«سورة
الإسراء»
بسم الله الرّحمن
الرّحيم
1 ـ
(سبحان الّذي أسرى...)
لينزه تنزيهاً من اسرى
بعظمته وكبريائه وبالغ قدرته وسلطانه، بعبده محمّد في جوف ليلة واحدة من المسجد
الحرام إلى المسجد الاقصى وهو بيت المقدس الذي بارك حوله ليريه بعظمته وكبريائه
آياته الكبرى، وإنّما فعل به ذلك لانه سميع بصير علم بما سمع من مقاله ورأى من حاله
انه خليق ان يكرم هذه التكرمة.
2 ـ
(وآتينا موسى الكتاب...)
الكتاب كثيراً ما يطلق
في كلامه تعالى على مجموع الشرائع المكتوبة على الناس القاضية بينهم فيما اختلفوا
فيه من الاعتقاد والعمل. (وجعلناه هدىً لبني إسرائيل)
كونه هدىً أي هادياً لهم هو بيانه لهم شرائع ربهم التي لو أخذوها وعملوا بها
لاهتدوا إلى الحق ونالوا سعادة الدارين.
3 ـ
(ذرّيّة من حملنا...)
إنا جزينا نوحاً بما
كان عبداً شكوراً لنا انّا ابقينا دعوته واجرينا سنّته وطريقته في ذرية من حملناهم
معه في السفينة.
4 ـ
(وقضينا إلى بني إسرائيل...)
وأخبرنا وأعلمنا بني
إسرائيل اخباراً قاطعاً في الكتاب وهو التوراة: اُقسم واُحق هذا القول انكم شعب
اسرائيل ستفسدون في الأرض، وهي أرض فلسطين، وما يتبعها مرة بعد مرة وتعلون علواً
كبيراً وتطغون طغياناً عظيماً.
5 ـ
(فاذا جاء وعد...)
فإذا جاء الوعد الذي
وعدناه على المرة الأولى من افسادكم مرتين، بعثنا وانهضنا عليكم من الناس عباداً
لنا أولي بأس وشدة شديدة، فدخلوا بالقهر والغلبة أرضكم وتوسطوا في دياركم فأذلوكم
واذهبوا استقلالكم وعلوّكم وسؤددكم، وكان وعداً مفعولاً لا محيص عنه.
6 ـ
(ثمّ رددنا لكم الكرّة...)
انّ بني إسرائيل ستعود
الدولة لهم على اعدائهم بعد وعد المرة الأولى، فيغلبونهم ويقهرونهم ويتخلصون من
استعبادهم واسترقاقهم، وأن هذه الدولة سترجع إليهم تدريجـاً في برهة معتد بها من
الزمان.
7 ـ
(إن أحسنتم أحسنتم...)
ان كلاً من إحسانكم
واساءتكم يختص بانفسكم دون أن يلحق غيركم. (فإذا جاء
وعد الآخرة...) فإذا جاء وعد المرّة الآخرة وهي الثانية من الافسادتين،
بعثناهم ليسؤوا وجوهكم بظهور الحزن والكآبة والذلّة والمسكنة، وليدخلوا المسجد
الأقصى كما دخلوه أوّل مرّة وليهلكوا الذي غلبوا عليه ويفنوا الذي مروا عليه
اهلاكاً وافناءً.
8 ـ
(عسى ربّكم أن يرحمكم...)
ترجٍّ للرحمة على تقدير
أن يتوبوا ويرجعوا إلى الطاعة والاحسان. (وانْ عدتم
عدنا...) وان تعودوا إلى الافساد والعلو، بعدما رجعتم عنه ورحمكم ربّكم، نعد
إلى العقوبة والنكال، وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ومكاناً حابساً لا يستطيعون منه
خروجاً.
9 ـ
(انّ هذا القرآن يهدي...)
للملّة التي هي أقوم.
(ويبشِّر الّذين آمنوا...) في الآية جعل حق للمؤمنين الذين آمنوا وعملوا
الصالحات على الله سبحانه، ولا محذور في أن يكون لهم على الله حق إذا كان الله
سبحانه هو الجاعل له.
10 ـ
(وانّ الّذين لا يؤمنون...)
الاعتاد: الاعداد
والتهيئة.
11 ـ
(ويدع الإنسان بالشر...)
ان جنس الإنسان عجول لا
يفرق لعجلته بين الخير والشر، بل يطلب كل ما لاح له ويسأل كل ما بدا له من غير
تمييز بين الخير والشر والحق والباطل، فيرد الشر كما يرد الخير ويهجم على الباطل
كما يهجم على الحق.
(277)
12 ـ
(وجعلنا اللّيل والنّهار...)
الليل والنهار هما
آيتان لله سبحانه تدلان بذاتهما على توحده بالربوبية.
(لتبتغوا فضلاً من ربّكم) متفرع على قوله:
(وجعلنا آية النّهار مبصرة) أي جعلناها مضيئة لتطلبوا فيه رزقاً من ربكم فإن
الرّزق فضله وعطاؤه تعالى. (ولتعلموا عدد السنين
والحساب) لتعلموا بمحو الليل وأبصار النهار عدد السنين بجعل عدد من الأيام
واحداً يعقد عليه، وتعلموا بذلك حساب الأوقات والآجال.
13 ـ
(وكل إنسان ألزمناه...)
المراد بالطائر: ما
يستدل به على الميمنة والمشأمة. والطائر الذي الزمه الله الإنسان في عنقه هو عمله،
ومعنى إلزامه إياه ان الله قضى ان يقوم كل عمل بعامله ويعود إليه خيره وشره ونفعه
وضره من غير أنْ يفارقه إلى غيره.
14 ـ
(إقرأ كتابك كفى...)
ان العمل سواء كان
خيراً أو شراً لازم لصاحبه لا يفارقه وهو أيضاً محفوظ عليه في كتاب سيخرج له يوم
القيامة وينشر بين يديه ويحاسب عليه.
15 ـ
(...ولا تزر وازرة وزر...)
قال في المفردات: الوزر
الثقل تشبيهاً بوزر الجبل، ويعبر بذلك عن الاثم. (وما
كنّا معذّبين حتّى نبعث...) ان الله سبحانه برحمته الواسعة وعنايته الكاملة
لا يعذب الناسَ بعذاب الاستئصال وهو عذاب الدنيا إلاّ بعد أن يبعث رسولاً ينذرهم
به.
16 ـ
(وإذا أردْنا أن نهلك...)
إذا دنا وقت هلاكهم.
17 ـ
(وكم أهلكنا من القرون...)
الآية لا تخلو من إشعار
بأن سنة الاهلاك انّما شرعت في القرون الانسانية بعد نوح عليه السلام.
18 ـ
(من كان يريد العاجلة...)
الذي يريد الحياة
العاجلة وهي الحياة الدنيا، (عجلنا له فيها)
أسرعنا في إعطائه ما يريده في الدنيا، لكن لا بإعطائه ما يريده بل باعطائه ما
نريده.
19 ـ
(ومن أراد الآخرة...)
الحياة الآخرة
(وسعى لها سعيها) وسعى وجدّ للآخرة السعي الذي
يختص بها. (وهو مؤمن) مؤمن بالله.
(فاولئك كان سعيهم مشكوراً) يشكره الله بحسن قبوله والثناء على سعيه.
20 ـ
(كُلاً نُمدّ هؤلاء...)
كلاً من الفريقين
المعجل لهم والمشكور سعيهم. (وما كان عطاء ربّك
محظوراً) أي ممنوعاً ـ والحظر المنع ـ فاهل الدنيا واهل الآخرة مستمدون من
عطائه منعمون بنعمته ممنونون بمنَّته.
21 ـ
(انظر كيف فضلنا...)
أمره صلّى الله عليه
وآله وسلّم أن ينظر إلى ما بين أهل الدنيا من التفاضل والاعتبار، ليجعل ذلك ذريعة
إلى فهم ما بين أهل الآخرة من تفاوت الدرجات والتفاضل في المقامات، فإن اختلاف
الاحوال في الدنيا يؤدي إلى اختلاف الادراكات الباطنة والنيات والأعمال التي يتيسّر
للإنسان أن يأتي بها، والاختلاف ذلك يؤدي إلى اختلاف الدرجات في الآخرة.
22 ـ
(ولا تجعل مع الله...)
لا تشرك بالله سبحانه
حتى يؤديك ذلك إلى أن تقصد وتحتبس عن السير إلى درجات القرب، وأنت مذموم لا ينصرك
الله ولا ناصر دونه.
23 ـ
(وقضى ربّك إلاّ...)
وقضى ربك بأن تحسنوا
بالوالدين إحساناً. (اما يبلغنّ عندك الكبر)
الآية تدل على وجوب اِكرامهما ورعاية الادب التام في معاشرتهما ومحاورتهما في جميع
الأوقات وخاصة وقت بلوغ الكبر من أحدهما أو كليهما.
24 ـ
(واخفض لهما جناح...)
واجههما في معاشرتك
ومحاورتك مواجهة يلوح منها تواضعك وخضوعك لهما وتذللك قبالهما رحمة بهما.
(278)
25 ـ
(ربّكم أعلم بما في...)
أعلم منكم به،
(إن تكونوا صالحين) إن تكونوا صالحين وعلم الله
من نفوسكم ورجعتم وتبتم إليه في بادرة ظهرت منكم على والديكم، غفر الله لكم ذلك إنه
كان للاوابين غفوراً.
26 ـ
(وآت ذا القربى...)
تقدم الكلام فيه في
نظائره.
27 ـ
(إنّ المبذرين كانوا...)
لا تبذر إنك إن تبذر
كنت من المبذرين والمبذرون اخوان الشياطين.
28 ـ
(وإما تعرضَنّ عنهم...)
المراد الاعراض عمّن
سأله شيئاً من المال ينفقه له ويسد به خلّته. (ابتغاء
رحمة من ربّك ترجوها) كنت تعرض عنهم لا لكونك مليئاً بالمال شحيحاً به، ولا
لأنّك فاقد له آيس من حصوله، بل لأنّك فاقد له مبتغ وطالب لرحمة من ربك ترجوها،
يعني الرّزق. (فقل لهم قولاً ميسوراً) سهلاً
ليناً.
29 ـ
(ولا تجعل يدك مغلولة...)
جعل اليد مغلولة إلى
العنق: كناية عن الامساك، وبسط اليد كل البسط: كناية عن إنفاق الإنسان (كل ما
عنده ) بحيث لا يبقي شيئاً.
30 ـ
(انّ ربّك يبسط...)
ان هذا دأب ربك وسنّته
الجارية يبسط الرّزق لمن يشاء ويقدر لمن يشاء، فلا يبسطه كل البسط ولا يمسك عنه كل
الامساك رعاية لمصلحة العباد، انّه كان بعباده خبيراً بصيراً.
31 ـ
(ولا تقتلوا أولادكم...)
في الآية نهي شديد عن
قتل الأولاد خوفاً من الفقر والحاجة.
32 ـ
(ولا تقربوا الزّنا...)
نهي عن الزنا، وقد بالغ
في تحريمه حيث نهاهم عن أن يقربوه.
33 ـ
(ولا تقتلوا النّفس الّتي...)
نهي عن قتل النفس
المحترمة إلاّ بالحق أي إلاّ أن يكون قتلاً بالحق. ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا
بحسب التشريع لوليّه وهو ولي دمه سلطنة على القصاص وأخذ الدية والعفو، فلا يسرف
الولي في القتل بأن يقتل غير القاتل، أو يقتل أكثر من الواحد لأنه كان منصوراً فلا
يفوته القاتل بسبب انّا نصرناه. أو فلا يسرف اعتماداً على انّا نصرناه.
34 ـ
(ولا تقربوا مال اليتيم...)
نهي عن أكل مال اليتيم
وهو من الكبائر التي أوعد الله عليها النار.
35 ـ
(واوفوا الكيل إذا...)
القسطاس المستقيم: هو
الميزان العادل لا يخسر في وزنه. وكون ايفاء الكيل والوزن بالقسطاس المستقيم خيراً:
لما فيه من الاتقاء من استراق أموال الناس واختلاسها. وكونهما أحسن تأويلاً: لما
فيهما من رعاية الرشد والاستقامة في تقدير الناس معيشتهم.
36 ـ
(ولا تقفُ ما ليس...)
لا تتبع ماليس لك به
علم لأن الله سبحانه سيسأل عن السمع والبصر والفؤاد وهي الوسائل التي يستعملها
الانسان لتحصيل العلم.
37 ـ
(ولا تمشي في الأرض...)
نهي عن استعظام الإنسان
نفسه بأكثر مما هو عليه لمثل البطر والأشر والكبر والخيلاء، وانما ذكر المشي في
الأرض مرحاً لظهور ذلك فيه.
38 ـ
(كل ذلك كان سيئهُ...)
الاشارة بذلك إلى ما
تقدم من الواجبات والمحرمات، والمعنى: كل ما تقدّم كان سيئه عند ربّك مكروهاً لا
يريده الله تعالى.
39 ـ
(ذلك ممّا أوحى...)
ذلك: اشارة إلى ما تقدم
من تفصيل التكاليف. (ولا تجعل مع الله إلهاً)
كرر سبحانه النهي عن الشرك وقد نهى عنه سابقاً اعتناءً بشأن التوحيد وتفخيماً
لأمره.
40 ـ
(أفأصفاكم ربّكم بالبنين...)
إذا كان سبحانه ربكم لا
رب غيره وهو الذي يتولى أمر كل شيء فهل تقولون أنّه آثركُم بكرامة لم يتكرم بها هو
نفسه، وهو أنه خصكم بالبنين ولم يتخذ لنفسه من الولد إلاّ الاناث وهم الملائكة،
انكم لتقولون قولاً عظيماً من حيث استتباعه التبعة السيئة.
41 ـ
(ولقد صرفنا في...)
وأقسم لقد رددنا الكلام
معهم في أمر التوحيد ونفي الشريك من وجه إلى وجه وحولناه من لحن إلى لحن في هذا
القرآن، فاوردناه بمختلف العبارات وبيناه باقسام البيانات ليتذكروا ويتبين لهم
الحق. (فما يزيدهم
إلاّ
نفوراً) ما
يزيدهم التصريف إلاّ انزعاجاً.
(279)
42 ـ
(قل لو كان معه...)
لو كان معه آلهة كما
يقولون وكان يمكن أن ينال غيره تعالى شيئاً من ملكه لطلب أولئك الآلهة أن ينالوا
ملكه فيعزلوه عن عرشه ويزدادوا ملكاً لحبهم ذلك ضرورة، لكن لا سبيل لأحد إليه تعالى
عن ذلك.
43 ـ
(سبحانه وتعالى عمّا يقولون...)
الآية تنزيه له تعالى
عمّا يقولونه.
44 ـ
(تسبح له السّماوات...)
يثبت لأجزاء العالم
المشهود التسبيح وإنها تسبح الله وتنزهه عمّا يقولون من الشريك وينسبون إليه.
(انّه كان حليماً غفوراً) يمهل فلا يعاجل بالعقوبة ويغفر لمن تاب ورجع إليه.
45 ـ
(وإذا قرأت القرآن...)
إذا قرأت القرآن وتلوته
عليهم جعلنا بينك وبين المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً معنوياً محجوباً عن
فهمهم فلا يسعهم أن يسمعوا ذكره تعالى، ولا أن يعرفوك بالرّسالة الحقة، ولا أن
يؤمنوا بالمعاد.
46 ـ
(وجعلنا على قلوبهم...)
اغشينا قلوبهم باغشية
وحجب، حذار أن يفقهوا القرآن، وجعلنا في آذانهم وقراً وثقلاً ان يسمعوه، فهم لا
يسمعون القرآن سمع قبول ولا يفقهونه فقه ايمان وتصديق، كل ذلك مجازاة لهم بما كفروا
وفسقوا. وإذا ذكرت ربك على نعت التوحيد ونفي الشريك ولّوا على أدبارهم نافرين
واعرضوا عنه مستدبرين.
47 ـ
(ونحن أعلم بما...)
في الآية اِشعار بل
دلالة على انهم كانوا لا يأتونه صلّى الله عليه وآله وسلم لاستماع القرآن علناً
وحذراً من اللائمة وانما يأتونه متسترين مستخفين، حتى إذا رأى بعضهم بعضاً على هذا
الحال تلاوموا بالنجوى خوفاً أن يحس النبيّ صلى الله عليه وآله والمؤمنون بموقفهم،
فقال بعضهم لبعض: إن تتبعون إلاّ رجلاً مسحوراً.
48 ـ
(انظر كيف ضربوا...)
المثل بمعنى الوصف،
وضرب الامثال التوصيف بالصفات، ومعنى الآية ظاهر.
49 ـ
(وقالوا إذا كنّا...)
في الآية مضي في بيان
عدم فقههم بمعارف القرآن حيث استبعدوا البعث وهو من أهم ما يثبته القرآن وأوضح ما
قامت عليه الحجج من طريق الوحي والعقل.
50،
51 ـ
(قل كونوا حجارة...)
قل لهم ليكونوا شيئاً
أشد من العظام والرفات، حجارةً أو حديداً أو مخلوقاً آخر من الأشياء التي تكبر في
صدورهم ويبالغون في استبعاد ان يخلق منه الانسان، فليكونوا ما شاءوا، فان الله
سيعيد إليهم خلقهم الأوّل ويبعثهم. (فسينغضون إليك
رؤوسهم) فإذا قرعتهم بالحجة وذكرتهم بقدرة الله على كل شيء وفطره ايّاهم
أوّل مرّة وجدتهم يحركون إليك رؤوسهم تحريك المستهزئ المستخف بك المستهين له
ويقولون: متى هو قل: عسى أن يكون قريباً، فانّه لا سبيل إلى العلم به وهو من الغيب
الذي لا يعلمه إلاّ الله.
52 ـ
(يوم يدعوكم فتستجيبون...)
تستجيبون حامدين له
تعدون البعث والاعادة منه فعلاً جميلاً يحمد فاعله ويثنى عليه.
(وتظنون ان لبثتم إلاّ قليلاً) تزعمون يوم البعث، إنكم لم تلبثوا في القبور
بعد الموت إلاّ زماناً قليلاً وترون ان اليوم كان قريباً منكم جداً.
53 ـ
(وقل لعبادي يقولوا...)
ان المؤمنين
قبل الهجرة ربما كانوا يحاورون المشركين فيغلظون لهم في القول ويخاشنونهم بالكلام،
وربما جبهوهم بانهم أهل النار، وإنهم معشر المؤمنين أهل الجنة ببركة من النبيّ صلّى
الله عليه |