مختصر تفسيرالميزان

 
 

«سورة الزخرف»

بسم الله الرّحمن الرّحيم

2 ـ  (حم والكتاب المبين...) كون القرآن مبيناً، هو إبانته وإظهاره طريق الهدى.

4 ـ  (إنّا جعلناه قرآناً...) الضمير للكتاب، وَ (قرآناً عربيّاً) مقرواً باللغة العربية. ومعنى الآيتين: أن الكتاب عندنا في اللوح المحفوظ، ذو مقام رفيع وإحكام لا تناله العقول لذينك الوصفين، وإنما أنزلناه بجعله مقروّاً عربياً، رجاء أن يعقله الناس.

5 ـ  (أفنضرب عنكم الذكر...) أفنصرف عنكم الذكر ـ  وهو الكتاب الذي جعلناه قرآناً لتعقلوه  ـ للاعراض عنكم لكونكم مسرفين، أو أفنصرفه عنكم إلى جانب لكونكم مسرفين، أي انا لا نصرفه عنكم لذلك.

6 ـ  (وكم أرسلنا من نبيّ...) كثيراً ما أرسلنا من نبي في الأمم الماضين، والحال انه ما يأتيهم من نبيّ  إلاّ استهزأوا به، وانجر الأمر إلى أن أهلكنا من أولئك من هو أشد بطشاً منكم، فكما كانت عاقبة إسرافهم واستهزائهم الهلاك دون الصرف، فكذلك عاقبة إسرافكم.

7 ـ  (فاهلكنا أشدّ منهم بطشاً...) معنى قوله: (ومضى مثل الأولين) ومضى في السور النازلة قبل هذه السورة من القرآن وصف الاُمم الأوّلين وأنه كيف حاق بهم ما كانوا به يستهزئون.

8 ـ  (ولئن سألتهم مَن...) الآية توطئة لما تتضمنه الآيات التالية من الحجة.

9 ـ  (الّذي جعل لكم...) جعل لكم الأرض بحيث تربون فيها كما يربي الأطفال في المهد، وجعل لكم في الأرض سبلاً وطرقاً تسلكونها وتهتدون بها إلى مقاصدكم.

11 ـ  (والّذي نزل من السّماء...) لما استدل بتنزيل الماء بقدر واحياء البلدة الميتة على خلقه وتدبيره، إستنتج منه أمراً آخر لا يتم التوحيد  إلاّ به، وهو المعاد الذي هو رجوع الكل إليه تعالى.

12 ـ  (والّذي خلق الأزواج...) قيل المراد بالازواج: أصناف الموجودات من ذكر وانثى وأبيض وأسود وغيرها، وقيل: المراد: الزوج من كل شيء، فكل ما سوى الله كالفوق وتحت واليمين واليسار والذكر والانثى، زوج.

13 ـ  (لتستووا على ظهوره...) الإستواء على الظهور: الاستقرار عليها. (وما كنّا له مقرنين) مطيقين، والإقران: الإطاقة.

14 ـ  (وانّا إلى ربّنا منقلبون...) صائرون شهادة بالمعاد.

15 ـ  (وجعلوا له من...) المراد بالجزء: الولد، فإن الولادة إنما هي الاشتقاق، فالولد جزء من والده منفصل منه متصوّر بصورته.

 (490)

16 ـ  (أم اتّخذ ممّا يخلق...) أخلصكم للبنين، فلكم بنون وليس له  إلاّ البنات، وأنتم ترون أن البنت أخس من الابن، فتثبتون له أخس الصنفين وتخصون أنفسكم باشرفهما.

17 ـ  (وإذا بُشِّر أحدهم...) وحالهم أنه إذا بشر أحدهم بالاُنثى التي جعلها شبهاً مجانساً للرحمن صار وجهه مسودّاً من الغم وهو مملوء كرباً وغيظاً، لعدم رضاهم ذلك وعده عاراً لهم، لكنهم يرضونه له.

18 ـ  (أوَ مَن ينشأ في الحلية...) أو جعلوا لله سبحانه من ينشأ في الحلية، أي يتربّى في الزينة (المرأة)، وهو في المخاصمة والمحاجّة غير مبين لحجّته، لا يقدر على تقرير دعواه.

19 ـ  (وجعلوا الملائكة الّذين...) هذا معنى قولهم: إن الملائكة بنات الله. (أشهدوا خلقهم...) استفهام إنكاري ووعيد على قولهم بغير علم، أي لم يشهدوا خلقهم.

20 ـ  (وقالوا لو شاء الرّحمن...) هو منهم قول مبني على الجهل، فإنه مغالطة خلطوا فيها بين الارادة التكوينية والارادة التشريعية وأخذ الاُولى مكان الثانية، فهو سبحانه لمّا لم يشأ أن لا يعبدوا الشركاء بالارادة التكوينية، كانوا مختارين غير مضطرين على فعل أو ترك. (إن هم  إلاّ يخرصون) الخرص ـ  على ما يظهر من الراغب  ـ القول على الظن والتخمين، وفسّر أيضاً بالكذب.

21 ـ  (أم آتيناهم كتاباً...) نفي أن يكون لهم حجة من طريق النقل كما أن في الآية السابقة نفي حجتهم من طريق العقل، ومحصّل الآيتين: أن لا حجّة لهم على عبادة الملائكة لا من طريق العقل ولا من طريق النقل، فلم يأذن الله فيها.

22 ـ (بل قالوا إنّا وجدنا...) لا دليل لهم على حقية عبادتهم، بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على دين، وإنا على آثارهم مهتدون، أي إنهم متشبثون بتقليد آبائهم فحسب.

23 ـ  (وكذلك ما أرسلنا...) إن التشبث بذيل التقليد ليس ممّا يختص بهؤلاء، فقد كان ذلك دأب أسلافهم من الاُمم المشركين، وما أرسلنا مِن قبلك في قرية من نذير، وهو النبيّ  إلاّ تشبث متنعموها بذيل التقليد وقالوا: إنّا وجدنا اسلافنا على دين وإنا على آثارهم مقتدون، لن نتركها ولن نخالفهم.

24 ـ  (قل أوَ لَو جئتكم...) القائل هو النذير، والخطاب للمترفين. والمعنى: هل أنتم لازمون لدينهم حتى لو كان ما جئتكم به من الدين أهدى منه؟

25 ـ  (فانتقمنا منهم فانظر...) إنا أهلكناهم بتكذيبهم، فانظر كيف كان عاقبة أولئك السابقين من أهل القرى، وفيه تهديد لقوم النبيّ صلى الله عليه وآله.

26 ـ  (وإذ قال إبراهيم...) واذكر لهم إذ تبرأ إبراهيم عن آلهة أبيه وقومه، إذ كانوا يعبدونها تقليداً لآبائهم من غير حجة، وقام بالنظر وحده.

27 ـ  (إلاّ الّذي فطرني...)  إلاّ الّذي أوجدني وهو الله سبحانه. (فإنه سيهدين) إلى الحق الذي اطلبه.

28 ـ  (وجعلها كلمة باقية...) المراد بعقبه: ذريته وولده. (لعلّهم يرجعون) يرجعون من عبادة آلهة غير الله إلى عبادته تعالى، أي يرجع بعضهم إلى عبادته تعالى وبهذا يظهر أن المراد ببقاء الكلمة في عقبه عدم خلوهم عن الموحد ما داموا.

29 ـ  (بل متّعت هؤلاء...) إن رجوعهم عن الشرك إلى التوحيد، كان هو الغاية المرجوّة منهم، لكنهم لم يرجعوا، بل متّعت هؤلاء من قومك وآباءهم فتمتعوا بنعمي (حتّى جاءهم الحقّ ورسول مبين) والمراد بالحق الذي جاءهم: هو القرآن، وبالرّسول المبين: محمّد صلى الله عليه وآله.

30 ـ  (ولمّا جاءهم قالوا...) هذا طعنهم في الحق الذي جاءهم وهو القرآن ويستلزم الطعن في الرّسول.

31 ـ  (وقالوا لولا نزِّل...) المراد بالقريتين: مكّة والطائف.

32 ـ  (أهم يقسمون رحمة...) إنهم لا يملكون النبوة التي هي رحمة لله خالصة به، حتى يمنعوك منها ويعطوها لمن

 (491)

هَوَوا. (نحن قسمنا بينهم معيشتهم...) بيان لوجه الإنكار في الجملة السابقة، بأنهم عاجزون عن قسمة ما هو دون النبوة بمراحل ولا منزلة له، وهو معيشتهم في الحياة الدنيا فنحن قسمناها بينهم، فكيف يقسمون ما هو أرفع منزلة منها بما لا يقدّر قدره، وهو النبوة التي هي رحمة ربّك الخاصة به.

33 ـ  (ولولا أن يكون...) ولولا أن يجتمع الناس على الكفر، لو رأوا تنعُّم الكافرين وحرمان المؤمنين، لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ودرجات عليها يظهرون لغيرهم.

34 ـ  (ولبيوتهم أبواباً وسرراً...) الزخرف: الذهب أو مطلق الزّينة.

35 ـ  (...وإنْ كل ذلك لما متاع...) ليس كل ما ذكر من مزايا المعيشة  إلاّ متاع الحياة الدنيا الزائلة الفانية التي لا تدوم. (والآخرة عند ربّك للمتّقين) إن الحياة الآخرة السعيدة بحكم من الله تعالى وقضاء منه مختصة بالمتقين.

36 ـ  (ومن يعْشُ عن...) من تَعامى عن ذكر الرحمن ونظر إليه نظر الأعشى، جئنا إليه بشيطان (فهو له قرين) مصاحب لا يفارقه.

37 ـ  (وإنّهم ليصدّونهم...) وإن الشياطين ليصرفون العاشين عن الذكر، ويحسب العاشون أنهم مهتدون إلى الحق.

38 ـ  (حتّى إذا جاءنا...) حتى إذا حضر الواحد منهم عندنا ومعه قرينه، وكشف له عن ضلاله وما يستتبعه من العذاب الأليم، قال مخاطباً لقرينه متأذياً من صحابته: يا ليت بيني وبينك بُعد المشرق والمغرب فبئس القرين أنت.

39 ـ  (ولن ينفعكم اليوم...) المراد ـ  والله أعلم  ـ أنكم إذا أساء بعضكم إلى بعض في الدنيا فأوقعه في مصيبة، ربما تسليتم بعض التسلي لو ابتلي هو نفسه بمثل ما ابتلاكم به، فينفعكم ذلك تسلياً وتشفياً، ولكن لا ينفعكم يوم القيامة اشتراك قرنائكم معكم في العذاب، فإن اشتراكهم معكم في العذاب وكونهم معكم في النار هو بعينه عذاب لكم.

40 ـ  (أفأنت تسمع الصمّ...) نبّه صلى الله عليه وآله أن هؤلاء صم عمي لا يقدر هو على إسماعهم كلمة الحق وهدايتهم إلى سبيل الرشد، فلا يتجشم ولا يتكلف في دعوتهم ولا يحزن لإعراضهم، والاستفهام للإنكار.

41، 42 ـ  (فامّا نذهبن بك...) إنا منتقمون منهم بعد توفيك او قبله لا محالة.

43 ـ  (فاستمسك بالّذي...) اكَّد عليه الأمر بعد ذلك كله، أن يجدّ في التمسك بالكتاب الذي اوحي إليه، لأنه على صراط مستقيم.

44 ـ  (وإنّه لذكر لك...) عن أكثر المفسرين أن المراد بالذكر: الشرف الذي يذكر به، والمعنى: وإنّه لشرف عظيم لك ولقومك من العرب تذكرون به بين الاُمم.

45 ـ  (واسأل من أرسلنا...) قيل: الآية ممّا خوطب به النبيّ صلى الله عليه وآله ليلة المعراج، أن يسأل أرواح الأنبياء عليهم السّلام وقد اجتمع بهم، أن يسألهم هل جاءوا بدين وراء دين التوحيد. وقد وردت به غير واحدة من الروايات عن أئمة أهل البيت عليه السلام.

46 ـ  (ولقد أرسلنا موسى...) اللاّم في (لقد) للقسم، والباء في قوله (بآياتنا) المراد بمجيئهم بالآيات: إظهار المعجزات للدلالة على الرسالة، والمراد بالضحك: ضحك الاستهزاء استخفافاً بالآيات.

48 ـ  (وما نُريهم من آية...) الأخت: المثل، والمعنى: فلما أتاهم بالمعجزات إذا هم فيها يضحكون، والحال أن كلاً منها تامة كاملة في إعجازها ودلالتها من غير نقص ولا قصور. (وأخذناهم بالعذاب لعلّهم يرجعون) رجاء أن يرجعوا عن استكبارهم إلى قبول رسالته.

49 ـ  (...بما عهد عندك...) بعهده عندك والمراد به: عهده أن يكشف عنهم العذاب لو آمنوا كما قيل، أو أن يستجيب دعاءه إذا دعا كما احتمله بعضهم.

50 ـ  (فلمّا كشفنا عنهم...) النكث: نقض العهد وخلف الوعد، ووعدهم هو قولهم: (إنّنا لمهتدون).

51 ـ  (ونادى فرعون في...) ناداهم وهو بينهم.

 (492)

52 ـ  (أم أنا خير من هذا...) الإشارة إلى موسى بهذا من دون أن يذكر باسمه للتحقير وتوصيفه بقوله: (الّذي هو مهين ولا يكاد يبين) وللدلالة على عدم خيريته.

53 ـ  (فلولا اُلقي عَليه...) لو كان رسولاً وساد الناس بذلك، لألقي إليه أسورة من ذهب. (أو جاء معه الملائكة...) المراد: إتيان الملائكة معه متقارنين لتصديق رسالته.

54 ـ  (فاستخفّ قومه فاطاعوه...) استخف عقول قومه وأحلامهم، والباقي ظاهر.

55 ـ  (فلمّا آسفونا انتقمنا...) الإيساف: الاغضاب. أي فلما أغضبونا بفسوقهم إنتقمنا منهم فاغرقناهم أجمعين.

56 ـ  (فجعلناهم سلفاً ومثلاً...) السلف: المتقدم. والظاهر أن المراد بكونهم سلفاً للآخرين: تقدمهم عليهم في دخول النار.

57 ـ  (ولمّا ضرب ابن مريم...) المراد: ما أنزله الله من وَصفه في أوّل سورة مريم. (إذا قومك منه يصدُّون) يضجون ويضحكون ذم لقريش في مقابلتهم المثل الحق بالتهكّم والسخرية.

58 ـ  (وقالوا أ آلهتنا خير...) آلهتنا خير من ابن مريم. (ما ضربوه لك  إلاّ جدلاً) ما وجهوا هذا الكلام إليك،  إلاّ جدلاً يريدون به إبطال المثل المذكور، وإن كان حقاً (بل هم قوم خصمون) ثابتون في خصومتهم مصرون عليها.

59 ـ  (إن هو  إلاّ عبد...) ليس ابن مريم  إلاّ عبداً متظاهراً بالعبودية، أنعمنا عليه بالنبوة وتأييده بروح القدس وإجراء المعجزات الباهرة على يديه وغير ذلك، وجعلناه آية عجيبة خارقة نصف به الحق لبني إسرائيل.

60 ـ  (ولو شئنا لجعلنا...) الظاهر أن الآية متصلة بما قبلها مسرودة لرفع استبعاد أن يتلبس البشر من الكمال ما يقصه القرآن عن عيسى عليه السلام فيكون كالملائكة المتوسطين في الإحياء والاماتة والرزق وسائر أنواع التدبير، ويكون مع ذلك عبداً غير معبود ومألوهاً غير إله. وقوله: (يخلفون) يخلف بعضهم بعضاً.

61 ـ  (وإنّه لعلم للسّاعة...) ضمير (إنه) لعيسى عليه السلام. والمراد بالعلم: ما يعلم به.

62 ـ  (ولا يصدنّكم الشّيطان...) الصد: الصرف.

63 ـ  (ولمّا جاء عيسى...) المراد بالبيّنات: الآيات البيّنات من المعجزات، وبالحكمَة: المعارف الإلهية من العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة.

64 ـ  (إنّ الله هو ربِّي...) دعوة منه إلى عبادة الله وحده، وانه هو ربّه وربّهم جميعاً، وإتمام للحجة على من يقول بالوهيّته.

65 ـ  (فاختلف الأحزاب...) فاختلف الأحزاب المتشعبة من بين أُمته في أمر عيسى من كافر به قال فيه، ومن مؤمن غال فيه، ومن مقتصد لزم الاعتدال. (فويل للّذين ظلموا...) تهديد ووعيد للقالي منهم والغالي.

66 ـ  (هل ينظرون  إلاّ السّاعة...) ما ينتظر هؤلاء الكفار بكفرهم وتكذيبهم لآيات الله،  إلاّ أن تأتيهم السّاعة مباغتة لهم، وهم غافلون عنها مشتغلون بامور دنياهم.

67 ـ  (الأخلّاء يومئذ بعضهم...) الاخلاء: جمع خليل وهو الصديق حيث يرفع خلة صديقه وحاجته، وفي الخبر النبوي: إذا كان يوم القيامة انقطعت الارحام وقلَّت الأنساب وذهبت الاخوّة  إلاّ الاخوة في الله وذلك قوله: (الاخلاء يومئذ بعضهم...).

68 ـ  (يا عباد لا خوف...) من خطابه تعالى لهم يوم القيامة كما يشهد به قوله بعد: (ادخلوا الجنّة).

69 ـ  (الّذين آمنوا بآياتنا...) المراد بالإسلام: التسليم لإرادة الله وأمره.

 (493)

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث