مختصر تفسيرالميزان

 
 

ذكر بعضهم بعضاً بلقب السوء، ممّا يكرهه كالفاسق والسفيه ونحو ذلك. (ومن لم يتب فاولئك...) ومن لم يتب عن هذه المعاصي التي يقترفها بعد ورود النهي، فلم يندم عليها ولم يرجع إلى الله سبحانه بتركها، فاولئك ظالمون حقاً، فإنهم لا يرون بها بأساً وقد عدها الله معاصي ونهى عنها.

12 ـ  (يا أيُّها الّذين آمنوا...) المراد بالظن المأمور بالاجتناب عنه: ظن السوء. (ولا تجسّسوا) التجسّس: تتبع ما استتر مِن أُمور الناس للإطلاع عليها. (ولا يغتب بعضكم بعضاً) الغيبة على ما في مجمع البيان: ذكر العيب بظهر الغيب على وجه يمنع الحكمة منه.

 (509)

13 ـ  (يا أيُّها النّاس إنّا...) إن النّاس يساوي بعضهم بعضاً لا اختلاف بينهم ولا فضل لأحدهم على غيره، ثمّ نبّه سبحانه في ذيل الآية بهذه الجملة أعني قوله: (إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم) على ما فيه الكرامة عنده، وهي حقيقة الكرامة.

14 ـ  (وقالت الأعراب آمنّا...) المراد بالأعراب: بعض الأعراب البادين دون جميعهم، وقد نفى في الآية الإيمان عنهم، وأوضحه بأنه لم يدخل في قلوبهم بعد، وأثبت لهم الإسلام. (وإن تطيعوا الله...) وإن تطيعوا الله فيما يأمركم به من اتّباع دينه اعتقاداً، وتطيعوا الرّسول فيما يأمركم به، لا ينقص من اجور أعمالكم شيئاً.

15 ـ  (إنّما المؤمنون الّذين...) تعريفهم بما ذكر من الأوصاف تعريفاً جامعاً مانعاً، فمن اتّصف بها فهو مؤمن حقاً، كما إن من فقد شيئاً منها ليس بمؤمن حقاً. (ثمّ لم يرتابوا) لم يشكوا في حقّية ما آمنوا به. وقوله: (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) المجاهدة: بذل الجهد والطاقة، وسبيل الله: دينه. والمراد بالمجاهدة بالأموال والأنفس: العمل بما تسعه الاستطاعة وتبلغه الطاقة في التكاليف المالية كالزكاة وغير ذلك من الإنفاقات الواجبة، والتكاليف البدنية كالصّلاة والصّوم والحجّ وغير ذلك.

16 ـ  (قُل أتعلِّمون الله...) توبيخ للأعراب حيث قالوا: آمنّا.

17 ـ  (يمنّون عليك أن...) يمنون عليك بأن أسلموا وقد اخطأوا في مَنّهم هذا من وجهين: إحداهما: خطأهم من جهة توجيه المنّ إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وهو رسول، ليس له من الأمر شيء، وإليه الإشارة بقوله: (لا تمنّوا عليّ إسلامكم). وثانيهما: أن المنّ ـ  لو كان هناك من  ـ إنما هو بالإيمان دون الإسلام، وإليه الإشارة بتبديل الإسلام من الإيمان.

18 ـ  (إنّ الله يعلم غيب...) المراد بغيب السّماوات والأرض: ما فيها من الغيب، أو الأعم ممّا فيهما ومن الخارج مِنهما.

«سورة ق»

بسم الله الرّحمن الرّحيم

1 ـ  (ق والقرآن المجيد...) قسم وجوابه محذوف تدل عليه الجمل التالية والتقدير: والقرآن المجيد إن البعث حق، أو إنك لمن المنذرين، أو الانذار حق.

2 ـ  (بل عجبوا أن جاءهم...) كأنه قيل: إنا أرسلناك نذيراً فلم يؤمنوا بك، بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم. أو قيل: إن البعث الذي أنذرتهم به حق ولم يؤمنوا به، بل عجبوا منه واستبعدوه.

3 ـ  (أ إذا متنا وكنّا...) إنهم يتعجبون ويقولون: أإذا متنا وكنّا تراباً ـ  وبطلت ذواتنا بطلاناً لا أثر معه منها  ـ نبعث ونرجع؟ ثمّ كأن قائلاً يقول لهم: مِمَّ تتعجّبون؟ فقالوا: ذلك رجع بعيد يستبعده العقل ولا يسلمه.

4 ـ  (قد علمنا ما تنقص...) إنهم زعموا أن موتهم وصيرورتهم تراباً متلاشي الذرات غير متمايز الأجزاء، يصيرهم مجهولي الأجزاء عندنا فيمتنع علينا جمعها وإرجاعها، لكنه زعم باطل فإنا نعلم بمن مات منهم وما يتبدل إلى الأرض من أجزاء أبدانهم، وكيف يتبدل وإلى أين يصير؟ وعندنا كتاب حفيظ فيه كل شيء وهو اللوح المحفوظ.

5 ـ  (بل كذّبوا بالحقِّ...) إن ذلك ليس من جهلهم، بل كذَّبوا بالحق لما جاءَهم فاستبان لهم أنه حق. فهم في أمر مريج

 (510)

مختلط غير منتظم، يدركون الحق ويكذبون به.

6 ـ  (أفلم ينظروا إلى...) بناء هذا الخلق البديع، أصدق شاهد على قدرته القاهرة وعلمه المحيط بما خلق.

7 ـ  (والأرض مددناها...) فخلق الأرض وما جرى فيها من التدبير الالهي العجيب، أحسن دليل يدلّ العقل على كمال القدرة والعلم.

8 ـ  (تبصرة وذكرى...) فعلنا ما فعلنا ليكون تبصرة يتبصَّر بها، وذكرى يتذكر بها كل عبد راجع إلى الله سبحانه.

9 ـ (ونزّلنا من السّماء...) حب الحصيد: المحصود من الحب.

10، 11 ـ  (والنّخل باسقات...) الباسقات: جمع باسقة وهي الطويلة العالية. والطلع: أوّل ما يطلع من ثمر النخيل. والنضيد: بمعنى المنضود بعضه على بعض. (رزقاً للعباد وأحيينا...) أنبتنا هذه الجنات ليكون رزقاً للعباد.

12 ـ 14 ـ  (كذّبت قبلهم قوم...) تهديد وإنذار لهم بما كذّبوا بالحق لمّا جاءهم. وقد تقدّم ذكر أصحاب الرس في تفسير سورة الفرقان، وذكر أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب في سور الحجر والشعراء وص، وذكر قوم تبّع في سورة الدخان.

15 ـ (أفعيينا بالخلق الأوّل...) أعجزنا عن الخلق الأول حتى نعجز عن الخلق الجديد؟  (بل هم في لَبْس...) اللّبس: هو الإلتباس.

16 ـ  (ولقد خلقنا الإنسان...) المراد بخلق الإنسان: وجوده المتحول خلقاً بعد خلق.

17 ـ  (إذ يتلقّى المتلقّيان...) المراد بالمتلقّيان على ما يفيده السّياق: الملكان الموكلان على الانسان.

18 ـ  (ما يلفظ من قول...) اللفظ: الرمي، سمي به التكلم بنوع من التشبيه. والرقيب: المحافظ. والعتيد: المعد المهيأ للزوم الأمر.

19 ـ  (وجاءت سكرة الموت...) الحيد: العدول والميل على سبيل الهرب، والمراد بسكرة الموت ما يعرض الإنسان حال النزع.

20 ـ  (ونفخ في الصّور...) المراد بيوم الوعيد: يوم القيامة.

21 ـ  (وجاءت كلّ نفس...) وحضرت عنده تعالى كل نفس معها سائق يسوقها وشاهد يشهد بأعمالها.

22 ـ (لقد كنت في غفلة...) في الدنيا (في غفلة) أحاطت بك (من هذا) الذي تشاهده وتعاينه (فكشفنا عنك غطاءك) اليوم (فبصرك) وهو البصيرة وعين القلب (اليوم) وهو يوم القيامة (حديد) نافذ يبصر ما لم يكن يبصره في الدنيا.

23 ـ (وقال قرينه هذا...) لا يخلو السّياق من ظهور في أن المراد بهذا القرين: الملك الموكل به.

24 ـ (ألقيا في جهنّم...) العنيد: المعاند للحق المستمر على عناده.

25، 26 ـ  (الّذي جعل مع...) هذه الصفة أعظم المعاصي واُم الجرائم التي أتى بها.

27 ـ (قال قرينه ربّنا...) المراد بهذا القرين: قرينه من الشياطين بلا شك. (ما أطغيته) ما أجبرته على الطغيان. (ولكن كان في ضلال بعيد) متهيئاً مستعداً لقبول ما ألقيته إليه.

28 ـ (قال لا تختصموا لديّ...) القائل هو الله سبحانه. والمعنى لا تختصموا لديَّ فلا نفع لكم فيه بعدما أبلغتكم وعيدي لمن أشرك وظلم.

29 ـ (ما يبدَّل القول لديَّ...) المراد بالقول: مطلق القضاء المحتوم الذي قضى به الله.

30 ـ (يوم نقول لجهنّم...) خطاب منه تعالى لجهنم وجواب منها.

31 ـ (وأُزلفت الجنّة...) وقربت الجنة يومئذ للمتّقين، حال كونها في مكان غير بعيد، أي هي بين أيديهم لا تكلف لهم في دخولها.

32 ـ (هذا ما توعدون لكلّ...) الإشارة إلى ما تقدّم من الثواب الموعود.

33 ـ (من خشى الرّحمن...) بيان لكل أوّاب. والخشية بالغيب: الخوف من عذاب الله حال كونه غائباً غير مرئي له.

34 ـ (ادخلوها بسلام ذلك...) ادخلوا بسلام، أي بسلامة وأمن من كل مكروه وسوء، أو بسلام من الله وملائكته عليكم، (ذلك يوم الخلود) بشرى يبشّرون بها.

 (511)

35 ـ (لهم ما يشاءون فيها...) إن أهل الجنة وهم في الجنّة يملكون كل ما تعلقت به مشيئتهم وإرادتهم كائناً ما  كان.

36 ـ  (وكم أهلكنا قبلهم...) التنقيب: السير. المحيص: المحيد والمنجا.

37 ـ  (إنّ في ذلك لذكرى...) إن فيما أخبرنا به من الحقائق وأشرنا إليه من قصص الأمم الهالكة، لذكرى يتذكر بها من كان يتعقّل.

38 ـ  (ولقد خلقنا السّماوات...) اللّغوب: التعب والنصب.

39 ـ  (فاصبر على ما يقولون...) قوله: (وسبّح بحمد ربّك)، أمر بتنزيهه تعالى.

40 ـ  (ومن اللّيل فسبحه...) ويقبل الانطباق على صلاتي المغرب والعشاء. (وإدبار السّجود) كأن المراد: بعد الصلوات.

41 ـ  (واستمع يوم يُنادِ...) المراد بنداء المنادي: نفخ صاحب الصور.

42 ـ  (يوم يسمعون الصّيحة...) بيان ليوم ينادي المنادي وكون الصيحة بالحق، لأنها مقضية قضاء محتوماً. (ذلك يوم الخروج) يوم الخروج من القبور.

43 ـ  (إنّا نحن نُحيي ونميت...) المراد بالإحياء: إفاضة الحياة على الأجساد الميتة في الدنيا. وبالإماتة: الإماتة في الدنيا وهي النقل إلى عالم القبر.

44 ـ  (يوم تشقّق الأرض...) تتصدع عنهم فيخرجون منها مسارعين إلى الداعي. (ذلك حشر علينا يسير) ما ذكرنا من خروجهم من القبور المنشقة عنهم سراعاً، جمع لهم علينا يسير.

45 ـ (نحن أعلم بما يقولون...) فاصبر على ما يقولون، فنحن أعلم بما يقولون، سنجزيهم بما عملوا.

«سورة الذّاريات»

بسم الله الرّحمن الرّحيم

1 ـ 4 ـ  (والذّاريات ذرواً فالحاملات...) الذّاريات: جمع الذّارية من قولهم: ذرت الريح التراب تذروه ذرواً إذا أطارته. والوقر: ثقل الحمل في الظهر أو في البطن. وفي الآيات إقسام بعد إقسام، فقوله: (والذّاريات ذرواً) إقسام بالرياح المثيرة للتراب. (فالحاملات وقراً) إقسام بالسفن الجارية في البحار بيسر وسهولة. (فالمقسِّمات أمراً) إقسام بالملائكة الذين يعملون بأمره فيقسمونه باختلاف مقاماتهم.

6 ـ  (إنّ ما توعدون لصادق...) جواب القسم، (وإنّ الدّين لواقع) معطوف عليه بمنزلة التفسير، والمعنى: أقسم بكذا وكذا إن الذي توعدونه ـ  وهو الذي يعدهم القرآن أو النبيّ صلى الله عليه وآله بما أنزل إليه  ـ من يوم البعث وأن الله سيجزيهم فيه بأعمالهم إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً لصادق، وإن الجزاء لواقع.

7 ـ  (والسّماء ذات الحبك...) الحبك بمعنى الحسن والزينة.

9 ـ  (إنّكم لفي قول مختلف...) قولهم المختلف في أمر القرآن. فتارة يقولون: إنه سِحر، وتارة يقولون: زجر، وتارة يقولون: القاء شياطين. (يؤفك عنه من اُفك) الإفك: الصرف.

10، 11 ـ  (قُتِلَ الخرّاصون الّذين...) المراد بالخراصين في الآية: القوالين من غير علم ودليل وهم الخائضون في أمر البعث والجزاء. (يسألون أيّان يوم...) قول قالوه على طريق الاستعجال استهزاءً.

13 ـ  (يوم هم على النّار...) يقع يوم الدين، أو هو واقع يوم الخراصون في النار.

14 ـ  (ذوقوا فتنتكم هذا...) يقال لهم: ذوقوا العذاب الذي يخصكم.

15 ـ  (إنّ المتّقين في جنّات...) بيان لحال المتقين يوم الدين.

 (512)

16 ـ (آخذين ما آتاهم...) قابلين ما أعطاهم ربّهم الرؤوف بهم.

17 ـ  (كانوا قليلاً من اللّيل...) الهجوع: النوم في الليل. وقيل: النوم القليل.

18 ـ  (وبالأسحار هم يستغفرون...) يسألون الله المغفرة لذنوبهم.

19 ـ  (وفي أموالهم حق...) الآية تبين خاصة سيرتهم في جنب الناس، وهي إيتاء السائل والمحروم.

20 ـ  (وفي الأرض آيات...) إشارة إلى ما تتضمنه الأرض من عجائب الآيات الدالة على وحدة التدبير.

21 ـ (وفي أنفسكم أفلا...) وفي أنفسكم آيات ظاهرة لمن أبصر إليها وركز النظر فيها أفلا تبصرون.

22 ـ  (وفي السّماء رزقكم...) المراد بالرّزق: المطر الذي ينزله الله على الأرض، فيخرج به أنواع ما يقتاتونه ويلبسونه وينتفعون به.

23 ـ (فوَ ربّ السّماء والأرض...) الحق: هو الثابت المحتوم في القضاء الالهي.

24 ـ (هل أتاك حديث...) إشارة إلى قصة دخول الملائكة المكرمين على إبراهيم عليه السلام.

25 ـ (إذ دخلوا عليه فقالوا...) قالوا نسلم عليك سلاماً. (قوم منكرون) لمّا رآهم استنكرهم.

26 ـ  (فراغ إلى أهله...) الروغ: الذهاب على سبيل الاحتيال على ما قاله الراغب.

27 ـ  (فقرّبه إليهم...) عرض الأكل على الملائكة وهو يحسبهم بشراً.

28 ـ (فأوجس منهم خيفة...) فلم يمدّوا إليه أيديهم، فلما رأى ذلك نكرهم وأوجس منهم خيفة.

29 ـ (فأقبلت إمرأته في...) فأقبلت إمرأة إبراهيم عليه السلام لمّا سمعت البشارة  ـ في ضجّة وصياح فلطمت وجهها وقالت: أنا عجوز عقيم فكيف ألِد؟ أو المعنى هل عجوز عقيم تلد غلاماً؟

30 ـ  (قالوا كذلك قال...) الإشارة بكذلك إلى ما بشّروها به.

31 ـ 34 ـ  (قال فما خطبكم...) قال إبراهيم عليه السلام (فما خطبكم) والشأن الخطير لكم (أيّها المرسلون) من الملائكة (قالوا) أي الملائكة لإبراهيم (إنَّا أرسلنا إلى قوم مجرمين) وهم قوم لوط (لنرسل عليهم حجارة من طين) طيناً متحجراً سماه الله سجيلاً (مسوّمة) معلمة (عند ربّك للمسرفين) تختص بهم لإهلاكهم.

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث