حياة الإمام الحجّة (عج)

 
 

مختصر من حياة إمام العصر والزمان الحجّة بن الحسن العسكري

(عجّل الله فرجه الشريف)

1ـ ولادته (عليه السلام): الأشهر في ولادته (عليه السلام) أنّها كانت في سنة (255هـ) وقيل (256) والمشهور أنّها كانت في ليلة الجمعة الخامس عشر من شهر شعبان المعظم وكانت ولادته في سامراء بالاتّفاق(1). واسمه وكنيته (عليه السلام) يُوافقان اسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكنيته ولا يجوز ذكر اسمه في زمن الغيبة والحكمة في هذا التحريم خافية وألقابه (عليه السلام) المهدي والخاتم والمنتظر والحجّة والصاحب.

أما أبوه فهو حجّة الله الإمام أبو محمّد الحسن العسكري (عليه السلام) وأمّا أمّه فهي الزكيّة الطاهرة مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم وأمّها من ولد الحواريين تنسب إلى شمعون وصيّ المسيح (عليه السلام) ولمّا أُسِّرت سمّت نفسها نرجس لئلا يعرفُها الشيخ الذي وقعت إليه. ولمّا اعتراها من النور والجلاء بسبب الحمل المنوّر سُمّيت صقيلاً(2).

وأمّا كيفية ولادته (عليه السلام) فرُوي عن حكيمة بنت أبي جعفر الجواد (عليه السلام) قالت: بعث إليّ أبو محمد الحسن بن عليّ (عليهما السلام) فقال: «ياعمّة اجعلي إفطارك الليلة عندنا فأنّها ليلة النصف من شعبان فأن الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجّة وهو حجته في أرضه» قالت: فقلتُ له: ومَن أمّه؟ قال لي: «نرجس». قلتُ له: جعلني الله فداك ما بها أثر فقال: «هو ما أقول لكِ». قالت: فجئتُ لمّا سلّمت وجلستُ جاءت تنزع خفي وقالت لي: ياسيّدتي كيف أمسيتِ؟ فقلتُ: بل أنت سيّدتي وسيّدة أهلي قالت: فأنكرت قولي، وقالت: ما هذا ياعمّة؟ قالت: فقلتُ لها: يابُنيّة إنّ الله تبارك وتعالى سيهبُ لكِ في ليلتك هذه غلاماً سيّداً في الدنيا والآخرة قالت: فجلست واستحت فلمّا أن فرغت من صلاة العشاء الآخرة أفطرتُ وأخذت مضجعي فرقدتُ. فلمّا أن كان في جوف الليل قمتُ إلى الصلاة ففرغت من صلاتي وهي نائمة ليس بها حادث ثم جلستُ معقّبة ثم اضطجعت ثم انتبهتُ فزعة وهي راقدة ثم قامت فصلّت ونامت.

قالت حكيمة: وخرجتُ أتفقّد الفجر فإذا أنا بالفجر الأوّل كذنب السرحان وهي نائمة فدخلني الشكوك فصاح بي أبو محمّد (عليه السلام) من المجلس فقال: «لا تعجّلي ياعمّة فأنَّ الأمر قد قرُب» قالت فجلستُ وقرأتُ الم السجدة ويس فبينما أنا كذلك إذ انتبهت فزعة فوثبتُ إليها فقلتُ: اسم الله عليك ثم قلتُ لها: أتحسّين شيئاً؟ قالت: نعم ياعمّة فقلتُ لها: اجمعي نفسك واجمعي قلبك فهو ما قلتُ لك.

قالت حكيمة: ثم أخذتني فترة وأخذتها فترة فانتبهتُ بحسِّ سيّدي فكشفتُ الثوب عنه فإذا أنا به (عليه السلام) ساجداً يتلقّى الأرض بمساجده فضممتُه إليّ فإذا أنا به نظيف منظّف فصاح بي أبو محمّد (عليه السلام): «هلمّى إليّ ابني ياعمّة» فجئتُ به إليه فوضع يديه تحت إليتيه وظهره ووضع قدميه على صدره ثم أدلى لسانه في فيه وأمرَّ يده على عينيه وسمعه ومفاصله ثمّ قال: «تكلّم يابُنيّ» قال: «أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريكَ له وأشهد أنّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله) رسول الله ثم صلّى على أمير المؤمنين وعلى الأئمة (عليهم السلام)» إلى أن وقف على أبيه ثم أحجم قال أبو محمّد (عليه السلام): «ياعمّة اذهبي به إلى أُمّه يسلم عليها وائتني به» فذهبتُ به فسلّم عليها ورددتُه ووضعته في المجلس ثم قال: «ياعمّة: إذا كان يوم السابع فأتينا»، قالت حكيمة: فلمّا أصبحت جئتُ لاسلّم على أبي محمّد (عليه السلام) فكشفت الستر لأتفقد سيّدي (عليه السلام) فلم أره فقلت له: جُعلت فداك، ما فعل سيّدي؟ فقال: «ياعمّة استودعناه الذي استودعته أُمّ موسى (عليه السلام)».

قالت حكيمة: فلمّا كان في اليوم السابع جئتُ وسلّمت وجلستُ، فقال: «هلمّي إليّ ابني» فجئت بسيّدي (عليه السلام) في الخرقة ففعل به كفعلته الأولى ثم أدلى لسانه في فيه كأنه يُغذّيه لبناً أو عسلاً ثم قال: تكلّم يابُنيّ، فقال: «أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وثنّى بالصلاة على محمّد وعلى أمير المؤمنين والأئمة صلواتُ الله عليهم أجمعين» حتى وقف على أبيه ثم تلا هذه الآية ((بسم الله الرحمن الرحيم  وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ)).(3)

وفي رواية أخرى فلمّا كان بعد أربعين يوماً دخلتُ على أبي محمد (عليه السلام) فإذا مولانا الصاحب (عليه السلام) يمشي في الدار فلم أرَ وجهاً أحسن من وجهه ولا لغةً أفصح من لغته فقال أبومحمّد (عليه السلام): هذا المولود الكريم على الله عزّوجلّ. فقلتُ: سيّدي أرى من أمره ما أرى وله أربعون يوماً فتبسّم وقال: «ياعمّتي أما علمتِ إنّا معاشر الأئمة ننشأ في اليوم ما ينشأ غيرنا في السنة» فقمتُ فقبلت رأسه وانصرفت ثم عدت وتفقدته فلم أره فقلت لأبي محمد (عليه السلام) ما فعل مولانا؟ فقال: «ياعمّة استودعناه الذي استودعت أم موسى»(4).

ورُوي عن محمد بن عثمان العمري (قدس الله روحه) قال: لمّا ولد الخلف المهديّ (صلوات الله عليه) سطع نور من فوق رأسه إلى عنان السماء ثم سقط لوجهه ساجداً لربّه تعالى ذكره ثم رفع رأسه وهو يقول: «أشهد أن لا إله إلاّ هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام» قال: وكان مولده ليلة الجمعة(5).

وعن نسيم الخادم، قالت: دخلتُ على صاحب الزمان (عليه السلام) بعد مولده بليلة فعطستُ عنده فقال لي: يرحمك الله، قالت نسيم: فرحت بذلك، فقال لي (عليه السلام): ألا أبشرك في العُطاس؟ فقلتُ: بلى قال: هو أمان من الموت ثلاثة أيام(6). وهناك معاجز باهرة ودلائل ظاهرة في ولادته (عجّل الله فرجه الشريف) تركناها للاختصار.

2ـ في ذكر بعض النصوص عليه (صلوات الله عليه): ذكر الشيخ الصدوق (رحمه الله) بإسناده عن جابر الجعفي، قال: سمعتُ جابر بن عبدالله الأنصاري يقول: لمّا أنزل الله عزّوجلّ على نبيّه (صلّى الله عليه وآله) ((ياأيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)) قلت: يارسول الله عرفنا الله ورسول فمن أولي الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال (صلّى الله عليه وآله): «هم خلفائي ياجابر وأئمة المسلمين بعدي أولّهم عليّ بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم عليّ بن الحسين ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر وستدركه ياجابر فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام ثم الصادق جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم عليّ بن موسى ثم محمد بن علي ثم عليّ بن محمد ثم الحسن بن عليّ ثم سميّي وكنيّي حجّة الله في أرضه وبقيّته في عباده ابن الحسن بن علي ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلاّ من امتحن الله قلبه للإيمان. قال: فقال جابر: يارسول الله فهل ينتفع الشيعة به في غيبته؟ فقال (صلّى الله عليه وآله): إي والذي بعثني بالنبوّة إنهم لينتفعون به ويستضيئون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن جلّلها السحاب ياجابر هذا مكنون سرّ الله ومخزون علمه فاكتمه إلاّ عن أهله»(7).

3ـ في ذكر مَن رآه (عليه السلام): روى الصدوق باسناده عن محمّد بن معاوية بن حكيم ومحمّد بن أيّوب بن نوحٍ ومحمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنهم) قالوا: عرض علينا أبو محمّد الحسن بن علي (صلوات الله عليهما) ابنه (عليه السلام) ونحن في منزله وكنا أربعين رجلاً فقال: هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم أطيعوه ولا تتفرّقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم أمّا إنّكم لا ترونه بعد يومكم هذا قالوا: فخرجنا من عنده فما مضت إلاّ أيّام قلائل حتّى مضى أبومحمّد (صلوات الله عليه)(8).

وعن عليّ بن عبد الله الورّاق عن سعد عن أحمد بن إسحاق قال: دخلتُ على أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليهما السلام) وأنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده فقال لي مبتدئاً: «ياأحمد بن إسحاق إن الله تبارك وتعالى لم يخلُ الأرض منذ خلق آدم (عليه السلام) ولا تخلو إلى يوم القيامة من حجّة لله على خلقه به يُدفع البلاء عن أهل الأرض وبه ينزل الغيث وبه يخرج بركات الأرض» قال، فقلتُ: ياابن رسول الله فمَن الإمام والخليفة بعدك؟ فنهض (عليه السلام) مُسرعاً فدخل البيت ثم خرج وعلى عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر ليلة البدر من أبناء ثلاث سنين فقال «ياأحمد بن إسحاق لولا كرامتُك على الله عزّوجلّ وعلى حججه ما عرضتُ عليك ابني هذا، إنه سميّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكنيّه الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً».

ياأحمد بن إسحاق: «مثله في هذه الأمة مثل الخضر (عليه السلام) ومثله كمثل ذي القرنين، والله ليغيبنّ غيبةً لا ينجو فيها من الهلكة إلاّ مَن يثبّته الله عزّوجلّ على القول بإمامته ووفّقه فيها للدعاء بتعجيل فرجه».

قال أحمد بن إسحاق: فقلت له: يامولاي هل من علامةٍ يطمئن إليها قلبي؟ فنطق الغلام (عليه السلام) بلسان عربي فصيح فقال: «أنا بقية الله في أرضه والمنتقم من أعدائه فلا تطلب أثراً بعد عين ياأحمد بن إسحاق»، قال أحمد بن إسحاق: فخرجتُ مسروراً فرحاً. فلمّا كان من الغد عدتُ إليه فقلتُ له: ياابن رسول الله لقد عظم سروري بما أنعمت به عليّ فما السنّة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين؟ فقال: «طول الغيبة ياأحمد» فقلتُ له: ياابن رسول الله وإنّ غيبته لتطول؟

قال: «إي وربّي حتّى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به فلا يبقى إلاّ من أخذ الله عزّ وجلّ عهده بولايتنا وكتب في قلبه الإيمان وأيّده بروح منه».

ياأحمد بن إسحاق: «هذا أمر من الله وسرّ من سرّ الله وغيب من غيب الله فخذ ما أتيتك واكتمه وكن من الشاكرين تكن معنا غداً في عليّين»(9).

ورُوي عن إمامنا الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «والله ليغيّبن إمامكم سنيناً من دهركم ولتُمحصنّ حتى يُقال: مات أو هلك بأيّ وادٍ سلك ولتدمعنّ عليه عيون المؤمنين»(10).

4ـ ابتداء غيبته الصغرى وأسبابها: تبدأ الغيبة الصغرى للإمام المهدي (عليه السلام) بعد شهادة والده الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وذلك في الثامن من ربيع الأول عند الصباح من سنة 260هـ وتولي الإمام المهدي (عليه السلام) الإمامة وقد بدأ الإمام المهدي (عليه السلام) غيبته بالإيعاز بنصب وكيله الأوّل وهو الشيخ الموثوق الوجيه عثمان بن سعيد العُمري نسبةً إلى جدّه عند التقائه بوفد القميّين قبل الظهر من نفس اليوم الذي استشهد فيه الإمام العسكري (عليه السلام) وانتهت هذه الغيبة بوفاة السفير الرابع والوكيل الموثوق أبي الحسن عليّ بن محمّد السمري في النصف من شعبان سنة 329هـ وهي سبعون عاماً حافلةً بالأحداث الجسام انتقل فيها التأريخ الإسلامي من عقده الثالث إلى عقده الرابع. وانتقلت الوكالة الخاصة أو السفارة عن الإمام المهدي (عليه السلام) بين أربعة من خيار خلق الله وخاصته هم: «عثمان بن سعيد العمري وابنه محمد بن عثمان والحسين بن روح وعليّ بن محمد السمري رضي الله عنهم جميعاً».

وأما السبب في غيبته (عليه السلام) فيجيبنا عنها الإمام الصادق (عليه السلام) حيث يقول: «إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لابدّ منها يرتاب فيها كلّ مُبطل» فقلتُ له: ولم جُعلت فِداك؟ قال: «لأمرٍ لم يؤذن لنا في كشفه لكم»، قلتُ: فما وجهُ الحكمة في غيبته؟ قال: «وجهُ الحكمة في غيبته، وجه الحكمة في غيبات مَن تقدّمه من حجج الله تعالى ذكره إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلاّ بعد ظهوره كما لم ينكشفِ وجه الحكمة فيما أتاه الخضر (عليه السلام) من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى (عليه السلام) إلاّ وقت افتراقهما. ياابن الفضل: إنّ هذا الأمر أمر من أمر الله وسرّ من سر الله وغيب من غيب الله ومتى علمنا أنه عزّوجلّ حكيم صدقنا بأنّ أفعاله كلّها حكمة وإن كان وجهها غير منكشف لنا»(11).

وبعد انتهاء غيبته الصغرى وذلك بوفاة النائب الرابع السمري ـ عليه الرحمة ـ ابتدأ تاريخ الغيبة الكبرى وذلك سنة 329هـ ق.

5ـ ابتداء الغيبة الكبرى: ابتداء تاريخ الغيبة الكبرى للإمام (عليه السلام) بانتهاء الغيبة الصغرى بالإعلان الذي أعلنه الإمام المهدي (عليه السلام) عام 329هـ بانتهاء السفارة وبدء الغيبة التامّة وأنّه لا ظهور إلاّ بإذن الله تعالى وهذا الزمان يمتدّ إلى يومنا هذا  فنحنُ إلى الآن نعيش هذا الزمان الغيبة الكبرى الذي ينتهي بظهور الإمام (عليه السلام) فيملأها قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظُلماً وجوراً.

6ـ علامات ظهوره (عليه السلام): قد جاءت الأخبار متواترة بذكر علامات لزمان ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) ونحن نُذكرها هنا على نحو ما ذكره المؤرخون من علمائنا (قدس سرهم) فمنها: خروج السفياني وقتل الحسني واختلاف بني العبّاس في الملك الدنياوي وكسوف الشمس في النصف من شهر رمضان وخسوف القمر في آخره على خلاف العادات وخسف بالبيداء وخسف بالمغرب وخسف بالمشرق وركود الشمس من عند الزوال إلى وسط أوقات العصر وطلوعها من المغرب وقتل نفس زكيةٍ بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين وذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام وهدم سور الكوفة وإقبال رايات سود من قبيل خراسان وخروج اليماني وظهور المغربي بمصر وتملكه للشامات ونزول الترك الجزيرة ونزول الروم الرملة وطلوع نجم بالمشرق يضيء كما يُضيء القمر ثم ينعطف حتى يكاد يلتقي طرفاه وحُمرة تظهر في السماء وتنتشر في آفاقها ونار تظهر بالمشرق طولاً وتبقى في الجوّ ثلاثة أيام أو سبعة أيام وخلعُ العرب أعنّتها وتملّكها البلاد وخروجُها عن سُلطان العجم وقتل أهل مصر أميرهم وخراب الشام وإختلاف ثلاثة رايات منه ودخول رايات قيس والعرب إلى مصر ورايات كندة إلى خراسان وورود خيل من قِبل المغرب حتى تربط بفناء الحيرة وإقبالُ رايات سُود من المشرق نحوها وفتق في الفرات حتى يدخل الماء أزقة الكوفة وخروج ستين كذاباً كلّهم يدّعي النبوة وخروج آل أبي طالب كلّهم يدّعي الإمامة لنفسه، وإحراق رجل عظيم القدر من شيعة بني العبّاس بين جلولاء وخانقين وعقد الجسر مما يلي الكرخ بمدينة السلام وارتفاع ريح سوداء بها في أوّل النهار وزلزلة حتى ينخسف كثيرٌ منها وخوف يشمل أهل العراق وموت ذريع فيه ونقص من الأنفس والأموال والثمرات وجراد يظهر في أوانه وفي غير أوانه حتى يأتي على الزرع والغلات وقلة ريع لما يزرعه الناس وإختلاف صنفين من العجم وسفك دماء كثيرة فيما بينهم وخروج العبيد عن طاعة ساداتهم وقتلهم مواليهم أو مسخ لقوم من أهل البدع حتى يصيروا قردةً وخنازير وغلبةُ العبيد على بلاد السادات ونداء من السماء حتى يسمعه أهل الأرض كلّ أهل لغةٍ بلغتهم ووجه وصدر يظهران من السماء للناس في عين الشمس وأموات يُنشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون فيها ويتزاورون ثم يختم ذلك بأربع وعشرين مطرةً تتصل فتحي بها الأرض من بعد موتها وتعرف بركاتها وتزول بعد ذلك كلّ عاهة عن معتقدي الحق من شيعة المهدي (عليه السلام) فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة فيتوجهون نحوه لنصرته وهذه العلامات بعضها من المحتوم والبعض الآخر من المشروط.

7 - زمان ظهوره (عليه السلام): ذكر بعض الأكابر أنّ السنة التي يقوم فيها الإمام (عليه السلام) واليوم الذي يقوم فيه قد جاءت فيه آثار عن الصادقين (عليهما السلام). فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «لا يخرج القائم (عليه السلام) إلاّ في وتر من السنين: سنة إحدى، أو ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع». وعنه (عليه السلام) أيضاً قال: «ينادي باسم القائم (عليه السلام) في ليلة ثلاث وعشرين ويقوم في يوم عاشوراء وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين بن علي (عليهما السلام) لكأني به في يوم السبت العاشر من المحرم قائماً بين الركن والمقام جبرئيل (عليه السلام) على (يده اليمنى) ينادي: البيعة لله فتصير إليه شيعته من أطراف الأرض تُطوى لهم طيّا ًحتى يبايعوه فيملأ الله به الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً».

وقد جاء في الأثر أنه (عليه السلام) يسير من مكة حتى يأتي الكوفة فينزل على نجفها ثم يفرّق الجنود منها في الأمصار.

وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «كأني بالقائم (عليه السلام) على نجف الكوفة قد سار إليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله والمؤمنون بين يديه وهو يُفرّق الجنودَ في البلاد».

وفي رواية أخرى عنه (عليه السلام) قال: «يدخل الكوفة وبها ثلاثُ راياتٍ قد اضطربت فتصغو (فتصفو) له ويدخل حتى يأتي المنبر فيخطب فلا يدري الناس ما يقول من البكاء فإذا كانت الجمعة الثانية سأله الناس أن يصلّي بهم الجمعة فيأمر أن يُخط له مسجد على الغري ويُصلّي بهم هناك ثم يأمر مَن يحفر من ظهر مشهد الحسين (عليه السلام) نهراً يجري إلى القريتين حتى ينزل الماء في النجف ويعمل على فوهة القناطير والأرجاء فكأني بالعجوز على رأسها مِكتلٌ فيه بُرٌّ تأتي تلك الأرجاء فتطحنه بلا كراء» وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إذا قام قائم آل محمّد (عليه السلام) بنى في ظهر الكوفة مسجداً له ألف باب، واتصلت بيوت أهل الكوفة بنهري كربلاء»(12).

وأمّا مُدّة حكم الإمام (عليه السلام): قد وردت الأخبار بمُدّةٍ مُلك الإمام وحُكمه (عليه السلام) وأيامه فقد روى عبدالكريم الخثعمي قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): كم يملك القائم (عليه السلام)؟ قال: «سبع سنين تطولُ له الأيام والليالي حتى تكون السنة من سنيه مقدار عشر سنين من سنيكم فيكون سنو مُلكه سبعين سنةٍ من سنيكم هذه وإذا آن قيامه مطر الناس جمادي الآخرة وعشرة أيام من رجب مطراً لم يرَ الخلائق مثله فينبت الله به لحوم المؤمنين وأبدانهم في قبورهم فكأني أنظر إليهم مقبلين من قبل جهينة ينفضون شعورهم من التراب»(13).

وفي رواية أخرى رواها المفضل بن عمر قال: سمعتُ أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «إن قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربّها واستغنى الناس عن ضوء الشمس وذهبت الظلمة ويُعمر الرجل في ملكه حتى يولد له ألف ذكرٍ لا يُولد فيهم أُنثى وتظهر الأرض كنوزها حتى يراها الناس على وجهها ويطلب الرجل منكم مَن يصله بماله ويأخذ منه زكاته فلا يجد أحداً يقبل منه ذلك استغنى الناس بما رزقهم الله من فضله»(14).

8 - سيرته (عليه السلام) عند قيامه: وأمّا سيرتُه (عليه السلام) عند قيامه وطريقةُ أحكامه فقد جاء في ذلك أكثر من أثر منها: ما رواه المفضل بن عمر الجعفي قال: سمعتُ أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «إذا أذن الله عزّ اسمه للقائم في الخروج صعد المنبر فدعا الناس إلى نفسه وناشدهم بالله ودعاهم إلى حقّه وأن يسير فيهم بسيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويعمل فيهم بعمله فيبعث الله جلّ جلاله جبرئيل (عليه السلام) حتى يأتيه فينزل على الحطيم يقول له: إلى أيّ شيء تدعو؟ فيخبره القائم (عليه السلام) فيقول جبرئيل: أنا أول مَن يبايعُك أبسط يدك فيمسح على يده، وقد وافاه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاُ فيبايعوه ويقيم بمكّة حتى يُتم أصحابه عشرة آلاف نفسٍ ثم يسير فيها إلى المدينة»(15).

وروي «أنه إذا قام القائم (عليه السلام) حكم بالعدل وارتفع في أيامه الجور وآمنت به السُّبُل وأخرجت الأرض بركاتِها ورُدَّ كلُّ حقٍّ إلى أهله ولم يبق أهل دينٍ حتى يُظهروا الإسلام ويعترفوا بالإيمان أما سمعت الله تعالى يقول: ((وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)) وحكم بين الناس بحكم داود وحكم محمّد (عليهما السلام) فحينئذٍ تُظهر الأرض كنوزها وتُبدي بركاتها فلا يجد الرجل منكم يومئذٍ موضعاً لصدقته ولا لبرّه لشمول الغنى جميعَ المؤمنين»(16).

وروي أنه ليس بعد دولة القائم (عليه السلام) لأحد دولة إلاّ ما جاءت به الرواية من قيام ولده إن شاء الله ذلك ولم ترد به على القطع والثبات وأكثر الروايات أنّه لن يمضي مهديّ هذه الأمة (عليه السلام) إلاّ قبل القيامة بأربعين يوماً يكون فيها الهرج وعلامة خروج الأموات وقيام الساعة للحساب والجزاء(17).

9 - وظيفة شيعته في زمن غيبته (عليه السلام): هناك عدّة وظائف ينبغي للشيعة مراعاتُها في زمن غيبته (عليه السلام) حتى يحظوا بقبوله ورضاه (عليه السلام) نذكر بعضها على سبيل الاختصار.

منها: التسليم والانقياد وترك الاستعجال في ظهوره (عليه السلام). وأن نصله بأموالنا ونتصدق عنه بقصد سلامته (عليه السلام)، ومعرفة صفاته والعزم على نصرته والتألم لفراقه (عليه السلام) وطلب معرفته (عليه السلام) من الله عزّ وجلّ واعطاء القرابين نيابة عنه بقدر الاستطاعة، وعدم ذكر اسمه وهو نفس اسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والقيام احتراماً عند ذكر اسمه وخصوصاً لقب «القائم». وإعداد السلاح للجهاد بين يديه والتوسل به (عليه السلام) في المهمّات وإرسال رسائل الاستغاثة له (عليه السلام) والصلاة عليه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وذكر فضائله ومناقبه (عليه السلام) ودعوة الناس لمعرفته وخدمته وخدمة آبائه الطاهرين والاهتمام بأداء حقوقه (عليه السلام) والدعاء لأنصاره وخدّامه ولعن أعدائه والتوسل بالله تعالى لأن يجعلنا من أنصاره ورفع الصوت بالدعاء له (عليه السلام) وخصوصاً في المجالس والمحافل العامّة والطواف حول الكعبة المشرفة نيابة عنه (عليه السلام) والحجّ عنه (عليه السلام) وتجديد العهد والبيعة له (عليه السلام) في كل يوم أو في كل وقتٍ ممكن وزيارة مراقد الأئمة الأطهار عنه (عليه السلام) وتكذيب مَن يدّعي النيابة الخاصة عنه (عليه السلام) في هذا الزمـان ـ زمان الغيبة الكبرى ـ . وعدم تعيين وقت لظهوره (عليه السلام) والتقية من الأعداء والتوبة الحقيقية من الذنوب وعدم قسوة القلب بسبب طول غيبته (عليه السلام) والاهتمام في اكتساب الصفات الحميدة والأخلاق الكريمة وأداء الطاعات والعبادات الشرعية واجتناب المعاصي والذنوب التي نُهي عنها في الشرع المقدّس. وقرأه دعاء الندبة المتعلّق به (عليه السلام) في يوم الجمعة وعيد الغدير وعيد الفطر وعيد الأضحى. وزيارته خصوصاً في يوم الجمعة المخصّص له (عليه السلام).

والبكاء على فراقه ومصيبته (عليه السلام)(18) لما ذكرناه في أول الكلام من حديث الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال: «والله ليغيبنّ إمامكم سنيناً من دهركم ولتمحصنّ حتى يُقال: مات أو هلك بأيّ وادٍ سلك ولتدمعنّ عليه عيون المؤمنين». بلى والله وقد دمعت عيون الكثير من المؤمنين.

«ليت شعري أين استقرّت بك النوى أم أي أرضٍ تقلّك أو ثرى، أبرضوى أم غيرها أم ذي طوى عزيزٌ عليّ أن أرى الخلق ولا تُرى ولا أسمع لك حسيساً ولا نجوى... .

متى ترانا ونراك وأنت تؤم الملأ..»(19).

اصــاحـب  الـعـصر أدركـنـا      فليس لنا وردٌ هنيئ ولا عيش لنا رغدُ
طـالت لـيال الانـتظار فـهل iiيابن      الـزكـيّ لـلـيلِ الانـتـظار iiغـدُ
      فـاكحل بـطلعتك الـغراء لـنا iiمقلاً      يـكاد يـأتي عـلى إنـسانها الـرمدُ
(20)

 اللَّهم عجِّل فرجه وسهِّل مخرجه

واجعلنا حال ظهوره في خير وعافية

                                       إعداد الشيخ كاظم البهادلي


(1) كمال الدين وتمام النعمة: 424 والأرشاد 2 : 339.
(2) بحار الأنوار 51 : 335.
(3) كمال الدين وتمام النعمة: 425.
(4) كشف الغمة 3 : 304.
(5) مدينة المعاجز 8 : 38.
(6) الغيبة (للطوسي): 332.
(7) كمال الدين وتمام النعمة: 253.
(8) كمال الدين وتمام النعمة: 384.
(9) كمال الدين وتمام النعمة: 385.
(10) الأمامة والتبصرة: 125.
(11) علل الشرائع 1 : 246.
(12) الأرشاد 2 : 380.
(13) الأرشاد 2 : 381.
(14) بحار الأنوار 52 : 337.
(15) بحار الأنوار 52 : 337-338.
(16) الارشاد 2 : 284.
(17) كشف الغمّة 2 : 266.
(18) تقدم عن الأمامة والتبصرة: 125.
(19) مقطع من دعاء الندبة انظر كتاب المزار (للمشهدي): 580.
(20) مقطع من قصيدة للسيد رضا الهندي (رحمه الله) انظر رياض المدح والرثاء: ص91.
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث