مختصر تفسيرالميزان

 
 

65 ـ  (ربّ السّماوات والأرض...) كيف لا يملك ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك، وكيف يكون نسياً وهو تعالى ربّ السّماوات والأرض وما بينهما (فاعبده واصطبر) فاعبده وحده واصطبر لعبادته فليس هناك من يسمى رباً غير ربّك.

66 ـ  (ويقول الإنسان إذا...) إنكارٌ للبعث في صورة الاستبعاد.

67 ـ  (اَوَ لا يذكر الإنسان...) الاستفهام للتعجيب والاستبعاد، ومعنى الآية ظاهر.

68 ـ  (فوربّك لنحشرنهم...) فاقسم بربك لنجمعنهم ـ  يوم القيامة  ـ واولياءهم او قرناءهم من الشياطين، ثم لنحصرنهم حول جهنم لاذاقة العذاب وهم باركون على ركبهم من الذلة، أو وهم جماعات وزمرة زمرة.

69 ـ  (ثمّ لننزعنّ من...) ثمّ لنستخرجن من كل جماعة متشكلة أشدهم تمرداً على الرحمن، وهم الرؤساء وأئمة الضلال، وقيل المعنى: لنستخرجن الأشد ثم الأشد حتى يحاط بهم.

70 ـ  (ثمّ لنحن أعلم...) ثمّ اقسم لنحن أعلم بمن أولى بالنار مقاساة لحرها، أي ان الأمر في دركات عذابهم ومراتب استحقاقهم، لا يشتبه علينا.

71 ـ  (وإنْ منكم  إلاّ واردها...) الخطاب للناس عامة مؤمنيهم وكافريهم. والورود لا يدل على ازيد من الحضور والاشراف عن قصد ـ  على ما يستفاد من كتب اللغة.

72 ـ (ثمّ ننجّي الّذين...) ما من أحد منكم ـ  متق أو ظالم  ـ  إلاّ وهو سيرد النار، كان هذا الايراد واجباً مقضياً على

 (309)

ربّك، ثمّ ننجي الذين اتقوا منها ونترك الظالمين فيها.

73 ـ  (وإذا تتلى عليهم...) وإذا تتلى على الناس ـ  وهم الفريقان الكفار والمؤمنون  ـ آياتنا وهي ظاهرات في حجّتها قال فريق منهم وهم الذين كفروا للفريق الآخر وهم الذين آمنوا: أيّ هذين الفريقين خير من جهة المسكن واحسن من حيث المجلس، ـ  ولا محالة هم الكفار  ـ يريدون أن لازم ذلك أن يكونوا هم سعداء في طريقتهم وملّتهم.

74 ـ (وكم أهلكنا قبلهم...) القرن: الناس المقترنون في زمن واحد. والمعنى أنهم يتفوّهون بهذه الشبهة الواهيَة ـ  نحن خير منكم مقاماً واحسن نديّا  ـ استخفافاً للمؤمنين، والحال أنا أهلكنا قروناً كثيرة قبلهم هم أحسن من حيث الأمتعة والمناظر.

75 ـ (قل من كان في...) المراد: أن من استقرت عليه الضلالة واستمر هو عليها ـ  والمراد به الكفار كناية  ـ فقد أوجب الله على نفسه ان يمده بما منه ضلالته، كالزخارف الدنيوية فينصرف بذلك عن الحق حتى يأتيه أمر الله من عذاب أو ساعة بالمفاجأة والمباغتة فيظهر له الحق عند ذلك ولن ينتفع به.

76 ـ  (ويزيد الله الّذين اهتدوا...) هذه الآية تبين حال الفريق الآخر، وهم المؤمنون وأن الله سبحانه يمد المهتدين منهم وهم المؤمنون بالهدى، فيزيدهم هدىً على هداهم فيوفقون للأعمال الباقية الصالحة وهي خير أجراً وخير داراً.

77 ـ  (أفرأيت الّذي كفر...) مسوق للتعجيب. (وقال لاُوتين مالاً وولداً) إنه انما كفر بآيات الله زاعماً أن ذلك طريقة ميمونة مباركة تجلب لسالكها العزّة والقدرة وترزقه الخير والسعادة في الدنيا.

78 ـ  (أطَّلع الغيب أم...) رد سبحانه عليه قوله: (لأوتين مالاً...) بأنه رجم بالغيب لا طريق له إلى العلم فليس بمطلع على الغيب حتى يعلم بأنه سيؤتى بكفره ما يأمله، ولا يتخذ عهداً عند الله حتى يطمئن إليه في ذلك.

79 ـ  (كلاّ سنكتب ما يقول...) الأقرب أن يكون المراد من كتابة قوله: تثبيته ليترتب عليه أثره.

80 ـ  (ونرثه ما يقول...) المراد بوراثة ما يقول: أنه سيموت ويفنى ويترك قوله: لاوتين بكفرى مالاً وولداً. (ويَأتينا فردا) وحده وليس معه شيء ممّا كان ينتصر به.

81 ـ  (واتخذوا من دون...) هؤلاء الآلهة هم الملائكة والجنّ والقديسون من الإنس وجبابرة الملوك. ومعنى كونهم له عزاً: كونهم شفعاء لهم يقرّبونهم إلى الله بالشفاعة.

82 ـ  (كلّا سيكفرون بعبادتهم...) سيكفر الآلهة بعبادة هؤلاء المشركين ويكون الآلهة ضداً لهم يعادونهم.

83 ـ  (ألم تر أنّا أرسلنا...) الأز والهز بمعنى واحد: وهو التحريك بشدة وإزعاج. والمراد: تهييج الشياطين إياهم إلى الشر والفساد وتحريضهم على اتباع الباطل وإضلالهم بالتزلزل عن الثبات والاستقامة على الحق.

84 ـ  (فلا تعجل عليهم...) فلا تعجل عليهم بالقبض أو بالقضاء ولا يضيق صدرك عن تأخير ذلك، إنّما نعد لهم أنفاسهم أو أعمالهم عدّاً.

85 ـ  (يوم نحشر المتّقين...) المراد بحشرهم إلى الرحمن: حشرهم إلى الجنّة.

86 ـ  (ونسوق المجرمين إلى...) الورد: كناية عن العطاش.

87 ـ  (لا يملكون الشفاعة...) ليس كل من يهوى الإنسان شفاعته فاتخذه إلهاً ليشفع له يكون شفيعاً، بل إنّما يملك الشفاعة بعهد من الله.88 ـ  (وقالوا اتّخذ الرّحمن...) من قول الوثنيين وبعض خاصتهم.

89 ـ 91 ـ  (لقد جئتم شيئاً إدّا...) لقد أتيتم بقولكم هذا أمراً منكراً فظيعاً، تكاد السماوات يتفطرن ويتشققن منه، وتنشق الأرض وتسقط الجبال على السهل سقوط انهدام، إذ دعوا للرحمان ولدا.

92 ـ 95 ـ  (وما ينبغي للرّحمن أن...) المراد باتيان كل منهم عبداً له: توجه الكل إليه ومثوله بين يديه في صفة المملوكية المحضة. والمراد باحصائهم وعدّهم: تثبيت العبودية لهم، والمراد بإتيانه له يوم القيامة فرداً: اتيانه يومئذ صفر الكف لا يملك شيئاً ممّا كان يملكه بحسب ظاهر النظر في الدنيا.

 (310)

96 ـ  (إنّ الّذين آمنوا...) في الآية وعد جميل منه تعالى أنه سيجعل للذين آمنوا وعملوا الصالحات مودة في القلوب. وقد ورد في اسباب النزول من طرق الشيعة وأهل السنة أن الآية نزلت في عليّ عليه السلام.

97 ـ  (فانّما يسّرناه بلسانك...) معنى تيسره بلسانه: تنزيله على اللسان العربي الذي كان هو لسانه صلى الله عليه وآله فتنبئ الآية انه تعالى يسّره بلسانه ليتيسر له التبشير والانذار. واللّدُّ: جمع الدّ من اللدد وهو الخصومة.

98 ـ  (وكم أهلكنا قبلهم...) انهم وان كانوا خصماء مجادلين لكنهم غير معجزي الله بخصامهم، فكم اهلكنا قبلهم من قرن فبادوا فلا يحس منهم أحد ولا يسمع لهم صوت.

«سورة طه»

بسم الله الرّحمن الرّحيم

2 ـ  (طه ما أنزلنا عليك...) ما أنزلنا القرآن لتتعب نفسك في سبيل تبليغه بالتكلف في حمل الناس عليه.

3 ـ  (إلاّ تذكرة لمن...) ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب به نفسك، ولكن لتذكّر الخاشعين بكلام الهي منزل من بعده.

4 ـ  (تنزيلاً ممّن خلق...) العلى: جمع عليا مؤنث اعلى.

5 ـ  (الرّحمن على العرش...) الاستواء على العرش: كناية عن الاحتواء على الملك والأخذ بزمام تدبير الأمور.

6 ـ  (له ما في السّماوات...) بين في هذه الآية أحد ركني الربوبية وهو الملك، فان معنى الربوبية هو الملك والتدبير.

7 ـ  (وإن تجهر بالقول...) وإن تجهر بقولك وأعلنت ما تريده، أو أسررته في نفسك وكتمته، أو كان أخفى من ذلك بأن كان خفياً حتى عليك نفسك، فان الله يعلمه.

8 ـ  (ألله لا إله  إلاّ هو...) المراد بالأسماء الحسنى: الألفاظ الدالة على المعاني الوصفية الجميلة البالغة في الجمال كالحي والعليم والقدير.

9 ـ  (وهل أتاك حديث...) الاستفهام للتقرير والحديث.

10 ـ  (إذ رأى ناراً...) سياق الآية وما يتلوها يشهد أنه كان (موسى عليه السلام) في منصرفه من مدين إلى مصر ومعه أهله وهم بالقرب من وادي طوى في طور سيناء في ليلة شاتية مظلمة، وقد ضلوا الطريق إذ رأى ناراً، فرأى أن يذهب إليها فان وجد عندها أحداً سأله الطريق، وإلاّ أخذ قبساً من النار ليضرموا به ناراً فيصطلوا بها.

11، 12 ـ  (فلما أتاها نودي...) نودي يا موسى ها أنا ذا ربك وأنت بمحضر مني وقد تقدّس الوادي بذلك فالتزم شرط الأدب واخلعْ نعليك.

13 ـ  (وأنا اخترتك فاستمع...) إختياره تعالى لموسى، إنّما هو لغاية إلهية وهي إعطاء النبوة والرّسالة.

14 ـ  (إنّني أنا الله...) هذا هو الوحي الذي أُمر عليه السلام بالاستماع له.

15 ـ  (إنّ السّاعة آتية...) تعليل لقوله في الآية السابقة: (فاعبدني). وقوله: (أكاد أُخفيها) ظاهر إطلاق الاخفاء ان المراد: يقرب أن أُخفيها وأكتمها فلا اُخبر عنها أصلاً.

16 ـ  (فلا يصدّنك عنها...) إذا كانت الساعة آتية والجزاء واقعاً، فلا يصرفنّك عن الإيمان بها، الذين اتبعوا أهواءهم فصاروا يكفرون بها، حتى تنصرف فتهلك.

17 ـ  (وما تلك بيمينك...) سُئل عليه السلام عمّا في يده اليمنى وكانت عصاه، ليسميها ويذكر أوصافها فيتبين انها جماد لا حياة له، حتى يأخذ تبديلها حيّة تسعى مكانه في نفسه عليه السلام.

18 ـ (قال هي عصاي...) التوكي والاتكاء على العصا: الاعتماد عليها. والهش: خبط ورق الشجرة وضربه بالعصا ليتساقط على الغنم فيأكله. والمأرب: جمع مأرب وهي الحاجة.

 (311)

19، 20 ـ (قال القها يا موسى...) أمر سبحانه موسى أن يلقي عصاه عن يمينه، فلما ألقى العصا صارت حيّة تتحرّك.

21 ـ  (قال خذها ولا تخف...) (في الآية) دلالة على خوفه عليه السلام ممّا شاهده عن حيّة ساعية.

22 ـ (واضمم يدك إلى...) اجمع يدك تحت ابطك، أي ادخلها في جيبك تخرج بيضاء من غير برص أو حالة سيئة.

23 ـ (لنريك من آياتنا...) كأنه قيل: أجرينا ما أجرينا على يدك لنريك بعض آياتنا الكبرى.

24 ـ  (إذهب إلى فرعون...) هذا هو أمر الرّسالة.

25 ـ  (قال ربّ اشرح...) سأل ربّه أن يوسع صدره لما يحمّله ربه من أعباء الرسالة ولما ستستقبله من العظائم والشدائد في مسيره في الدعوة.

26 ـ  (ويسّر لي أمري...) هو الأمر الذي قلَّده من الرّسالة.

27، 28 ـ  (واحلل عقدة من...) سؤال له آخر يرجع إلى عقدة في لسانه، أي عقدة تمنع من فقه قولي.

29 ـ 32 ـ  (واجعل لي وزيراً...) يسال ربّه أن يجعل له وزيراً من أهله ويبيِّنه أنه هارون أخي، وإنّما يسأل ذلك لأن الأمر كثير الجوانب متباعد الأطراف لا يسع موسى أن يقوم به وحده بل يحتاج إلى وزير يشاركه في ذلك، فيقوم ببعض الأمر فيخفف عنه فيما يقوم به هذا الوزير، ويكون مؤيداً لموسى فيما يقوم به موسى، وهذا معنى قوله ـ  وهو بمنزلة التفسير لجعله وزيراً  ـ (أشدد به أزري وأشركه في أمري).

33، 34 ـ  (كي نسبحك كثيراً...) المراد: أن يسبِّحاه ويذكراه معاً بين الناس في مجامعهم ونواديهم.

36 ـ  (قال قد اُوتيت...) إجابة لأدعيته جميعاً.

37 ـ  (ولقد مننّا عليك...) إمتنان بما صنعه به أوّل عمره.

38، 39 ـ  (إذ أوحينا إلى أُمك...) المراد به: الالهام وهو نوع من القذف في القلب في يقظة أو نوم. إذ أوحينا وألهمنا اُمّك بما يوحى ويلهم، وهو أن ضعيه ـ  أو ألقيه  ـ في التابوت وهو الصندوق، فالقيه في اليم والبحر وهو النيل، فمن المقضي من عندنا أن يلقيه البحر بالساحل والشاطئ يأخذه عدوّ لي وعدوّ له وهو فرعون لأنه كان يعادي الله بدعوى الالوهية ويعادي موسى بقتله الأطفال، أوحيناه إلى امك. (والقيت عليك محبة...) معنى القاء محبة منه عليه، كونه بحيث يحبّه كل من يراه، (ولتصنع على عيني) وليحسن إليك على عيني أي بمرأى مني.

40 ـ  (إذ تمشي أختك...) في وقت تمشي اختك لتجوس خبرك وترى ما يصنع بك، فتجد عمال فرعون يطلبون مرضعاً ترضعك فتقول لهم: هل أدلكّم على من يكفله بالحضانة والارضاع. فرددناك إلى اُمك كي تسر ولا تحزن. (وقتلت نفساً فنجيناك من الغمّ) قصة قتله عليه السلام القبطي وائتمار الملأ أن يقتلوه وفراره من مصر وتزوجه هناك ببنت شعيب النبيّ، وبقائه عنده بين أهل مدين عشر سنين.

41 ـ (واصطنعتك لنفسي...) وجعلتك خالصاً لنفسي فيما عندك من النعم.

42 ـ  (إذهب أنت واخوك...) تجديد للأمر السابق. (ولا تنيا في ذكري) نهي عن الوني وهو الفتور.

43 ـ  (إذهبا إلى فرعون...) جمعهما في الأمر ثانياً فخاطب موسى وهارون معاً.

44 ـ  (فقولا له قولاً ليّناً...) المنع من أن يكلّماه بخشونة وعنف وهو من أوجب آداب الدعوة (لعلّه يتذكر أو يخشى) لعلّة يؤمن أو يقرب من ذلك فيجيبكم إلى بعض ما تسألانه.

45 ـ  (قالا ربّنا إنّنا...) الفرط: التقدم، والمراد به بقرينة مقابلته الطغيان: أن يعجّل بالعقوبة ولا يصبر إلى إتمام الدعوة وإظهار الآية المعجزة. والمراد بأن يطغى: أن يتجاوز حدّه في ظلمه.

46 ـ  (قال لا تخافا إنّني...) لا تخافا من فرطه وطغيانه إنني حاضر معكما أسمع ما يقال وأرى ما يفعل.

47 ـ (فأتياه فقولا إنّا...) جدد أمرهما بالذهاب إلى فرعون بعد تأمينهما ووعدهما بالحفظ والنصر.

48 ـ  (إنا قد أُوحي إلينا...) إنما نسلّم على المهتدين فحسب، لأن الله سبحانه أوحي إلينا أن العذاب وهو خلاف السّلام على من كذّب بآيات الله ـ  أو الدعوة الحقّة التي هي الهدى  ـ وتولى وأعرض عنها.

49 ـ  (قال فمن ربّكما...) حكاية لمحاورة موسى وفرعون.

50 ـ  (قال ربّنا الّذي...) مشتمل على البرهان

 (312)

على كونه تعالى رب كل شيء لا ربّ غيره.

51 ـ  (قال فما بال...) ما حال الأمم والأجيال الإنسانية الماضية التي ماتوا وفنوا، لا خبر عنهم ولا أثر، كيف يجزون بأعمالهم ولا عامل في الوجود ولا عمل، وليسوا اليوم  إلاّ أحاديث وأساطير؟

52 ـ  (قال علمها عند ربّي...) إنّ جزاء القرون الاُولى معلومة لربي محفوظة عنده في كتاب لا يتطرق إليه خطأ ولا تغيير ولا غيبة ولا زوال.

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث