|
107 ـ
(قل آمنوا به...)
المراد من كونهم اوتوا
العلم من قبله: أنهم استعدوا لفهم كلمة الحق وقبولها لتجهزهم بالعلم، بحقيقة معناه
وايراثه اياهم وصف الخشوع، فيزيدهم القرآن المتلوّ عليهم خشوعاً.
108 ـ
(ويقولون سبحان ربّنا...)
ينزهونه تعالى عن كل
نقص.
109 ـ
(ويخرّون للاذقان يبكون...)
انهم يخضعون ويخشعون.
110 ـ
(قل ادعوا الله...)
ادعوا باسم الله أو
باسم الرحمان فالدعاء دعاؤه (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت
بها) لا تجهر في صلواتك كلها ولا تخافت فيها كلها بل اتخذْ سبيلاً وسطاً
تجهر في بعض وتخافت في بعض.
111 ـ
(وقل الحمد لله...)
ثناء عليه تعالى بما
لهُ من اطلاق الملك الذي يتفرع عليه نفي الولد والشريك والولي.
«سورة
الكهف»
بسم الله الرّحمن
الرّحيم
1 ـ
(الحمد لله الّذي أنزل...)
افتتح تعالى الكلام في
السورة بالثناء على نفسه بما نزل على عبده قرآناً لا انحراف فيه عن الحق بوجه وهو
قيم على مصالح عباده.
2،
3 ـ
(قيماً لينذر بأساً شديداً...)
لينذر الذين لا يعملون
الصالحات، والمراد بالأجر الحسن: الجنّة بقرينة قوله في الآية التالية:
(ماكثين فيه أبداً) والمعنى ظاهر.
4 ـ
(وينذر الّذين قالوا...)
وهم عامة الوثنيين
القائلين بأن الملائكة ابناء أو بنات له والنصارى القائلين بأن المسيح ابن الله،
وقد نسب القرآن إلى اليهود انهم قالوا: عزير ابن الله.
5 ـ
(ما لهم به من علم...)
رد سبحانه قولهم عليهم
أولاً بأنه قول منهم جهلاً بغير علم وثانياً بقوله (اِن
يقولون إلاّ كذبا).
6 ـ
(فلعلك باخع نفسك...)
البخوع والبخع: القتل
والاهلاك. والأسف: شدة الحزن. والمراد بهذا الحديث: القرآن.
7،
8 ـ
(إنّا جعلنا ما على...)
لا تتحرج ولا تتأسف
عليهم إذا اعرضوا عن دعوتك، فما هم بسابقين ولا معجزين، وإنّما حقيقة حياتهم هذه
نوع تسخير الهي، اسكناهم الأرض ثم جعلنا ما على الأرض زينة يفتتن الناظر إليها
لتتعلق به نفوسهم، فنبلوهم أيهم أحسن عملاً وإنّا لجاعلون هذا الذي زين لهم بعينه
كالصعيد الجرز الذي ليس فيه نبت ولا شيء مما ترغب فيه النفس.
9 ـ
(ام حسبت أن أصحاب...)
الرقيم: من الرقم وهو
الكتابة والخط. وامّا تسميتهم أصحاب الرقيم فقد قيل: ان قصتهم منقوشة في لوح منصوب
هناك أو محفوظ في خزانة الملوك.
10 ـ
(إذ أوى الفتية...)
انهم هربوا من قوم
يتتبّعون المؤمنين ويسفكون دماءهم ويكرهونهم على عبادة غير الله، والتجأوا إلى كهف
وهم لا يدرون ماذا سيجري عليهم ولا يهتدون الى سبيل للنجاة يسلكون ومن هنا يظهر أن
المراد بالرشد: الاهتداء إلى ما فيه نجاتهم.
11 ـ
(فضربنا على آذانهم...)
معنى الآية ظاهر وقد دل
فيها على كونهم نائمين في الكهف طول المدة لا ميتين.
12 ـ
(ثمّ بعثناهم لنعلم...)
المراد بالبعث: هو
الايقاظ. (لنعلم أي الحزبين أحصى) والمراد
بالحزبين: الطائفتان من أصحاب الكهف حين سأل بعضهم بعضاً بعد البعث قائلاً: كم
لبثتم؟
13 ـ
(نحن نقص عليك...)
شروع في ذكر ما يهم من
خصوصيات قصتهم تفصيلاً، (انّهم فتية آمنوا بربّهم)
آمنوا ايماناً مرضياً لربهم ولولا ذلك لم ينسبه إليهم قطعاً.
14،
15 ـ
(وربطنا على قلوبهم...)
الربط: على القلوب
كناية عن سلب القلق والاضطراب عنها، والشطط: الخروج عن الحد والتجاوز عن الحق،
والسلطان: الحجة والبرهان. والآيات الثلاث تحكي الشطر الأوّل من محاورتهم حين
انتهضوا لمخالفة الوثنية، فبدأوا باثبات توحيده بقولهم:
(ربّنا ربّ السّماوات والأرض) ثمّ اكدوا ذلك بقولهم:
(لن ندعو من دونه إلهاً) ثمّ كروا على القوم في عبادتهم غير الله سبحانه
باتخاذهم آلهة فقالوا: (هؤلاء قومنا اتخذوا...)
فردوا قولهم بأنهم لا برهان لهم على ما يدعونه يدل عليه دلالة بيّنة وان عليهم ان
يقيموا برهاناً قاطعاً على قولهم، فلو لم
(285)
يقيموه كان قولهم من
القول بغير علم في الله وهو افتراء الكذب عليه تعالى.
16 ـ
(وإذ اعتزلتموهم...)
هذا هو الشطر الثاني من
محاورتهم جرت بينهم بعد خروجهم من بين الناس واعتزالهم إياهم وما يعبدون من دون
الله، وتنحيهم عن الجميع، يشير به بعضهم عليهم ان يدخلوا الكهف ويتستروا فيه من
اعداء الدين وقد تفرسوا بهدي الهي أنهم لو فعلوا ذلك، عاملهم الله من لطفه ورحمته
بما فيه نجاتهم من تحكم القوم وظلمهم.
17 ـ
(وترى الشّمس إذا...)
وترى انت وكل راء يفرض
اطلاعه عليهم وهم في الكهف، يرى الشمس إذا طلعت تتزاور وتتمايل عن كهفهم جانب
اليمين فيقع نورها عليه، وإذا غربت تقطع جانب الشمال فيقع شعاعها عليه وهم في متسع
من الكهف لا تناله الشمس.
18 ـ
(وتحسبهم ايقاظاً وهم...)
الايقاظ جمع يقظ
ويقظان. والرقود: جمع راقد وهو النائم، وفي الكلام تلويح إلى إنهم كانوا مفتوحي
الاعين حال نومهم كالايقاظ. (ونقلبهم ذات اليمين...)
ونقلبهم جهة اليمين وجهة الشمال، (وكلبهم باسط
ذراعيه بالوصيد) الوصيد: فناء البيت. (لو اطّلعت
عليهم لولّيت...) بيان انهم وحالهم هذا الحال كان له منظر موحش هائل لو اشرف
عليهم الإنسان فر منهم خوفاً.
19 ـ
(وكذلك بعثناهم ليتساءلوا...)
التساؤل: سؤال بعض
القوم بعضاً، والورق: الدراهم، وقيل هي الفضة مضروبة كانت أو غيرها.
(قال قائل منهم كم لبثتم) كأن السائل استشعر طولاً في لبثهم ممّا وجده من
لوثة النوم الثقيل بعد التيقظ. (قالوا لبثنا يوماً أو
بعض يوم) ترددوا في جوابهم بين اليوم وبعض اليوم.
(فابعثوا أحدكم بورقكم...) تتمّة المحاورة وفيه أمر أو عرض لهم ان يرسلوا
رسولاً منهم إلى المدينة ليشتري لهم طعاماً يتغذون به.
(وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً) ليتكلف اللطف مع أهل المدينة في ذهابه
ومجيئه، ومعاملته لهم كي لا يقع خصومة أو منازعة لتؤدي إلى معرفتهم بحالكم.
20 ـ
(انّهم انْ يظهروا عليكم...)
يطلعوا عليكم ويعلموا
بمكانكم. (يرجموكم) أي يقتلوكم بالحجارة وهو شرّ
القتل، وفي اختيار الرّجم على غيره من أصناف القتل، إشعار بأن أهل المدينة عامّة
كانوا يعادونهم لدينهم، فلو ظهروا عليهم بادروا إليهم وتشاركوا في قتلهم، والقتل
الذي هذا شأنه يكون بالرّجم عادة.
21 ـ
(وكذلك اعثرنا عليهم...)
وكما انمناهم ثمّ
بعثناهم، اطلعنا الناس عليهم في زمان يتنازعون أي الناس بينهم في أمر البعث،
ليعلموا أنّ وعد الله بالبعث حق وان الساعة لا ريب فيها.
(فقالوا ابنوا عليهم...) القائلون هم المشركون من القوم.
22 ـ
(سيقولون ثلاثة رابعهم...)
يذكر تعالى اختلاف
الناس في عدد أصحاب الكهف وأقوالهم فيه، وهي على ما ذكره تعالى ـ وقوله الحق ـ
ثلاثة مترتبة متصاعدة أحدها انهم ثلاثة رابعهم كلبهم والثاني انهم خمسة وسادسهم
كلبهم وقد عقبه بقوله: (رجماً بالغيب) أي قولاً
بغير علم والقول الثالث انهم سبعة وثامنهم كلبهم، وقد ذكره الله سبحانه ولم يعقبه
بشيء يدل على تزييفه، ولا يخلو ذلك من أشعار بانه القول الحق.
(قل ربّي أعلم بعدتهم...) أمرٌ للنبيّ صلى الله عليه وآله أن يقضي في عدّتهم
حق القضاء وهو انّ الله أعلم بها. (فلا تمارِ فيهم...)
وإذا كان ربك أعلم وقد انبأك نبأهم فلا تحاجهم في الفتية إلاّ محاجة ظاهرة
غير متعمق فيها ـ أو محاجة ذاهبة لحجتهم ـ ولا تطلب الفتيا في الفتية من أحد منهم
فربك حسبك.
(286)
23 ـ
(ولا تقولن لشيء إنّي...)
ولا تقولن لشيء ـ أي
لأجل شيء تعزم عليه ـ إنّي فاعل ذلك غداً في حال من الأحوال أو زمان من الازمنة،
إلاّ في حال أو في زمان يلابس قولك المشيئة بأن تقول: إني فاعل ذلك غداً ان اذن
الله في فعله.
24 ـ
(...واذكر ربّك إذا نسيت...)
اتصال الآية واشتراكها
مع ما قبلها في سياق التكليف يقضي ان يكون المراد من النسيان: نسيان الاستثناء.
(وقل عسى ان يهدين) وارجُ ان يهديك ربك إلى أمر هو أقرب رشداً من النسيان،
ثمّ الذكر وهو الذكر الدائم من غير نسيان.
25 ـ
(ولبثوا في كهفهم...)
بيان لمدة لبثهم في
الكهف على حال النوم.
26 ـ
(قل الله أعلم...)
مشعر بأن مدة لبثهم
المذكورة في الآية السابقة لم تكن مسلمة عند الناس، فامر النبيّ صلّى الله عليه
وآله ان يحتج في ذلك بعلم الله وانه أعلم بهم من غيره.
27 ـ
(واتل ما أوحي إليك...)
الملتحد: اسم مكان من
الالتحاد بمعنى الميل. لا تهلك نفسك على آثارهم أسفاً واتل ما أوحي إليك من كتاب
ربك لأنه لا مغيِّر لكلماته فهي حقة ثابتة ولأنك لا تجد من دونه ملتحداً تميل إليه.
28 ـ
(واصبر نفسك مع الّذين...)
قال الراغب: الصبر:
الامساك في ضيق والمراد بدعائهم ربّهم بالغداة والعشي: الاستمرار على الدعاء والجري
عليه دائماً. (لا تعد عيناك عنهم) لا تجاوزهم
ولا تتركهم عيناك والحال انك تريد زينة الحياة الدنيا.
(ولا تطع من اغفلنا قلبه...) المراد باغفال قلبه: تسليط الغفلة عليه وإنسائه
ذكر الله سبحانه على سبيل المجازاة حيث انهم عاندوا الحق فأضلهم الله باغفالهم عن
ذكره.
29 ـ
(وقل الحق من ربّكم...)
لا تأسف عليهم واتل ما
أوحي إليك واصبر نفسك مع هؤلاء المؤمنين من الفقراء، وقل للكفار: الحق من ربكم ولا
تزد على ذلك فمن شاء منهم أن يؤمن فليؤمن ومن شاء منهم ان يكفر فليكفر فليختاروا ما
شاؤوا فقد اعتدنا (للظّالمين ناراً...) قال في
المجمع: السرادق: الفسطاط المحيط بما فيه. وقال: المهل: خثارة الزيت، وقيل هو
النحاس الذائب. وقال: المرتفق: المتكأ.
30 ـ
(إنّ الّذين آمنوا...)
ان الذين آمنوا وعملوا
الصالحات سنوفيهم اجرهم فانهم محسنون وأنا لا نضيع اجر من أحسن عملاً.
31 ـ
(أولئك لهم جنّات...)
العدن هو الاقامة،
وجنات عدن: جنات إقامة، والسندس: مارقَّ من الديباج. والاستبرق: ما غلظ منه،
والأرائك: جمع أريكة وهي السرير.
32 ـ
(واضرب لهم مثلاً...)
واضرب لهؤلاء المتولهين
بزينة الحياة الدنيا المعرضين عن ذكر الله مثلاً ليتبيَّن لهم انهم لم يتعلقوا في
ذلك إلاّ بسراب وهمي لا واقع له. (جنتين من أعناب)
من كروم (وحففناهما بنخل) جعلنا النخل
محيطة بهما حافة من حولهما. (وجعلنا بينهما زرعاً)
بين الجنتين ووسطهما، وبذلك تواصلت العمارة وتمت واجتمعت له الاقوات
والفواكه.
33 ـ
(كلتا الجنّتين آتت...)
المراد بايتائهما
الأكل: اثمار أشجارهما من الاعناب والنخيل. (ولم تظلم
منه شيئاً) ولم تنقص من اكله شيئاً بل اثمرت ما في وسعها من ذلك
(وفجرنا خلالهما نهرا) شققنا وسطهما نهراً من
الماء يسقيهما ويرفع حاجتهما إلى الشرب بأقرب وسيلة من غير كلفة.
(287)
34 ـ
(وكان له ثمر...)
الضمير للرّجل. والثمر:
أنواع المال، كما في الصحاح وعن القاموس. (فقال لصاحبه
وهو يحاوره) فقال الذي جعلنا له الجنتين لصاحبه والحال انه يحاوره:
(أنا أكثر منك مالاً وأعزّ نفرا) أي ولداً فلم ير إلاّ نفسه ونسي ان ربه هو
الذي سلّطه على ما عنده من المال واعزه بمن عنده من النفر.
35 ـ
(ودخل جنّته وهو ظالم...)
الضمائر الأربع راجعة
إلى الرجل. (وهو ظالم لنفسه) انما كان ظالماً
لأنه تكبر على صاحبه. (قال ما أظنّ أن تبيد...)
نفي الظن بأمر: كناية عن كونه فرضاً وتقديراً لا يلتفت إليه حتى يظن به ويمال إليه،
فمعنى ما اظن ان تبيد هذه: ان بقاءها ودوامها مما تطمئن إليه النفس ولا تتردد فيه
حتى تتفكر في بيده وتظن انه سيفنى.
36 ـ
(وما أظن السّاعة قائمة...)
من المستبعد أنْ تقوم
الساعة، ولئن قامت ورددت إلى ربي لاجدن بكرامة نفسي ـ ولا يقول: يؤتيني ـ خيراً
من هذه الجنة منقلباً انقلب إليه.
37 ـ
(قال له صاحبه...)
ابطل هذا المؤمن دعوى
صاحبه الكافر بقوله: (اكفرت بالّذي خلقك من تراب...)
بالفات نظره إلى أصله وهو التراب ثمّ النطفة فان ذلك هو أصل الإنسان.
38 ـ
(لكنا هو الله ربّي...)
كأنه قال: ولا اُشرك به
أحداً لأنه ربّي ولا يجوز الاشراك به لربوبيته. وهذا بيان حال من المؤمن قبال ما
ادعاه الكافر لنفسه.
39
ـ
41 ـ
(ولولا إذ دخلت...)
من تتمة قول المؤمن
لصاحبه الكافر، وهو تحضيض وتوبيخ لصاحبه إذ قال لمّا دخل جنته:
(ما أظنّ أن تبيد هذه أبداً) وكان عليه ان يبدله من قوله:
(ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله) فينسب الأمر كلّه إلى مشيئة الله.
(ان ترن أنا أقل...) ان ترني أنا أقل منك مالاً وولداً فلا بأس والأمر في
ذلك إلى ربي، فعسى ربي أن يؤتيني خيراً من جنتك ويرسل عليها أي على جنتك مرامي من
عذابه السماوي، كبرد أو ريح سموم أو صاعقة أو نحو ذلك، فتصبح أرضاً خالية ملساء لا
شجر عليها ولا زرع، أو يصبح ماؤها غائراً فلن تستطيع ان تطلبه لامعانه في الغور.
42 ـ
(واُحيط بثمره فأصبح...)
واهلكت أنواع ماله أو
فسد ثمر جنته، فاصبح نادماً على المال الذي انفق والجنة خربة ويقول: يا ليتني لم
اشرك بربي أحداً، ولم اسكن إلى ما سكنت إليه واغتررت به من نفسي وسائر الاسباب التي
لم تنفعني شيئاً.
43 ـ
(ولم تكن له فئة...)
الفئة: الجماعة،
والمنتصر: الممتنع.
44 ـ
(هنالك الولاية لله...)
الولاية بمعنى مالكية
التدبير وهو المعني الساري في جميع اشتقاقاتها.
45 ـ
(واضرب لهم مثل...)
هذا هو المثل الثاني
ضرب لتمثيل الحياة الدنيا بما يقارنها من الزينة السريعة الزوال.
46 ـ
(المال والبنون زينة...)
الآية بمنزلة النتيجة
للمثل السابق وهي ان المال والبنين وان تعلقت بها القلوب وتاقت إليها النفوس، تتوقع
منها الانتفاع وتحف بها الآمال، لكنها زينة سريعة الزوال.
(والباقيات الصّالحات خير...) المراد بالباقيات الصّالحات: الأعمال الصالحة،
فإن أعمال الإنسان محفوظة له عند الله. |