|
يثبت لنفسه إلاّ أنه
يوحى إليه. (فمن كان يرجو...) مشتمل على اجمال
الدعوة الدينية وهو العمل الصّالح لوجه الله وحده لا شريك له.
«سورة
مريم»
بسم الله الرّحمن
الرّحيم
1 ـ
(كهيعص) السور
القرآنية المصدرة بالحروف المقطعة لا تخلو من ارتباط بين مضامينها وبين تلك الحروف.
2 ـ
(ذكر رحمة ربِّك...)
المراد بالرحمة:
استجابته سبحانه دعاء زكريا.
3 ـ
(إذ نادى ربّه...)
النداء والمناداة:
الجهر بالدعوة خلاف المناجاة، ولا ينافيه توصيفه بالخفاء لإمكانه الجهر بالدعوة في
خلاء من الناس لا يسمعون معه الدعوة.
4 ـ
(قال ربِّ إنّي...)
الوهن: الضعف ونقصان
القوة. (واشتعل الرأس شيباً) اشتعل الشيب في
الرأس وانتشر.
5 ـ
(وإنّي خفت الموالي...)
المراد بالموالي
العمومة وبنو العم وقيل: العصبة، وقيل: بنو العم فحسب، وقيل: الورثة، المراد: خفت
فعل الموالي من ورائي أي بعد موتي. وهو كناية عن خوفه أن يموت بلا عقب.
(وكانت امرأتي عاقراً) العاقر: المرأة التي لا تلد.
6 ـ
(يرثني ويرث من آل...)
المراد بالوراثة: وراثة
ما تركه الميت من الاموال وامتعة الحياة.
7 ـ
(يا زكريّا إنّا نبشرك...)
في الآية دلالة على ان
الله سبحانه هو الذي سمّاه يحيى، وهو قوله: (اسمه يحيى)
وانه لم يسمّ بهذا الاسم قبله أحد، وهو قوله (لم
نجعل له من قبل سميّا) أي شريكاً في الاسم. وليس من البعيد أن يراد بالسميّ:
المثل.
8 ـ
(قال ربِّ أنّي...)
استفهامه عليه السلام
عن كون الغلام مع عقر امرأته وبلوغه العتي مبني على استعجاب البشرى واستفسار
خصوصياتها، دون الاستبعاد والانكار.
9 ـ
(قال كذلك قال ربِّك...)
جواب عمّا استفهمه
واستفسره لتطيب به نفسه، ويسكن جأشه والتقدير: «هو كذلك» أي الأمر واقع على ما
أخبرناك به في البشرى لا ريب فيه.
10 ـ
(قال ربِّ اجعل...)
المراد بعدم تكليم
الناس: عدم القدرة على تكليمهم فكان عليه السلام يذكر الله بفنون الذكر ولا يقدر
على تكليم الناس إلاّ رمزاً واشارة.
11 ـ
(فخرج على قومه...)
قال في المجمع: سمي
المحراب محراباً لأن المتوجه إليه في صلاته كالمحارب الشيطان على صلاته.
12 ـ
(يا يحيى خذ الكتاب...)
يا يحيى خذ الكتاب بقوة
في جانبي العلم والعمل، (وآتيناه الحكم صبيّا)
إنّا أعطيناه العلم بالمعارف الحقيقية وهو صبي لم يبلغ الحلم بعد.
13 ـ
(وحناناً من لدنّا...)
الحنان: العطف
والاشفاق.
14 ـ
(وبرّاً بوالديه ولم...)
البر: الاحسان.
والجبّار قال في المجمع: الذي لا يرى لأحد عليه حقاً وفيه جبرية وجبروت. والعصيّ:
من العصيان والأصل في معناه الامتناع.
15 ـ
(وسلام عليه يوم...)
سلام عليه يوم ولد فلا
يمسه مكروه في الدنيا يزاحم سعادته، وسلام عليه يوم يموت، فسيعيش في البرزخ عيشة
نعيمة، وسلامٌ عليه يوم يبعث حيّاً فيحيى فيها بحقيقة الحياة ولا نصب ولا تعب.
16 ـ
(واذكر في الكتاب...)
واذكر يا محمّد في
الكتاب نبأ مريم حين اعتزلت من أهلها في مكان شرقي وكأنّه
المسجد.
(306)
17 ـ
(فاتخذت من دونهم...)
كأنها اتخذت الحجاب من
دون أهلها لتنقطع عنهم وتعتكف للعبادة. (فارسلنا إليها
روحنا) الروح المرسل إليها هو المتمثل لها بشراً سوياً ومعنى تمثّله لها
بشراً ترائيه لها، وظهوره في حاستها في صورة البشر.
18 ـ
(قالت إني اعوذ...)
إني أعوذُ واعتصم
بالرحمن منك ان كنت تقيّاً ومن الواجب أن تكون تقيّاً، فليردعك تقواك عن أن تتعرض
بي وتقصدني بسوء.
19 ـ
(قال انّما أنا رسول...)
جواب الروح لمريم.
20 ـ
(قالت أنّى يكون...)
كيف يكون لي ولد ولم
يخالطني قبل هذا الحين رجل لا من طريق الحلال بالنكاح ولا من طريق الحرام بالزِّنا.
21 ـ
(قال كذلك قال ربّك...)
ولنجعله آية للناس
بخلقته، ورحمة منا برسالته والآيات الجارية على يده.
22 ـ
(فحملته فانتبذت به...)
حملت بالولد فانفردت
واعتزلت به مكاناً بعيداً من أهله.
23 ـ
(فأجاءها المخاض...)
دفعها والجأها الطلق
إلى جذع نخلة كان هناك لوضع حملها، وقالت استحياءً من الناس يا ليتني متُّ قبل هذا
وكنت نسياً وشيئاً لا يعبأ به، منسياً لا يذكر فلم يقع فيه الناس كما سيقع الناس
فيّ.
24 ـ
(فناداها من تحتها...)
لا يبعد ان يستفاد من
ترتب قوله: (فناداها) على قوله:
(قالت يا ليتني) أنها إنّما قالت هذه الكلمة حين الوضع أو بعده فعقبها عليه
السّلام بقوله: (إلاّ تحزني) تسلية لها لما
أصابها من الحزن والغم الشديد. (قد جعل ربّك تحتك
سريّا) السري: جدول الماء.
25 ـ
(وهزي إليك بجذع...)
الآية لا تخلو من إشعار
بانّ النخلة كانت يابسة وإنّما اخضرّت وأورقت واثمرت رطباً جنياً لساعتها.
26 ـ
(فكلي واشربي وقرّي...)
فكلي من الرطب الجني
الذي يسقط واشربي من السري الذي تحتك وكوني على مسرّة من غير أن تحزني واما ما
تخافين من تهمة الناس ومساءتهم فالزمي السكوت ولا تكلمي أحداً فأنا اكفيكهم.
27 ـ
(فأتت به قومها...)
الضميران في
(به) و (تحمله)
لعيسى، والاستفهام إنكاري حملهم عليه ما شاهدوه من عجيب أمرها مع مالها من
سابقة الزهد والاحتجاب، والفري: هو العظيم.
28 ـ
(يا أُخت هارون ما كان...)
البغي: الزانيه، ومعنى
الآية ظاهر.
29 ـ
(فأشارت إليه قالوا...)
إرجاع لهم إليه حتى
يجيبهم ويكشف لهم عن حقيقة الأمر، وهو جري منها على ما أمرها به حين ولد.
30 ـ
(قال إنّي عبدالله...)
شروع منه عليه السلام
في الجواب وقد بدأ بقوله: (إنّي عبدالله)
اعترافاً بالعبودية لله ليبطل به غلو الغالين وتتم الحجة عليهم.
(آتاني الكتاب) أخبار باعطاء الكتاب والظاهر هو الإنجيل،
(وجعلني نبيّاً) إعلام بنبوّته.
31 ـ
(وجعلني مباركاً...)
كونه عليه السلام
مباركاً أينما كان هو كونه محلاً لكل بركة. (وأوصاني
بالصّلاة والزّكاة) إشارة إلى تشريع الصّلاة والزّكاة في شريعته.
32 ـ
(وبرّاً بوالدتي ولم...)
جعلني حنيناً رؤوفاً
بالناس ومن ذلك اني برٌّ بوالدتي ولستُ جباراً شقياً بالنسبة إلى سائر الناس.
33 ـ
(والسّلام علىّ يوم...)
تسليم منه على نفسه في
المواطن الثلاثة الكليّة التي تستقبله في كونه ووجوده.
34 ـ
(ذلك عيسى بن مريم...)
ذلك عيسى بن مريم الذي
يشكّون ويتنازعون فيه.
35 ـ
(ما كان لِلّه أن...)
نفي وابطال لما قالت به
النصارى من بنوّة المسيح. (إذا قضى أمراً فانّما يقول
له كن)
(307)
حجّة اقيمت على ذلك،
وقد عبر بلفظ القضاء للدلالة على ملاك الاستحالة.
36 ـ
(وإن الله ربيّ...)
من كلام عيسى عليه
السلام ختم كلامه بالمربوبية كما بدأ كلامه بالشهادة على العبودية ليقطع به دابر
غلو الغالين في حقّه ويتم الحجّة عليهم.
37 ـ
(فاختلف الأحزاب...)
إختلاف الأحزاب هو قول
كل منهم فيه عليه السلام خلاف ما يقوله الآخرون.
38 ـ
(أسمع بهم وأَبصر...)
ما اسمعهم وابصرهم
بالحق يوم يأتوننا ويرجعون إلينا، وهو يوم القيامة فيتبين لهم وجه الحق فيما
اختلفوا فيه.
39 ـ
(وأنذرهم يوم الحسرة...)
وخوفهم يوماً يقضى فيه
الأمر فيتحتم عليهم الهلاك الدائم فينقطعون عن سعادتهم الخالدة التي فيها قرّة
أعينهم، فيتحسرون عليها حسرة لا تقدّر بقدر، إذ غفلوا في الدنيا فلم يسلكوا الصراط
الذي يهديهم ويوصلهم إليها بالاستقامة، وهو الايمان بالله وحده وتنزيهه عن الولد
والشريك.
40 ـ
(إنّا نحن نرث الأرض...)
إن الله سبحانه هو
الباقي بعد فناء كل شيء فهو الباقي بعد فناء الأرض، يملك عنها ما كانت تملكه من
الوجود وآثار الوجود، وهو الباقي بعد فناء الإنسان، يملك ما كان يملكه.
41 ـ
(واذكر في الكتاب...)
الظاهر أن الصدّيق اسم
مبالغة من الصدق، فهو الذي يبالغ في الصدق فيقول ما يفعل ويفعل ما يقول لا مناقضة
بين قوله وفعله، وكذلك كان إبراهيم عليه السلام.
42،
43 ـ
(إذ قال لأبيه...)
نبّه إبراهيم أباه فيما
القي إليه من الخطاب، أولاً: أن طريقه الذي يسلكه بعبادة الأصنام لغو باطل،
وثانياً: أن له من العلم ما ليس عنده فليتبعه ليهديه إلى طريق الحق.
44،
45 ـ
(يا أبتِ لا تعبد...)
يا أبت لا تطع الشيطان
فيما أمرك به من عبادة الأصنام لأنّ الشيطان عصي مقيم على معصية الله الذي هو مصدر
كل رحمة ونعمة، فهو لا يأمر إلاّ بما فيه معصيته والحرمان عن رحمته، وإنما أنهاك
عن معصيته في طاعة الشيطان، لأني أخاف يا أبتِ أن يأخذك شيء من عذاب خذلانه، وتنقطع
عنك رحمته فلا يبقى لتولّي أمرك إلاّ الشيطان، فتكون وليّاً للشيطان والشيطان
مولاك.
46 ـ
(قال أراغب أنت عن آلهتي...)
الرغبة عن الشيء نقيض
الرغبة فيه كما في المجمع، والانتهاء: الكفّ عن الفعل بعد النهي، والرجم: الرمي
بالحجارة، والمعروف من معناه القتل برمي الحجارة، والهجر هو الترك والمفارقة،
والملي: الدهر الطويل.
47 ـ
(قال سلامٌ عليك...)
قابل إبراهيم عليه
السلام أباه فيما أساء إليه وهدّده بالسّلام الذي فيه إحسان واعطاء أمن، ووعده أن
يستغفر له ربّه.
48 ـ
(وأعتزلكم وما تدعون...)
وعد بإعتزالهم
والابتعاد منهم ومن اصنامهم، ليخلو بربه ويخلص الدعاء له رجاء أن لا يكون بسبب
دعائه شقيّاً.
49 ـ
(فلمّا اعتزلهم وما يعبدون...)
لعلّ الاقتصار على ذكر
إسحاق لتعلق الغرض بذكر توالي النبوّة في الشجرة الإسرائيلية ولذلك عقّب إسحاق بذكر
يعقوب فان في نسله جمعاً غفيراً من الأنبياء.
50 ـ
(ووهبنا لهم من رحمتنا...)
من الممكن أن يكون
المراد به الامامة. (وجعلنا لهم لسان صدق عليا)
وجعلنا لهم ثناءً جميلاً صادقاً رفيع القدر.
51 ـ
(واذكر في الكتاب...)
معنى المخلص: الذي
أخلصه الله لنفسه فلا نصيب لغيره تعالى فيه لا في نفسه ولا في عمله.
52 ـ
(وناديناه من جانب...)
الأيمن: صفة لجانب، أي
الجانب الأيمن من الطور. وفي المجمع: النجي بمعنى المناجي.
53 ـ
(ووهبنا له من رحمتنا...)
إشارة إلى إجابة ما دعا
به موسى عندما أوحي إليه لأوّل مرة في الطور إذ قال:
(واجعل لي وزيراً...) طه: 32.
54 ـ
(وَاذكر في الكتاب...)
هو إسماعيل ابن حزقيل
من أنبياء بني إسرائيل.
(308)
55 ـ
(وكان يأمر أهله...)
المراد بأهله: خاصته من
عترته وعشيرته وقومه. والمراد بكونه عند ربه مرضيّاً: كون نفسه مرضيّة.
56 ـ
(واذكر في الكتاب إدريس...)
قالوا: إن إدريس النبيّ
كان إسمه اخنوخ وهو من أجداد نوح عليه السلام على ما ذكر في سفر التكوين من
التوراة، وإنّما اشتهر بإدريس لكثرة اشتغاله بالدرس.
57 ـ
(ورفعناه مكاناً عليّاً...)
من الممكن أن يستفاد من
سياق القصص أن المراد بالمكان العليّ الذي رفع إليه: درجة من درجات القرب.
58 ـ
(اُولئك الّذين أنعم...)
هم زكريا ويحيى ومريم
وعيسى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس عليه السلام. والمعنى:
أُولئك المنعم عليهم الذين بعضهم من النبيين من ذرية آدم وممّن حملنا مع نوح ومن
ذرِّيّة إبراهيم وإسرائيل وبعضهم من أهل الهداية والاجتباء، خاضعون للرحمن خاشعون.
59 ـ
(فخلف من بعدهم...)
قام مقام أُولئك الذين
أنعم الله عليهم، قوم سوء أضاعوا ما أخذوه منهم من الصّلاة والتوجه العبادي إلى
الله سبحانه، بالتهاون فيه والاعراض عنه، واتبعوا الشهوات الصارفة لهم عن المجاهدة
في الله والتوجه إليه.
60 ـ
(إلاّ من تاب وآمن...)
استثناء من الآية
السابقة فهؤلاء الراجعون إلى الله سبحانه ملحقون باولئك الذين أنعم الله عليهم وهم
معهم لا منهم.
61 ـ
(جنّات عدن الّتي...)
العدن الاقامة ففي
تسميتها به إشارة إلى خلودها لداخليها. والوعد بالغيب: هو الوعد بما ليس تحت إدراك
الموعود له. وكون الوعد مأتياً: عدم تخلفه.
62 ـ
(لا يسمعون فيها لغواً...)
عدم سمع اللغو من أخص
صفات الجنة، وقد ذكره الله سبحانه وامتن به في مواضع من كلامه.
(ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيّا...) الظاهر أن اتيان الرّزق بكرة وعشيّا كناية
عن تواليه من غير انقطاع.
63 ـ
(تلك الجنّة الّتي...)
الأرث والوارثة: هو أن
ينتقل مال أو ما يشبهه من شخص إلى آخر وإذ كانت الجنّة في معرض العطاء لكل إنسان
بحسب الوعد الإلهي المشروط بالايمان والعمل الصالح، فاختصاص المتقين بها بعد حرمان
غيرهم عنها باضاعة الصّلاة واتباع الشهوات، وراثة المتقين.
64 ـ
(وما نتنزل إلاّ بأمر...)
التنزل: هو النزول على
مهل وتؤدة. (له ما بين أيدينا وما خلفنا...)
يفيد احاطة ملكه تعالى بهم ملكاً حقيقياً لايجري فيه تصرف غيره، إلاّ عن اذن منه
ومشيئة. |