والاستقلال على ما ملكت أيمانهم حتى يكون هؤلاء المفضلون والمفضل عليهم في
الرّزق سواء، فليسوا سواء بل هي نعمة
تختص بالمفضلين
أفبنعمةِ الله يجحدون؟
(271)
72 ـ
(والله جعل لكم...)
والله جعل لكم من
أنفسكم أزواجاً تألفونها وتأنسون بها، وجعل لكم من أزواجكم بالإيلاد بنيناً وحفدة
وأعواناً تستعينون بخدمتهم على حوائجكم وتدفعون بهم عن أنفسكم المكاره، ورزقكم من
الطيبات وهي ما تستطيبونه من أمتعة الحياة. ثم وبّخهم بقوله:
(أفبالباطل) وهي الأصنام والأوثان ومن ذلك القول بالبنات لله، والأحكام التي
يشرعها لهم أئمتهم أئمة الضلال (يؤمنون وبنعمةِ الله هم
يكفرون) والنعمة هي جعل الأزواج من أنفسهم وجعل البنين والحفدة من أزواجهم
فان ذلك من أعظم النعم وأجلاها.
73 ـ
(ويعبدون من دون الله...)
يكفرون بنعمةِ الله
ويعبدون من دون الله ما لا يملك...الخ.
74 ـ
(فلا تضربوا لله)
إذا كان الأمر على ما
ذكره فلا تصفوه سبحانه بما تشبهونه بغيره وتقيسونه إلى خلقه لأن الله يعلم وأنتم لا
تعلمون حقائق الأمور وكنهه تعالى.
75 ـ
(ضرب الله مثلاً...)
الجملة من تمام الحجة
ومحصّلها أنه لا يستوي المملوك الذي لا يقدر أن يتصرف في شيء وينعم بشيء، والمالك
الذي يملك الرّزق ويقدر على التصرف فيه فيتصرف وينعم كيف يشاء، والله سبحانه هو
المحمود بكل حد إذ ما من نعمة إلاّ وهي من خلقه فله كل صفة يحمد عليها كالخلق
والرزق والرحمة والمغفرة والاحسان والانعام وغيرها، فله كل ثناء جميل، وما يعبدون
من دونه مملوك لا يقدر على شيء فهو سبحانه الرب وحدهُ دون غيره.
76 ـ
(وضرب الله مثلاً...)
الغرض من المثل المضروب
في الآية: اِقامة حجة على التوحيد مع إشارة إلى النبوة والتشريع.
77 ـ
(ولله غيب السّماوات...)
ان الله سبحانه يملك
غيب السماوات والأرض ملكاً له أن يتصرف فيه كيف يشاء كما يملك شهادتهما وكيف لا؟
وغيب الشيء لا يفارق شهادته وهو موجود ثابت معه وله الخلق والأمر، والساعة الموعودة
ليست بأمر محال حتى لا يتعلق بها قدره، بل هي من غيب السّماوات والأرض وحقيقتها
المستورة عن الافهام اليوم فهي مما استقر عليه ملكه تعالى، وله أن يتصرف فيه
بالاخفاء يوماً وبالاظهار آخر. وليست بصعبة عليه تعالى فانما امرها كلمح البصر أو
أقرب من ذلك لان الله على كل شيء قدير.
78 ـ
(والله أخرجكم من...)
اخرجكم من أرحامهن
بالتولد والحال أن نفوسكم خالية من هذه المعلومات التي أحرزتموها من طريق الحسّ
والخيال والعقل بعد ذلك.
79 ـ
(ألم يروا إلى الطّير...)
ألم ينظر إلى الطير حال
كونها مسخرات لله سبحانه في جو السماء والهواء البعيد من الأرض
(انّ في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) في كونها مسخرات
في جو السماء، فان للطير وهو في الجو دفيفاً وصفيفاً وبسطاً لاجنحتها وقبضاً
وسكوناً وانتقالاً وصعوداً ونزولاً، وهي جميعاً آيات لقوم يؤمنون كما ذكره الله. |