مختصر تفسيرالميزان

 
 

71 ـ  (ولو اتّبع الحقّ...) لما ذكر ان أكثرهم للحق كارهون وإنّما يكرهون الحق لمخالفته هواهم، فهم يريدون من الحق أي الدعوة الحقة أن يتبع أهواءهم وهذا ممّا لا يكون. (بل أتيناهم بذكرهم...) لم يتبع الحق أهواءهم بل جئناهم بكتاب يذكرهم ـ  أو يذكرون به  ـ دينهم الذي يختص بهم ويتفرع عليه أنهم عن دينهم الخاص بهم معرضون.

72 ـ  (أم تسألهم خرجاً...) وهذا رابع الاعذار التي ذكرت في هذه الآيات ووبّخوا عليها وقد ذكره الله بقوله: (أم تسألهم خرجاً) أي مالاً يدفعونه إليك على سبيل الرسم والوظيفة، ثمّ ذكر غني النبيّ صلى الله عليه وآله بقوله: (فخراج ربّك خير وهو خير الرّازقين) أي إن الله هو رازقك ولا حاجة لك إلى خرجهم.

73، 74 ـ  (وإنّك لتدعوهم إلى...) إنهم ليسوا بمؤمنين بك، لأنك تدعو إلى صراط مستقيم، وهُم لا هَمّ لهم  إلاّ العدول والميل عنه.

75، 76 ـ  (ولو رحمناهم وكشفنا...) بيان وتأييد لنكوبهم عن الصراط، بأنا لو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر لم يرجعوا بمقابلة ذلك الشكر، بل أصروا على تمردهم عن الحق.

77 ـ  (حتّى إذا فتحنا...) هم على حالهم هذه لا تنفع فيهم رحمة ولا عذاب، حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد وهو الموت بما يستتبعه من عذاب الآخرة فيفاجئهم الإبلاس واليأس من كل خير.

78 ـ  (وهو الّذي أنشأ...) إفتتح سبحانه من نعمه التي انعمها عليهم بذكر إنشاء السمع والبصر وهما نعمتان خص بها جنس الحيوان، ثم ذكر سبحانه الفؤاد والمراد به: المبدأ الذي يعقل من الإنسان، وهو نعمة خاصة بالإنسان من بين سائر الحيوان. (وقليلاً ما تشكرون) فيه بعض العتاب ومعناه: تشكرون شكراً قليلاً.

79 ـ  (وهو الّذي ذرأكم...) إنه لما جعلكم ذوي حس وعقل، اظهر وجودكم في الأرض متعلقين بها، ثمّ يجمعكم ويرجعكم إلى لقائه.

80 ـ  (وهو الّذي يُحيي...) لما جعلكم ذوي علم وأظهر وجودكم في الأرض إلى حين حتى تحشروا إليه، لزمت ذلك سنة الإحياء والإماتة، إذ العلم متوقف على الحياة، والحشر متوقف على الموت (وله اختلاف اللّيل والنّهار) مترتب على ما قبله فإن الحياة ثمّ الموت لا تتم  إلاّ بمرور الزمان.

81 ـ  (بل قالوا مثل...) تشبيه قولهم بقول الأولين، إشارة إلى ان تقليد الآباء منعهم عن اتباع الحق.

82 ـ  (قالوا إذا متنا...) بيان لقوله (قالوا) في الآية السابقة، والكلام مبني على الاستبعاد.

83 ـ  (لقد وعدنا نحن...) ان وعد البعث وعد قديم ليس بحديث، نقسم لقد وعدناه من قبل نحن وآباؤنا، ليس

 (346)

البعث الموعود  إلاّ أحاديث خرافية.

84 ـ  (قل لمن الأرض...) شرع في الاحتجاج على إمكانه من طريق الملك والربوبية والسلطنة.

85 ـ  (سيقولون لله قل...) قل لهم: فإذا كان الله سبحانه مالك الأرض ومن فيها، لم لا تتذكرون أن له ان يتصرف في أهلها بالاحياء بعد الإماتة.

86 ـ  (قل من ربّ السّماوات...) أمره ثانياً أن يسألهم عن رب السماوات السبع ورب العرش العظيم من هو؟

87 ـ  (سيقولون للهِ قل...) سيجيبونك بأنها لله قل لهم تبكيتاً وتوبيخاً فلم لا تتقون سخطه إذ تنكرون البعث وتعدونه من أساطير الأولين، وتسخرون من أنبيائه الذين وعدوكم به؟

88 ـ  (قل مَن بيده ملكوت كل...) قل لهؤلاء المنكرين للبعث: من الذي يختص به إيجاد كل شيء بما له من الخواص والآثار وهو يحمي من استجار به، ولا يحمي عنه شيء إذا أراد شيئاً بسوء إن كنتم تعلمون.

89 ـ  (سيقولون لله قل...) سيجيبونك ان الملكوت لله قل لهم تبكيتاً وتوبيخاً: فإلى متى يخيل لكم الحق باطلاً، فإذا كان الملك المطلق لله سبحانه، فله أن يوجد النشأة الآخرة ويعيد الأموات للحساب والجزاء.

90 ـ  (بل أتيناهم بالحق...) بل جئناهم بلسان الرسل بالحق وإنهم لكاذبون في دعواهم; كذبهم ونفيهم للبعث.

91 ـ  (ما اتّخذ الله من...) القول بالولد كان شائعاً بين الوثنيين وتبعهم النصارى في قولهم: المسيح ابن الله (إذاً لذهب كل إله بما خلق) حجة على نفي التعدد. (ولعلا بعضهم على بعض) محذور آخر لازم لتعدد الآلهة تتأ لّف من حجّة اُخرى على النفي.

92 ـ  (عالم الغيب والشّهادة...) صفة لاسم الجلالة في قوله: (سبحان الله عمّا يصفون).

93، 94 ـ  (قل ربّ إمّا ترينّي) أمر نبيّه صلى الله عليه وآله أن يسأله أن ينجيه من العذاب الذي أوعدناهم به، إن أراد ذلك العذاب.

95 ـ  (وإنّا على أن نريك...) تطييب لنفس النبيّ صلى الله عليه وآله بقدرة ربه على أن يكشف عنه بإرادته ما يعدهم من العذاب، ولعل المراد به ما عذبهم الله به يوم بدر، وقد أراه الله ذلك وأراه المؤمنين وشفي به غليل صدورهم.

96 ـ  (إدفع بالّتي هي أحسن...) إدفع السيئة التي تتوجه إليك منهم، بالحسنة واختر للدفع من الحسنات أحسنها، وهو دفع السيئة بالحسنة التي هي أحسن.

97، 98 ـ  (وقل ربِّ أعوذ...) أمره صلى الله عليه وآله أن يستعيذ بربه من اغواء الشياطين ومن أن يحضروه.

99 ـ  (حتّى إذا جاء...) لا يزالون يشركون به ويصفونه بما هو منزّه منه وهم مغترّون بما نمدهم به من مال وبنين، حتى إذا جاء أحدهم الموت (قال ربِّ ارجعون) قال ـ  وهو يستغيث بربه  ـ ارجعون.

100 ـ  (لعلِّي أعمل صالحاً...) رجاء تعلقوا به بمعاينة العذاب المشرف عليهم. (أعمل صالحاً فيما تركت) أعمل صالحاً فيما تركت من المال بإنفاقه في البر والإحسان، وكل ما فيه رضي الله سبحانه. (كلّا إنّها كلمة هو قائلها) لا يرجع إلى الدنيا، إن هذه الكلمة لا أثر لها  إلاّ أنها كلمة هو قائلها، فهو كناية عن عدم إجابة مسألته. (ومن ورائهم برزخ...) المراد بهذا البرزخ عالم القبر.

101 ـ  (فإذا نفخ في الصّور...) المراد: النفخة الثانية التي تحيا فيها الأموات، دون النفخة الأولى التي تموت فيها الأحياء. (فلا أنساب بينهم) نفي لآثار الانساب بنفي أصلها. ويوم القيامة ظرف جزاء الاعمال وسقوط الأسباب التي منها الأعمال، فلا موطن فيه للأسباب الدنيوية التي فيها الأنساب بلوازمها وخواصها وآثارها.

102، 103 ـ  (فمن ثقلت موازينه...) الموازين جمع ميزان أو جمع الموزون، وهو العمل الذي يوزن يومئذ.

104 ـ  (تلفح وجوههم النّار...) يصيب وجوههم لهب النار حتى تتقلص شفاههم وتنكشف عن أسنانهم كالرؤوس المشوية.

105 ـ  ألَم تكن آياتي...) يقال لهم: ألم تكن آياتي تتلى... الخ.

106 ـ  (قالوا ربّنا غلبت...) الشقوة والشقاوة والشقاء خلاف السعادة. أي قهرنا واستولت علينا شقوتنا. وإنما

 (347)

اعترفوا بالذنب ليتوسلوا به إلى التخلص من العذاب والرجوع إلى الدنيا.

107 ـ  (ربّنا أخرجنا منها...) سؤال منهم للرجوع إلى الدنيا.

108 ـ  (قال اخسأوا فيها...) زجرهم بالتباعد وقطع الكلام.

109 ـ  (إنّه كان فريق...) هؤلاء هم المؤمنون في الدنيا، وكان إيمانهم توبة ورجوعاً إلى الله.

110 ـ  (فاتّخذتموهم سخريّا...) ضمائر الخطاب للكفار وضمائر الغيبة للمؤمنين. (حتّى أنسوكم ذكري) أنسى اشتغالكم بسخرية المؤمنين والضحك منهم ذكري.

111 ـ  (إنِّي جزيتهم اليوم...) المراد باليوم: يوم الجزاء. (إنّهم هم الفائزون) هم الفائزون دونكم.

112 ـ  (قال كم لبثتم في...) ممّا يسأل الله الناس عنه يوم القيامة مدة لبثهم في الأرض، وقد ذكر في مواضع من كلامه، والمراد به: السؤال عن مدة لبثهم في القبور.

113 ـ  (قالا لبثنا يوماً...) ظاهر السّياق أن المراد باليوم: هو الواحد من أيام الدنيا، وقد استقلوا اللبث في الأرض حينما قايسوه بالبقاء الأبدي الذي يلوح لهم يوم القيامة ويعاينونه. (فاسأل العادّين) أي نحن لا نحسن إحصاءها فاسال الذين يعدونه.

114 ـ  (قال إن لبثتم...) قال الله: الأمر كما قلتم فما مكثتم  إلاّ قليلاً، فليتكم كنتم تعلمون في الدنيا أنكم لا تلبثون في قبوركم  إلاّ قليلاً، ثمّ تبعثون حتى لا تنكروا البعث ولم تبتلوا بهذا العذاب الخالد.

115 ـ  (أفحسبتم أنّما خلقناكم...) فهل تظنون أنما خلقناكم عبثاً تحيون وتموتون من غير غاية باقية في خلقكم وأنكم إلينا لا ترجعون؟

116 ـ  (فتعالى الله الملك...) إشارة إلى برهان يثبت البعث ويدفع قولهم بالنفي، في صورة التنزيه.

117 ـ  (ومن يدع مع...) المراد من دعاء إله آخر مع الله: دعاؤه مع وجوده تعالى، فإن المشركين جلهم أو كلهم لا يدعون الله تعالى وإنما يدعون ما اثبتوه من الشركاء، ويمكن أن يكون المراد بالدعاء: الإثبات فان إثبات إله آخر لا ينفك عن دعائه.

118 ـ  (وقل ربِّ اغفر...) خاتمة السورة وقد أمر فيها النبيّ صلى الله عليه وآله أن يقول ما حكاه عن عباده المؤمنين، أنهم يقولونه في الدنيا وان جزاء ذلك هو الفوز يوم القيامة.

«سورة النّور»

بسم الله الرّحمن الرّحيم

1 ـ  (سورة أنزلناها وفرضناها...) هذه سورة أنزلناها وأوجبنا العمل بما فيها من الأحكام. (وأنزلنا فيها آيات...) المراد بها ـ  بشهادة السياق  ـ آية النور وما يتلوها من الآيات المبينة لحقيقة الإيمان والكفر والتوحيد والشرك المذكِّرة لهذه المعارف الإلهية.

2 ـ  (والزّانية والزّاني فاجلدوا...) المرأة والرجل اللّذان تحقق منهما الزنا فاضربوا كل واحد منهما مائة سوط. (ولا تأخذكم بهما رأفة...) النهي عن الرأفة من قبيل النهي عن المسبب بالنهي عن سببه. (وليشهد عذابهما طائفة...) وليحضر ولينظر إلى ذلك جماعة منهم ليعتبروا بذلك فلا يقتربوا الفاحشة.

3 ـ  (الزّاني لا ينكح  إلاّ زانية...) المحصل في معناها بتفسير من السنة من طريق أئمة أهل البيت عليهم السّلام أن الزاني إذا اشتهر منه الزنا واقيم عليه الحد ولم تتبين منه التوبة يحرم عليه نكاح غير الزانية والمشركة، والزانية إذا اشتهر منها الزنا واقيم عليها الحد ولم تتبين منها التوبة يحرم أن ينكحها  إلاّ زان أو مشرك.

4 ـ  (والّذين يرمون المحصنات...) والذين يقذفون المحصنات من النساء بالزنا ثمّ لم يقيموا أربعة من الشهود على

 (348)

صدقهم في قذفهم، فاجلدوهم ثمانين جلدة، وهم فاسقون لا تقبلوا شهادتهم على شيء أبداً.

5 ـ  (إلاّ الّذين تابوا...)  إلاّ الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا أعمالهم، فإن الله غفور رحيم يغفر ذنبهم ويرحمهم، فيرتفع عنهم الحكم بالفسق والحكم بعدم قبول شهادتهم أبداً.

7 ـ  (والّذين يرمون أزواجهم...) والذين يقذفون أزواجهم ولم يكن لهم أربعة من الشهداء يشهدون ما شهدوا، فالشهادة التي يجب على أحدهم أن يقيمها، هي أن يشهد أربع شهادات، أي يقول مرة بعد مرة: «اُشهد الله على صدقي فيما أقذفها به» أربع مرات، وخامستها أن يشهد ويقول: لعنة الله عليَّ إن كنت من الكاذبين.

9 ـ  (ويدرأ عنها العذاب...) إن المرأة إن شهدت خمس شهادات بإزاء شهادات الرجل دفع ذلك عنها حد الزنا، وشهاداتها أن تشهد أربع مرات تقول فيها: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين ثم تشهد خامسة فتقول: لعنة الله عليّ إن كان من الصادقين، وهذا هو اللعان الذي ينفصل به الزوجان.

10 ـ  (ولولا فضل الله...) لولا ما أنعم الله عليكم من نعمة الدين وتوبته لمذنبيكم وتشريعه الشرائع، لزمتكم الشقوة، وأهلكتكم المعصية والخطيئة، واختل نظام حياتكم بالجهالة.

11 ـ  (إن الّذين جاؤوا بالإفك...) الإفك على ما ذكره الراغب: الكذب مطلقاً. إن الذين أتوا بهذا الكذب جماعة معدودة منكم مرتبط بعضهم ببعض. وفي ذلك إشارة إلى أن هناك تواطؤاً منهم على إذاعة هذا الخبر ليطعنوا به في نزاهة النبيّ صلى الله عليه وآله. (لا تحسبوه شرّاً لكم...) المراد بنفي كونه شراً لهم واثبات كونه خيراً: أن المجتمع الصالح من سعادته أن يتميز فيه أهل الزيغ والفساد، ليكونوا على بصيرة من أمرهم. (والّذي تولّى كبره منهم...) والذي تولى معظم الإفك وأصر على إذاعته بين الناس من هؤلاء الآفكين له عذاب عظيم.

12 ـ  (لولا إذ سمعتموه...) توبيخ لهم إذ لم يردّوا الحديث حينما سمعوه ولم يظنوا بمن رمى به خيراً (وقالوا هذا إفك مبين) قال المؤمنون والمؤمنات وهم السامعون: هذا إفك مبين، لأن الخبر الذي لا علم لمخبره به والدعوى التي لا بينة لمدعيها عليها محكوم شرعاً بالكذب.

13 ـ  (لولا جاؤوا عليه بأربعة...) لو كانوا صادقين فيما يقولون ويرمون، لأقاموا عليه الشهادة وهي في الزنا بأربعة شهداء، فإذا لم يأتوا بالشهداء فهم محكومون شرعاً بالكذب، لأن الدعوى من غير بينة كذب وإفك.

14 ـ  (ولولا فضل الله عليكم...) ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة، لوصل إليكم بسبب ما خضتم فيه من الإفك عذاب عظيم في الدنيا والآخرة.

15 ـ  (إذ تلقونه بألسنتكم...) أفضتم وخضتم فيه إذ تأخذونه وتنقلونه لساناً عن لسان، وتتلفظون بما لا علم لكم به. (تحسبونه هيّناً...) تظنون التلقي بألسنتكم والقول بأفواهكم من غير علم سهلاً، وهو عند الله عظيم لأنه بهتان وافتراء.

16 ـ  (ولولا إذ سمعتموه...) كرّة ثالثة على المؤمنين بالتوبيخ، وقوله (سبحانك) اعتراض بالتنزيه لله سبحانه وهو من أدب القرآن أن ينزِّه الله بالتسبيح عند تنزيه كل منزه. والبهتان: الإفتراء. وكونه بهتاناً عظيماً لأنه إفتراء في عرض، وخاصة إذا كان متعلقاً بالنبيّ صلى الله عليه وآله وإنَّما كان بهتاناً لكونه إخباراً من غير علم، ودعوى من غير بَيِّنة.

17، 18 ـ  (يعظكم الله أن...) موعظة بالنهي عن العود لمثله، ومعنى الآيتين ظاهر.

19 ـ  (إنّ الّذين يحبّون...) المراد بالفاحشة: مطلق الفحش ; كالزِّنا والقذف وغير ذلك. (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) تأكيد وإعظام لما فيه من سخط الله وغضبه وإن جهله الناس.

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث