|
51 ـ
(متّكئين فيها يدعون...)
حال كونهم جالسين فيها
بنحو الاتكاء والاستناد جلسة الأعزّة والأشراف. (يدعون
فيها بفاكهة) يتحكمون فيها بدعوة الفاكهة وهي كثيرة والشراب، فإذا دعيت
فاكهة أو دعي شراب، أجابهم المدعو فأتاهم من غير حاجة إلى من يحمله ويناوله.
52 ـ
(وعندهم قاصرات الطّرف...)
المراد: قصور طرفهنّ
على أزواجهنّ يرضين بهم ولا يرون غيرهم، أو هو كناية عن كونهنّ ذوات غنج ودلال.
والأتراب: الأقران، أي أنهنّ أمثال لا يختلفن سنّاً أو جمالاً، أو أنهنّ أمثال
لأزواجهنّ فكلّما زادوا نوراً وبهاءً زِدن حسناً وجمالاً.
53 ـ
(هذا ما توعدون لِيومِ...)
الإشارة إلى ما ذكر من
الجنّة ونعيمها.
54 ـ
(إن هذا لرزقنا...)
النفاد: الفناء
والإنقطاع.
55 ـ
(هذا وإن للطّاغين...)
الإشارة بهذا إلى ما
ذكر من مقام المتقين، والباقي ظاهر.
56 ـ
(جهنّم يصلونها فبئس...)
الصلي: دخول النار
ومقاساة حرارتها أو اتباعها. والمهاد ـ على ما في المجمع ـ الفراش الموطأ.
57 ـ
(هذا فليذوقوه حميم...)
الحميم: الحار الشديد
الحرارة. والغسّاق: على ما في المجمع ـ قيح شديد النتن.
58 ـ
(وآخر من شكله...)
وهذا آخر من جنس الحميم
والغساق، أنواع مختلفة ليذوقوها.
59 ـ
(هذا فوج مقتحم...)
خطاب يخاطب به
المتبوعون، يشار به إلى التابعين الّذين يدخلون النار من المتبوعين فوجاً.
والاقتحام: الدخول في الشيء بشدة وصعوبة. (لا مرحباً
بهم) نفي الرحب والسعة عنهم.
60 ـ
(قالوا بل أنتم...)
نقل كلام التابعين وهم
القائلون، يردون إلى متبوعيهم نفي التحيّة ويذمون القرار في النار.
61 ـ
(قالوا ربّنا من قدّم...)
الضعف: المثل و (عذاباً
ضعفاً) ضعفين من العذاب.
(452)
62 ـ
(وقالوا ما لنا لا نرى...)
القائلون ـ على ما
يعطيـه السّـياق ـ مطلق أهل النار، ومرادهم بالرّجال الذين كانوا يعدّونهم من
الاشرار: المؤمنون وهم في الجنة فيطلبهم أهل النار فلا يجدونهم فيها.
63 ـ
(اتّخذناهم سخريّاً...)
أتخذناهم سخرياً في
الدنيا فأخطأنا وقد كانوا ناجين، أم عدلت أبصارنا فلا نراهم وهم معنا في النار.
64 ـ
(إنّ ذلك لحقّ...)
إشارة إلى ما حكى من
تخاصمهم، وبيان أن تخاصم أهل النار ثابت واقع لا ريب فيه، وهو ظهور ما استقر في
نفوسهم في الدنيا من ملكة التنازع والتشاجر.
65،
66 ـ
(قل إنّما أنا منذر...)
في الآيتين أمر النبيّ
صلى الله عليه وآله بابلاغ أنه منذر وأن الله تعالى واحد في الالوهية.
67،
68 ـ
(قل هو نبأ عظيم...)
قيل: الضمير للقرآن فهو
النبأ العظيم الذي أعرضوا عنه، وهو أوفق لسياق الآيات السابقة المرتبطة بأمر
القرآن.
69 ـ
(ما كان لي من...)
الملأ الأعلى: جماعة
الملائكة، وكأن المراد باختصامهم: ما أشار تعالى إليه بقوله:
(إذ قال ربّك للملائكة إنِّي جاعل في الأرض خليفة).
70 ـ
(إن يوحى إليّ...)
لم أكن أعلم ذلك، لأن
علمي ليس من قبل نفسي، وإنما هو بالوحي.
71 ـ
(إذ قال ربّك...)
الذي يعطيه السّياق أن
الآية من كلامه تعالى يشير إلى زمان اختصام الملأ الأعلى. وقد عد في الآية مبدأ خلق
الإنسان الطين.
72 ـ
(فإذا سوّيته ونفخت...)
تسوية الإنسان: تعديل
أعضائه بتركيب بعضها على بعض وتتميمها صورة إنسان تام. ونفخ الروح فيه: جعله ذا نفس
حيّة إنسانية.
73 ـ
(فسجد الملائكة كلّهم...)
ظاهر الدلالة على سجود
الملائكة له من غير استثناء.
74 ـ
(إلاّ إبليس استكبر...)
استكبر إبليس فلم يسجد
له، وكان قبل ذلك من الكافرين.
75 ـ
(قال يا إبليس...)
إستفهام توبيخ، أي:
أكان عدم سجودك لأنك استكبرت، أم كنت من الذين يعلون، أي يعلو قدرهم أن يؤمروا
بالسجود.
76 ـ
(قال أنا خير منه...)
تعليل عدم سجوده بما
يدعيه من شرافة ذاته، وأنه لكون خلقه من نار خير من آدم المخلوق من طين.
77،
78 ـ
(قال فاخرج منها...)
الرجم: الطرد، ويوم
الدّين: يوم الجزاء.
79
ـ
81 ـ
(قال ربّ فأنظرني...)
ظاهر تغير الغاية في
السؤال والجواب حيث قال: (إلى يوم يبعثون) فاجيب
بقوله: (إلى يوم الوقت المعلوم) أن ما اجيب إليه
غير ما سأله، فهو لا محالة آخر يوم يعصي فيه الناس ربهم، وهو قبل يوم البعث.
82،
83 ـ
(قال فبعزّتك لأغوينهم...)
أقسم بعزّته ليغوينهم
أجمعين، واستثنى منهم المخلصين، وهم الذين أخلصهم الله لنفسه فلا نصيب فيهم لإبليس
ولا لغيره.
84 ـ
(قال فالحق والحق...)
جوابه تعالى لإبليس وهو
يتضمن القضاء عليه وعلى من تبعه بالنار.
85 ـ
(لأملأنّ جهنّم منك...)
متن القضاء الذي قضى به
وكأن المراد بقوله: (منك) جنس الشياطين حتى يشمل
إبليس وذريته وقبيله، وقوله: (وممّن تبعك منهم)
أي من الناس ذرية آدم.
86 ـ
(قل ما أسألكم عليه...)
رجوع إلى ما تقدم في
أوّل السورة وخلال آياتها، أن القرآن ذكر وأن ليس النبيّ صلى الله عليه وآله إلاّ
منذراً لا غير. (وما أنا من المتكلِّفين) مِن
أهل التكلف، وهو التصنع والتحلي بما ليس له.
87 ـ
(إن هو إلاّ ذكر...)
القرآن ذكر عام
للعالمين من جماعات الناس ومختلف الشعوب والاُمم.
88 ـ
(ولتعلمّن نبأه بعد...)
لتعلمن ما أخبر به
القرآن من الوعد والوعيد وظهوره على الأديان وغير ذلك، بعد حين أي بعد مرور زمان.
«سورة
الزّمر»
بسم الله الرّحمن
الرّحيم
1 ـ
(تنزيل الكتاب من...)
هذا كتاب منزل من الله
العزيز الحكيم.
2 ـ
(إنّا أنزلنا إليك...)
أنزلناه إليك متلبساً
بالحق، فما فيه من الأمر بعبادة الله وحده حق.
3 ـ
(ألا لله الدِّين...)
معنى كون الدين الخالص
له: أنه لا يقبل العبادة ممّن لا يعبده وحده، سواء عبده مع غيره أو عبد غيره وحده.
(والّذين اتّخذوا من دونه...) المراد بهم: المشركون القائلون بربوبية
الشركاء والوهيتهم دون الله، إلاّ ما ذهب إليه جهلتهم من كونه تعالى شريكاً لهم في
المعبودية. (ما نعبدهم إلاّ ليقربونا...)
يقولون ما نعبد هؤلاء إلاّ ليقربونا بسبب عبادتنا لهم إلى الله تقريباً.
(إنّ الله يحكم بينهم...) إنّ الله يحكم بين المشركين وبين أوليائهم فيما هم
فيه يختلفون. وقيل أن المعنى: أن الله يحكم بينهم وبين المخلصين للدّين.
4 ـ
(لو أراد الله أن...)
إحتجاج على نفي قولهم:
إن الله اتخذ ولداً، وقول بعضهم: الملائكة بنات الله.
(سبحانه) تنزيه له سبحانه.
5 ـ
(خلق السّماوات والأرض...)
الآية والتي تليها
مسوقتان لتوحيد الرّبوبية. وقد جمع فيهما بين الخلق والتدبير.
(ويكور اللّيل على النّهار...) المراد: استمرار توالي اللّيل والنّهار بظهور
هذا على ذاك، ثمّ ذاك على هذا وهكذا. (وسخّر الشّمس
والقمر...) سخر الشّمس والقمر فأجراهما للنظام الجاري في العالم الأرضي إلى
أجل مسمّىً معين لا يتجاوزانه.
6 ـ
(خلقكم من نفس...)
الخطاب لعامة البشر،
والمراد بالنفس الواحدة: آدم أبو البشر، والمراد بزوجها: إمرأته. والمراد أنه تعالى
خلق هذا النوع وكثر أفراده من نفس واحدة وزوجها. (وأنزل
لكم من الأنعام ثمانية أزواج) الأنعام هي الإبل والبقر والضأن والمعز،
وكونها ثمانية أزواج إعتبار انقسامها إلى ذكر وأُنثى.
(يخلقكم في بطون اُمّهاتكم...) بيان لكيفية خلق من تقدم ذكره من البشر
والأنعام، والخلق من بعد الخلق: التوالي والتوارد كخلق النطفة علقة وخلق العلقة
مضغة وهكذا، والظلمات الثلاث: هي ظلمة البطن والرحم والمشيمة. كما قيل ورواه في
المجمع عن أبي جعفر عليه السلام. (فأنّى تصرفون)
فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره وهو ربكم الذي خلقكم ودبر أمركم وهو المليك
عليكم.
7 ـ
(إن تكفروا فإنّ...)
إن تكفروا بالله فلم
توحدوه، فإنه غني عنكم لذاته، لا ينتفع بايمانكم وطاعتكم ولا يتضرر بكفركم
ومعصيتكم. (وإنْ تشكروا يرضه لكم) وإن تشكروا
الله بالجري على مقتضى العبودية وإخلاص الدين له، يرض الشكر لكم وأنتم عباده.
(ولا تزر وازرة وزر اُخرى) لا تحمل نفس حاملة حمل نفس اُخرى، أي لا يؤاخذ
بالذنب إلاّ من ارتكبه. (ثمّ إلى ربّكم مرجعكم...)
هذا في الدنيا من كفر أو شكر، ثمّ يبعثكم الله فيظهر لكم حقيقة أعمالكم
ويحاسبكم على ما في قلوبكم.
8 ـ
(وإذا مسّ الإنسان...)
إذا أصاب الإنسان ضر من
شدة أو مرض أو قحط ونحوه، دعا ربه راجعاً إليه معرضاً عمّن سواه يسأله كشف الضر
عنه. (ثمّ إذا خوّله نعمة منه...) وإذا أعطاه
ربّه سبحانه بعد كشف الضر، نعمة منه اشتغل بها مستغرقاً ونسي الضر الذي كان يدعو
إليه، أي إلى كشفه من قبل إعطاء النعمة. (وجعل لله
أنداداً...) الأنداد: الأمثال والمراد بها ـ على ما قيل ـ الأصنام
وأربابها. (قل تمتع بكفرك قليلاً...) تمتع
تمتعاً قليلاً لا يدوم لك لأنك من أصحاب النار مصيرك إليها.
9 ـ
(أم من هو قانت...)
أهذا الكافر الذي هو من
أصحاب النار خير، أم من هو لازم للطاعة والخضوع لربّه في أوقات الليل، إذا جن عليه
ساجداً في صلاته تارة قائماً فيها اخرى، يحذر عذاب الآخرة ويرجو رحمة ربه لا
يستويان. (إنّما يتذكّر أُولو الألباب) ذوو
العقول.
10 ـ
(قُل يا عبادي الّذين...)
المراد: وعد الّذين
أحسنوا، أي لزموا الأعمال الحسنة، أن لهم حسنة لا يقدر وصفها بقدر.
(وأرض الله واسعة) حث وترغيب لهم في الهجرة من مكة، إذ كان التوقف فيها
صعباً على المؤمنين بالنبيّ صلى الله عليه وآله،
(454)
والمشركون يزيدون كل
يوم في التشديد عليهم وفتنتهم، والآية بحسب لفظها عامة.
(إنّما يوفى الصّابرون أجرهم...) توفية الأجر: إعطاؤه تاماً كاملاً.
11،
12 ـ
(قل إنِّي أمرت...)
أنا كأحدكم مأمور
بعبادته مخلصاً له الدين، ولا ذلك فحسب، بل مأمور بأن أكون أوّل المسلمين لما ينزل
إليّ من الوحي فاسلم له أوّلاً، ثمّ ابلغه غيري.
13 ـ
(قل إنِّي أخاف...)
المراد بمعصية ربّه
بشهادة السّياق مخالفة أمره بعبادته مخلصاً له الدّين. وباليوم العظيم: يوم
القيامة.
14،
15 ـ
(قل الله أعبد...)
تصريح بأنه ممتثل لأمر
ربّه مطيع له، وإيئاس لهم أن يطمعوا فيه أن يخالف أمر ربّه.
(قل إنّ الخاسرين...) خسران النفس: هو إيرادها مورد الهلكة والشقاء، بحيث
يبطل منها استعداد الكمال.
16 ـ
(لهم من فوقهم ظلل...)
الظلل: جمع ظلة وهي
ـ كما قيل ـ الستر العالي. والمراد بكونها من فوقهم ومن تحتهم: احاطتها بهم، فان
المعهود من النار الجهتان. والباقي ظاهر.
17 ـ
(والّذين اجتنبوا الطّاغوت...)
قال الرّاغب: الطاغوت
عبارة عن كل متعد وكل معبود من دون الله، ويستعمل في الواحد والجمع. انتهى. والظاهر
أن المراد بها في الآية: الأوثان وكل معبود طاغ من دون الله. ولم يقتصر على مجرد
اجتناب عبادة الطاغوت بل أضاف إليه قوله: (وأنابوا إلى
الله) إشارة إلى أن مجرد النفي لا يجدي شيئاً، بل الذي ينفع الإنسان مجموع
النفي والإثبات، عبادة الله وترك عبادة غيره وهو عبادته مخلصاً له الدّين.
18 ـ
(الّذين يستمعون القول...)
مفاده: إنهم طالبو الحق
والرشد، يستمعون القول رجاء أن يجدوا فيه حقاً، وخوفاً أن يفوت شيء منه.
19 ـ
(أفمن حقّ عليه كلمة...)
ثبوت كلمة العذاب: وجوب
دخول النار بالكفر.
20 ـ
(لكنّ الّذين اتّقوا...)
الغرف: جمع غرفة وهي
المنزل الرفيع. (وعد الله) وعدهم الله ذلك
وعداً. (لا يخلف الله الميعاد) إخبار عن سنّته
تعالى في مواعيده، وفيه تطييب لنفوسهم.
21 ـ
(ألَم تَرَ أنّ الله...)
قال في المجمع:
الينابيع: جمع ينبوع وهو الذي ينبع منه الماء. (فسلكه
ينابيع في الأرض) فأدخله في عيون ومجاري في الأرض.
22 ـ
(أفمن شرح الله...)
شرح الصدر: بسطه ليسع
ما يلقى إليه من القول (فويل للقاسية قلوبهم...)
تفريع على الجملة السابقة بما يدل على أن القاسية القلوب لا يتذكرون بآيات الله،
فلا يهتدون إلى ما تدل عليه من الحق. وفي الآية تعريف الهداية بلازمها وهو شرح
الصدر وجعله على نور من ربّه، وتعريف الضلال بلازمه وهو قساوة القلب من ذكر الله.
23 ـ
(الله نزّل أحسن...)
هو القرآن الكريم،
والحديث: هو القول، فهو أحسن القول لاشتماله على محض الحق الذي لا يأتيه الباطل من
بين يديه ولا من خلفه، وهو كلامه المجيد. (كتاباً
متشابهاً) يشبه بعض أجزائه بعضاً. (مثاني)
جمع مثنية بمعنى المعطوف، لانعطاف بعض آياته على بعض، ورجوعه إليه بتبين
بعضها ببعض، وتفسير بعضها لبعض من غير اختلاف فيها.
(تقشعرّ منه جلود الّذين يخشون ربّهم) وليس ذلك إلاّ لأنهم على تبصر من
موقف نفوسهم قبال عظمة ربّهم، فإذا سمعوا كلامه توجهوا إلى ساحة العظمة والكبرياء
فغشيت قلوبهم الخشية، وأخذت جلودهم في الاقشعرار. (ثمّ
(455)
تلين
جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله)
ثمّ تسكن وتطمئن جلودهم
وقلوبهم إلى ذكر الله، لينة تقبله، أو تلين له ساكنة إليه.
(ذلك هدى الله يهدي به...) ما يأخذهم من اقشعرار الجلود من القرآن، ثمّ سكون
جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، هو هدى الله.
24 ـ
(أفمن يتّقي بوجهه...)
مقايسة بين أهل العذاب
يوم القيامة، والآمنين منه، والفريقان هما أهل الضلال وأهل الهدى. |