مختصر تفسيرالميزان

 
 

23 ـ  (قال إنّما العلم...) جواب هود عن قولهم رداً عليهم. (واُبلِّغكم ما اُرسلت به) إن الذي حمّلته وأُرسلت به إليكم هو الذي أُبلّغكموه ولا علم لي بالعذاب الذي أُمرت بإنذاركم به ما هو؟ وكيف هو؟ ومتى هو؟ ولا قدرة لي عليه. (ولكنّي أراكم قوماً تجهلون) ولكني أراكم قوماً تجهلون، فلا تميّزون ما ينفعكم ممّا يضركم وخيركم من شركم، حين تردون دعوة الله وتكذبون بآياته وتستهزئون بما وعدكم به من العذاب.

24 ـ  (فلمّا رأوه عارضاً...) العارض: السحاب. (قالوا هذا عارض ممطرنا) إستبشروا ظناً منهم أنه سحاب عارض ممطر لهم فقالوا: هذا الذي نشاهده سحاب عارض ممطر إيّانا. (بل هو ما استعجلتم به...) رد لقولهم: (هذا عارض ممطرنا) بالإضراب عنه إلى بيان الحقيقة.

25 ـ  (تدمّر كلّ شيء...) إن تلك الريح ريح تهلك كل ما مرّت عليه من إنسان ودواب وأموال. (فاصبحوا لا يرى  إلاّ مساكنهم...) بيان لنتيجة نزول العذاب.

26 ـ  (ولقد مكّنّاهم فيما...) موعظة لكفار مكة مستنتجة من القصة. المعنى: أنهم كانوا من التمكن على ما ليس لكم ذلك، وكان لهم من أدوات الإدراك والتمييز ما يحتال به الإنسان لدفع المكاره والاتقاء من الحوادث المهلكة المبيدة، لكن لم يغن عنهم ولم تنفعهم هذه المشاعر والأفئدة شيئاً عندما جحدوا آيات الله، فما الذي يؤمّنكم من عذاب الله وانتم جاحدون لآيات الله.

 (501)

27 ـ  (ولقد أهلكنا ما...) تذكرة إنذارية. (وصرفنا الآيات لعلّهم يرجعون) وصيّرنا الآيات المختلفة من معجزة أيّدنا بها الأنبياء، ووحي أنزلناه إليهم، ونعم رزقناكموها، ليتذكروا بها، وَنِقَم ابتليناهم بها ليتوبوا وينصرفوا عن ظلمهم، لعلهم يرجعون من عبادة غير الله سبحانه إلى عبادته.

28 ـ  (فلولا نصرهم الّذين...) فلولا نصرهم الّذين اتخذوهم آلهة حال كونهم متقرباً بهم إلى الله. (بل ضلّوا عنهم) الضّلال عنهم، كناية عن بطلان مزعمتهم.

29 ـ  (وإذ صرفنا إليك...) واذكر إذ وجهنا إليك عدة من الجن يستمعون القرآن. (فلمّا حضروه قالوا انصتوا) فلمّا حضروا قراءة القرآن وتلاوته قالوا أي بعضهم لبعض: اسكتوا حتى نستمع حق الاستماع. (فلمّا قضي ولّوا...) فلمّا أُتمت القراءة وفرغ منها إنصرفوا إلى قومهم حال كونهم منذرين مخوفين لهم من عذاب الله.

30 ـ  (قالوا يا قومنا إنّا...) حكاية دعوتهم قومهم وإنذارهم لهم. والمراد بالكتاب النازل بعد موسى عليه السلام، القرآن. وفي الكلام دلالة على كونهم مؤمنين بموسى عليه السلام وكتابه. والمراد بتصديق القرآن لما بين يديه: تصديقه التوراة أو جميع الكتب السماوية السابقة. (يهدي إلى الحق...) يهدي من اتبعه إلى صراط الحق وإلى طريق مستقيم لا يضلّ سالكوه عن الحق في الاعتقاد والعمل.

31 ـ  (يا قومنا أجيبوا داعي...) المراد بداعي الله: هو النبيّ صلى الله عليه وآله.

32 ـ  (ومن لا يجب داعي...) ومن لم يؤمن بداعي الله، فليس بمعجز لله في الأرض بردّ دعوته، وليس له من دون الله أولياء ينصرونه.

33 ـ  (أوَ لَم يروا أنّ...) أوَلم يعلموا أن الله الذي خلق السّماوات والأرض ولم يعجز عن خلقهن، أو لم يتعب بخلقهن، قادر على إحياء الموتى ـ  وهو تعالى مبدئ وجود كل شيء وحياته  ـ بل هو قادر لأنه على كل شيء قدير.

34 ـ  (ويوم يعرض الّذين...) تأييد للحجة المذكورة في الآية السابقة بالإخبار عما سيجري على منكري المعاد يوم القيامة.

35 ـ  (فاصبر كما صبر...) فاصبر على جحود هؤلاء الكفار وعدم إيمانهم بذاك اليوم، كما صبر أولو العزم من الرسل، ولا تستعجل لهم بالعذاب، فإنهم سيلاقون اليوم بما فيه من العذاب، وليس اليوم عنهم ببعيد وإن استبعدوه (كأنّهم يوم يرون...) تبيين لقرب اليوم منهم ومن حياتهم الدنيا بالإخبار عن حالهم حينما يشاهدون ذلك اليوم، فإنهم إذا رأوا ما يوعدون من اليوم وما هيِّئ لهم فيه من العذاب كان حالهم حال من لم يلبث في الأرض إلاّ ساعة من نهار. (بلاغ فهل يهلك...) هذا القرآن بما فيه من البيان تبليغ من الله من طريق النبوة، فهل يهلك بهذا الذي بلّغه الله من الاهلاك  إلاّ القوم الفاسقون الخارجون عن زي العبودية. وقد أمر الله سبحانه في هذه الآية نبيّه صلى الله عليه وآله أن يصبر كما صبر اُولو العزم من الرّسل، وفيه تلويح إلى أنه صلى الله عليه وآله منهم فليصبر كصبرهم. والذي تذكره روايات أئمة أهل البيت عليه السلام هم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد صلى الله عليه وآله.

«سورة محمّد»

بسم الله الرّحمن الرّحيم

1 ـ  (الّذين كفروا وصدّوا...) المراد بالّذين كفروا: كفار مكة ومن تبعهم في كفرهم. (أضلّ أعمالهم) جعل أعمالهم ضالة لا تهتدي إلى مقاصدها.

 (502)

2 ـ  (والّذين آمنوا وعملوا...) ظاهر إطلاق صدر الآية أن المراد: مطلق من آمن وعمل صالحاً. (كفّر عنهم سيِّئاتهم) ضرب الله الستر على سيئاتهم بالعفو والمغفرة، وأصلح حالهم في الدنيا والآخرة.

3 ـ  (ذلك بأنّ الّذين...) إضلال أعمالهم: عدم هدايته لها إلى غايات صالحة سعيدة.

4 ـ  (كذلك يضرب الله...) يبيّن لهم أوصافهم على ما هي عليه. (فإذا لقيتم الّذين...) فعلى المؤمنين إذا لقوا الكفار أن يقتلوهم ويأسروهم، ليحيا الحق الذي عليه المؤمنون. (حتّى إذا أثخنتموهم...) فاقتلوهم حتّى إذا أكثرتم القتل فيهم فأسروهم بشدّ الوثاق وإحكامه. (فإمّا منّاً بعد وإمّا فداء) فأسروهم، ويتفرع عليه، أنكم إما تمنّون عليهم منّاً بعد الأسر فتطلقونهم أو تسترقونهم، وإما تفدونهم فداء بالمال أو بمن لكم عندهم من الأسارى. (حتّى تضع الحرب أوزارها) كناية عن انقضاء القتال. (ولو شاء الله لانتصر منهم) ولو شاء الله الانتقام منهم، لانتقم منهم. (ولكن ليبلو بعضكم ببعض) ولكن لم ينتصر منهم بل أمركم بقتالهم ليمتحن بعضكم ببعض. (والّذين قتلوا في سبيل...) ومن قتل في سبيل الله وهو الجهاد والقتال مع أعداء الدين، فلن يبطل أعمالهم الصالحة التي أتوا بها في سبيل الله.

5 ـ (سيهديهم ويصلح...) سيهديهم الله إلى منازل السعادة والكرامة، ويصلح حالهم بالمغفرة والعفو عن سيئاتهم 6 ـ (ويدخلهم الجنّة عرّفها...) سيدخلهم الجنّة والحال أنه عرفها لهم إمّا بالبيان الدنيوي من طريق الوحي والنبوّة، وإما بالبشرى عند القبض أو في القبر أو في القيامة، أو في جميع هذه المواقف هذا ما يفيده السياق من المعنى.

7 ـ (يا أيُّها الّذين آمنوا...) تحضيض لهم على الجهاد ووعد لهم بالنصر إنْ نصروا الله تعالى.

8 ـ (والّذين كفروا فتعساً...) ذكر ما يفعل بالكفار عقيب ذكر ما يفعل بالمؤمنين الناصرين لله. والتعس: هو سقوط الانسان على وجهه وبقاؤه عليه.

9 ـ (ذلك بأنّهم كرهوا...) المراد بما أنزل الله: هو القرآن والشرائع والأحكام التي أنزلها الله تعالى على نبيّه صلى الله عليه وآله.

10 ـ (أفلم يسيروا في...) المراد بالكافرين الكافرون بالنبيّ صلى الله عليه وآله.

11 ـ (ذلك بأنّ الله...) إن نصره تعالى للمؤمنين  وخذلانه الكفّار، إنما ذلك بسبب أنه تعالى مولى المؤمنين ووليّهم، وأن الكفار لا مولى لهم.

12 ـ  (إنّ الله يدخل...) (مقارنة) بين الفريقين، وبيان أثر ولاية الله للمؤمنين وعدم ولايته للكفّار، من حيث العاقبة والآخرة، وهي أن المؤمنين يدخلون الجنة والكفار يقيمون في النار.

13 ـ  (وكأيِّن من قرية...) تقوية لقلب النبيّ صلى الله عليه وآله وتهديد لأهل مكة وتحقير لأمرهم، أن الله أهلك قرى كثيرة كل منها أشد قوة من قريتهم ولا ناصر لهم ينصرهم.

14 ـ  (أفمن كان على بيِّنة...) المراد بمن كان على بيّنة من ربّه: هم المؤمنون، فالمراد بكونهم على بينة من ربّهم: كونهم على دلالة بيّنة من ربّهم توجب اليقين على ما اعتقدوا عليه.

15 ـ  (مثل الجنّة الّتي...) يفرق بين الفريقين ببيان مآل أمرهما وهو في الحقيقة توضيح لِما مَر في قوله: (انّ الله يدخل الّذين...). وقوله: (فيها أنهار من ماء غير آسن) أي غير متغير بطول المقام.

16 ـ  (ومنهم من يستمع...) الضمير للذين كفروا، والمراد باستماعهم إلى النبيّ صلى الله عليه وآله: إصغاؤهم إلى ما يتلوه من القرآن وما يبيّن لهم من اصول المعارف وشرائع الدين. (قالوا للّذين أُوتوا العلم...) المراد بالذين اوتوا العلم: العلماء بالله من الصحابة، والضمير في (ماذا قال) للنبيّ صلى الله عليه وآله.

17 ـ  (والّذين اهتدوا زادهم...) زيادة هداهم من الله سبحانه، رفعه تعالى درجة إيمانهم.

18 ـ  (فهل ينظرون إلاّ...) النظر: هو الانتظار، والأشراط: جمع شرط بمعنى العلامة. (فأنّى لهم إذا جاءتهم...) فكيف يكون لهم أن يتذكروا إذا جاءتهم؟ أي كيف ينتفعون بالذكرى في يوم لا ينفع العمل الذي يعمل فيه، وإنّما هو يوم الجزاء.

 (503)

19 ـ  (فاعلم أنّه لا إله...) فاستمسك بعلمك أنه لا إله  إلاّ الله. (والله يعلم متقلبكم...) المراد أنه تعالى يعلم كل أحوالكم من متغيّر وثابت وحركة وسكون، فاثبتوا على توحيده واطلبوا مغفرته، واحذروا أن يطبع على قلوبكم ويترككم وأهواءكم.

20 ـ  (ويقول الّذين آمنوا...) «لولا» تحضيضية أي هلَّا أُنزلت سورة. يظهرون بها الرغبة في نزول سورة جديدة تأتيهم بتكاليف جديدة يمتثلونها. (فأولى لهم) حريّ بهم أن ينظروا كذلك أي أن يحتضروا فيموتوا. ومعنى الآية: ويقول الذين آمنوا هلّا أُنزلت سورة، فإذا أُنزلت سورة محكمة لا تشابه فيها وأمروا فيها بالقتال والجهاد، رأيت الضعفاء الايمان منهم ينظرون إليك من شدة الخشية نظر المحتضر، فأولى لهم ذلك.

21 ـ  (طاعة وقول معروف...) إيمانهم بنا طاعة واثقون عليها، وقول معروف غير منكر قالوا لنا، وهو إظهار السمع والطاعة.

22 ـ  (فهل عسيتم إن...) فهل يتوقع منكم إن أعرضتم عن كتاب الله والعمل بما فيه، ومنه الجهاد في سبيل الله، أن تفسدوا في الأرض وتقطّعوا أرحامكم بسفك الدماء ونهب الأموال وهتك الأعراض، تكالباً على جيفة الدنيا، أي إن توليتم كان المتوقع منكم ذلك.

23 ـ  (اُولئك الّذين لعنهم...) الإشارة إلى المفسدين في الأرض المقطعين للأرحام.

24 ـ  (أفلا يتدبّرون القرآن...) الاستفهام للتوبيخ، وضمير الجمع راجع إلى المذكورين في الآية السابقة.

25 ـ  (إنّ الّذين ارتدّوا...) الارتداد على الادبار: الرجوع إلى الاستدبار بعد الاستقبال، وهو إستعارة أُريد بها الترك بعد الأخذ. والتسويل: تزيين ما تحرض النفس عليه وتصوير القبيح لها في صورة الحسن، والمراد بالإملاء: الإمتداد أو تطويل الآمال.

26 ـ  (ذلك بأنّهم قالوا...) الإشارة بذلك إلى تسويل الشيطان وإملائه. والمراد بالذين كرهوا ما نزّل الله: هم الذين كفروا. (سنطيعكم في بعض الأمر) مقول قولهم ووعد منهم للكفار بالطاعة.

27 ـ  (فكيف إذا توفّتهم...) هذا حالهم اليوم يرتدُّون بعد تبين الهدى لهم فيفعلون ما يشاءون، فكيف حالهم إذا توفّتهم الملائكة وهم يضربون وجوههم وأدبارهم.

28 ـ  (ذلك بأنّهم اتبعوا...) سبب عقابهم أن أعمالهم حابطة لاتّباعهم ما أسخط الله، وكراهتهم رضوانه، وإذ لا عمل لهم صالحاً يشقون بالعذاب.

29 ـ  (أم حسب الّذين...) بل ظن هؤلاء المنافقون الذين في قلوبهم مرض، أن لن يخرج الله ولَن يظهر أحقادهم للدين وأهله.

30 ـ  (ولو نشاء لأريناكهم...) ولو نشاء لأريناك أولئك المرضى القلوب فلعرفتهم بعلامتهم التي أعلمناهم بها. (ولتعرفنّهم في لحن القول) ولتعرفنهم من جنس قولهم بما يشتمل عليه من الكناية والتعريض. (والله يعلم أعمالكم) يعلم حقائقها، وأنها من أي القصود والنيّات صدرت.

 (504)

31 ـ  (ولنبلونّكم حتّى نعلم...) البلاء والإبتلاء: الإمتحان والإختبار، والآية بيان علة كتابة القتال على المؤمنين، وهو الإختبار الإلهي ليمتاز به المجاهدون في سبيل الله الصابرون على مشاق التكاليف الإلهية. (ونبلوا أخباركم) كأن المراد بالأخبار: الأعمال.

32 ـ  (إنّ الّذين كفروا...) المراد بهؤلاء: رؤساء الضلال من كفار مكة ومن يلحق بهم. (لن يضرّوا الله شيئاً) لأن كيد الانسان ومكره لا يرجع  إلاّ إلى نفسه ولا يضر  إلاّ إيّاه. (وسيحبط أعمالهم) مساعيهم لهدم أساس الدِّين.

33 ـ  (يا أيُّها الّذين آمنوا...) المراد بحسب المورد من طاعة الله: طاعته فيما شرّع وأنزل من حكم القتال، ومن طاعة الرّسول: طاعته فيما بلَّغ منه وفيما أمر به منه ومن مقدماته، بما له من الولاية فيه. وبإبطال الأعمال: التخلف عن حكم القتال كما تخلف المنافقون وأهل الردَّة.

34 ـ (إنّ الّذين كفروا...) إنكم لو لم تطيعوا الله ورسوله وأبْطَلْتم أعمالكم باتباع ما أسخط الله وكراهة رضوانه، أدّاكم ذلك إلى اللحوق بأهل الكفر والصد ولا مغفرة لهم بعد موتهم كذلك أبداً.

35 ـ  (فلا تهنوا وتدعوا...) الوهن بمعنى الضعف والفتور. (وتدعوا إلى السّلم) معطوف على (تهنوا) أي ولا تدعوا إلى السلم. (وأنتم الأعلون) لا تفعلوا ذلك والحال أنكم الغالبون (ولن يتركم أعمالكم) لن ينقصكم أعمالكم أي يوفّي أجرها تاماً كاملاً.

36 ـ (إنّما الحياة الدّنيا...) ترغيب لهم في الآخرة وتزهيد لهم عن الدنيا. (وإن تؤمنوا) إن تؤمنوا وتتقوا بطاعته وطاعة رسوله، يؤتكم أُجوركم ولا يسألكم أموالكم بإزاء ما أعطاكم.

37 ـ (إن يسألكموها...) الإحفاء: الإجهاد وتحميل المشقة. والمراد بالبخل ـ  كما قيل  ـ الكفّ عن الإعطاء، والأضغان: الأحقاد.

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث