مختصر تفسيرالميزان

 
 

40 ـ  (ولقد أتوا على القرية...) هذه القرية هي قرية قوم لوط، أمطر الله عليهم حجارة من سجيل. (أفلم يكونوا يرونها) إستفهام توبيخي فان القرية كانت على طريق أهل الحجاز إلى الشام. (بل كانوا لا يرجون نشورا) إنهم منكرون للمعاد، فلا تنجح فيهم دعوة ولا تقع في قلوبهم حكمة ولا موعظة.

41 ـ  (وإذا رأوك إن...) إذا رآك الذين كفروا لا يتخذونك  إلاّ مَهزوّاً به. (أهذا الّذي بعث...) بيان لاستهزائهم أي يقولون كذا إستهزاءً بك.

42 ـ  (إن كاد ليضلّنا...) إنه قرب أن يصرفنا عن آلهتنا مضلاً لنا، لولا أن صبرنا على عبادتها لصرفنا عنها. (وسوف يعلمون حين) توعد وتهديد منه تعالى لهم.

43 ـ  (أرأيت من اتّخذ...) المراد باتخاذ الهوى إلهاً: طاعته واتباعه من دون الله. (أفأنت تكون عليه وكيلا) لستَ أنت وكيلاً عليه قائماً على نفسه وباموره حتى تهديه إلى سبيل الرشد.

44 ـ  (أم تحسب أن أكثرهم...) بل تظن أن أكثرهم لهم إستعداد إستماع الحق ليتبعه، أو إستعداد عقل الحق ليتبعه، فترجو إهْتِداءهم فتبالغ في دعوتهم. (إن هم  إلاّ كالأنعام) أنهم ليسوا  إلاّ كالأنعام والبهائم في أنها لا تعقل ولا تسمع  إلاّ اللفظ. (بل هم أضلّ سبيلاً) من الأنعام.

45 ـ  (ألَم تَرَ إلى ربّك...) المراد بمد الظل: ما يعرض الظل بعد الزوال من التمدد شيئاً فشيئاً من المغرب إلى المشرق، وهو في جميع أحواله متحرك ولو شاء الله لجعله ساكناً (ثمّ جعلنا الشّمس عليه دليلاً) والدليل هي الشمس من حيث دلالتها بنورها على أن هناك ظلاً.

46 ـ  (ثمّ قبضناه إلينا...) أزلنا الظل بإشراق الشمس وارتفاعها شيئاً فشيئاً.

47 ـ  (وهو الّذي جعل...) كون الليل لباساً: إنّما هو ستره الإنسان بغشيان الظلمة كما يستر اللباس لابسه. وقوله: (والنّوم سباتاً) قطعاً للعمل. (وجعل النّهار نشورا) جعل فيه الإنتشار وطلب الرزق على ما ذكره الراغب في معنى اللفظتين.

48 ـ  (وهو الّذي أرسل...) وهو الذي أرسل الرياح مبشرات بين يدي رحمته وهي المطر. (وأنزلنا من السّماء ماءً طهوراً) بالغاً في طهارته فهو طاهر في نفسه مطهِّر لغيره يزيل الأوساخ ويذهب بالأرجاس والأحداث.

49 ـ  (لنحيي به بلدة...) المكان الميت: ما لا نبات فيه، وإحياؤه: إنباته، والأناسي: جمع إنسان.

50 ـ  (ولقد صرفناه بينهم...) وأقسم لقد صرّفنا الماء بتقسيمه بينهم ليتذكّروا فيشكروا.

51 ـ  (ولو شئنا لبعثنا...) لو أردنا أن نبعث في كل قرية نذيراً ينذرهم ورسولاً يبلغهم رسالاتنا لبعثنا، ولكن بعثناك إلى القرى كلها نذيراً ورسولاً لتعظيم منزلتك عندنا.

52 ـ  (فلا تطع الكافرين...) فلا تطع الكافرين لأن طاعتهم تبطل هذا الناموس العام المضروب للهداية، وأبذل مبلغ جهدك ووسعك في تبليغ رسالتك وإتمام حجتك بالقرآن المشتمل على الدعوة الحقّة، وجاهدهم به مجاهدة كبيرة.

53 ـ (وهو الّذي مرج...) المرج: الخلط. والعذب من الماء: ما طاب طعمه. والفرات منه: ما كثر عذوبته، والمالح: هو الماء المتغير طعمه. والاجاج: شديد الملوحة، والبرزخ: هو الحد الحاجز بين شيئين. وحجراً محجورا: حراماً محرّماً أن يختلط أحد الماءين بالآخر.

54 ـ  (وهو الّذي خلق...) وهو الذي خلق من النطفة ـ  وهي ماء واحد  ـ بشراً فقسَّمه قسمين ذا نسب وذا صهر،يعني الرجل والمرأة.

 (358)

55 ـ  (ويعبدون من دون...) ويعبدون ـ  هؤلاء الكفار المشركون  ـ من دون الله ما لا ينفعهم بايصال الخير على تقدير العبادة، ولا يضرهم بايصال الشر على تقدير ترك العبادة، وكان الكافر معاوناً للشيطان على ربّه.

56 ـ  (وما أرسلناك إلاّ...) لم نجعل لك في رسالتك  إلاّ التبشير والإنذار، وليس لك وراء ذلك من الأمر شيء، فلا عليك إن كانوا معاندين لربّهم، فليسوا بمعجزين لله وما يمكرون  إلاّ بأنفسهم.

57 ـ  (قل ما أسألكم عليه...) لا بغية له في دعوتهم  إلاّ أن يستجيبوا له ويتخذوا إلى ربّهم سبيلا، من غير غرض زائد من الأجر أيّاً ما كان، وأن لهم الخيرة في أمرهم من غير أي إجبار وإكراه.

58 ـ  (وتوكّل على الحي...) إتخذه وكيلاً في أمرهم يحكم فيهم ما يشاء ويفعل بهم ما يريد، فإنّه الوكيل عليهم وعلى كل شيء. (وسبِّح بحمده) نزهه عن العجز والجهل وكل ما لا يليق بساحة قدسه. (وكفى به بذنوب عباده خبيرا) وهو خبير بذنوبهم وحاكم فيهم وحدهُ من غير حاجة إلى من يعينه في علمه أو في حكمه.

59 ـ  (الّذي خلق السّماوات...) هو الرحمن ـ  الذي استوى على عرش الملك والذي برحمته وإفاضته يقوم الخلق والأمر، ومنه يبتدئ كل شيء وإليه يرجع  ـ فاسأله عن حقيقة الحال يخبرك بها فإنه خبير.

60 ـ  (وإذا قيل لهم...) هذا فصل آخر من معاملتهم السوء مع الرّسول، يذكر فيه استكبارهم عن السجود لله سبحانه.

61 ـ  (تبارك الّذي جعل...) الظاهر أن المراد بالبروج: منازل الشمس والقمر من السماء، أو الكواكب التي عليها. والمراد بالسراج: الشمس.

62 ـ  (وهو الّذي جعل...) الآية إعتزاز أو امتنان بجعله تعالى الليل والنهار بحيث يخلف كل صاحبه، فمن فاته الإيمان به في هذه البرهة من الزمان، تداركه في البرهة الاخرى منه، ومن لم يوفق لعبادة أو لأي عمل صالح في شيء منهما، أتى به في الآخر.

63 ـ  (وعباد الرّحمن الّذين...) سماهم عباداً وأضافهم إلى نفسه متسمياً باسم الرّحمن الذي كان يحيد عنه الكفّار وينفرون. (وإذا خاطبهم الجّاهلون قالوا سلاماً) قالوا لهم قولاً سلاماً خالياً عن اللغو والإثم.

64 ـ  (والّذين يبيتون لربِّهم...) وهم الذين يدركون الليل حال كونهم ساجدين فيه لربِّهم، وقائمين يتراوحون سجوداً وقياماً. ويمكن أن يراد به التهجد بنوافل الليل.

65 ـ  (والّذين يقولون ربّنا...) الغرام: ما ينوب الإنسان من شدّة أو مصيبة فيلزمه ولا يفارقه.

66 ـ  (إنّها ساءت مستقرّاً...) الضمير لجهنم. والمستقر والمقام: اسما مكان من الاستقرار والإقامة.

67 ـ (والّذين إذا انفقوا...) القتر: التقليل في الانفاق. القوام: العدل، فصدر الآية ينفي طرفي الإفراط والتفريط في الانفاق، وذيلها يثبت الوسط.

68 ـ  (والّذين لا يدعون...) المراد بدعاء غيره: دعاء إله آخر مع وجوده، وبعبارة أُخرى تعدّيه إلى غيره. (ولا يقتلون النفس...) لا يقتلون النفس الإنسانية التي حرّم الله قتلها في حال من الأحوال،  إلاّ حال تلبس القتل بالحق كقتلها قصاصاً وحدّاً. (ومن يفعل ذلك يَلقَ أثاما) الإشارة بذلك إلى ما تقدم ذكره وهو الشرك وقتل النفس المحترمة بغير حق والزنا، والأثام: الإثم وهو وبال الخطيئة، وهو الجزاء بالعذاب الذي سيلقاه يوم القيامة المذكور في الآية التالية.

69 ـ  (يضاعف له العذاب...) بيان للقاء الأثام. (ويخلد فيه مهانا) يخلد في العذاب وقد وقعت عليه الإهانة.

70 ـ  (إلاّ من تاب وآمن...) استثناء من لقي الآثام والخلود فيه، وقد أخذ في المستثنى التوبة والإيمان وإتيان العمل الصالح. (فأولئك يبدل الله سيّئاتهم حسنات) تفريع على التوبة والإيمان والعمل الصّالح، يصف ما يترتب على ذلك من جميل الأثر، وهو أن الله يبدِّل سيئاتهم حسنات.

 (359)

71 ـ  (ومن تاب وعمل...) في الآية شمول للتوبة من جميع المعاصي.

72 ـ  (والّذين لا يشهدون الزور...) قال في مجمع البيان: أصل الزور تمويه الباطل بما يوهم أنه حق. فيشمل الكذب وكل لهو باطل كالغناء والفحش. (وإذا مرّوا باللغو مرّوا كراما) وإذا مرّوا بأهل اللّغو وهم يلغون، مرّوا معرضين عنهم منزهين أنفسهم عن الدخول فيهم والاختلاط بهم ومجالستهم.

73 ـ  (والّذين إذا ذُكِّروا...) والذين إذا ذُكِّروا بآيات ربِّهم، من حكمة أو موعظة حسنة من قرآن أو وَحي لم يسقطوا عليه وهم صمّ لا يسمعون وعميان لا يبصرون، بل تفكروا فيها وتعقلوها فأخذوا بها عن بصيرة فآمنوا بحكمتها واتعظوا بموعظتها، وكانوا على بصيرة من أمرهم وبينة من ربِّهم.

74 ـ  (والّذين يقولون ربّنا...) مرادهم بكون أزواجهم وذرياتهم قرّة أعين لهم، أن يسرّوهم بطاعة الله والتجنّب عن معصيته، فلا حاجة لهم في غير ذلك ولا إربة وهم أهل حق لا يتبعون الهوى. (واجعلنا للمتّقين إماماً) متسابقين إلى الخيرات سابقين إلى رحمتك فيتبعنا غيرنا من المتّقين.

75، 76 ـ  (أُولئك يجزون الغرفة...) اُولئك الموصوفون بما وصفوا، يجزون الدرجة الرفيعة من الجنة يلقون فيها، أي يتلقاهم الملائكة بالتحيّة.

77 ـ  (قل ما يعبأ بكم...) قل لا قدر ولا منزلة لكم عند ربي، فوجودكم وعدمكم عنده سواء، لأنكم كذّبتم فلا خير يُرجى فيكم، فسوف يكون هذا التكذيب ملازماً لكم أشد الملازمة،  إلاّ أن الله يدعوكم ليتِمَّ الحجّة عليكم، أو يدعوكم لعلّكم ترجعون عن تكذيبكم.

«سورة الشّعراء»

بسم الله الرّحمن الرّحيم

2 ـ  (طسم تلك آيات...) تلك الآيات العالية قدراً والرفيعة مكاناً، آيات الكتاب الظاهر الجلي، كونه من عند الله سبحانه بما فيه من سمة الإعجاز، وإن كذّب به هؤلاء المشركون.

3 ـ  (لعلَّك باخع نفسك...) (لعلّك) تهلك نفسك بسبب عدم إيمانهم بآيات هذا الكتاب.

4 ـ  (إن نشأ ننَزّل...) إن نشأ أن ننزِّل عليهم آية تخضعهم وتلجئهم إلى القبول.

5 ـ  (وما يأتيهم من...) بيان لاستمرارهم على تكذيب آيات الله، وتمكن الإعراض عن ذكر الله في نفوسهم.

6 ـ  (فقد كذّبوا فسيأتيهم...) لمّا تحقّق منهم التكذيب فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون من آيات الله.

7 ـ  (أوَ لَمْ يروا إلى الإرض...) لم ينظروا إلى هذه الأزواج الكريمة من النباتات التي أنبتناها في الأرض.

8 ـ  إنّ في ذلك لآية...) الإشارة بذلك إلى ما ذكر في الآية السابقة من إنبات كل زوج كريم. (وما كان أكثرهم مؤمنين) لم يكن المترقب من حال أكثرهم بما عندهم من ملكة الإعراض أن يؤمنوا.

9 ـ  (وإنّ ربَّك لهو...) فهو تعالى لكونه عزيزاً يأخذ المعرضين عن ذكره ويجازيهم بالعقوبات العاجلة والآجلة، ولكونه رحيماً ينزل عليهم الذكر ليهديهم ويغفر للمؤمنين به ويمهل الكافرين.

10، 11 ـ  (وإذ نادى ربّك...) واذكر وقتاً نادى ربّك موسى وبعثه بالرّسالة إلى قوم فرعون.

12، 13 ـ  (قال ربِّ إنِّي أخاف...) (أخاف أن ينسبني قوم فرعون إلى الكذب]. (فأرسل إلى هارون) أرسِل ملك الوحي إلى هارون ليكون معيناً لي على تبليغ الرسالة.

14 ـ  (ولهم عليَّ ذنب...) في الآية إشارة إلى قصة قتله عليه السلام (القبطي].

15 ـ  (قال كلّا فاذهبا...) كلاّ لا يقدرون على قتلك فاذهبا إليهم بآياتنا ولا تخافا إنّا حاضرون عندكم شاهدون.

 (360)

16 ـ  (فأتيا فرعون فقولا...) التعبير بالرّسول بلفظ المفرد إمّا باعتبار كل واحد منهما أو باعتبار كون رسالتهما واحدة، أو باعتبار أنّ الرسول مصدر في الأصل فالأصل ان يستوي فيه الواحد والجمع.

17 ـ  (أن أرسل معنا بني...) المراد بارسالهم: إطلاقهم.

18 ـ  (قال ألم نربّك فينا...) انت الذي ربيناك وأنت وليد ولبثت فينا من عمرك سنين عديدة، نعرفك باسمك ونعتك ولم ننس شيئاً من أحوالك، فمن أين لك هذه الرسالة.

19 ـ (وفعلت فعلتك الّتي...) مُراده بهذه الفعلة: قتله عليه السلام القبطي. ومُراده بالكفر: كفران النعمة.

20، 21 ـ  (قال فعلتها إذاً...) إني فعلتها حينئذ والحال أني في ضلال من الجهل بجهة المصلحة فيه والحق الذي يجب أنْ يتبع هناك، فأقدمت على الدفاع عمّن استنصرني، ولم أعلم أنه يؤدي إلى قتل الرّجل. (فوهب لي ربّي حكماً) المراد به: إصابة النظر في حقيقة الأمر.

22 ـ  (وتلك نعمة تمنّها...) أن هذا الذي تعدّه نعمة وتقرَّ عيني بكفرانها، سلطة ظلم وتغلّب إذ عبَّدتَ بني إسرائيل، والتعبيد ظلماً وتغلباً ليس من النعمة في شيء.

23 ـ  (قال فرعون وما...) سؤال منه عن حقيقة رب العالمين.

24 ـ  (قال ربُّ السّماوات...) ربّ العالمين هو الذي يوقن الموقنون بربوبيته لجميع السّماوات والأرض وما بينهما.

25 ـ  (قال لمن حوله ألا تستمعون) ألا تصغون إلى ما يقول موسى؟

26 ـ  (قال ربكم وربّ...) جواب موسى عليه السلام ثانياً فإنه لما رأى تمويه فرعون على من حوله، عدل ثانياً إلى ما يكون أصرح من المقصود، فذكر ربوبيته تعالى لعالمي الإنسانية من الحاضرين والماضين.

27 ـ  (قال إن رسولكم...) قال فرعون ثانياً وقد سمّى موسى رسولاً تهكماً واستهزاءً وقد رماه بالجنون.

28 ـ  (قال ربّ المشرق...) المراد بالمشرق: جهة شروق الشمس وسائر الأجرام النيِّرة السماوية وطلوعها. والمغرب: الجهة التي تغرب فيها بحسب الحس، وبما بينهما: ما بين الجهتين.

29 ـ  (قال لئن اتّخذت...) لو دمت على ما تقول لاجعلنك في زمرة الذين في سجني.

30 ـ  (قال أولو جئتك...) قال موسى: أتجعلني من المسجونين ولو أتيتك بشيء يوضح صدقي فيما ادّعيت من الرّسالة.

31 ـ  (قال فأت به...) القائل فرعون. (إن كنت من الصّادقين) إن كنت صادقاً في أن عندك شيئاً كذلك.

32، 33 ـ (فالقى عصاه فإذا...) هاتان الآيتان اللّتان اوتيهما موسى ليلة الطور.

34، 35 ـ  (قال للملأ حوله...) لما أتى عليه السلام بما لا مغمض فيه، لم يجد بدّاً دون أن يبهته بأنه ساحر عليم. (يريد أن يخرجكم...) إغراء لهم عليه وحثاً لهم على أن يتفقوا معه على دفعه بأي وسيلة ممكنة. (فماذا تأمرون) فماذا تشيرون عليَّ.

36، 37 ـ  (قالوا أرجه وأخاه...) أخّر موسى وأخاه وأمهلهما ولا تعجل إليهما بسياسة أو سجن ونحوه حتى تعارض سحرهما بسحر مثله. (وابعث في المدائن...) ابعث في البلاد عدة من شرطائك وجنودك يحشرون كل سحّار عليم فيها ويأتوك بهم لتعارضهما بسحرهم.

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث