|
الكتاب.
(ليكون الرّسول شهيداً) المراد به شهادة الأعمال.
(فأقيموا الصّلاة وآتوا...) فعلى هذا يجب عليكم أن تقيموا الصّلاة وتؤتوا
الزكاة وتعتصموا بالله في جميع الأحوال فتأتمروا بكل ما أمر به وتنتهوا عن جميع ما
نهى عنه ولا تنقطعوا عنه في حال.
«سورة
المؤمنون»
بسم الله الرّحمن
الرّحيم
1 ـ
(قد أفلح المؤمنون)
الإيمان بالله في عرف
القرآن: التصديق بوحدانيته ورسله واليوم الآخر وبما جاءت به رسله مع الاتّباع.
2 ـ
(الّذين هم في صلاتهم...)
الخشوع: تأثر خاص من
المقهور قبال القاهر بحيث ينقطع عن غيره بالتوجه إليه.
3 ـ
(والّذين هم عن اللّغو...)
اللغو من الأفعال في
نظر الدين: الأعمال المباحة التي لا ينتفع بها في الآخرة أو في الدنيا.
4 ـ
(والّذين هم للزّكاة...)
ذكر الزكاة مع الصّلاة
قرينة على كون المراد بها: الانفاق المالي دون الزكاة بمعنى تطهير النفس.
5 ـ
(والّذين هم لفروجهم...)
حفظ الفروج: كناية عن
الاجتناب عن المواقعَة سواء كانت زنا أو لواطاً أو بإتيان البهائم وغير ذلك.
6 ـ
(إلاّ على أزواجهم...)
إستثناء من حفظ الفروج،
والازواج الحلائل والجواري المملوكة.
7 ـ
(فمن ابتغى وراء...)
إذا كان مقتضى الإيمان
حفظ الفروج مطلقاً إلاّ عن طائفتين من النساء هما الأزواج وما ملكت أيمانهم، فمن
طلب وراء ذلك أي مس غير الطائفتين فأُولئك هم المتجاوزون عن الحد الذي حده الله
تعالى لهم.
8 ـ
(والّذين هم لأماناتهم...)
الآية تصف المؤمنين
بحفظ الأمانات من أن تخان، والعهد مِن أن ينقض.
9 ـ
(والّذين هم على صلواتهم...)
يحافظون على أن لا
يفوتهم شيء من الصلوات المفروضة ويراقبونها دائماً.
10،
11 ـ
(اُولئك هم الوارثون...)
الفردوس: أعلى الجنان،
ووراثتهم الفردوس هو بقاؤها لهم بعد ما كانت في معرض أن يشاركهم فيها غيرهم أو
يملكها دونهم، لكنهم زالوا عنها فانتقلت إليهم، وقد ورد في الروايات أن لكل إنسان
منزلاً في الجنّة ومنزلاً في النار، فاذا مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله.
12 ـ
(ولقد خلقنا الإنسان...)
ظاهر السياق أن المراد
بالإنسان: هو النوع فيشمل آدم ومن دونه، ويكون المراد بالخلق: الخلق الابتدائي الذي
خلق به آدم من الطين ثمّ جعل النسل من النطفة.
13 ـ
(ثمّ جعلناه نطفة...)
ثمّ جعلنا الإنسان نطفة
في مستقر متمكن هي الرحم كما خلقناه أولاً من سلالة من طين. أي بدّلنا طريق خلقه من
هذا إلى ذاك.
14 ـ
(ثمّ خلقنا النطفة...)
تقدم بيان مفردات الآية
في الآية 5 من سورة الحج.
15 ـ
(ثمّ إنّكم بعد...)
بيان لتمام التدبير
الإلهي.
16 ـ
(ثمّ إنّكم يوم القيامة)
وهذا تمام التدبير، وهو
البعث آخر مرحلة من مسير الإنسان.
17 ـ
(ولقد خلقنا فوقكم...)
المراد بالطرائق السبع
بقرينة قوله: (فوقكم) السماوات السبع.
(وما كنّا عن الخلق غافلين) لستم بمنقطعين عنّا
ولا بمعزل عن مراقبتنا.
18 ـ
(وأنزلنا من السّماء...)
وأنزلنا من جهة العلو
ماء بقدر، وهو ماء المطر فاسكناه في الأرض، وهو الدخائر المدّخرة من الماء في
الجبال والسهول تتفجر عنه العيون والأنهار وتكشف عنه الآبار، وإنا لقادرون على أن
نذهب بهذا الماء الذي أسكناه في الأرض نوعاً من الذهاب لا تهتدون بعلمه.
19 ـ
(فأنشأنا لكم به...)
إنشاء الجنات: إحداثها
وتربيتها.
20 ـ
(وشجرة تخرج من...)
وأنشأنا لكم به شجرة في
طور سيناء، والمراد بها شجرة الزيتون التي تكثر في طور سيناء.
(تنبت بالدهن) تثمر ثمرة فيها الدهن وهو الزيت.
(وصبغ للآكلين) وتنبت بصبغ للآكلين، والصبغ: الإدام الذي يؤتدم به.
(343)
21 ـ
(إنّ لكم في الأنعام...)
العبرة: الدلالة التي
يستدل بها على أنه تعالى مدبّر لأمر خلقه حنين بهم رؤوف رحيم. والمراد بسقيه تعالى
مما في بطونها: أنه رزقهم من ألبانها. والمراد بالمنافع الكثيرة: ما ينتفعون من
صوفها وشعرها ووبرها وجلودها وغير ذلك.
22 ـ
(وعليها وعلى الفلك...)
الحمل على الانعام: هو
الحمل على الإبل، وهو حمل في البر. ويقابله الحمل في البحر: وهو الحمل علي الفلك.
23 ـ
(ولقد أرسلنا نوحاً...)
نوح عليه السلام أول
أولي العزم من الرسل أصحاب الكتب والشرائع المبعوثين إلى عامة البشر.
(اعبدوا الله ما لكم...) دعوة إلى عبادة الله
ورفض عبادة الآلهة من دونه.
24،
25 ـ
(فقال الملأ الّذين...)
هذه حجج مختلقة القاها
ملأ قومه إلى عامتهم، أو ذكر كلاً منها بعضهم، وهي وإن كانت حججاً جدلية مدخولة،
لكنهم كانوا ينتفعون بها حينما يلقونها إلى الناس، فيصرفون وجوههم عنه ويغرونهم
عليه ويمدون في ضلالهم.
26 ـ
(قال ربِّ انصرني...)
انصرني بالذي كذبوني
فيه وهو العذاب.
27 ـ
(فاوحينا إليه أن اصنع...)
معنى صنع الفلك بأعينه:
صنعه بمرئى منه، ومعنى كون الصنع بوحيه: كونه بتعليمه الغيبي حالاً بعد حال.
(فإذا جاء أمرنا وفار...) المراد بالأمر ـ كما
قيل ـ حكمه الفصل بينه وبين قومه وقضاؤه فيهم بالغرق،
(فاسلك فيها من كل...) فادخل في الفلك زوجين اثنين: ذكر وانثى من كل نوع من
الحيوان. (وأهلك إلاّ من سبق...) المراد بمن
سبق عليه القول منهم: إمرأته الكافرة وإبنه الذي أبى ركوب السفينة.
(ولا تخاطبني في الّذين) كناية عن النهي الشديد
عن الشفاعة لهم.
28،
29 ـ
(فإذا استويت أنت...)
علمه أن يحمد الله بعد
الاستواء على الفلك على تنجيته تعالى من القوم الظالمين، وهذا بيان بعد بيان لكونهم
هالكين مغرقين حتماً، وأن يسأله أن ينجيه من الطوفان، وينزله على الأرض إنزالاً
مباركاً ذا خير كثير ثابت فإنه خير المنزلين.
30 ـ
(إنّ في ذلك لآيات...)
خطاب في آخر القصة
للنبيّ صلى الله عليه وآله أن هذه الدعوة مع ما جرى معها كانت إمتحاناً واختباراً
إليها.
31،
32 ـ
(ثمّ أنشأنا من بعدهم...)
القرن: أهل عصر واحد.
33
ـ
38 ـ
(وقال الملأ من قومه...)
هؤلاء اشرافهم
المتوغلون في الدنيا المخلدون إلى الأرض، يغرون بقولهم هذا عامتهم على رسولهم. وقد
وصفهم الله بصفات ثلاث وهي: الكفر بالله، والتكذيب بلقاء الآخرة ثمّ لمّا أُترفوا
في الحياة الدنيا وتمكنوا من زخارفها وزيناتها الملذَّة اجتذبتهم الدنيا إلى نفسها
فاتبعوا الهوى ونسوا كل حق وحقيقة، ولذلك تفوَّهوا تارة بنفي التوحيد والرسالة
وتارة بانكار المعاد وتارة ردّوا الدعوة بإضرارها دنياهم وحريتهم في اتباع هواهم.
فتارة قالوا لعوامهم مشيرين إلى رسولهم إشارة المستحقر المستهين بأمره:
(ما هذا إلاّ بشر مثلكم يأكل...) يريدون به
تكذيبه في دعوته ودعواه الرسالة. وتارة قالوا: (ولئن
أطعتم بشراً مثلكم...) يريدون به أن في اتباعه وإطاعته خسرانكم وبطلان
سعادتكم في الحياة إذ لا حياة إلاّ الحياة الدنيا. ولا سعادة فيها إلاّ الحرية في
التمتع من لذائذها، وفي طاعة من لا فضل له عليكم رقّيتكم وزوال حريتكم وهو الخسران.
وتارة قالوا: (أيعدكم أنّكم إذا متّم وكنتم تراباً
وعظاماً إنّكم مخرجون) أي مبعوثون من قبوركم للحساب والجزاء
(هيهات هيهات لما توعدون) وهيهات كلمة إستبعاد
وفي تكرارها مبالغة في الاستبعاد (إن هي إلاّ حياتنا
الدّنيا نموت ونحيا) أي يموت قوم منا في الدنيا ويحيا آخرون فيها لا نزال
كذلك (وما نحن بمبعوثين) للحياة في دار أخرى
وراء الدنيا.
(344)
39 ـ
(قال ربِّ انصرني...)
تقدم تفسيره في القصة
السابقة.
40 ـ
(قال عمّا قليل...)
اُقسم لتأخذنهم الندامة
بعد قليل من الزمان بمشاهدة حلول العذاب.
41 ـ
(فأخذتهم الصيحة بالحق...)
فأنجزنا للرّسول ما
وعدناه من عذابهم، فأخذتهم الصيحة السماوية وهي العذاب فاهلكناهم وجعلناهم كغثاء
السيل فليبعد القوم الظالمون بعداً.
42 ـ
(ثمّ أنشأنا من بعدهم...)
تقدم توضيح مضمونها.
44 ـ
(ثمّ أرسلنا رسلنا...)
ثمّ أنشأنا بعد تلك
الاُمّة الهالكة بالصيحة بعد اُمّة نوح، قروناً وأُمماً آخرين وأرسلنا إليهم رسلنا
متتابعين يتبع بعضهم بعضاً، كلما جاء اُمّة رسولها المبعوث منها إليها، كذبوه
فاتبعنا بعض هذه الاُمم بعضاً بالعذاب وجعلناهم أحاديث أي صيرناهم قصصاً وأخباراً.
45 ـ
(ثمّ أرسلنا موسى...)
الآيات هي العصا واليد
البيضاء وسائر الآيات التي أراها موسى فرعون وقومه. والسلطان المبين: الحجة
الواضحة.
46 ـ
(إلى فرعون وملإيه...)
قيل إنما ذكر ملأ فرعون
واكتفى بهم عن ذكر قومه لأنهم الأشراف المتبوعون، وسائر القوم اتباع يتبعونهم.
والمراد بكونهم عالين: أنهم كانوا يعلون على غيرهم فيستعبدونهم.
47
ـ
49 ـ
(فقالوا أَنؤمن لبشرين...)
المراد بكونهما بشرين
مثلهم: نفي أن يكون لهما فضل عليهم. ثمّ ختم تعالى القصة بذكر هلاكهم فقال:
(فكذّبوهما فكانوا من المهلكين)، ثمّ قال:
(ولقد آتينا موسى الكتاب لعلّهم يهتدون) والمراد
بهم: بنو إسرائيل لأن التوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون وملئه.
50 ـ
(وجعلنا ابن مريم...)
وجعلنا عيسى بن مريم
واُمه مريم آية دالة على ربوبيتنا، واسكناهما في مكان مرتفع مستو فيه قرار وماء
جار.
51 ـ
(يا أيّها الرّسل كلوا...)
إمتنان منه تعالى
عليهم، (واعملوا صالحاً) أمر بمقابلة المنّة
بصالح العمل وهو شكر النعمة. (إنّي بما تعملون عليم)
تحذير لهم من مخالفة أمره.
52 ـ
(وإنّ هذه اُمّتكم...)
تقدم تفسير نظيرة الآية
في سورة الأنبياء.
53 ـ
(فتقطّعوا أمرهم بينهم...)
في قراءة ابن عامر
(زبراً) بفتح الباء: وهو جمع زبرة وهي الفرقة،
والمعنى: وتفرّقوا في أمرهم جماعات وأحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون.
54 ـ
(فذرهم في غمرتهم...)
في الآية تهديد
بالعذاب.
55،
56 ـ
(أيحسبون أنّما نمدّهم...)
أيظن هؤلاء أن ما
نعطيهم في مدة المهلة من مال وبنين، خيرات نسارع لهم فيها لرضانا عنهم أو حبّنا
لأعمالهم أو كرامتهم علينا لا بل لا يشعرون، أي إن الأمر على خلاف ما يظنّون.
57 ـ
(إنّ الّذين هم من...)
الآية تصفهم بأنهم
اتخذوا الله سبحانه ربّاً يملكهم ويدبِّر أمرهم، ولازم ذلك أن يكون النجاة والهلاك
دائرين مدار رضاه وسخطه، يخشونه في أمر يحبونه وهو نجاتهم وسعادتهم، فهم مشفقون من
خشيته.
58 ـ
(والّذين هم بآيات ربّهم...)
وهي كل ما يدل عليه
تعالى.
59 ـ
(والّذين هم بربِّهم...)
الإيمان بآياته هو الذي
دعاهم إلى نفي الشركاء في العبادة.
60 ـ
(والّذين يؤتون ما آتوا...)
إن الباعث لهم على
الانفاق في سبيل الله أو على صالح العمل، ذكرهم رجوعهم المحتوم إلى ربهم على وجل
منه.
61 ـ
(اُولئك
يُسارعون في...)
أولئك الذين وصفناهم هم
يسارعون في الخيرات من الأعمال وهم سابقون إليها أي يتسابقون فيها.
62 ـ
(لا نكلِّف نفساً إلاّ...)
نفي للتكليف الحَرجي
الخارج عن وسع النفوس. (ولدينا كتاب ينطق...)
ترغيب
(345)
لهم بتطييب نفوسهم بأن
عملهم لا يضيع وأجرهم لا يتخلف. والمراد بنطق الكتاب: إعرابه عمّا أثبت فيه إعراباً
لا لبس فيه.
63 ـ
(بل قلوبهم في غمرة...)
بل الكفار في غفلة
شديدة أو جهل شديد عن هذا الذي وصفنا به المؤمنين، ولهم أعمال رديئة خبيثة.
64 ـ
(حتّى إذا أخذنا...)
الجؤار: صوت الوحش
كالظباء ونحوها عند الفزع. وإنّما جعل مترفيهم متعلق العذاب لأن الكلام فيمن ذكره
قبلاً بقوله:
أيحسبون
أنّما نمدّهم به...)
وهم الرؤساء المتنعمون
منهم، وغيرهم تابعون لهم.
65 ـ
(لا
تجأروا اليوم إنّكم...)
العدول عن سياق الغيبة
إلى الخطاب، لتشديد التوبيخ والتقريع.
66،
67 ـ
(قد كانت آياتي...)
انكم منا لا تنصرون،
لأنه قد كانت آياتي تتلى وتقرأ عليكم، فكنتم تعرضون عنها وترجعون إلى أعقابكم
القهقرى مستكبرين بنكوصكم تحدّثون في أمره في الليل تهجرون وتهذون.
68 ـ
(أفلم يدّبّروا القول...)
شروع في قطع اعذارهم في
الإعراض عن القرآن النازل لهدايتهم وعدم استجابتهم للدعوة الحقة التي قام بها
النبيّ صلى الله عليه وآله. (أم جاءهم ما لم يأت به)
بل أجاءهم شيء لم يأت آباءهم الأولين فيكون بدعاً ينكر ويحترّز منه.
69 ـ
(أم لم يعرفوا رسولهم...)
فهم قد عرفوا رسولهم
صلى الله عليه وآله بنعوته الخاصة المعجزة لغيره، ولو لم يكونوا يعرفونه لكان لهم
عذراً في إعراضهم عن دينه.
70 ـ
(أم يقولون به جُنّة...)
إنهم كاذبون في قولهم:
(به جُنّة) واعتذارهم عن عدم إيمانهم به بذلك،
بل إنما كرهوا الإيمان به لأنه جاء بالحق وأكثرهم للحق كارهون. |