الرسالة بين الإمام والنصير(*)
إنّ دور الشخص الثاني في مسيرة الدفاع عن الرسالة
دور هام وجدّي ؛ ألا ترى كيف أنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) كان
دوره العظيم في الدفاع عن الإسلام ، وعن القرآن ، وعن رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) دوراً أساسيا ؟ وكذلك كان دور أبي الفضل العباس (عليه السّلام)
بالنسبة إلى أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وكما كان دور مالك الأشتر
للدفاع عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) .
وفيما يتّصل في حياة الأنبياء كان هكذا دور هارون
بالنسبة إلى موسى بن عمران (عليهما السّلام) .
إنّ الشخص الثاني في مسيرة الرسالة حينما يذوب
وينصهر في شخصية القائد الأوّل ويدافع عنه ، ويبالغ في احترامه ونصرته
والنصيحة له ، يضرب المثل الصالح للآخرين ، ولما يجب أن يكونوا عليه تجاه
القائد .
فلقد ضرب الإمام علي (عليه السّلام) أروع الأمثلة
للمنهج الذي كان ينبغي للمسلمين أن يتعاملوا به مع رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) , وهذا كان أمراً مهماً ؛ لأنّ الناس يمكنهم أن يقتدوا برسول
الله (صلّى الله عليه وآله) في اُمور كثيرة ، ما عدا أمر واحد ، وهو كيفية
احترام الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) ، ونوعية الدفاع عنه ، ومنهجية
التعامل معه .
ففيما يتّصل بهذا الجانب تحتاج الاُمّة إلى قدوة
عملية ، وكان الإمام علي (عليه السّلام) هو ذلك القدوة ؛ حيث علّم الناس
كيفية التعامل مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وكيف ينبغي احترام
مقامه ، وكيف ينبغي أن يفديه المسلم بنفسه كما فداه (سلام الله عليه) في
ليلة الهجرة حينما نام في فراشه و ... و... إلخ .
ولولا الإمام علي (عليه السّلام) وهذه المنهجية لم
يعلم المسلمون كيف يتعاملون مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ولعلهم
كانوا يرفعون أصواتهم فوق صوته ، ويتقدّمون عليه ، وربما يخاطبونه كما
يخاطب بعضهم بعضاً .
وقد مرّت سنوات عدّة على رحيل رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) , وسئل الإمام علي (عليه السّلام) : لم لا تختضب ؟ فقال (عليه
السّلام) : (( نحن في عزاء رسول الله )) .
وقبيل شهادته يسأله الأصبغ بن نباته : أنت أفضل أم
محمّد ؟ فيقول الإمام علي (عليه السّلام) له : ((
أنا عبد من عبيد محمّد )) .
لقد كان الإمام علي (عليه السّلام) تجلّياً لشخصية
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأخلاقه وعلمه ، وآية لصدق رسالته ،
ومبالغاً في الدفاع عن رسالته . وهكذا كان سيدنا العباس (عليه السّلام)
بالنسبة إلى أخيه وإمامه , وحجّة الله عليه , والسبط المنتجب الحسين (عليه
السّلام) .
كان العباس (عليه السّلام) فقيهاً من فقهاء أهل
البيت (عليهم السّلام) ، وكان القائد الشجاع , والكريم المضياف ، والعــابد
الزاهد ، وكان بالتالي شخصية متكاملة من جميع الجهات ، ولكنه كان منصهراً
في شخصية أخيه الحسين (عليه السّلام) ، ومبالغاً في طاعته والنصيحة له ،
وهكذا عرف الناس كيف ينبغي أن يتعاملوا مع الإمام (عليه السّلام) .
لقد عرّفهم عملياً مقام أبي عبد الله الحسين (عليه
السّلام) ؛ ذلك لأنّ أكثر الناس لا تسمو البصيرة بهم إلى معرفة مقام الأئمة
المعصومين (عليهم السّلام) ومقام ولايتهم .
وهكذا نجد النبي موسى (عليه السّلام) يدعو ربه أن
يجعل له وزيراً من أهله ؛ حيث يذكر لنا القرآن ذلك بالقول :
(قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي
أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي *
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ
أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)(طه/ 25 ـ32) .
وهكذا علينا أن نفقه مقام الأئمة المعصومين (عليهم
السّلام) ، ومَن نصبهم الأئمة من العلماء الربّانيِّين ، نفقه مقامهم ،
ومنهج التعامل معهم من خلال معرفة سيرة أبي الفضل العباس (عليه السّلام) ؛
ذلك لأنه لا يسمو كلّ الناس إلى مستوى القيادة ، ولكن كلّ الناس يتعاملون
مع القيادة .
وأبو الفضل العباس (عليه السّلام) يعطيك المنهج
الأمثل في الدفاع عن الدين ، وعن أهل بيت الرسالة ، وعن القيادات الشرعيّة
التي فُرض عليك طاعتهم واتّباعهم والدفاع عنهم . وهذا درس عظيم نتعلّمه من
أبي الفضل ، وإنّه لدرس هام ؛ لأنه يساهم في بناء التجمع الرسالي والبنيان
التوحيدي بناءً رصيناً , قوياً قادراً على تحدّي أعاصير الفتنة وعواصف
الشهوات .
فسلام الله عليك يا أبا الفضل العباس يوم ولدت
للدفاع عن الحسين (عليه السّلام) , ويوم استشهدت في سبيل الإسلام تحت راية
الحسين (عليه السّلام) ، وحين تُبعث حياً مع الحسين (سلام الله عليكما
ورحمته وبركاته) .
(*) تجدر الإشارة إلى أنّ هذا المقال قد اُخذ من موقع مؤسسة السبطين
العالمية ـ بتصرّف من موقع معهد الإمامين الحسنين (عليهما السّلام)
|