مختصر تفسيرالميزان

 
 

38 ـ (ها أنتم هؤلاء...) أنكم أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ـ  وهو بعض أموالكم  ـ فبعضكم يبخل، فيظهر به أنه لو سأل الجميع جميعكم بخلتم. (ومن يبخل فإنّما...) يمنع الخير عن نفسه. (وإن تتولّوا يستبدل قوماً...) إن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أُجوركم، وإن تتولوا وتعرضوا، يستبدل قوماً غيركم بأن يوفقهم للإيمان دونكم، ثمّ لا يكونوا أمثالكم بل يؤمنون ويتقون وينفقون في سبيل الله.

«سورة الفتح»

بسم الله الرّحمن الرّحيم

1 ـ  (إنّا فتحنا لك...) المراد بهذا الفتح على ما تؤيده قرائن الكلام: هو ما رزق الله نبيّه صلى الله عليه وآله من الفتح في صلح الحديبية.

2 ـ  (ليغفر لك الله...) المراد بالذنب ـ  والله أعلم  ـ التبعة السيّئة التي لدعوته صلى الله عليه وآله عند الكفار والمشركين، وهو ذنب لهم عليه كما في قول موسى لربّه: (ولهم عليّ ذنب فأخاف أن يقتلون) الشعراء: 14، وما تقدم من ذنبه هو ما كان مِنْهُ صلى الله عليه وآله بمكة قبل الهجرة، وما تأخّر من ذنبه هو ما كان منه بعد الهجرة، ومغفرته تعالى لذنبه، هي ستره عليه بإبطال تبعته بإذهاب شوكتهم وهدم بنيتهم.

3 ـ  (وينصرك الله نصراً...) النصر العزيز: هو ما يمتنع به من كل جبّار عنيد وعات مريد، وقد فعل بنبيّه صلى الله عليه وآله

 (505)

ذلك إذ جعل دينه أعزّ الأديان وسلطانه أعظم السّلطان.

4 ـ  (هو الّذي أنزل...) الله الذي أوجد الثبات والإطمئنان، ليشتد به الإيمان الذي كان لهم قبل نزول السكينة، فيصير أكمل ممّا كان قبله.

5 ـ  (ليدخل المؤمنين...) ضم المؤمنات إلى المؤمنين في الآية، لدفع توهم اختصاص الجنة وتكفير السيئات بالذكور. (وكان ذلك عند الله...) بيان لكون ذلك سعادة حقيقية لا رَيب فيها لكونه عند الله كذلك وهو يقول الحق.

6 ـ  (ويعذِّب المنافقين...) تقديم المنافقين والمنافقات على المشركين والمشركات في الآية: لكونهم أضر على المسلمين من أهل الشرك، ولأن عذاب أهل النفاق أشد. (الظانِّين بالله ظنّ السّوء) هو ظنهم أنّ الله لا ينصر رسوله. (عليهم دائرة السّوء) دعاء عليهم أو قضاء عليهم.

7 ـ  (ولله جنود السّماوات...) الظاهر أنه بيان تعليلي للآيتين، أعني قوله: (ليدخل المؤمنين...).

8 ـ  (إنّا أرسلناك شاهداً...) المراد بشهادته صلى الله عليه وآله شهادته على الأعمال من إيمان وكفر وعمل صالح أو طالح.

9 ـ  (لتؤمنوا بالله ورسوله...) التعزير ـ  على ما قيل  ـ النصر. والتوقير: التعظيم. والمعنى: إنّا أرسلناك كذا وكذا ليؤمنوا بالله ورسوله وينصروه تعالى بأيديهم وألسنتهم ويعظموه ويسبحّوه ـ  وهو الصّلاة  ـ بكرة وأصيلاً أي غداة وعشيّاً.

10 ـ  (إنّ الّذين يبايعونك...) تنزيل بيعته صلى الله عليه وآله منزلة بيعته تعالى بدعوى أنها هي، فما يواجهونه صلى الله عليه وآله به من بذل الطاعة، لا يواجهون به  إلاّ الله سبحانه. (فمن نكث فانّما ينكث...) فإذا كانت بيعتك بيعة الله، فالناكث الناقض لها ناقض لبيعة الله، ولا يتضرر بذلك  إلاّ نفسه كما لا ينتفع بالإيفاء  إلاّ نفسه، لأن الله غني عن العالمين. (ومن أوفى بما عاهد عليه...) وعد جميل على حفظ العهد والايفاء به.

11 ـ  (سيقول لك المخلفون...) إخبار عمّا سيأتي من قولهم للنبيّ صلى الله عليه وآله، وفي اللفظ دلالة ما على نزول الآيات في رجوعه صلى الله عليه وآله من الحديبية إلى المدينة ولما يردها. (شغلتنا أموالنا وأهلونا...) كان الشاغل المانع لنا عن صحابتك والخروج معك هو أموالنا وأهلونا، حيث لم يكن هنا من يقوم بأمرنا. (يقولون بألسنتهم...) تكذيب لهم في جميع ما أخبروا به. (قل فمن يملك...) جواب عن تعللهم بالشغل على تقدير تسليم صدقهم فيه، ملخصه أن تعلقكم في دفع الضر وجلب الخير بظاهر الأسباب، لا يغنيكم شيئاً في ضر أو نفع بل الأمر تابع لما أراده الله سبحانه.

12 ـ  (بل ظننتم أنْ لن...) ما تخلفتم عن الخروج بسبب اشتغالكم بالأموال والأهلين، بل ظننتم أن الرسول والمؤمنين لن يرجعوا إلى أهليهم أبداً، وأن الخارجين سيقتلون بأيدي قريش بما لهم من الجموع والبأس الشديد والشوكة والقدرة، ولذلك تخلفتم. (وزيِّن ذلك في قلوبكم) زيّن الشيطان ذلك الظنّ في قلوبكم. (وظننتم ظنّ السّوء وكنتم قوماً بورا) كنتم قوماً فاسدين أو هالكين.

13 ـ  (ومن لم يؤمن بالله...) الجمع في هذه الآيات بين الإيمان بالله ورسوله، للدلالة على أن الكفر بالرّسول بعدم طاعته كفر بالله، وفي الآية لحن تهديد.

14 ـ  (ولله ملك السّماوات...) معنى الآية ظاهر وفيها تأييد لما تقدّم.

15 ـ  (سيقول المخلفون إذا...) إنكم ستنطلقون إلى غزوة فيها مغانم تأخذونها، فيقول هؤلاء المخلفون: اتركونا نتبعكم. (قل لن تتّبعونا كذلكم...) أمر منه تعالى للنبيّ صلى الله عليه وآله أن يمنعهم عن اتباعهم، إستناداً إلى قوله تعالى من قبل أن

 (506)

يسألوهم الاتباع. (فسيقولون بل تحسدوننا) سيقول المخلفون بعدما منعوا عمّا سألوه من الاتباع: (بل تحسدوننا). (بل كانوا لا يفقهون) جواب عن قولهم: (بل تحسدوننا).

16 ـ  (قل للمخلفين من...) ظاهر قوله: (ستدعون) أنهم بعض الأقوام الذين قاتلهم النبيّ صلى الله عليه وآله بعد فتح خيبر من هوازن وثقيف والروم في مؤتة. (تقاتلونهم أو يسلمون) إما تقاتلون أو يسلمون، أي أنهم مشركون لا تقبل منهم جزية كما تقبل من أهل الكتاب، بل إمّا أن يقاتلوا أو يسلموا.

17 ـ  (ليس على الأعمى...) رفع للحكم بوجوب الجهاد على ذوي العاهة الذين يشق عليهم الجهاد، برفع لازمه وهو الحرج.

18، 19 ـ  (لقد رضي الله...) إخبار عن إثابته تعالى لهم بازاء بيعتهم له صلى الله عليه وآله تحت الشجرة. (فعلم ما في قلوبهم...) فعلم ما في قلوبهم من صدق النية واخلاصها في مبايعتهم لك. والمراد بالفتح القريب: فتح خيبر على ما يفيده السّياق. (وكان الله عزيزاً حكيماً) غالباً فيما أراد متقناً لفعله غير مجازف فيه.

20 ـ  (وعدكم الله مغانم...) المراد بهذه المغانم الكثيرة: المغانم التي سيأخذها المؤمنون بعد الرجوع من الحديبية. (وكف أيدي النّاس عنكم) قيل المراد بالناس قبيلتا أسد وغطفان، هموا بعد سير النبيّ صلى الله عليه وآله إلى خيبر أن يغيروا على أموال المسلمين وعيالهم بالمدينة، فقذف الله في قلوبهم الرعب وكف أيديهم. وقيل المراد بالناس أهل مكة ومن والاها حيث لم يقاتلوه صلى الله عليه وآله ورضوا بالصلح. (ولتكون آية للمؤمنين) علامة وإمارة تدلهم على أنهم على الحق وأن ربّهم صادق في وعده ونبيّهم صلى الله عليه وآله صادق في إنبائه. (ويهديكم صراطاً مستقيماً) عطف على (تكون) أي وليهديكم صراطاً مستقيماً.

21 ـ  (واُخرى لم تقدروا...) وغنائم اُخرى لم تقدروا عليها، قد أحاط الله بها إحاطة قدرة وكان الله على كل شيء قديرا.

22 ـ  (ولو قاتلكم الّذين...) ينبئهم الله سبحانه ضعف الكفار عن قتال المؤمنين بأنفسهم، وأن ليس لهم ولي يتولى أمرهم ولا نصير ينصرهم.

23 ـ  (سنّة الله الّتي قد...) هذه سنة قديمة له سبحانه، أن يظهر أنبياءه والمؤمنين بهم إذا صدقوا في ايمانهم وأخلصوا نيّاتهم، على أعدائهم من الذين كفروا ولن تجد لسنّة الله تبديلاً.

24 ـ  (وهو الّذي كفّ...) الظاهر أن المراد بكفّ أيدي كل من الفئتين عن الاُخرى، ما وقع من الصلح بين الفئتين بالحديبية.

25 ـ  (هم الّذين كفروا...) مشركو مكة هم الّذين كفروا ومنعوكم عن المسجد الحرام ومنعوا الهدي ـ  الذي سقتموه  ـ حال كونه محبوساً من أن يبلغ محله، أي الموضع الذي ينحر أو يذبح فيه، وقد كان النبيّ صلى الله عليه وآله ومن معه من المؤمنين محرمين للعمرة ساقوا هدياً لذلك. (ولولا رجال مؤمنون...) الوطء: الدوس. والمعرَّة: المكروه. والمعنى: ولولا أن تدوسوا رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات بمكة، وأنتم جاهلون بهم لا تعلمون، فيصيبكم من قتلهم وإهلاكهم مكروه، لما

 (507)

كف الله أيديكم عنهم. (ليدخل الله في رحمته...) ولكن كفّ أيديكم عنهم، ليدخل في رحمته أولئك المؤمنين والمؤمنات. (ولو تزيلوا لعذبنا...) لو تفرقوا بأن يمتاز المؤمنون من الكفار، لعذبنا الذين كفروا من أهل مكة عذاباً أليماً، لكن لم نعذبهم لحرمة من اختلط بهم من المؤمنين.

26 ـ  (إذ جعل الّذين...) هم الّذين كفروا وصدّوكم، إذ القوا في قلوبهم الحمية حمية الملة الجاهلية. (فأنزل الله سكينتهُ...) كأنه قيل: جعلوا في قلوبهم الحمية، فقابله الله سبحانه بإنزال السكينة على رسوله وعلى المؤمنين، فاطمأنت قلوبهم ولم يستخفهم الطيش، وأظهروا السكينة والوقار من غير أن تستفزهم الجهالة. (وألزمهم كلمة التّقوى) جعلها معهم لا تنفكُّ عنهم.

27 ـ  (لقد صدق الله...) اقسم لقد صدق الله رسوله في الرؤيا التي أراه لتدخلن أيها المؤمنون المسجد الحرام إن شاء الله، حال كونكم آمنين من شر المشركين، محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون المشركين. (فعلم ما لم تعلموا وجعل...) فعلم تعالى من المصلحة في دخولكم المسجد الحرام آمنين ما جهلتموه ولم تعلموه، ولذلك جعل قبل دخولكم فتحاً قريباً ليتيسَّر لكم الدخول كذلك. ومن هنا يظهر أن المراد بالفتح القريب في هذه الآية: فتح الحديبية، فهو الذي سوّى للمؤمنين الطريق لدخول المسجد الحرام آمنين، ويسّر لهم ذلك، ولولا ذلك لم يكن لهم الدخول فيه إلاّ بالقتال.

28 ـ  (هو الّذي أرسل...) تقدّم تفسيره في سورة التوبة، الآية 33. (وكفى بالله شهيداً) شاهداً على صدق نبوَّته والوعد أن دينه سيظهر على الدين كله، أو على أن رؤياه صادقة.

29 ـ  (محمّد رسول الله...) الظاهر أنه مبتدأ وخبر فهو كلام تام. (والّذين معه أشداء...) مسوق لتوصيف الّذين معه والشدة والرحمة المذكورتان من نعوتهم. (تراهم ركَّعاً سجَّداً) الركَّع والسجَّد: جمعا راكع وساجد. (يبتغون فضلاً من الله...) الابتغاء: الطلب، والفضل: العطية وهو الثواب، والرضوان: أبلغ من الرضا. (سيماهم في وجوههم...) إن سجودهم لله تذللاً وتخشعاً، أثّر في وجوههم أثراً، وهو سيما الخشوع لله يعرفهم به من رآهم. (ذلك مثلهم في التّوراة...) الذي وصفناهم به من أنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم...الخ، وصفهم الذي وصفناهم به في الكتابين التوراة والإنجيل (كزرع أخرج شطأه...) هم كزرع أخرج أفراخه فأعانها فقويت وغلظت وقام على سوقه يعجب الزارعين بجودة رشده.

«سورة الحجرات»

بسم الله الرّحمن الرّحيم

1 ـ  (يا أيّها الّذين آمنوا...) المراد بقوله (لا تقدِّموا) تقديم شيء ما من الحكم قبال حكم الله ورسوله، إمّا بالإستباق إلى قول قبل أن يَأخذوا القول فيه من الله ورسوله، أو إلى فعل قبل أن يتلقوا الأمر به من الله ورسوله. لكن تذييله تعالى النهي بقوله: (إنّ الله سميع عليم) يناسب تقديم القول دون تقديم الفعل.

2 ـ  (يا أيّها الّذين آمنوا...) ظاهر الآية أن رفع الصوت فوق صوت النبيّ صلى الله عليه وآله والجهر له بالقول، معصيتان موجبتان للحبط.

 (508)

3 ـ  (إنّ الّذين يغضون...) الآية مسوقة للوعد الجميل على غض الصوت عند رسول الله صلى الله عليه وآله، بعد توصيفهم بأن قلوبهم ممتحنة للتقوى، والذي امتحنهم لذلك هو الله سبحانه، وفيه تأكيد وتقوية لمضمون الآية السابقة وتشويق للإنتهاء بما فيها من النهي.

4 ـ  (إنّ الّذين ينادونك...) سياق الآية يؤدي أنه واقع، وأنهم كانوا قوماً من الجفاة ينادونه صلى الله عليه وآله من وراء حجرات بيته من غير رعاية لمقتضى الأدب وواجب التعظيم والتوقير، فذمهم الله سبحانه حيث وصف أكثرهم بأنهم لا يعقلون كالبهائم من الحيوان.

5 ـ  (ولو أنّهم صبروا حتّى...) ولو أنهم صبروا عن ندائك فلم ينادوك حتى تخرج إليهم، لكان خيراً لما فيه من حسن الأدب ورعاية التعظيم والتوقير لمقام الرسالة، وكان ذلك مقرباً لهم إلى مغفرة الله ورحمته لأنه غفور رحيم.

6 ـ  (يا أيّها الّذين آمنوا...) يا أيّها الّذين آمنوا إن جاءكم فاسق بخبر ذي شأن، فتبينوا خبره بالبحث والفحص، للوقوف على حقيقته، حَذَر أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصيروا نادمين على ما فعلتم بهم.

7 ـ  (واعلموا أنّ فيكم...) العنت: الإثم والهلاك. والطوع والطاعة: الإنقياد. والمعنى: ولا تنسوا أن فيكم رسول الله، وهو كناية عن أنه يجب عليهم أن يرجعوا الاُمور ويسيروا فيما يواجهونه من الحوادث، على ما يراه ويأمر به. (ولكنّ الله حبَّب...) إن الله سبحانه أصلح ذلك، بما أنعم عليهم من تحبيب الإيمان وتكريه الكفر والفسوق والعصيان.

8 ـ  (فضلاً من الله...) تعليل لما تقدّم من فعله تعالى بالمؤمنين من تحبيب الإيمان وتزيينه، وتكريه الكفر والفسوق والعصيان.

9 ـ  (وإن طائفتان من...) الاقتتال والتقاتل بمعنى واحد. (فان بغت إحداهما...) فإن تعدّت إحدى الطائفتين على الاخرى بغير حق، فقاتلوا الطائفة المتعدية حتى ترجع إلى ما أمر به الله وتنقاد لحكمه. (فإن فاءت فاصلحوا...) فإن رجعت الطائفة المتعدية إلى أمر الله، فأصلحوا بينهما إصلاحاً متلبساً بالعدل.

10 ـ  (إنّما المؤمنون إخوة...) إستئناف مؤكد لما تقدّم من الإصلاح بين الطائفتين المتقاتلتين من المؤمنين فيفيد أن الطائفتين المتقاتلتين لوجود الاخوة بينهما يجب أن يستقر بينهما الصلح، والمصلحون لكونهم إخوة للمتقاتلين يجب أن يسعوا في إصلاح ما بينهما.

11 ـ  (يا أيُّها الّذين آمنوا...) السخرية: الإستهزاء وهو ذكر ما يستحقر ويستهان به الإنسان بقول أو إشارة أو فعل. (ولا تلمزوا أنفسكم...) اللّمز ـ  على ما قيل  ـ التنبيه على المعايب. (ولا تنابزوا بالألقاب بئس...) التنابز بالألقاب:
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث